الأربعاء، 26 أكتوبر 2016

التطرف يرسم صورا كاريكاتيرية عن الله والنبي

التطرف يرسم صورا كاريكاتيرية عن الله والنبي

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) يوسف محمد بناصر:

فلسفة الاقصاء تقوم على أن المختلف أو المخالف لا مكان له في دائرة الوجود، لأن وجوده يسبب التشويش والتشكيك وسيكون صوتا مسموعا للكثيرين ومزعجا لغيره.

إن فلسفة الاغتيال عند المتطرفين تقوم على أسس أيديولوجية ونفسية لا يمكن التنبؤ بها، لأنها تبقى متوارية إلى أن تظهر مفاجئة المقربين والمتتبعين. إنها تتأسس على استراتيجية التخويف وافشاء الرعب على أوسع نطاق، وجعل أفراد المجتمع يعيدون التفكير في تفاصيل العلاقات التي تجمعهم بالكثير من أقربائهم وجيرانهم؛ لأن وباء التطرف فايروس عندما يصيب أحدهم ينمو في صمت بين الأقفاص الصدرية ويتناسل بين الأفكار السوداوية لأي كائن انساني. والذين يعانون من ثقل الدوغما المغلقة على ذاتها والمغلفة بكثير من المزايدات، مستعدون للقيام بأي شيء من أجل نصرة منطقهم ورسالتهم.
إن انتشار فلسفة الوثوقية عند المتطرفين والتزامهم بالحد الأقصى من التماهي مع مفهوم الواجب، سواء كان دينيا محضا أو أيديولوجيا صرفا، يجعل خروجهم كل لحظة بسلوكيات شاذة وبمواقف متطرفة قضية مبدئية ومسألة فيها الكثير من الاقتناع بكونهم يسطِّرون تاريخا مثاليا!

إنهم يؤمنون بكونهم يقودون الإنسانية نحو مسار يمحو كل بؤس وتيه وانحراف يمكن أن تشهده الأمم المعاصرة لسبب من الأسباب، وأنهم أمر السماء ويد القدر لتغيير كل هذه الانحرافات الطارئة على المجتمعات وتحقيق بشارة تطهير الأرض من الدنس ثم تحقيق الخلاص الفردي بالصعود إلى الجنة!

اغتيال ناهض حتّر، مثلا، مهما كانت دوافعه يبقى مأساة في قافلة المآسي التي تهب على هذه الأمة من مختلف البقاع. إن هذا الفعل الشنيع يسيء إلى الذات الإلهية أكثر مما ظن هؤلاء أن الكاتب الأردني ناهض أساء إليها. فهُم يغتالون الإنسانية والعقل ويُسخرون كل أدوات مجهوداتهم لقهر إرادة الانسان في أن يكون حرا متطلعا مستقلا ومبدعا. يوجهون رصاصاتهم لكل الضمائر الحية والقلوب المتوهجة بالإيمان المصدق بصفات الله العليا وأسمائه الحسنى.

عن الكاتب: يوسف محمد بناصر، باحث وكاتب مغربي، نشر له عدة بحوث وشارك في تأليف أكثر من كتاب. يعمل باحثا في مركز الدكتوراه جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال في المغرب.
***
مصدر خارجي للمقال:
http://www.irfaasawtak.com/archives/36078

السبت، 8 أكتوبر 2016

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج3.

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج3.
**
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي


أصبح الفكر المتطرف في السياق الحضاري الإسلامي “لاهوت تحرير” في نسخته الإسلامية بعد النسخة المسيحية، وإرهاصات هذا المشروع كانت بداياتها منذ حرب أفغانستان، رغم أنه كان موجها ضد التوسع السوفياتي إلا أنه كان يحمل بين طياته بذور الاستقلال بالقرار وفاعلية ذاتية تخرجه من دائرة التحكم إلى دائرة المبادرة والارتداد ليكون منزعه داخليا بعدما كان خارجيا/ هجوميا بعدما كان دفاعيا. وقد وقع الأمر فيما بعد في جمهوريات أسيا السوفياتية ثم بعدها بالصومال والبلقان فالعراق ثم سوريا..، وبقية الدول “الشرق-أوسطية” منتظرة على اللائحة.

إن استضافة المعسكرات والقواعد الأجنبية في مناطق جغرافية دينيا يمثل سببا تحفيزيا لنمو التطرف، وإذكاء الشعور بعودة الاستعمار للمنطقة خصوصا أنه لم يمر على استقلال أغلب دولها أقل من نصف قرن، والذاكرة لا تزال تنبض بمرارة الأحداث الماضية، مسترجعة صور الاستغلال والتدخل في مختلف شؤون المنطقة الداخلية، وما كرسته ثقافة المستعمر في المجتمع الذي كان مؤسسا على ثقافة القبيلة المتماسكة والممتدة في جغرافية غير محدودة، ليجد هذا المجتمع نفسه منكمشا، قد فتته المستعمر ليسهل فيما بعد هضمه أو توزيعه في دويلات متصارعة ليتم ابتزازها.



إن إشكالية العدل وكيفية تصريفه يمثل جزءا مهما في فلسفة الفكر السلفي الجهادي، لأن مقابله الظلم والمظلومية في بعض الأحيان، يدفع للعمل في الظلام وفي الدهاليز، ورفض كل أساليب تدبير قيمة العدالة، حتى لو كان المجتمع في قمة تمثله لقيمة العدل وتُصَرَّف فيه العدالة بمثالية، وكذا غيرها من القيم. فالوسيلة مهما ارتقت في نظرهم سواء كانت شورية أو ديمقراطية لا تحقق المقصود الذاتي للقيم المنشودة، لأنها منشودة لذاتها وفق تصور مثالي كامل، وأي وسيلة لتصريف هذه القيم إنما هي وسيلة تشويه وتحريف، فكأنهم يودون أن لا تكون هنالك وساطة بينهم وبين السماء، بل تتجلى قدرة ومشيئة السماء بذاتها وبإرادة مطلقة فلا تترك للناس خيارا للتفكير أو التدبير أو الخطأ. فهم يودون أن يروا تدخل “الله” مباشرة في الحياة الدنوية، كما تدخل في حياة أقوام لينزل عقابه أو ليوجههم بشكل مباشر[إنقاذ الأقوام السابقة وبعض معجزات الرسل أو إهلاك البعض الآخر..]، فلا وساطة بل هي حاكمية إلهية مطلقة لا حاكمية بشرية. أما القانون البشري النسبي فلا معنى له كما لا معنى للتنظيمات والتوصيفات التي يتوسلها المجتمع الإنساني للتنظيم وتحقيق القيم المتعاقد عليها فيما بينهم، فكل هذه المفاهيم ومعها المؤسسات هي طارئة تبعد المؤمن الحقيقي عن الفهم الصائب، بحسب تصورهم لمشيئة السماء التي يجب أن تتحقق. وحادثة ذو الخويصرة وقصته مع النبي الأكرم في التاريخ الإسلامي خير شاهد على أن هذه الفئة تبحث عن أفق يتجاوز التفسير الواقعي للنصوص والمفاهيم، كأنهم يقولون للنبي المرسل والمسدد بالوحي بأنهم أكثر تفسيرية للدين ومقاصده منه، متجاوزين تجربته ووساطته لينفتحوا مباشرة على مراد السماء والمعاني الذاتية للوحي. وما حدث فيما بعد من غيره من الخوارج من مناظرات وحروب ضد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب يفسر بوضوح تلك العلاقة المستشكلة بين من يستوعب الدين في جزئياته ويعقل مقاصده الكبرى وبين من يتدين بعاطفته ويرتبط بظاهرية النصوص وأحكامها فهما وتنزيلا، ويرفض التأويل وبحث مناطاتها. وهذه العلاقة المعقدة بين المفاهيم وتمثلاتها الواقعية شائكة، ولاتزال في حاجة إلى تحقيق لأنها تضع المعرفة الفقهية وأحكامها في مأزق ومساءلة دائمة.

إن تفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية الحديثة المتعلقة بالعنف الديني لا يتوقف على جمع ملخصات النشرات الإخبارية ولا تتبع ما تقدمه البرامج الحوارية من معلومات، بل الظاهرة أعقد من ذلك كله وتحتاج لمراكز بحثية تتصف بالدقة المنهجية والعلمية، لأن موضوع البحث يعد إشكالية بنيوية مركبة، يختلط فيها ما هو روحي/اجتماعي بما هو نفسي/تاريخي واقتصادي بما هو سياسي، والنفوس البشرية ليست في الأخير على طبيعة واحدة ولا على نمط معرفي مضبوط، لتتمكن المناهج والبحوث المخبرية من استيعابه، بل لابد أن تستحضر كافة المناهج وتتكامل الرؤى لتكون النتائج قريبة من رصد حقيقة هذه الظاهرة، وهذا الأمر يصعب عمل الباحثين ويجعلهم كل مرة يستأنفون عملهم لدراسة –ربما- نفس الحالة مرارا وتكرارا. وتبقى “الظاهرة الداعشية” ومثيلاتها، رغم ما سبق الإشارة إليه من صعوبات حول آلية دراستها، ظاهرة غير عصية على الفهم، فإمكانية استيعابها وفهم آلية عملها وتفكيك مرجعيتها الفكرية والعقدية ممكنة، لأنها في النهاية تبقى حركة تاريخية وتنظيما بشريا، يتقفى أثر السابقين وتبني طموحاتها وانجازاتها على سلسلة من الإخفاقات والمشاريع المعطلة تاريخيا. ويبدو أن هذه الحركات “امبريا-دينية” تبحث لها عن لحظة تغفل فيها الحداثة لتستعيد نهضتها وتقوم بإتمام مشروعها التاريخي. ليبقى إيمان الناس وسلامتهم الروحية عرضة للقرصنة كل مرة من طرفهم، فهم يجعلون شعاراتهم البراقة حول العدل والرخاء والسعادة الأبدية تعلو أعلامهم، ويعاد مصادرة الإيمان وتقديمه بصور “بئيسة” للعموم وفق رؤيتهم للوجود، وكيف لا تكون لمفهوم الإيمان كل هذه القيمة والبريق وهو يعتبر قنطرة الخلاص الأبدي ! من يستحوذ عليه يقطع الطريق على البقية الأخرى، ليقع بعض السذج ضحية إيمانهم وتتيه البقية في بحور القلق والريبة وغياب المعنى.
* كاتب وباحث مغربي
///

نشر المقال بمنبر الحرية:


http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9547

الأحد، 11 سبتمبر 2016

عالمنا المعاصر والتحولات الصعبة، “العنف المنظم أنموذجا”

عالمنا المعاصر والتحولات الصعبة، “العنف المنظم أنموذجا”

بقلم :د.يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

يقتضي مبدأ التعقل الإنساني في العصر الحاضر، أن ننظر إلى كافة الصراعات والنزاعات الدموية التي تظهر في بقع مختلفة من أنحاء العالم على أنها؛ صيرورة سلبية، ترافق الخلق الإنساني منذ بدء التاريخ، فرغم ما توصل إليه الإنسان من علوم وقوانين وما أبدعه وصاغه من أخلاقيات ومعارف، وما حققه من عمران بشري وصناعي وما مر به من تنوير ونهضة…، لم يستطع بعد هذا “الكائن البائس” أن يضع حدا لنزاعاته ونزواته البدائية، والحادة في كثير من الأحيان، فالعنف في عقيدته وفكره وسلوكه أمسى شيئا طبعيا  أكثر منه تطبعي، ربما لذلك لم يستطع التخلص منه، فهو يمارس العنف غالب نهاره في أنحاء مختلفة من المدن والحواضر والأمكنة والشوارع وحتى في عمله وداخل منزله، بل في كل يوم يتلذذ الناس بمشاهدة أفلام الرعب، والحركة”الأكشن”، والمصارعة في التلفزيون وهم يتناولون وجبة العشاء، ولهم معها موعد أسبوعي على شاشات السينما، فيغذون مخيالهم بها، مما يزيدهم مراكمة للسلوك العنفي، ويزيد غريزتهم تعطشا للبحث عن الإشباع السلوكي؛ فيقعون ضحية الاستدراج، ليمارسوا العنف في أي وقت وفي أي مكان عندما تسنح لهم الفرصة لذلك.
لقد كان النظام الإنساني الاجتماعي والأخلاقي، محصلة تراكم التجارب والتوافقات في التجمعات وبين الأفراد على مر العصور، فأغلب النظم التي تحكم عالمنا اليوم، إنما هي خلاصات التجارب الإنسانية في التاريخ، فتلك التجمعات قامت بصياغة تصورات مشتركة عن الأنظمة والأخلاق، لتحكمها وتحتكم إليها، وتربط بعضها ببعض بها على أساس التضامن والعدل، وتحفظ بها تجمعاتها من الفوضى واللانظام بكل تجلياتهما.
فنزوع الكائن الإنساني نحو تحقيق مشترك أخلاقي واجتماعي، كان الهدف منه تحقيق الإستقرار أولا، ثم التعايش بين مختلف أفراده، بله والتجمعات الأخرى، وتدبيره الخلافات والاختلافات، فوضعت أنظمة تحافظ على روح الوحدة والتكافل الأمني والروحي والاقتصادي والأخلاقي وغيرها، ولم تكن هذه الأهداف المسطرة، وليدة لحظة معينة في التاريخ أو طفرة وقعت، بل كانت نتيجة تراكمات لسنوات ولأجيال متعاقبة، وهي أيضا نتيجة إحساس بالنقص، والحاجة للانضباط لأخلاق الجماعة ولروحها، بعدما تم تأسيس أول مجتمع بشري، وكانت غايته تحقيق الدفء الجماعي وإشباع روح الفرد.
إن ما بني اليوم من ثقافة السلم والسلام في المجتمعات المعاصرة واعتبر مكسبا معرفيا وسياسيا واجتماعيا، كان نتيجة قوة إرادة الفرد والمجتمع الانساني في كبح جماح الانفلاتات الطارئة في السلوك الإنساني؛ والتي تستهدف حرية الإنسان ومكتسباته الثقافية والسياسية والاقتصادية. ولم يكن الفرد وحده هو الذي يهدد ذاك الاستقرار بل كان تغول الدولة ومؤسساتها والتنظيمات الأيديولوجية وانتشار الشطط في استعمال السلطة بسبب الفساد في النظام بقطاعاته الحيوية وتأفف المواطنين من المعاملات اليومية مع الإدارات العمومية، كل هذه العوامل ترسخ السخط في أوساط المواطنين من أجل الانتفاضة بدرجات متفاوتة وبتلقائية ضد كل أشكال القمع والتجاوزات، ولا يمكن أن تصبح انتفاضتهم ذات تأثير كبير إلا إذا كانت خارج بعض المؤسسات خصوصا منها النقابية، حينها يعبر الأفراد بحماسة ودون خلفيات تحد من إرادة ثورتهم؛ إنهم يعبرون عن مطالبهم في الحرية والعدالة والرخاء، وقد تكون هذه المطالب موجودة ولكن وقع عليها المصادرة أو الانتهاك بسبب انحراف في تأويل الدساتير المنظمة للمجتمع والعلاقات والسلط، وهي أنماط متسلسة ومتناسقة من التعاقدات الاجتماعية والسياسية الملزمة التي إذا فسدت فسد كل شيء. وقد تكون الثورة بسبب فشل في وضع القوانين أو سوء تدبير أو فشل في تدبير الحكم أو فساد وممارسة بيروقراطية للسلطة .
إن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المعاصر، يدفع بعجلة العلم نحو أفق أرحب لخدمة الناس، ويعدهم بتحقيق مزيد من الازدهار والرخاء والسلم، ولكن لابد من التذكير بأن التاريخ الإنساني عرف منحى مضطربا أيضا، فمع كل ازدياد للتطور والازدهار والرفاهية وحياة المتع والترف؛ تتوالد في أذهان بعض الساسة والمؤدلجين والبيروقراطيين مخططات معقدة لارتكاب مزيد من الجرائم في حق شعوبهم، فيستغلون منابرهم وعلاقاتهم وأحزابهم ومنظماتهم وإعلامهم..، وتظهر جماعات الفوضى واللااستقرار التي تنتعش من الفوضى وتغتني منها، ويتناسل العنف باعتباره تعبيرا مضادا ورد فعل طبيعي، ليتخذ أشكالا مختلفة، ينتظم في الأرياف والضواحي والأحياء المهمشة، لينمو متجسدا في أفكار يمينية ويسارية متطرفة، ويمتد هذا العنف زاحفا على المؤسسات في أجندة وبرامج سياسية حماسية “فاشيستية” غير معقلنة، وتستغل هذه الفئات المنافذ الديمقراطية والروح الليبرالية للمجتمع لتنشر عقائدها وعداءها لفكر التنوير والاختلاف، فتمتد شرعيتها وتكتسب المشروعية مما بقي من منافذ مؤسساتية، لتصبح اجماعا وطنيا نافذا وتكون “دوغما مغلقة” ليؤمن بها الجميع ويستعد الجميع لفدائها، وربما الوضع الأوربي وما يحدث من نقاشات مجتمعية وسياسية حول “الوحدة الأوربية” و”مسألة المهاجرين” و” تدبير الأزمة الاقتصادية” وغيرها كلها توحي بأن القادم صعب.
إن الترف والازدهار كما التخلف والجهل لهما ضريبتهما الأخلاقية والنفسية والأمنية، وما يحدث اليوم من ظهور لحركات النازية الجديدة وصعود اليمين المتطرف وتناسل الحركات الجهادية بمختلف مسمياتها، وتنامي الحس العنصري والانشغال بتعزيز الهويات الثقافية والعرقية والمذهبية في أنحاء أوربا وأمريكا، وفي مختلف مجتمعاتنا العربية، كل ذلك نذير شؤم على أن الاستقرار الإنساني مهدد، ولا يمكن وصفه إلا بكونه نوعا من الاضطراب الذي أمسى يزعج عالمنا اليوم، ويشكل تهديدا للسلم الاجتماعي والسياسي والأمن الروحي وحريات الأفراد والفكر لجميع المجتمعات. إنه في الأخير؛ ضوء أحمر على أن التنوع الإنساني في المجتمعات الإسلامية والغربية قد انتكس، وأن قبول الاختلافات ومحاولة تدبيرها مهما كانت صورتها أضحى ركنا منهارا وفلسفة باهتة، إنها صورة قاتمة -ويا للأسف- لما يشهده عالمنا من تحولات صعبة وعنيفة قد تنحو به إلى مزيد اضطراب على المستوى الاجتماعي والقيمي والاقتصادي، مما يجعل ما راكمته الإنسانية من فكر تنويري وتراث عقلاني وروح إبداع ومكاسب جمة على جرف هار.
*كاتب وباحث مغربي
منبر الحرية، 10 سبتمبر/أيلول 2016
رابط الموقع: http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9533

الأربعاء، 15 يونيو 2016

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج2.

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج2.
****

يوسف محمد بناصر    
باحث مغربي
***


لقد سبق وان اعتبر الإمام علي –كرم الله وجهه- فئة الخوارج بغاة وخواطئ، وعندما قارنهم بغيرهم من مخالفيه اعتبرهم طلاب حق فقال:”ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه”، واليوم تلعب هذه الفئة على مشاعر المؤمنين بادعاء استرجاع القيم الراشدة التاريخية وبتمثل الحكم السديد، وذهنية المؤمن أمَدُها لا يستوعب مآل تعاطفه الروحي مع قضايا تتعلق بمعتقده، لأن ذاكرته تقتصر على الحلم بتحقيق مشروع الخلافة المؤجل والتي ستأتي لتوفر الموعود من رخاء وعدل ومساواة..، ونرجسية المؤمنين المجروحة حول هذه المفاهيم المأزومة حينئذ ستتحفز النفوس فتسقط في فخ الانتماء لا شعوريا للدعوة المتطرفة والتعاطف مع مشروعها. هذا المدخل النفسي والروحي الخطير هو الآن في قبضة الحركات المتطرفة، تفتحه في وجه المثقفين والأميين وهم سيان، أهل دار الإيمان أو المهاجرين لدار الكفر – بتعبيراتهم-. وهذا ما يفسر كذلك تلك “الهجرة المبهمة والمعكوسة” لبعض الشباب المثقف من مختلف الدول سواء كانت عربية إسلامية أو غربية لمناطق النزاع في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان..، فمفتاح تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية يتوقف على الاستعداد للارتماء في أحضان إحدى تلك الحركات. والاتصالات المعولمة تلعب دورها اليوم كوسيلة لتأجيج هذا الاختراق وتوسيع نطاق المتعاطفين والـمُـستقطَبين، لأن الوعود المثالية بتحقيق جنة أرضية تجد لها دائما آذانا صاغية ثم بعدها حصادا من اليائسين من ذوي النوايا الحسنة. وتنهار لحظتها ثقافة الإنسان عاجزة عن الممانعة أو تنشيط الوعي النقدي لدى هذا الكائن البائس، وتكتفي بتوريطه في دور التابع والمبرر، فتتحول الثقافة والفكر إلى عنصر مميت وقاتل. والتحاق بعض العلماء أو ذوي الشهادات العليا من مختلف التخصصات العلمية والأدبية بمعسكر الحركات المتطرفة؛ يعد لحد الآن في عيون بعض المحللين مسألة مستغربة ومبهمة لا يجدون لها التفسير المناسب. ولكن إذا قمنا باستقراء التاريخ الإسلامي الحديث وما طرأ عليه من استعمار وأنظمة استبدادية وتمزق طائفي وانتشار للأمية، واعتمدنا على تفسير وفهم لصيرورة التحولات الاجتماعية والسياسية الطارئة في المجتمع الإسلامي المعاصر في علاقته مع الحضارة الحديثة وحنينه الدائم للماضي، سنقترب من الإمساك بالخيط الناظم، ونفكك آلية الاشتغال التي تعتمدها التنظيمات المغلقة في التعبئة والاستقطاب، فلا فرق بين متعلم وجاهل في لحظة حماسة واستجابة لنداء مقدس. إنهم ينسجون لعبتهم على مختلف التناقضات ويحركون الحمية الدينية ويموقعونها في لحظة تاريخية، فهم كمن يضبط ساعة يده على توقيت بلد يقوم فيه بالسياحة، بحيث يجد الفرد نفسه يتمثل عصرا غير عصره وبطولة موهومة ليست له، وكل زعمه أنه يحقق مجد الأجداد والسلف، ولو تطلب الأمر أن يستنهض قدراتهم مرة أخرى من رفاتهم الأبدي، ليحقق النصر بتفاصيله الدقيقة والمملة في لحظته هو وزمانه الواقعي. فلا تفكير ولا مراجعات لتفاصيل الدعوة ومصاديقها أو لخلفيتها العقدية أو الاجتماعية أو السياسية، بالنسبة لهم إنما هو تصديق وإيمان،تنفيذ للأوامر، ثم نصر أو شهادة. وانتشار عمليات التفجير الذاتي للنفوس يعد في هذا الباب خير مثال على أن المنتمين للتنظيمات الإرهابية يلغون ذواتهم ومصالحهم وكل عواطفهم مصدقين ومدركين أن مقصدهم المثالي لا يقارن بتحقيق أي هدف مادي أو معنوي آخر، وهذا لا يكون إلا إذا تجلى لهم أن كل شيء باطل ولا قيمة له أمام الـمـــُثل العليا التي يسعون إلى تحقيقها.
قد حدث في التاريخ الإسلامي أن ناظر عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي[61ه /101ه،] الخوارج في زمانه، فاستخدم في حواره معهم الحجج التي يقرون بصحتها، فحاججهم بسلوك من يعترفون به كأبي بكر[ت،13ه] وعمر[23ه]، وبلال بن مرداس [ت 61 هجرية] وعبد الله بن وهب الراسبي أبرز قادتهم، فبين أخطاءهم بشهادتهم على أنفسهم، فرجع منهم الباحث عن الحق إلى الرشد وبقي المتعصبون على رأيهم، واستولى على عقول ونفوس الخوارج عبارات اللعن والتكفير والبراءة وطلبوا من عمر أن يقر بها في حق أهل بيته، وإلا فلا التقاء بينهما، فلم يجزع ولم يفزع الخليفة عمر، بهذا الطلب الصعب الخاطئ بل صبر وضبط نفسه وحاور القوم بالحجج الدامغة فهو طبيب يبتغي العلاج وليس جزارا يريد سفك الدماء. صورة أولئك تبقى مستعادة اليوم ببؤسها المعنوي والمادي، وخصوصا أن وسائل الميديا اليوم توثق الجرائم بالصوت والصورة، وما أرتكب من تقتيل وهتك للأعراض وتدمير للإرث الحضاري والإنساني من متاحف وآثار للدول والحضارات القديمة، يصعب على العقل أن يتصوره وأن يتقبله، ومناظرتهم اليوم حول صوابية أفعالهم بعد كلما ما حدث لا قيمة لها، وقد سبق أن فعلت هيئات إسلامية ذلك في وقت سابق مع تنظيم طالبان، لحظة إقدامهم على هدم تمثال بوذا التاريخي بأفغانستان، فلم يحفز ذلك قدراتهم الإدراكية لمراجعة مواقفهم من العنف والعلاقة مع الغير وأهمية الحفاظ على الإرث الحضاري المشترك، ولن يحفز كذلك قدرات هؤلاء الجدد من المتطرفين؛ لأخذ قسط من سكينة للتفكر والتدبر في مآلات سلوكاتهم البدائية واللاحضارية والمأساوية على مستقبل الإنسانية جمعاء…
*كاتب وباحث من المغرب.
منبر الحرية، 13 يونيو/حزيران 2016
رابط المقال:

http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9498

الجمعة، 25 مارس 2016

culture of violence and non-violence in Islamic thought

ثقافة العنف واللاعنف في الفكر الإسلامي

بقلم: يوسف محمد بناصر- باحث مغربي
الملخص:

يعتبر العنف مشكلة ثقافية واجتماعية انسانية امتدت عبر التاريخ، وتعقدت مع اختلاط العنف بالمقدس، وتورط الفهم السيء للدين والتأويل المختلط بالنزعة الايديولوجية والعقائد المغلقة بمضامين بعض النصوص الدينية، وقد خاضت الثقافة والحضارة الاسلاميتين تجربة تاريخية مع مختلف أشكال العنف الديني عبر فترات الصعود والانحطاط، فانبثقت فرق اسلامية أسست رؤاها السياسية على السلوك العنفي بعد أن عززته بخلفية دينية، ولايزال ذلك يؤثر على التاريخ الاسلامي سلبا لأنه أمسى مرجعية معتمدة عند بعض الجماعات الجهادية المعاصرة.

إن مواجهة العنف الديني لا تكون إلا بالمعرفة والتربية على حرية الفكر والضمير والارشاد للإبداع بدل السقوط في فخ الرجوع المكثف للعقل الماضوي، وهذا الرجوع يعني السقوط المتكرر على عتبات أحداث مأساوية تاريخية؛ باستعادة بعضها بما تتضمنه من ثقل على المستوى العاطفي والروحي والمعرفي والسلوكي. إن العمل على تنمية القيم الروحية وتوسيع آفاق التواصل والتعارف يمكن المجتمع المسلم من تجاوز ثقافة الانغلاق التي سقط صريعا بسببها لمدة الاستعمار، فأنتجت لديه الاحساس بالكراهية والبغض وثقافة الالغاء وعدم الاعتراف كردة فعل فيما بعد.

يعد العمل السلمي واللاعنفي كما تدبير الحوار والصراع ثقافة غير معترف بها إلى الآن؛ في ظل سياق مجتمع يعيش على العنف والتطرف وتصاعد الكراهية بين مختلف مكوناته العرقية والمذهبية والسياسية..، والعمل على تجاوز هذه السلبيات وتشكيل ذلك الوعي والثقافة لا يكون إلا بإعادة قراءة النصوص الدينية بعقلية مستوعبة لتحديات العصر ومشكلاته المعقدة، ويمكن تعريف تلك القراءة بأنها هي القدرة على امتلاك معرفة لا تتحيز للماضي وعقل تنويري نقدي لا يتعامل مع النصوص دون منهجية مقاصدية مع انفتاح على انتاجات المعرفة الانسانية والاستفادة منها دون توجس وبمختلف مجالاتها.

إن مختلف الثقافات الانسانية تعيش على وقع عنف في غالب الاحيان تكون خلفيته دينية، والمعرفة والمجتمع الاسلاميين ليسا بدعا عن تلك الثقافات، ويبقى السبيل للتحرر من هذه الرذيلة أن تتظافر جهود الباحثين والمربين والمفكرين بمختلف تخصصاتهم لتأسيس بيداغوجيا تصحح بعض المفاهيم والسلوكات التي تبقي حجم ثقافة العنف متضخمة ونابضة في المجتمع، مما قد يساعد على تجفيف منابعه وتعويضه بثقافة التعايش والسلم والمعرفة والقدرة على الانفتاح والتواصل، وبناء جيل مستقبلي يطمح للسلام ويخدمه ويسمو بروحه وسلوكه ومعرفته حتى يصل للكمال الإنساني والحضاري.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا
http://www.mominoun.com/articles/categories/11

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج1.

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج1.

************
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث مغربي


إن المتمعن في قراءة التحولات الكبرى في المجتمع الإسلامي سواء على المستوى السياسي والفكري والأخلاقي…، لما بعد الخلافة الراشدة، يستنتج أن العنصر المهم الأبرز في ظهور الفكر السياسي الإسلامي يعود إلى انفجار العنف، أو ما بات يعرف بزمن الفتنة وما بعدها، هذه الفترة التاريخية القلقة والعصيبة في التاريخ الإسلامي لا تزال تمتد ضاربة بجذورها ورامية بظلالها على أغلب مراحل الحاضر، وقد يكون لها امتداد أوسع على مستقبل الأمة، ومآلاته لا تبشر بخير إلى الآن.
إن العقيدة المتطرفة ما كانت لتنمو لولا غياب الفكر النقدي وحرية التعبير عن الأفكار، ثم يأتي غياب وسائل تدبير الاختلاف والحكم في المرتبة الثانية، وهذه الأسباب الخطيرة، هي ما كان يؤطر مجموع عقائد الفرق المتطرفة على مدى التاريخ الإسلامي، ابتداء بالخوارج وانتهاء بالفكر “الداعشي” اليوم.
إن استعادة الخلافة الراشدة وإسقاط الحكم الظالم،كما سبق أن تصوره الخوارج لا يكون إلا بالسيف، وخاصة بعد قيام وراثة الملك وسقوط الخلافة الشورية ، وهنا يتقاطع وينسجم التصور السلفي الجهادي المبني على خلفية تاريخية مثالية للدين والتدين مع من سبقهم من الخوارج، مما يجعل من الاستحالة بمكان تفكيك بنية تفكيرهم أو تغيير تصوراتهم لما يجب أن يكون عليه الواقع المعاش في اتساقه مع مفهومات الدين وتمثلاته الحياتية، لتعجز مناهج التفكير أمام وثوقية الدوغما المغلقة. ومناورة التأويل في هذا المجال الحساس تبقى “خطا أحمرا” يربك العقل، لما قد يتسبب فيه هذا الأمر من خلخلة لمناهج التفكير الديني في السياق المعرفي الإسلامي الكلاسيكي. إن هذا التوصيف ينطلق من قراءة واعية للانقسامات المتطرفة والعقائد المتناقضة التي احتضنتها هذه الثقافة منذ فترة الانفتاح على الثقافات المجاورة في الصدر الأول من الإسلام. والتناقض الفكري الذي تلبس نصوص بعض المفكرين الرواد في مجال الفقه وعلم الكلام والتصوف، وفي بعض الأحيان ما وقع من تناقضات منهجية وعقائدية لدى بعضهم الآخر له دور أساسي في إظهار طوائف متطرفة في مختلف العصور وفي مختلف التوجهات. وترجع بعض الأسباب الأخرى إلى بساطة بنية العقل العربي الذي تنزل فيها النص المؤسس، وعدم استيعابها الكامل لمختلف المضامين التي تختزلها الرسالة القرآنية، ثم مدى استيعابها تحول المعاني من بنية اجتماعية إلى أخرى. كما أن وقوع حوادث سياسية عظام في خضم التجربة الإسلامية كالفتنة وغياب رؤية سياسية ناضجة للدولة الإسلامية واغتيال أغلب “الخلفاء الراشدين” ثم إغلاق التجربة السياسية الفتية بسيطرة فكرة التوريث والتسلط ثم ملاحقة المعارضين –من فقهاء أو فلاسفة وساسة – للقضاء عليهم من طرف الحاكم المتغلب؛ كل هذا ساهم في بلورة دوائر عقدية مغلقة، تستقطب بجاذبية مقولاتها ومثالية طروحاتها كل المهمشين والتائهين والمارقين وبعض المؤلفة قلوبهم من ذوي المصالح العرقية والمذهبية من مختلف الأقطار. لتُكَون لنا طائفة من المؤمنين المنساقين وراء شعارات طغت عليها المثالية متجاوزة بها البناء النموذجي الذي رسخه الرسول الأكرم في مجتمعه والذي يتسم باتساق منهجه مع الواقع، لتقدم هذه النزعات المتطرفة بدائل تعدها أرقى؛ لتتجاوز بها كل ما سبقها من التجارب. فكانت هذه الطوائف التي كرست أنموذجها المثالي بالعنف مستعدة لتعيش تناقضاتها المركبة متحدية كل القيم في صورتها التاريخية، وهي اليوم ووفق النموذج الذي ندرسه تتحدى الحداثة وقيمها.
إن “النموذج الداعشي” قد قوى فرصته لاستعادة نموذجه التاريخي، والمتمثل في استمداده من لحظات الإشراق الديني والسياسي في الحضارة الإسلامية بكل تفاصيلهما، ابتداء بالتقسيمات الإدارية والتوصيفات الشرعية وتركيبات مفاهيم السياسة الشرعية والآداب السلطانية وانتهاء ببنية الخطاب السلفي المستعاد بشكل انتقائي وفظيع من مرجعيات ومصادر فقهية محددة. بحيث يتم الترويج لخطابها كل مرة في الأشرطة المسجلة، وفي كل ما تبثه قنوات هذه الحركة المتطرفة وغيرها كوسيلة للدعاية لمواقفها ولتوضيح أيدلوجيتها.
إن تعريف البراديغم يتلخص في توفر عناصر متشابهة في موضوعات مختلفة، وبناء عليه فإن عنونتنا للدراسة بـ”البراديغم الداعشي..” يلخص ما تتضمنه من أفكار وتصورات حول كيفية تفكير هذه الفئة والبنية المعرفية التي تتحرك ضمنها وسياقها التاريخي والثقافي، وسنحاول أن نحفر في التأويلات الممكنة وغير الممكنة في بعض النصوص والمرجعيات التي تعد مؤطرا منهجيا لرؤاها، ودافعا معرفيا ونفسيا مؤسسا لها، حتى تظهر بمظهر المُخَلّص على مدى فترات تاريخية متلاحقة وفي مختلف الجغرافيات الإسلامية في العهود الماضية. وهي اليوم بدأت تتحرك مع بوصلة العولمة وتبيء مفهوم الشركة العابرة للقارات في قاموسها وتهاجر به إلى حقل الإرهاب الديني العابر للقارات، فلم تعد الجغرافية تحديا أو جدارا مانعا لمزيد زحف وصعود وتوسع شبيه بـ”حركة امبريا-دينية” تقوم بها هذه التنظيمات داخل أوطان مستقلة خارقة كل ما تدعيه هذه الأوطان من حماية أمنية ومخترقة مجتمعاتها ثقافيا ودينيا/روحيا وسياسيا.
تعتبر الحركات الإجتماعية المتطرفة ظاهرة سوسيولوجية على مر التاريخ، وغالبا ما تلتحف بعض الحركات منها بالمقدس لما له من أهمية بالغة في التجيش وخلق حالة النفير، بلا مقدمات معقدة ولا أجندة منطقية، فكل ما عليها هو الاستعانة بالنصوص المقدسة وانتقاء منطقة التوتر التي تسمح بجعلها أيقونة الحراك والاستقطاب الجماعي وإثباتها كهدف منشود، وبطبيعة الحال تلعب المواعظ دورا حاسما كما الاستدلال بلحظات مظلومية المرجعيات التاريخية أو بالتذكير بنبوؤات تبشر بها بعض الآثار حول تحقق مفاهيم إطلاقية كالعدل الكامل والدين الكامل والمجتمع المثالي والخلافة التي تطبق فيها إرادة ” الله” وحاكميته بلا تحيزات، ولتنزل أحكامه لتحل محل الإرادة البشرية وقوانينها الوضعية..، هذه السلسلة المدروسة من الأفعال المحبوكة والمركبة من الناحية التصورية، تجعل الأتباع يستجيبون للنداء ولا تبقى لهم لحظة للتفكير أو النقد أو حتى الاستيعاب، مادامت الفكرة مشرقة وتستند إلى المقدس وتدور في دائرة نصرته وإعلائه فلا مجال للتأخر. وإذا كان المحضن متوفرا فلا يبقى غير الاستجابة لمن تمت مبايعته على “السمع والطاعة” والثقة به فيما يتخذه من قرارات في المنشط والمكره، فيجد المجند نفسه في علاقة حميمية ودفء سيكولوجي مع إخوته ممن لبى النداء معه، فيقع في لا وعيه أن ما يعيشه من حماسة للفكرة هو حقيقة واقعية متمثلة في واقعه بتمامها، ولا مجال للشك أو الارتياب، وأن المشكك بعد هذا اليقين الجازم إنما يسبح ضد التيار ويعيش في أوهام شيطانية زعزعت يقينه وإيمانه، مما يتطلب إما الدعوة في مرحلة أولى ثم التصفية إن رفض التوبة، ولو كان من أقرب المقربين. واستعادة شكل المحاسبة ومظهر إنزال العقاب يبقى أمرا شكليا مادام التاريخ يتضمن الكثير من الأمثلة الواضحة والتي كان عليها وفاق ولها حجية معتبرة؛[ كالصلب أو القتل والـمُــَثْلَة والحرق..]، ولا حاجة لكثير إبداع. ويكفي أن تزين الأفعال ببعض الأدلة الشرعية، ليظهر الأمر للمُعَاقِب والمعاقَب بأنه تنفيذ لأمر السماء، فيتقبلها المؤمن وغيره بشيء من الرضا كأنه قضاء وقدر. وهذا واضح وجلي في المشاهد المفزعة التي تبثها قنوات ما يسمى بــ” الدولة الإسلامية بالعراق والشام” والتي تستعمل هذا الأسلوب بقوة لغرض تمييز صفها ومشروعها عن بقية الأطراف المتطرفة، وفي بعض الأحيان لتزايد على غيرها بشرعيتها ومشروعية سلطتها، وليتسق موقفها مع بنية الخطاب الذي تستقيه بعناية من نصوص تاريخية، وتنتقيه بدهاء عقدي وسياسي خبيث. وقد دفع هذا الفعل بتنظيم “الجبهة الشامية” وهو طرف منافس لـ”داعش” إلى إصدار شريط دعائي ضد هذه الأخيرة، سمته:” مسلمون لا مجرمون” في يوم07 دجنبر 2015م، هذا الشريط يهدم تصور الإخوة الأعداء عن مفهوم الجهاد والقتال ومعاملة الأسرى، كما يستبطن منهجية استثنائية تزعزع براديغم الحركات المتطرفة التي تشتغل في دائرة ضيقة مفاهميا وروحيا، بحيث لا يسمح سقف تنظيرها جميعا، ببناء تصور مغاير عن الفعل العنفي بمختلف مسمياته، خصوصا أنه يعد ممارسة طقوسية فريدة وبدائية عند أغلبهم، والذي من بين تمظهراته اعتبار الكائن البشري قربانا للإله. وأظن أن عرض الشريط بتلك الدقة والخلفية الإعلامية الدعائية المحترفة لا يخرج الجبهة من دائرة الفكر المتطرف، وستعتبره الأطراف الأخرى حيلة مدروسة دعائيا وإعلاميا، الغرض منه هو إعادة التموقع في خط يظهر “الجبهة الشامية” بأنها أكثر حكمة ورزانة وأقل تعطشا للدماء أو لاصطياد الضحايا أو الابتزاز بهم، وأن مشروعها السياسي والعقدي له سمات مميزة تخالف بقية أطراف المعارضة التي لها نفس التوجه.
* كاتب من المغرب.
منبر الحرية، 31 يناير/كانون الثاني 2016
***
رابط البحث:

http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9427

السبت، 5 ديسمبر 2015

حلقات فيض الأحوال....

فيض الأحوال:...: حال"الانتظار المنقذ أو الجحيم، بين التكفيرية والحداثة والتقنية...!":08

******
سبق وأن اكد شيخ العارفين أن"..من طلب الله بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك." وحالنا اليوم تبحث عن المنقذ، لتطغى فكرة المهدوية مرة أخرى على وجداننا، وان كان لابد منها، فارجو ان يستعاد العبد الصالح باستراتيجيته التي تشكل فقاعة يهبها العقل لأنها تطفو على معارفه الظاهرة، ولا يفجرها غير أهل الكشف الذين تحلوا بحال التهيؤ وحبَّسوا أنفسهم في مقام الانتظار محتسبين ذلك العمل فضيلة العارف الحق. لانه في هذا العصر،تتوحد التكفيرية بمسمياتها "الصلبة" و"السائلة" مع التقنية بآلتها الجهنمية ليصنعوا لنا هذا العالم ويشكلوا آلهة تصادر العالم لها لتبتلعه في لحظة غياب العقل أو عبثيته القصوى،إن تقنية ما بعد الحداثة وسطوة الدين يشكلان في هذا العصر "لعنة أطلنتيس" حيث يغرق العالم الاسطوري في لحظة هيجان شهواني طارئ،و المنقذ من اللعنة بحسب هيدغر كذلك هو الإنتظار، فحينما سُئل عما إذا كان للفلسفة من دور تلعبه في عالم يطحنه طغيان العولمة التقنوية، أجاب بـ"أن مهمة الفلسفة تنحصر في إعدادنا لانتظار إلهٍ، هو وحده القادر على إنقاذنا من الهول المنتظر". انتهى كلامه. إن المتلاعبين بالضمائر وبالعقول لا يكتفون أبدا من محاولة إفراغ كل شيء من المعنى، أو بتعبير نيتشه حين تصبح العدمية فاعلة، أي تتحول فيما بعد إلى أفق، وأنا أرى أن أملهم أن يكون كل العالم متجهما مغفلا فاقدا للإيمان، لتسكنه أشباحنا المثقلة بالضياع والارتياب والاستعداد للموت لإله اللاشيء. 
***** توقيعي