الاثنين، 21 فبراير 2022

الإبداع والتفكير النقدي في المدن الهامشية. ..الحركة الفكرية بأكادير


الإبداع والتفكير النقدي في المدن الهامشية. ..الحركة الفكرية بأكادير

بقلم: د. يوسف محمد بناصر* باحث وكاتب مغربي


 ربما يكون العنوان عتبة أو مقدمة لدراسة اجتماعية وثقافية لما تفرزه الحركة الثقافية ببعض المدن المغربية غير المركزية أو التي تسعى الثقافة الرسمية أو بالأحرى المؤسسات الثقافية الرسمية لتسويقها بكونها مجرد هامش مظلم ومسيج بالجهالة، وعلى أن المدن المركزية والقريبة من القرار السياسي أيقونات الإبداع والثقافة ومنها تشرق شمس المعرفة والمبدعين. إن مدينة أكادير عاصمة سوس العالمة عبر مراحل تاريخية كانت مصدر مزاحمة ثقافية ومنافسة قوية لمدن شامخة كفاس ومراكش والرباط..، لما تقدمه هذه المدينة من عناوين وما تثيره من أسئلة وما تولده من قامات ومبدعين، ولكنها للأسف عاشت نوعا من الحصار الثقافي والتهميش الممنهج؛ الذي قدمها لأهلها وللغرباء على أنها مدينة السياحة وشجرة الأركان والشمس الدافئة..، وقد انطبق هذا الوصف عليها مكرهة، وصدق الكثير من أبناء المدينة وغيرهم هذا النعت والتمييز غير العادل، ومؤخرا بدأت المدينة تنتفض وتعيد الحياة لنبع المعرفة الذي كاد ينضب فيها وتنمو الانشطة الثقافية في فضاءاتها، كأنها طائر فنيق أصيل لا يرضى أن يموت في أرض الغرباء ، وبه كبرياء يمنعه من أن يعيد الحياة لنفسه ويغير من طبعه، ولا يقبل على نفسه الأوصاف التي لا تليق بتاريخه الأسطوري. لقد بدأ جيل من الشباب من أهل المدينة يقدم للمكتبة الوطنية والدولية عناوين مهمة من كتب نقدية وفلسفية وروايات وأوراق علمية جادة ومميزة.

وبرزت أسماء وصالونات ثقافية هنا وهنالك بالمدينة، وأضحت الروح الثقافية لأكادير المدينة تقف بنخوة ولو ببعض استحياء، كأنها تقول بأنها لاتزال الولود العنيد المعطاءة. وبهذه المناسبة وفي هذا السياق أصدر الاستاذ محمد همام كتابه المعنون :”أبو حيان التوحيدي المثقف العضوي في الثقافة العربية القديمة دراسة في السياق والخطاب” وهو كتاب كما وصفه بنفسه في تدوينة خاصة قائلا عنه: “الأقرب إلى وجداني وإلى شخصيتي، والأكثر تعبيرا عن أسلوبي في الكتابة” وهو مؤلف يقع في ازيد من 500 صفحة وهو مؤلف مهم ومميز، أما الكتاب الثاني فهو للأستاذ عبد السلام أقلمون بعنوان:” الدين والسياسة من السائلية الى المسؤولية، نقد الأطروحة الائتمانية لطه عبد الرحمن” وقد طبع بمكتبة قرطبة أكادير، أما الأستاذ عبد الله هداري فقد قدم للمكتبة العربية كتابه المعنون:” علم دلالة القران البنية المعرفية لنظام المفاهيم” عن الدار المتوسطية للنشر بتونس، وقدم الاستاذ عبد الله إدالكوس كتابه :”مدخل إلى الأنسنة الإسلامية” طبع ونشر بإفريقيا الشرق، كما أصدر الأستاذ مصطفى أيت خرواش كتابه “نظرية العلمانية عند عزمي بشارة..نقد السرديات الكبرى للعمنة والعلمانيات”، أما الأستاذ أحمد بوزيد فقد عنون مؤلفه:”بريد مريريدا” منشورات منظمة تاماينوت، كما أصدر الاستاذ سعيد جليل كتابه الذي عنونه بـ:”دراسات في التراث الشعري والغنائي الأمازيغي“، وقدمه الأستاذ إبراهيم أمهال، ونشر الكتاب بدعم من منتدى الأدب لمبدعي الجنوب فرع آيت ملول، أما الأستاذ مبارك أباعزي، الذي سبق له الفوز بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب في دورتها الحادية عشر عن روايته “أوتار العشق“، فأصدر مؤلفه الجديد الذي عنونه بـ: “أركيولوجيا الأدب الأمازيغي” عن أفريقيا الشرق، واختار الأستاذ محسن وكيلي لروايته عنوان: “أسير البرتغاليين، حكاية الناجي” وهي بالمناسبة مرشحة للقائمة الطويلة للبوكر العربية 2022م، وهي طبع ونشر دار ميم، وصدر للأستاذ الحبيب الواعي مؤلف بعنوان “أمريكا-أمريكا” أنطولوجيا شعرية جيل البِيْت”، عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة ، ولا ننسى أن نشير إلى ما ينشره أساتذة الجامعات وفقهاء المدارس الفقهية من مؤلفات ودراسات..، وكل ذلك بمبادرة منهم وبمجهوداتهم الذاتية مع ما يعرفه مجال النشر والطبع من تحديات واكراهات، والقائمة طويلة والابداع متواصل.

ومن الملاحظ أن أغلب الاصدارات التي أتابعها أو أطلع عليها صدرت بعواصم عربية مما يثير أسئلة مقلقة عن علاقة المثقف المغربي بدور النشر الوطنية ، والملاحظة الثانية قدرة بعض الابداعات على اقتحام مسابقات دولية ومنافسة ابداعات عربية، أما ما يقلقني أكثر فهو عدم منح هذه الأعمال وأسماء المبدعين فرصة في الفضاء الثقافي الرسمي للتعريف بمؤلفاتهم وعدم معرفة “عوام “القراء من أهل المدينة على وجه الخصوص بأبرز هذه الأسماء وعناوين مؤلفاتهم ..، وأعتذر للأصدقاء وللباحثين الاخرين، إن ضيقت قائمة الاصدارات فيما ذكر، فما القصد من ذلك إلا التنبيه على ما تعرفه المدينة من نشاط وإشعاع في مختلف المباحث والمجالات العلمية، والا فإن الابداع والعطاء لايزال مستمرا والمدينة يلزمها أن تفخر بكل هؤلاء لانهم منارات سامقة يشعون بضيائهم، ويحفرون في الذاكرة ويبصمون كما سبق وأن بصم العلامة محمد المختار السوسي وغيره ممن تقدمه، وأظن أن المؤسسات الرسمية والفاعل السياسي والمدبر للشأن الثقافي والأوصياء عليه؛ عليهم إعادة الاعتبار لأكادير وتقوية ودعم الفاعليين في المجال الابداعي والثقافي، وربما التفكير في اطلاق مبادرة يجتمع في ظلالها أهل الثقافة والابداع بأكادير ونواحيها..، ولا ننسى أن نشير إلى مجهودات المراكز البحثية التي تشتغل في صمت وأناة وعلى سيبل المثال “مركز أفكار للدراسات والأبحاث” الذي أصدر ثلاث مؤلفات بحثية جماعية (كتاب: المسألة الدينية ومسارات التحول السياسية والاجتماعية في البلدان المغاربية/ وكتاب: الأوبئة في الأزمنة المعاصرة: رؤى فلسفية ودينية/ وكتاب: مستقبل الدولة الوطنية في بلدان المغرب الكبير)، ومركز [مجد] جزولة للدراسات”.. وغيرها، لعله بتلك المجهودات وذلك التدافع الثقافي والنقدي نؤسس لمسار تنويري جديد يعلي من العقل وعطاءاته ويقدم المدينة للعالم بمظهر مختلف.

إن تجربة الابداع والكتابة والتفكير النقدي الذي يميز أبناء هذه المدينة، ولو كانوا من مختلف المشارب الفكرية والسياسية، ترتقي لأن تؤسس لـ”مدرسة نقدية” خالصة تميز أهلها عن غيرهم من مبدعي مدن المغرب كأصيلة مراكش..، وان كنت أجازف بقول ذلك، ولكن هذه التجربة الإبداعية تستحق العناية الكاملة؛ لأنها ولدت من رحم معاناة أبنائها ولهم تجارب مختلفة..، ولو لم تتضح بعض ملامحها أو تجتمع كل تفاصيلها..ولكن الأمل معقود ومعالم ظهورها في تبلور.

وختاما، نعلن أن ما أثار فينا حماسة تدوين هذه الكلمات على عجل؛ هو ما سطره كل من الأستاذ همام والأستاذ أقلمون في عنوان ومتن أطروحتهما التي سبق الإشارة إليها سابقا، وهذا شيء نابع من إهتمام شخصي وفكري بموضوعهما أولا، ثم لكونهما يتقاطعان في نسق نقدي مهم ودقيق لا يتجرأ عليه الكثير من المبدعين، خصوصا كون إصدارهما الأخير لامس أهم شخصيتين مبدعتين في التاريخ العربي والمغاربي القديم والحديث وهما أبو حيان التوحيدي وطه عبد الرحمن.

وأحب أن أبارك للفضلاء من الأصدقاء والأساتذة اصداراتهم، وأحيي كل من ينحت جداريات رائعة بالكلمات والحروف في سياق ثقافي متدهور تعلوه عواصف التفاهة ورذيلة ازدراء الثقافة وأهلها.

رابط المقالة كاملة:

https://afkaar.center/2022/02/18/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%b9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%af%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%a7/

الجمعة، 17 أبريل 2020

تحالف آفاق الوحدة والرقي للمنافسات العربية للفوز بمقعد في برلمان شعيب

تحية للأصدقاء والزملاء الأفاضل والفاضلات 
صوتوا وشاركوا الإعلان 



سعينا أنا وبعض زملائي من دول شقيقة مغاربية وشرق أوسطية إلى تأسيس تحالف لتوحيد جهودنا من أجل الدخول في منافسة ولوج برلمان شعيب ( وهو :برلمان شبابي عربي، عبارة عن برنامج تدريب سياسي وثقافي والذي سينظم بتركيا صيف 2020م ،بدعم من قناة الجزيرة وتنشيط الاعلامي الكويتي شعيب راشد؛ صاحب فكرة البرنامج). أرجو التصويت لهذه اللائحة باختيار اسمائهم من خلال رابط برلمان شعيب مباشرة من خلال أيقونة اضافة المرشحين، وسأضع في الاسفل رابط اسماهم التي ستظهر لكم في موقع برلمان شعيب.

رابط التصويت المباشر:


لائحة التحالف للمرشحين في برلمان شعيب تتكون من الاسماء التالية بحسب الدوائر:



الدائرة المغاربية:

الاستاذ : يوسف بناصر _دكتوراه أديان_ موظف وكاتب _ المغرب
رابط:


الاستاذ:سعيد بن خشيبة،ماجستير إدارة الموارد البشرية،يعمل في مجال السياحة، الجزائر

رابط:
الاستاذة: نورس أولاد بوزيد_ماجستير الهندسة الميكانيكية، ناشطة سياسية _ تونس
رابط:
الاستاذ: الحسن أسلم عبد الودود _دكتوراه في اللغة والاداب ، ناشط مدني_موريطانيا
رابط :


دائرة الشام والعراق:

بيان عيتاني_ماجستير علم اجتماع_ موظفة وكاتبة _ لبنان
رابط:
رابط فيديو يشرح كيفية التصويت:



أرجو تتبع مراحل التصويت في الفيديو على صفحتي لكي يكون التصويت صحيحا
وشكرا لكم مسبقا

طريقة التصويت شرح في الفيديو:


رابط التصويت:


رابط صفحتنا على الفايسبوك:

الأحد، 12 أبريل 2020

برلمان شعيب ماهو ؟ وماهي طريقة التصويت؟ يوسف بناصر المغرب



#صوت_لي_ورشحني_للمشاركة في المنافسة العربية لبرلمان الشباب:



(برلمان شعيب) هو برنامج تدريبي في القضايا السياسية وورشة لمعرفة كيفية اشتغال المؤسسة التشريعية ( يشرف عليه المنشط الاعلامي شعيب راشد الكويتي وقناة الجزيرة)، ويشارك في البرنامج شباب من كافة الدول العربية أرجو أصدقائي ترشيحي ودعمي
شكرا لكم على المسنادة
يوسف بناصر

أكادير_ المغرب


طريقة التصويت شرح في الفيديو:


رابط التصويت:




رابط البرنامج الانتخابي  الذي أقترحه بخصوص بهذه المنافسة :


إن ظهرت لكم هذه الصورة في المرحلة الاخيرة من التصويت فقد قمت به بطريقة صحيحة:


الأحد، 22 مارس 2020

كورونا..والمظلة الأخلاقية من أجل الابقاء على إنسانيتنا

#تأملات_العقل_المدثر 05

في فترة الكوارث تتماسك العلاقات الاجتماعية وتظهر مؤشرات التضامن، وقد أظهرت الجائحة التي تضرب العالم ( فيروس كورونا) أن القيم التي لزمت صيرورة الحركة التحديثية والقيم الصناعية والفردانية التي افرزتها الفلسفة الليبرالية...، انكمشت بشكل جعل الانسانية تنتبه في لحظة تحول مأساوي إلى مقصد من مقاصد وجودها الاخلاقي، فما نلاحظه من مساهمات مالية وكفالة للأسرة المعوزة واليتامى والارامل ودعم لكل من فقد عمله أو عطل عن لقمة عيشه، وتشوف الغرباء كما الاسر لشفاء الشيوخ والاجداد ممن وقع فيهم بين انياب الفيروس في الغرب أو في الشرق يعطينا الامل ويحفز نقدنا لذواتنا لنعيد قراءة أوضاعنا في ظل الازمة العالمية، وفق تصور أخلاقي يسمو فوق الحاجات المادية ونوازع الربح وأوهام الملكية والاستغلال الفاحش دون مرجعية أخلاقية.

فالفيروس لم يفرق بين أصفر ولا اسود ولا أبيض ولا بين صغير ولا كبير.، بالرغم أن تصريحات لبعض الرؤساء الغربيين وصفوه بالفيروس الصيني أو القادم من الشرق، ولكن الفيروس بحد ذاته لا يقف عن عتبة بيت أي انسان ليسأله عن جنسيته او ديانته او انتمائه الاديولوجي..، الفيروس أخرس الأغنياء والاقوياء والامم العظيمة التي كانت تبدو لنا باقتصادها ونظامها الصحي تعيش الرخاء، ولكن بالرغم من نظرتنا لهم بحكم أننا أمما مغلوبة ونظرتهم الاستيلابية والاستغلالية لمجتمعات الجنوب ، فلا نتشفى في مصابهم ولا من كثرة الجثت التي تحصى لهم وتذاع على شاشات التلفاز ومن طرف ادارات الصحة ، إننا ننظر إليهم بحزن وأعين مذهولة وقلوب داعية بأن تحد الجائحة وتظهر اللقاحات لها، فلا نستثنيهم لديانتهم أو عرقهم أو بعض ماكان بيننا وبينهم من خصومة تاريخية، فقط الجفاة والأجلاف من الساسة من يستغل الوضع لعقد الصفقات وضرب الخصوم تحت الحزام ، ومثاله ما وقع في ايطاليا بين رؤساء البلديات ، وبين بعض النواب البرلمانيين في البلدان الاخرى من جدال ورمي بالسب واتهام بالتقصير... من أجل بعض الاصوات الانتخابية.

اليوم أيها الفضلاء ،أخلاقـــنا يتم ترشيحها قيمة بقيمة وخلقا بخلق وفضيلة بفضيلة وعاطفة بعاطفة..، ولا يمكن أن نكون على غير طبيعتنا الآدمية التي كادت تصاب بالجفاف بسبب كثرة ما عرض عليها من آفات المجتمعات الصناعية وآليات المختبرات الاستهلاكية التي سعت بجهد جهيد لافراغ هذا الانسان من انسانيته وأبعاده الانطولوجية وربطه بالمادة بعد تشييئه، ومنع أي ارتواء له أو التجاء لماوراء الميتافيزيقيا، وربما توقف الصلوات في الكنائس والبيع والمساجد وفي أقدس الأماكن ( بيت لحم والكعبة والمسجد الاقصى والمدينة المنورة والفاتيكان..) واللجوء للصلاة في البيوت وعلى الاسطح والابداع في طرق الادعية الجماعية ، بوضعها في النت أو ارسالها في رسائل لمواقع التواصل الاجتماعي، كل هذا الحراك الروحاني في فضاء صناعي الكتروني لم يستطع اشباعنا لانه يبقى باردا لغياب الروح الجماعية وتلك الراحة النفسية التي تمنحها الأماكن المقدسة لذاتها.

إن ضياع صلواتنا الجماعية هو مأزق يقطع وجداننا ويحرق قلوبنا ويحرك مرة أخرى أسئلة ظننا أننا لا نأبه بها مثل ماحاجتنا لله ؟ وللصلاة ؟ وللايمان؟ وللحياة الروحية؟ ماحاجتنا للقيم الأخلاقية ؟

إن هذه الأزمة ستعيد صياغة إيماننا وتقوي اقبالنا على العرفانيات والروحانيات والالهيات ويحدد من جديد وجهتنا ويقوي مرجعيتنا ويصفي طبيعتنا الانسانية من جديد.
لطف الله بنا وبكم وحفظ الله البلد والعباد
توقيعي
يوسف

الجمعة، 20 مارس 2020

فيروس كورونا..يعيد الهيبة للأنظمة ولوحش الدولة

#تأملات_العقل_المدثر04: 

سبق وتحدثنا في تدوينة سابقة عن أهمية الدولة كمرتكز يتأسس عليه العقد الاجتماعي، ونظرنا إليه من زاوية أخرى أنها وحش أبدعه البشر للسيطرة على البشر بما منح للدولة من آليات قمعية وسيطرة وهيمنة على على مختلف تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية والقانونية..، إنها نوع من الليفياثان بتعبير الفيلسوف هوبز، فكيف ياترى يمكن أن يتقبل المواطنون في الدول العريقة في الديمقراطية عودة كاسحة لدور الدولة لحياتهم الشخصية؟

اسرائيل مثلا امرت بالتتبع الالكتروني لمواطنيها لمعرفة المصابين بفيروس كورونا
الصين تمكنت من الحد من الفيروس عن طريق التتبع الالكتروني لكل مواطن وتم زرع اكثر من 300 مليون كاميرا في الشوارع بالاضافة الى عيون الالاف من رجال الامن والجيش..التي تراقب كل حركة، كما لاحظنا عسكرة المجال العام بشكل رهيب في بعض الدول والمدن ، نلاحظ  مثلا المانيا وايطاليا واسبانيا والاردن وفرنسا ..واخرى قادمة.

ايطاليا منعت كل حركات المواطنين خصوصا في المدن التي اكتسحها الفيروس واصبح العجزة والموتى في رحمة يد الجيش الذي يحملهم بشاحناته للدفن او للمستشفى والدولة من يختار من يمرض اولا ومن يموت ؟؟

بريطانيا صرح رئيس وزرائها ان الموت قادم اليهم وان عليهم ان يودعوا أحباءهم واقرباءهم، وانه سيقوم بمحاصرة العجزة ومن لا تسمح صحته بالموت في بيته او في اقامات صحية وحجر حتى تمر الازمة والبقية يعرضون للعدوى باسم نظرية "مناعة القطيع"، والسؤال هو كيف ستقامر الدولة البريطانية بارواح ازيد من مليون شخص ليموتوا مقابل الابقاء على البقية جراء هذه النظرية، وكيف سيتم ترتيبهم في اللائحة؟ 

الرئيس الامريكي باسم الدولة الامريكية طلب من شركات خاصة المانية ان تسلمه اللقاح مقابل اموال طائلة لتستحوذ الدولة عليه وتتحكم فيمن يلقح من شعبها وتتحكم فيمن يستحق الدواء من شعوب ؟
البنك الدولي رفض منح قروض تتعلق باقتناء الادوية والمعدات الطبية لفنزويلا وايران وغيرها من دول محور الشر بتدخل من دول غربية ضاغطة ..
الجيوش تنزل لشوارع في الدول العربية لتقطع المدن عن بعضها وتفرض طوقا امنيا وكل مواطن يسأل عن ذهابه وإيابه ويجب ان يكون خروجه  برخصة  رسمية، ونسمع نبرة صوت متشنج من أعوان الجيش وتوتر حركتهم وطريقة تفاعلهم مع المواطنين وهي على غير العادة ، ويحكم على الجميع بالبقاء في البيت اجبارا .

رأينا دولا تتبرأ من مواطنيها  ممن علقوا على حدودها او حدود دول اخرى وتتركهم لمصيرهم المجهول باسم  حماية بقية الشعب .
اتحادات كنا نظن حقيقة انها متحدة وقوية  وتتسم بالوحدة القانونية والمصلحة الاقتصادية والامنية ووحدة المصير في السراء والضراء تغلق حدودها بجرة قرار من حكومة دول منتمية لها،  بدل ان يكون قرارا صيغ بتوافق ، مثال الاتحاد الاوربي وهو ما وقع بين فرنسا والمانيا والنماس وايطاليا ..وكل [ يلغي بلغاه بالمغربية].
دولة تستحوذ على الاحتياط المالي من أجل البحث العلمي والمخبري عن لقاح ، وارصدة خيالية ماكانت تتجرأ على التفكير في اقتراح التصرف فيها قبلا لصعوبة الاقتراب منها لانها خزائن مالية  للطوارئ  منها على وجه الخصوص الحرب، و اليوم تضع حكومة  الدول عليها يدها بجرة قلم باسم الهجوم على كورنا مثلا المانيا بريطانيا امريكا  وبعض البلدان العربية..ودون رقيب أو حسيب!
دول ديمقراطية عريقة جدا لم تعلن حالة الطورائ منذ الحرب العالمية الثانية اعلنت حالة الطوارئ كانها في حرب لتخضع البلاد والعباد لسيطرة فئة صغيرة تتجاوز الاجراءات والتدابير الروتينية  ومجالس ومؤسسات  التشريع في اتخاذ القرارات لتكون السيادة والهيمنة فيها  لوزارات محدودة كالدفاع والجيش والداخلية والصحة ..؟

اليوم تتساوى الانظمة الشمولية والديمقراطية  في فهي أنظمة كعملة بوجهين، وفيروس كورونا وضعها كلها في كفة واحدة ، وربما رفعنا غمتنا وعمي بصيرتنا عن حقائق جديدة واكتشفنا زيف بعض المقولات المتعلقة بالانظمة الصحية والممارسة الديمقراطية وجشع الشركات المالية ونفوذ انظمة التأمين وصلابة قرارات الحكومات الديمقراطية التي لا ترحم ضعيفا ولا هرما ولا طفلا ..وزيف المعاملات المالية الخيالية  في البورصة الدولية وزيف الاتحادات الاقتصادية والمالية وهشاشة هذا العالم جميعا .
أيها الفضلاء إن فيروس كورنا يعيد صياغة أنظمة متوحشة باسم الدفاع عن المصلحة الجماعية ، ونحن نضع رقابنا على سكاكينها وحياتنا أمانة بين أيديهم خوفا من أن نصاب بأذى الفيروس،  وننسى أن عودة الانظمة بهذه القوة وتغول الدول واجهزتها وتدخلها في حياتنا الشخصية كان موضوع نضال دموي في تاريخ الانسانية قد كسبناه ، وربما بدرجات متفاوتة، كما كان موضوع نظريات سياسية  مختلفة تصل حد التناقض، وقد كان موضوع بحث  أنطولوجي عن كرامة الانسان مقابل من يرجح هيبة الأنظمة والاجهزة القمعية على ذلك، فلنتأمل قليلا في وضع العالم اليوم ، لنرى هرولة الشعوب لأحضان الوحش الاسطوي"الدولة" باستسلام وخضوع وببراءة طفولية ، ودون شروط  مقابل النجاة من عدو غير مرئي فيروس كورونا. سؤالي كيف ستكون العلاقة بينننا وبين دولنا وحكوماتنا بعد خصام  تاريخي وألفة طارئة وماذا سيتغير فيما بعد؟، وهل ستعود علاقتنا بها كما كانت أم ان فرصة عودتها ستعيد صياغة رؤيتنا لها وتعيد تقليص المسافة بيننا وبينها بشكل نهابها هي لذاتها وننسى العقد الاجتماعي الذي يربطنا بها .؟

مجرد أسئلة للتأمل  محدنا جالسين كنتفرجوا من ديورنا ، وهذا لايعني مطلقا ان نوقف عقلنا النقدي ونلغي قدرتنا على تقليب الافكار لرؤيتها من زوايا اخرى ولكم واسع النظر هههه
توقيعي،

يوسف محمد بناصر 
باحث مغربي

الاثنين، 7 أكتوبر 2019

الأنظمة المهيبة..لا تكمم الأفواه ولا تصطاد الصحفيين بقلم: يوسف محمد بناصر

الأنظمة المهيبة..لا تكمم الأفواه ولا تصطاد الصحفيين
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث وكابت مغربي

b.yosuf@gmail.com



إن بناء دولة الحق والقانون لا ينسجم مع تكميم الأفواه وتسليط سيف القضاء على كل متحدث بتلفيق التهم للمخالفين والنقاد والمعارضين؛ والذين يعملون على كشف ملفات الفساد ويتتبعون الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي واختلالاته. لقد عرفت ساحة الصحافة بالمغرب في الآونة الاخيرة معضلة كبيرة، بحيث تم متابعة صحفيين شباب قضائيا وكما تم تغريم آخرين، مما يعد انتكاسة غير مسبوقة في هذا المجال، وخصوصا أن المتابعات القضائية، والتي أغلبها كان بتهم أقل ما يمكن القول عنها أنها ملفقة، كتهم بفساد أخلاقي أو قضايا تتعلق بالجنس والمتاجرة بالبشر أو كشف معلومات سرية تتعلق بتقارير حول فساد بعض المسؤولين. إن الدولة التي لا ترتكز على صحافة حرة تبقى دولة تنحو منحى الشمولية وتخفي تضعضعها ومدى الوهن الذي أمسى يستشري في مؤسساتها، والهواجس السيئة التي تطارد بعض المسؤولين الذين يتخفون وراء سلطهم المختلفة، فيستعين هؤلاء بمهامهم أو مسؤولياتهم للانتقام من أي متفوه بكلمة بحقهم.

إن مسؤولية الدولة والأنظمة في حفظ النظام وتقوية آليات الممارسة الديمقراطية لا يتم من مدخل قمع الحريات، خصوصا ما تعلق بحرية التعبير عن الرأي، والدولة التي تتصالح مع ماضيها الذي شهد انتهاكات لحقوق الإنسان، وسبق وإن اعترفت بأخطائها ومسؤوليتها حول هذه التجاوزات، لابد أن يعيد كل من تموقع في موقع مسؤولية التفكير في ممارساته السلطوية ويكبح بقوة القانون جماح قوته اللاأخلاقية وقراراته اللامسؤولة التي منبعها الانتقام والتكميم والتلفيق والمصادرة..، وينتبه للتجاوزات والخروقات التي تستمد قوتها من الشطط في استعمال المنصب والمسؤولية دون غيره.


محاكمة الصحفيين والتضييق على القلم الحر والجسم الصحفي يعد انتكاسة قانونية وحقوقية وديمقراطية خطيرة في بلدنا، وبعد متابعة لكل من الصحفي المهداوي وبوعشرين وأحداد وزاكي ولشكر وسخير
إن عالمنا العربي يعيش منذ فترة مخاضا عسيرا في كل ما يتعلق بحرية التعبير والصحافة، وقد سبق أن استبشرنا خيرا بالربيع الديمقراطي الذي واكبنا اخباره وتطوراته في كل مجال بشيء من الأمل والتفاؤل، إلا أننا اليوم، وبعد المتغيرات المتلاحقة في كل بلدان الربيع نشهد كثيرا من التجاوزات والاخفاقات والنكبات، بحيث أضحى المواطن في هذه الدول متشائما بما تجود به آفاق الحرية، ومتشككا من أي مشروع يتبنى التغيير أو يدعو اليه، ومؤشرات الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة، وهي القوة الديمقراطية الصاعدة بين هذه الدول التي تعرف تحولا جنينيا، تؤكد هذه المؤشرات أن المواطن اكتفى من الخطابات السياسية الغوغائية ومن المؤسسات الرسمية السياسية التي كان لها تراكم تاريخي في النضال، وهي تتطلع بشيء من الأمل الى طبقة من المثقفين المحايدين الذين ابتعدوا عن أي ممارسة سلطوية أو مسؤوليات حزبية أو سياسية رسمية، مما يعني أن المؤسسات عندما تمارس الالهاء والتزييف والتضييق لا تواجه من الشعب إلا بالكراهية والمعارضة والتصويت الانتقامي، ولا يمكن إلا أن نستشعر نفس الامتعاض والسخط في تصريحات وممارسات بقية الشعوب العربية والأقليات من المحيط إلى المحيط بسبب سوء التدبير السياسي وفداحة الأخطاء التنموية وسقوط الخطابات السياسية في الفراغ واللامعنى.

والمغرب جزء من هذا الامتداد التاريخي والعمق الاستراتيجي والجيوسياسي لبقية هذه الأطراف والبلدان، ويسود شعور بالسخط العام فئات عريضة من الشباب المغربي، فهم لا يتطلعون لأي انفراج في أفق الإصلاح السياسي أو الاقتصادي، وللأسف أصبح غالبية المثقفين يائسين من الوضع العام ولا يتطلعون لحدوث تغيير كبير، وأمسى الجميع يسخرون من مصطلحات مكررة في خطابات الساسة من مثل الانتقال الديمقراطي، والمجتمع الحداثي، والعهد الجديد، وحتى النموذج التنموي الذي تبناه المغرب أمسى في خبر كان باعتراف المؤسسات الرسمية نفسها، وهذه الاختلالات والقضايا تنشرها الصحافة المغربية الحرة، وتعالجها يوميا وتتابعها أقلامهم الحرة باهتمام، مما يحرج بعض الفاعلين السياسين.

إن محاكمة الصحفيين والتضييق على القلم الحر والجسم الصحفي يعد انتكاسة قانونية وحقوقية وديمقراطية خطيرة في بلدنا، وبعد متابعة لكل من الصحفي المهداوي وبوعشرين وأحداد وزاكي ولشكر وسخير..، اليوم تأتي قضية الصحفية هاجر الريسوني التي تم الحكم عليها بالسجن سنة في يومه: 30 شتنبر 2019م بتهمة "الاجهاض غير القانوني"، لتزيد هذه القضية تعقيدا، وتظهر منحى المتابعات الكوميدية الذي تنتهجه بعض الجهات، لكون الملف منذ انفجاره شهد خروقات تؤشر على أن القضية ملفقة، وأن تكميم الأفواه لا يكون إلا بربط الصحافة بالفساد الأخلاقي وبتشويه الجسم الصحفي بشتى السبل، حتى لو تعلق الأمر بتبخيس دورهم في الكشف عن اختلالات بعض المسؤولين وتجاوزاتهم. إن ترهيب الأقلام الحرة، والتضييق على الصحافة وتسييج حركات الباحثين عن الحقيقة بحدود نارية حارقة، القصد منه تغذية الفزع لديهم، ودفعهم لإعتزال المناطق الخطيرة المرتبطة بالتحقيقات والأسرار والحقائق التي تهم الرأي العام، للإبقاء على الأمية والجهل وليسهل التلاعب بعقل البسطاء.

إننا نرنو لبناء مجتمع ديمقراطي وعتبته الأولى لن تكون إلا بالإبداع وحرية الرأي، وأي مشروع سياسي أو نظام لا يقدر هذه الحقيقة ولا يسعى لتكريسها فإن ادعاءه العمل على الدفع بالانتقال الديمقراطي في نسقه وبين أفراد شعبه، سيعد تزييفا للوعي وتلاعبا بآمال عموم المتطلعين للحرية والانعتاق من أبناء الشعب. وإخفاق الأنظمة في تحقيق التطلعات الطبيعية للناس من تحقيق للكرامة والحرية والعدالة وإطلاق لحرية الفكر والرأي لن يعني إلا الدخول في مرحلة من مراحل الهشاشة السياسية، فالأنظمة المهيبة لا تخشى الحرية ولا تصطاد أبناءها بطرق مشبوهة، ولا تغطسهم في البرك الضحلة المتسخة لتشويههم أو تقطع أوصالهم في لحظة غفلة منهم وخصومة معهم، فهذه الممارسات تكون مَدعاة لها لفقدان التوازن ويورطها في سلسلة من الاضطرابات التي قد تعصف باستقرارها السياسي والاجتماعي، ومَدعاة لفقدان مؤسساتها لهيبتها وثقة المواطنين فيها. وحينما يتراكم الوعي الجمعي سينمو التساؤل الشعبي حول مشروعية الارتباط بمشروعات سياسية غير منتجة، تتسم بكثير من الارتباك وترفض أي انخراط في المفاهيم المعاصرة، وهي لا تبدي استعدادا لتطوير آليات اشتغالها، وتمعن في التراجع عن مكتسبات حقوقية وشعبية سابقة.

الثلاثاء، 25 يوليو 2017

النص والخطاب واللغة المقدسة بين الإسلام والمسيحية وعلاقتهما بالتجربة الإنسانية

النص والخطاب واللغة المقدسة
 بين الإسلام  والمسيحية وعلاقتهما بالتجربة الإنسانية

 يوسف محمد بناصر

باحث في النقد الثقافي وقضايا التجديد في الفكر الاسلامي- المغرب


*********
يتكشف المعنى في الخطاب الاسلامي من خلال مدافعته بالوقائع التي تقع خارج النص، وانتظام ذلك الكشف  يتطلب عقلا منفتحا يمتلك الجرأة والمنهج، عقلا مركزا على معطيات مختلفة، فيتتبع ويجمع كل المعاني الأصلية والتبعية؛ التي يغفل عنها الدارسون باعتبارها هامشية في علاقتها بالمعنى الكلي.
إن الخطاب القرآني تتزاحم فيه المعاني بين ثنايا آياته وسوره، وعندما يقع احتكاكه بالعقل تتكشف تلك المعاني شيئا فشيئا، لذلك فأغلب عمليات حصر المعنى لا تحصل بالقدر الذي يحصل به الارتواء الايماني، ربما لأن القلب الانساني  يهفو نحو الصفاء بدون كثير مقدمات عكس العقل.
إن آليات العقل ومناهجه لا تبقى صامدة أمام كثافة ما يحويه النص من مواضيع لاختلافها وتنوعها، إلا اذا كانت عملية التعقل  أو الفهم قد حددت مسبقا هدفا وموضوعا يتم في  ضوء النص وتوجيهه المقصدي للوصول اليه، فيستنطق النص ليستنبط الحكم أو على الأقل توضح رؤية النص الخاصة لموضوع البحث أو النازلة. ونجاح عملية الاجتهاد عموما تعني الوصول لفهم معين عن طريق النظر العقلي والمنهج النظري بطرق أصولية لغوية ومعرفية مركبة..، ثم إن عملية الاجتهاد والنظر في النص الإسلامي تتطلبان جرد النصوص وحصرها؛ ليحاصر المعنى ويحاصر معه الحكم المبحوث عنه والمحتمل تصديقه للنازلة، لتأتي بعد ذلك عملية الصياغة بعد الترجيح ليقوم الحكم مستقلا بذاته وقد يكون قاعدة أو قانونا مرجعيا ينظم عمليات أخرى متعلقة بنوازل مشابهة وربما يتجاوزها لغيرها.

تداخلات في مفهوم النص  وجب الإشارة إليها:

تبنى بعض العلماء هذا المصطلح "النص الشرعي"، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني والجويني، كذلك القاضي أبو بكر في أصل وضع اللغة، وقيل النص معناه الظهور[1]، وبعض العلماء  -كما الشافعي- فقد أطلقوا النص على خطاب القرآن الكريم أو السنة النبوية بالتحديد؛ إلا أن ثمة اتجاها آخر بدأ بالظهور عند الإمام  الغزالي حيث أطلق النص على ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا، وقد يطلق عنده على معان أخرى[2].

ورجحت الباحثة رقية طه جابر العلواني؛ أن تكون أول المراحل التي مر بها مصطلح النص قد ابتدأ مع الامام الشافعي رحمه الله، وحسب قولها فإنه استعمل مصطلح النص وأطلقه على نصوص القرآن الكريم والسنة، وجعله في مقابل الاستنباط حيث يقول:"ما أبانه الله لخلقه نصا، مثل جملة فرائض في أن عليهم صلاة وزكاة وحج وصوم، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم والخنزير وبين لهم كيف فرض الوضوء مع غير ذلك مما بين نصا"[3]. 

مفهوم النص والكلمة بين المسلمين والنصارى:
ينص الكتاب المقدس في المسيحية على مايلي:"كلمة الله انسانا كي يصير الانسان إلها"[4]، في البدء كان الكلمة والكلمة كانت من عند الله وكان الكلمة الله "[5]، والكلمة صارت جسدا وحل  بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الأب مملوء أنعمه وحقا"[6]، " وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا إليه فقال هو ذا حمل الله الذي يوقع خطية العالم"[7]، أما  الاسلام فكانت كلمة الله قرآنا يوحى، وهو آية محمد عليه الصلاة و السلام الوحيدة والفريدة، تحدى بها العرب ومعهم الانس والجن:"قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا"[8]،"وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين"[9].
لقد وقع نزاع قديم وعميق حول فهم الخطاب، خطاب الله للمكلفين، فكان التحدي الذي يطرح نفسه هو: هل يمتلك أي أحد – وخاصة في هذا الزمان-القدرة على فهم مراد الله الفعلي ومقصد النص..؟ ووقوع الخلاف كان حول الخطاب باعتباره  إنما يتأسس من فهم "الكلمة"  أو "الآية" فالله سبحانه وتعالى بعث إلى النصارى المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، واعتبره آية من آياته، ليخرجهم به من ظلمات  الضلال والمادية المتوحشة التي مردوا عليها، والتي أسسها السامري بديلا لشريعة موسى، وأيضا جاء المسيح عليه السلام ليخفف عنهم الاغلال والإصر ويحل بعض ماحرم عليهم كما سيكون الأمر مع الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام، فالذين اتبعوا المسيح عليه السلام جعلوا كل منطوق الله يتجسد في جسد انسان، وهو جسد يسوع المسيح، فجعلوه مطلقا بإطلاقية الاله، فبحسب فهمهم فقد تجلى في الجسد واحتضن كل آياته وأقواله وصفاته…فكان جسد المسيح جسد الإله، فكانت الكلمة عند الله وكانت الكلمة الله، بالتعبير الانجيلي، فلخص الاتباع كل معاني الرسالة المسيحية فيما تحمله الجسد الذي قدس لأن الإله حل به، فتم انزال الله قصرا من عليائه ليحضن في الناسوت البشري، فأصبح المعنى موحدا واللغة منطوقا واحدا والكلمة مجسدة في جسد انسان مؤله.
فاتصل الالهي بالبشري  في شخصية يسوع وألغي النص الانجيلي؛ أو على الأقل همش لأنه عرضي، لا يمثل حقيقة المقدس وجوهره كما نزل، ولا ينقل المعنى كما ينقله  الجسد المؤله الذي يمثله المسيح، وطبعا لا معنى للعرضي الذي هو  مظنون النص المكتوب أو المجموع أمام وجود الأصل الجوهري بينهم؛ الذي هو المسيح بعينه، ظاهرا غير متخفي، قادرا على التفسير والتأويل، متحدثا غير صامت عكس النص...الذي هو احتمالي وظني، ومن هذا المنطلق المعاكس للمنطلق الإسلامي، كان الفصل بين التجربة الإسلامية والتجربة المسيحية، فاختلف الفهم والتطبيق والتجربة الايمانية، ففي التجربة النبوية الأولى، كانت الكلمة آية وسورة ونصا قرآنيا لها مركزيتها، والنبي الإنسان والرسول كان مجرد مبلغ للنص "كان يبلغ كلام الله" واسطة غير ايجابية ولا سلبية غير موثرة في/على بينة النص، إنه ينقل "آيات الله"، ولكل الناس أن  يسمعوها ويعقلوها ويدخلوا في تجربة  معها؛ أي مع الكلام الالهي فيتدبروا الخطاب الملقى إليهم ويحسنوا فهمه، لأنه موجه إليهم بصفتهم ذوات مؤمنة أو حتى كافرة، ومعنيين – بشكل أو آخر- بقضية الايمان أو تفسير الوجود.
إن الذات النبوية هي ذات انسانية قد دخلت –أيضا- في تجربة مع النص ولها تلقياتها "كان خلقه القرآن"، والذات النبوية الشريفة ليست بدعا من الناس في مسألة التأثير والتأثر بالخطاب الإلهي، فمثلا كان خلقه القرآن كما يمكن أن يكون خلق أي أحد، أي أن علاقته بالقرآن وبالكلام الإلهي وصل إلى درجة في تفاعله معه، درجة  الشهادة؛"إنك على خلق عظيم"[10]، لأنه عليه السلام يتحرى خلق القرآن ويحسن تلقي الكلام الالهي لينزله، إنه يتدبر ويتلقى كما يحسن البلاغ والبيان للناس، وهذه خصوصيته كذات، إنه ذات متفاعلة مع ما ألقي إليه من ربه المتعالي، وذاته البشرية لا تجسد الإلهي ولا يتنزل الإلهي فيها، لأن الجسد الناسوتي لايحتمل أن يكون نقيض ما عليه، إنما يصلح فقط لأن يتفاعل مع الذات المتعالية بأن يستمد منها طاقتها وجمالها وصفاءها ومعانيها.
إن الذوات البشرية يمكن أن يكون خلقها القرآن، إن أحسنت التلقي؛ لأن الأصل في الخطاب القرآني أنه مستقل عن  الذوات الانسانية لذلك له إمتداده في الزمان، وله القدرة على أن ينور القدرات ويوجه الطاقات مهما كانت مشتتة أو ضعيفة،"وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"[11]،"واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا"[12]، فكما أن الذات الانسانية مركزية، كذلك النص مركزي مستقل له مقصدية مطلقة وممتدة، وهو غير متحيز لذات على أخرى حتى ولو كانت نبوية مبلغة، عكس ما في الثقافة النصية والدينية المسيحية التي اختلط فيها الجسد الإنساني بالذات الالهية ثم بالنص المقدس، فتتطورت تلك المعادلة لتسقط الرسالة المسيحية وتجعل النص المقدس في هامشية، ليبدأ بحث الانسان المسيحي/ الغربي عن موت الإله ليتحلل من كل ارتباط ديني ويفك علاقته المزعجة بالمتعالي المحضون بين طيات الإنساني، بل ليكتفي في الأخير بمركزية الإنسان المطلقة ويثبتها على رماد جسد الإله، ليبدأ البحث بعد ذلك عن تفسيرات لظواهر الغيب والطبيعة والإنسان في فضاءات أخرى، وقد تشكلت أغلب المعارف الغربية دون توجيهات من "الميتافيزيقي الأخرق" الذي يبتلع المعرفة الحقة والمنطقية، بحسب زعم بعضهم المتطرف، إنه يؤسس غالبا  للخرافة والكهنوت الاستغلالي، وهذا الموقف الحدي المتبنى له خلفية تاريخية ومعرفية وسوسيولوجية، ترجع إلى المعاناة التي شهدها المومنون كما الفلاسفة والتنويريون في القرون الوسطى.
اللغة وبعض حدود الفهم وآلياته:
يقول المستشرق جولد تسهير: كذلك يصدق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنسية الحديثة "بيير فير نفلس":" كل امرء يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس"[13]، وكل امرئ يجد عموما احتمالات  ومداخل للتأويل والفهم، وقد تتقاطع هذه الأخيرة – النصوص- مع الخلفيات الإدراكية لكل عقل يحاول التعامل مع الخطاب بفهمه أو حتى باسقاطه على خلفياته المعرفية والثقافية والأيديولوجية، فالنص  يعطي الشرعية  لكل تلك الخلفيات ويعطيها القوة ويمدها بروح وثوقية، لتقف بلغتها محاججة وداحضة لمنطق الخصوم ومواقفهم، كما أن "القرآن لا ينطق إنما ينطق به الرجال" وهي مقولة منسوبة للإمام علي؛ وجدت في التاريخ الاسلامي لتكاد تزكي بشكل أو آخر بأن منطوق "النص" إنما هو في الأخير مقالات وفهوم البشر، وإن كانت فيها جوانب من الصوابية أو الحقيقة فهذا لايعني أن هناك مساحة متغيرة بين ما يبتغي للعقل تأسيسه وبين ما يبرهن عليه أو بين ما  ينطق به النص، الذي يكون في الأخير "حمالا ذو أوجه" له مقصديته الذاتية هو الآخر ورؤيته التي تتعالى عن الخلفيات  والنزعات النسبية التي يتورط فيها العقل والنفس البشريين .
يمكن القول أن هنالك فرقا بين الخطاب وبين الطريقة الموظفة لفهمه، حسب ما يذهب إليه الكاتب والباحث يحيى محمد، فالطريقة لا تنقل الخطاب كما هو، بل  تتصور بحسب قواعد ومسلمات قبلية وتشكل محور النشاط في الفهم وإنتاج المعرفة، والفارق بين الخطاب وبين طريقة فهمه هو كالفارق بين الطبيعة وعلمها، فمثلها أن هذا العلم يتصور الطبيعة ضمن اعتبارات وقواعد تؤدي الى عدم المحاكاة والمطابقة بينها كذلك الحال في علاقة الطريقة المعرفية بالخطاب، حيث إن ما تحمله من اعتبارات قبلية من الممكن أن تجعل آلية الفهم التي تؤسسها لا تطابق حقيقة ما عليه الخطاب؛ لهذا فان اختلاف الطرق والقنوات المعرفية غالبا ما تفضي إلى تباين طبيعة الصورة المرسومة للخطاب والفهم المنتزع[14].
 ويمكن اعتبار انفتاح العقل على لغة "النص الشرعي" وكل ما ينتج عن ذلك من تفاعلات ومقالات واستنباطات معرفية أو فقهية أو لغوية، إنما هي من بعض الحقائق التي تكشفت بين ثنايا النص وتقبلها العقل بقبول حسن، فحاجتنا للحقيقة هي حاجة إنسانية وجودية، وقد التزم هذا الكائن المكرم منذ الأزل بالبحث عنها والتنقيب عن مصادرها وامتلاك الوسائل التي تودي إليها، ذلك الالتزام والحاجة تجعلنا كل يوم مطوقين بأسئلة تبحث معاني كل شيء، كما تورطنا في فضولية الاكتشاف والاختراع والمحاكاة.
وكل الحقائق كما هي قضية بحث ووجود فهي قضية نظام لغوي ومعرفي  مركب، فنستعير من فوكو قولته التي يعتبر فيها:"أن الحقيقة ليست خاصية خطاب أو نتيجة قضية واستدلالات بل إنها نظام وجود"[15]، فالنظام أساسي يساهم في ترتيب استنتاجاتنا وتركيب تحليلاتنا وأيضا فرز افتراضاتنا، فتشكل بذلك الوعي الإنساني، الذي هو في الأخير حافز سنني في الترتيب والبناء والخروج بخلاصات ثم الاكتشافات أو الاختراعات، وفي النهاية التأسيس للثقافة والمعرفة والفعل الحضاري المتجدد، فالتأريخ  الانساني لا يقوم  دون قيام العمران وتأسيس أخلاقيات جديدة، بحيث تنبثق منهما سيرورة حضارية تتراكم، لتستمر في بناء ثقافات جديدة، وامداد الانسان بما يساهم في تنمية وعيه وفعله الإبداعي والحضاري.

********************************************************************************

[1] - ينظر : البرهان في أصول الفقه، الجيويني، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، مطبعة الوفاء مصر، الطبعة4،سنة1418 هـ.

[2] - ينظر: المستصفى، الغزالي أبو حامد، الجزء2، الصفحة196 .

[3] - ينظر: أثر العرف في فهم النصوص ، قضايا المرأة أنموذجا رقية طه جابر العلواني، طبعة الفكر، 2003م،الصفحة 33، وينظر كذلك في "مسألة النص" كتاب: الرسالة ، الشافعي، تحقيق احمد شاكر، بدون تاريخ، دار الفكر الصفحة 32.

-          انجيل يوحنا، الاصحاح1/01[4]

[5] - الاصحاح الاول/14.

[6] - الاصحاح الأول /29.

[7] - الاصحاح الاول /29.

[8] -سورة الاسراء الاية:88

[9] -سورة البقرة الاية :24.

[10] -سورة القلم الآية:04.

[11] -سورة ال عمران الاية :144.

[12] -سورة ال عمران الآية :103.

[13] -ينظر: مذاهب التفسير الاسلامي، جولد تسهير، ترجمة:محمد يوسف وآخرون،دار الكتب الحديثة بمصر، الطبعة 2ص:03.

[14] -ينظر: مدخل إلى فهم الإسلام الفكر الاسلامي-نظمه ادواته أصوله، يحيى محمد-الانتشار العربي، الطبعة1، 1999.

[15] -الانفصال، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال،2007م، ص43.

***
رابط المقالة الى الموقع الاصلي: