السبت، 7 ديسمبر 2024

الحراك العربي والشعبوية وآليات هيكلة الاستبداد بقلم: د.يوسف محمد بناصر باحث مغربي

 

الحراك العربي والشعبوية وآليات هيكلة الاستبداد                                     

                                


لقد عملت الأنظمة الشمولية في كثير من البلدان العربية على تأطير الأحزاب السياسية لتلعبَ دورًا ثانويًا في الحياة السياسية والتدافع مع النظام في تدبير الشأن العام، بل من الأنظمة ما وظّف المؤسّسات المدنية والسياسية لبناء نظام مستبد يتسم بالنعومة في التعاطي مع المجتمع لترويض المفاهيم التسلطية، ليتم له تزييف الوعي الجمعي، لتلقى تلك المفاهيم قبولًا لدى فئة واسعة من أبناء مجتمعاتهم.

إنّ قوى الرجعية المتحكّمة تستند لتقوية صفوفها على البراغماتيين من السياسيين، وفي ظلّ هذا الزواج النكد بين أطراف لا يبنون مشروعهم السياسي على استراتيجية ديمقراطية؛ ستُفاجئنا ممارسات سياسية تستحوذ على الفضاء العام، إمّا عن طريق إخراج المؤسّسة العسكرية لممارسة القمع والقتل والاعتقال للمواطنين أو بإخراج المؤسّسات الحزبية والهيئات المؤثّرة من إعلام وقوى مدنية ودينية لتعلب دور الأنبياء الكذبة من أجل إخضاع المجتمع لخطاباتهم المزيّفة، وخصوصًا بسطاء التفكير من أبنائه، وهذه الممارسات من الأنظمة الاستبدادية هي مسالك ذهنية للتسلّط كما يسميها المفكّر الأنتروبولوجي المغربي عبد الله حمودي، تثبّتها تدريجيًا في نسقنا الثقافي والسلوكي والاجتماعي لتكون لها القابلية، وآليات التقعيد له تمرّ عبر مؤسّسات مؤثرة يتم إخضاعها كذلك بالقوّة أو بالريع، ونلاحظ أنّ أغلب المؤسّسات الحزبية مثلا في البلدان التي ظهر فيها الحراك أو الثورة الشعبية خلال هذه السنة 2019، على سبيل المثال الجزائر والسودان..، تمّ إفراغ أحزابها السياسية والمنظمات المدنية من المعنى أو القدرة على التأطير والتوجيه والقيادة، فلم يكن لها أيّ دورٍ أساسي أو مؤثّر بل تمرّ في أسوأ حال شعبيًا لكونها ساهمت إلى جانب الأنظمة الاستبدادية المُصاحبة لها في القمع ونشر الفوضى والزيف والتلاعب بعقول المواطنين.

إنّ العقلاء من المفكرين يعرفون أنّ ذهنية الاستبداد لا تتعلّق استثناءً بحالةٍ مرضية طبيعية ملازمة لنسقنا الحضاري الإسلامي والعربي، بل هي ممارسات نزقة إنسانية عامة في ممارسة السلطة، تستند إلى إرثٍ ثقافي واجتماعي وسياسي مشوّه، يستطيبه بعض الحكام ومن يدور في فلكهم، وهؤلاء فقدوا بوصلة التنوير وفضيلة السياسة القائمة على العدل والحق والإنصاف والكرامة، فارتموا في دهاليز الاستبداد.

إنّ مؤسّسة الجيش لا تملك آليات التدبير السياسي للأوضاع في البلدان التي تستولي فيها على الحكم، ومرّت المنطقة بتجربةٍ مأساوية من حكم العسكر منذ الاستقلال، فهذه المؤسّسة تختار في غالب الأحيان أقصر الطرق لتدبير الاختلاف، إمّا بالقتل أو الاعتقال أو النفي أو السجن لتمارسَ الحكم بالغلبة والتغوّل، ولا تمتلك أيّ شرعية أو سلطة تعاقدية طبيعية لممارسة الحكم إلا دعم من تتقوّى بهم من سلطة بطريركية وخطاباتٍ شعبوية لتدافع بها عن اختياراتها المتناقضة والمأزومة أساسًا، ثم تفرضها على الشعوب المغلوب على أمرها، ولا تملك غير ذلك مُكرهة.

إنّ المؤسّسة العسكرية الحاكمة في البلدان العربية من سورية والسودان وليبيا وغيرها، تمارس تغوّلها على جميع المؤسّسات المدنية والشرعية، وتحاول أن تصادر الحق الشعبي في الاختيار، وتقيّد إرادة الشعب في هذه البلدان فتمنع صناعة وبناء نظام طموح يتأسّس على تصوّر ديمقراطي يستند إلى مفاهيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

إنّ ما يقع من مجازر في السودان في حقِّ المدنيين من طرف مليشيات الجيش ومن تجاوزات حقوقية في اليمن وليبيا وسورية..، وما يحصل من اضطهاد وقمع للحريات هو شيء مأساوي لشعوب المنطقة العربية، وممّا يزيد من سوء الوضع تلك البيانات التي تصدر على سبيل المثال عن المؤسّسة العسكرية السودانية، والتي تؤكّد أنّ الممارسة القمعية هي صورة حقيقية وواقعية للأنظمة الانتقالية بالمنطقة والتي تحاول أن تتجذّر وتقوّي نفوذها. وما تلك المناورات التي يخوضها سدنة القلاع العسكرية بالسودان ضدّ قوى الحرية والتغيير إلا صورة من صور رجوع الاستبداد بقوّة ليغتال بقايا الثورة السودانية والتجربة السياسية الحديثة التي نهض بها السودان بعد الاستقلال.

إنّ هذا التشويه الذي تمارسه المؤسسة العسكرية بالمنطقة عموما يعكس جانبا آخر بئيسًا تواجهه القوى الديمقراطية والمنظمات المدنية والمؤسّسات الشرعية، ولعلّ صورة الثورة المضادة في تونس، وفشل المؤسّسة التشريعية في كبح جماح الرئيس، تبيّن مدى عمق وهشاشة الفكر السياسي المدني في منطقتنا، وهي صورة بانورامية لأزمة المراحل الانتقالية للسلطة ببلدان الربيع الديمقراطي، لتمارس الأنظمة الجديدة والمستنبتة في واقع مشبع بالاستبداد آلية الإخضاع مجدّدا كالتي مارستها الأنظمة السلطوية القديمة، فهي تمارس إعادة إنتاج أنظمة متوحشة وقادرة على التكيّف والامتداد، وقد اشتغل خليفة حفتر وميلشياته بنفس الاستراتيجية في قتال قوى الحرية، وما بقي من فعاليات وشباب حراك 18 فبراير بليبيا وَوَأَدَ الثورة بأساليب مختلفة.

تحاول المؤسّسة العسكرية التي تخرج بسلاحها وبزتها إلى الفضاء العمومي في منطقة الحراك الديمقراطي، ممارسة الشطط في استعمال السلطة والعنف ضدّ المتظاهرين والمواطنين، ولتعيدَ إنتاج أطراف الصراع لتتمكن من استيعاب التناقضات الجديدة التي ظهرت بالمنطقة، وتستفيد من التناقضات التي تشهدها السياسة الدولية والمصالح المتناقضة للدول، هذه اللعبة الخبيثة ستُمكن قوى الاستبداد من تسييج الإرادة الشعبية وتأسيس توافقات بيوقراطية مبنية على المصالح، سواء مع القوى الداخلية أو الخارجية، وقد توظّف آليات الاستبداد الناعم باستقطاب بعض الوجهاء والساسة، ومن له عصبية قبيلة أو انتماء لمليشيات ليكونوا بوصلة الحراك وليلعبوا دور رجل الإطفاء مقابل مكاسب ريعية مؤقتة.

مهما احتالت المؤسّسة العسكرية على الحراك الديمقراطي أو مارست التسويف وسياسة العصا والجزرة، ستخسر في الأخير شرعيتها وقدرتها على المناورة والتفاوض 

إنّ الإرادة الشعبية في السودان وليبيا وسورية واليمن.. أبانت عن قوّة في التنظيم والتمسّك بالآمال في تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي وفق شروط المرحلة الجديدة، وبناء دولة وطنية بمؤسّسات قوية يعتمد عليها الشعب في تحقيق مبادئ، كانت ولا تزال شعارات كلّ المواطنين والمشاركين في الحراك، ومهما احتالت المؤسّسة العسكرية في هذه البلدان على الحراك الديمقراطي أو مارست التسويف وسياسة العصا والجزرة، وحتى الاعتقال والقتل والتعذيب، وقامت بتمطيط مدّة الفوضى في المنطقة، فستخسر في الأخير شرعيتها وقدرتها على المناورة والتفاوض وهي مهدّدة دائمًا بالانهيار، لأنّ أولوية الشعوب اليوم الإعلاء من شأن المفاهيم الديمقراطية كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومؤسّساتها الفاعلة، ولا شيء سيحول دون تحقيق هذه الأهداف لأنّ مبعثها ذاتي والحاجة إليها اجتماعية وثقافية وأنطولوجية إنسانية محضة مرتبطة بالحقِّ في الوجود.

وقد بدأ نسقنا الثقافي في جغرافيتنا في التحوّل والتفكّك؛ لأنّ التراكم والإرث السياسي والثقافي السابق، فَقَدا كلّ إمكانيّة البعث والحياة والاستمرار، ونحن بحاجة لممارسة تفكيكية دقيقة للقضاء على الداء وإعادة فضائنا السياسي وتشكيل وعينا ومفاهيمنا حول الدولة والمجتمع والتعاقدات الاجتماعية والسياسية. ليبقى بناء الأنساق السياسية الجديدة وفق الشروط والمتغيّرات العالمية الجديدة، ووفق نَفَس الحراك الديمقراطي وروح الإرادة الشعبية وحاجاتها، متوقفًا على تعاقدات جديدة تتأسّس على احترام الذات الإنسانية وآمالها غير المحدودة نحو التحرّر، وأيّ مشروع لا يتضمّن هذه المطالب أو لا يستجيب لتلك الشروط سيعدو مجرّد عثرة طريق في أفق بناء المستقبل، وتأجيلًا غير مبرّر للطموحات المشروعة لكلِّ شعوب المنطقة، وأيّ تأجيل للمشروع الديمقراطي إنما هو نفخ في النار وتأجيج لمزيد من الصراع ودفع لانْوِلاَدِ حراكات اجتماعية ترتبط بالمرجعيات الجهادية أو تجتمع حول الخطابات الشعبوية العرقية أو الطائفية أو القبلية.

نشر بموقع العربي الجديد بتاريخ 05.12.2024 م
الرابط:
https://edgs.co/8qkyi

السبت، 6 يناير 2024

كتاب جماعي يجدد التفكير النقدي في إرث الفيلسوف المغربي عابد الجابري اصدار 2024م


إذا أعطاك الله أبهرك..

صدر قبيل اختتام هذه السنة الميلادية 2023م كتاب: "محمد عابد الجابري  أسئلة المشروع وآفاق التجديد"، وهو كتاب جماعي ضم أوراقا بحثية لثلة من الباحثين المميزين حول أعمال المفكر المغربي المرحوم محمد عابد الجابري، كما تضمن المشروع ورقة بحثية لي عن التفكير في المقاصد الأخلاقية عند المفكر الجابري، فكل التقدير للساهرين على المشروع وخصوصا الأستاذ سلمان بونعمان الذي اقتطع من وقته وجهده لاخراج هذا المشروع، ومن نعم الله على المرء أن يبارك له في وقته وجهده ويقوي عزيمته، فله سبحانه المنة والشكر.


تدوينة يوسف محمد بناصر


متابعة من موقع هسبريس


كتاب جماعي يجدد التفكير النقدي في إرث الفيلسوف المغربي عابد الجابري

هسبريس - وائل بورشاشن

الجمعة 5 يناير 2024 - 03:00

بعد مرور 14 سنة على رحيل المفكر المغربي البارز محمد عابد الجابري، يستمر الاهتمام البحثي بمنجزه ومنهجه والأسئلة التي شغلته، في كتاب جماعي جديد، يطمح إلى تقديم “عمل تركيبي مستوعب لمشروعه العام، ومنهجه في التفكير والتحليل والنقد، وأفقه الإيديولوجي الملتزم بقضايا النهضة والإصلاح”، لخلق “المزيد من الحوار الجاد، والنقد البناء ضمن أفق حضاري جديد يفكر في سؤال المنهج وإصلاح أداة الفكر، والوعي بالشروط التاريخية والحضارية لاستئناف دورة جديدة تخرج العقل الإسلامي المعاصر من آفات الانحباس الفكري والجمود العقلي والإحباط الحضاري، وتسهم في تفكيك معضلة التطرف والطائفية والاستبداد.”


الكتاب المعنون بـ”محمد عابد الجابري: أسئلة المشروع وآفاق التجديد”، صدر عن “عقول للثقافة والنشر والتوزيع” بشراكة مع “مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات”، وجمع دراسات كل من محمد الشيخ، حسن طارق، سعيد شبار، سلمان بونعمان، عادل الطاهري، حسن فورات، إسماعيل الحسني، الحسان شهيد، مصطفى بوكرن، عبد الرحمان اليعقوبي، أيوب بوغضن، محمد علا، حكيم كرومي، مصطفى بنزروالة، يونس حباش، مصطفى فاتيحي، عز الدين جبار، ويوسف محمد بناصر.


يهتم الكتاب بأسئلة التراث والحداثة عند الجابري، وقراءته للتراث الفلسفي العربي، ولابن خلدون، وابن رشد، وتصوره للسياسة والدولة و”القطيعة” والنهضة وتفسير القرآن، وإصلاح التعليم، والثقافة، والمسألة العلمانية، والسؤال الديمقراطي، وعلاقته بمشروع عبد الله العروي.


وقد حكمت أعمالَه لجنة علمية ضمت أساتذة من مختلف الجامعات المغربية، هم: إسماعيل الحسني، محمد علا، الحسان شهيد، محمد بنجبور، سلمان بونعمان، محمد الشريف بنخي، خالد يايموت، محمد الصادقي، حفيظ يونسي، الحسن مصباح، خالد عاتق، عبد الرحيم الدقون، ومحمد الطويل.


هذا العمل المهدى إلى روح الباحث الشاب أيوب بوغضن، وأرواح “شهداء فلسطين، وكل شهداء التحرر في العالم”، يروم “تجديد التفكير في مشروع الجابري”، لا لإضفاء نوع من القداسة على “إرثه الفكري الملهم”، بل لـ”تفكيك أفكار الجابري واختبار قدراتها التفسيرية، وامتحان خلاصاته واستنتاجاته في علاقتها بما آل إليه الواقع العربي والمغربي من تحولات وتطورات.”


يسجل الكتاب الجماعي أن الجابري “يمثل مدرسة مغربية أصيلة ومتميزة لم تتنكر لجذورها ولم تنغلق على تراثها، بل اختارت الانتظام النقدي في التراث والاعتزاز به والانطلاق منه، أملا في بناء الذات الحضارية المنفتحة على روح العصر والتجارب الإنسانية في النهضة والإصلاح”، ويضيف أن “قطاعات واسعة من النخب الفكرية والمثقفة العربية والإسلامية والإنسانية” تقدر “إسهاماته وقيمة عطاءاته النوعية بوصفه مفكرا عربيا فريدا”، ذا مكانة “ملهمة في الحياة السياسية الوطنية والعربية، بصفته مناضلا صلبا احترق بأسئلة الواقع وانخرط في حركيته وتفاعلاته من موقع التحيز الواضح لمبادئ الدمَقرطة والوحدة والكرامة والعدالة الاجتماعية.”


وقال المشرف على العمل الجديد سلمان بونعمان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس رئيس مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات، إن “الفيلسوف الراحل محمد عابد الجابري” يظل “صاحب بصمة فارقة في تاريخ الفكر المغربي والعربي الإسلامي والإنساني المعاصر”، ويبقى مشروعه “واحدا من أبرز المشاريع الفكرية التي طبعت فضاء الفكر العربي والإسلامي بالجدية والجدة والإبداع”، وتشكل مساهماته “مرحلة هامة في تقييم الخطاب الفكري والنقاش السياسي الذي أطر أسئلة مرحلة ما بعد الاستقلال وهموم الدولة الوطنية، ورصد إشكالات التحديث السياسي والنهوض الحضاري والتجديد الفكري في العالم العربي والمغاربي.”


ونبه بونعمان إلى أن استعادة مشروع الجابري وتجديد النظر في نسقه الفكري بمنطلقاته وفرضياته وتحليلاته وخلاصاته، شرط ضروري “لاستئناف النظر التجديدي، وتقييم مسار تطور الوعي النهضوي العربي لجيل بكامله، بالنظر لما يمثله من امتداد فكري وحضاري للحركة الإصلاحية المغربية والعربية في أبعادها النهضوية والتاريخية”، فضلا عن “الأهمية النظرية والمنهجية لرؤيته في التواصل مع التراث الديني والحضاري للمسلمين وفي قراءة خريطة العقل العربي، ورفضه الواضح لخيار القطيعة الجذرية مع التراث أو استئصال الإسلام أو جعله مصدرا للإرهاب والتخلف”.


ويجاوز هذا الكتاب، وفق منسقه، “مقاربة الانبهار أو التقديس أو الاختزال في فهم مشروع الجابري”، ويختار “مقاربات مركبة ومتعددة الزوايا والآفاق، تنطلق من أرضية التقدير والاحتفاء والاعتراف بجهود الجابري الكبيرة، وغيرته الوطنية وأصالته العربية، وتطلعه للتبشير بمشروع نهضوي عربي جديد، يواكب تحولات الواقع ويستوعب متغيراته، ويقوم على فكرة التقريب بين التيارات الفكرية والسياسية المتصارعة داخله وحوله، عبر كتلة تاريخية جامعة قادرة على إنجاز الحلم الديمقراطي النهضوي.”


كما يسعى المنشور إلى “الخروج من أسر التبخيس”، بتجنب “الانخراط في حركة تشويه أفكار الرجل واتهامه ومحاكمة نواياه”، وعبر اختيار واع وحس علمي ومنهجي لـ”النقاش الهادئ والنقد البناء لِهَنات الجابري”، مع التنبيه إلى “المحاذير المنهجية والعلمية التي لحقت مشروعه في فهم القرآن الكريم وإعادة تفسيره وفق أسباب النزول.”


ويقول تقديم الكتاب إن أهم ما تركه الجابري لقرائه “اجتهاده في التفكير النقدي والتساؤل المعرفي حول العقل العربي بنية وتكوينا وسياسة وأخلاقا، وانشغاله بالتراث مدخلا لبناء الحداثة في العالم العربي ومحاولته فهم القرآن الكريم”، بعد مسار اتسم بـ”المصداقية الأخلاقية والنزاهة الفكرية”؛ لأنه “لم يكن مثقفا معزولا عن نبض المجتمع وتحولات الواقع، بل انخرط مبكرا في مقاومة الاستعمار ومواجهة امتداداته بعد الاستقلال، واعيا بهموم المجتمع وقضايا وطنه وأمته التي تنشد التحرر والديمقراطية والوحدة والتنمية، ولذلك سخر فكره وإنتاجه ليكون له تأثير في الواقع، محاولا تقديم إجابات فكرية على إشكالات الواقع العربي وتحديات غياب الديمقراطية، وتعثر مسيرة التنمية وفشل توطين الحداثة”.


ومن بين ما يحاول هذا الكتاب تصحيحه، عقودٌ من “الخصومات الإيديولوجية والخلافات السياسية” التي “شكلت عائقا نفسيا وفكريا حال دون الإفادة من جهود الجابري وأطروحاته المتقدمة، التي تجاوزت وارتقت فوق أشكال الصراعات الفكرية والإيديولوجية التي سادت في الخطاب القومي والإسلامي معا، واختزلته في صورة ضيقة وفي تصنيف مجحف بسبب الاختلاف مع انتمائه الحزبي أو اشتغاله القومي العروبي”؛ لأن هذه التصنيفات حرمت “جيلا بأكمله من إدراك أصالة اجتهادات الرجل، وصدق غايته الإصلاحية وغيرته على الديمقراطية والإسلام، وإيمانه العميق بدور الدين في التقدم والنهوض.”


المتابعة من موقع هسبريس





الاثنين، 25 ديسمبر 2023

 البلوكاج النضالي وأثر الكوبرا..

 تنسيقيات التعليم تستفيد من دروس السيد رئيس الحكومة.


نشر بموقع لكم بتاريخ: الأحد 24 ديسمبر 2023م

لنرجع بالذاكرة قليلا لما مضى، فقد كنا نطالع في الجرائد ونتتبع الشأن السياسي، إثر انتخابات أكتوبر 2016 أحداثا مثيرة متعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة في احترام كامل لمقتضيات الدستور الجديد، حيث أفرزت صناديق الاقتراع فوزا شبيها بالاكتساح للإسلاميين (حزب العدالة والتنمية)، تقريبا حصدوا 125 مقعد مقابل 395 مقعد من مقاعد الغرفة الاولى من البرلمان، لتحصل بعد ذلك قصص غريبة وغير مألوفة، أهمها كون السيد أخنوش رئيس الحكومة الحالية رفض المشاركة في التحالف الحكومي مع العدالة والتنمية؛ إلا بشروط منها تنحية بعض الأحزاب السياسية العتيقة من ذلك التحالف، وإلا لن يكون هنالك حكومة بأغلبية مريحة، مما أوقع السيد بنكيران في مأزق، وحزبه في مخاض عسير، كما كان المجتمع يتأول الخطابات والسلوكات السياسية لقادة الأحزاب الأخرى، علما أن السيد رئيس الحكومة الحالية؛ كان قد شارك سابقا في حكومة بنكيران الأولى دون لون سياسي بعد أن قدم استقالته من الأحرار، ليرجع مرة أخرى بعد أن عوض الأستاذ صلاح الدين مزوار، وبعد تلك “المعارك الدنكشوطية“  بين مكونات المشهد السياسي، كان الحل الوسط وحفاظا على روح الدستور هو تعيين شخص آخر من الحزب الاول (للعدالة والتنمية)، ليبدأ مشاورات أخرى لتشكيل الحكومة، وهو الدكتور سعد الدين العثماني ليتم استبعاد الاستاذ بنكيران.

والسؤال  الذي يفرض نفسه الآن، ما علاقة الحدث بقصة الاضرابات في التربية والتعليم؟ الإجابة أظنها واضحة وبسيطة، وهي كيف لرجل سياسة مارس المراوغة وحرص على المكاسب لنفسه ولحزبه ومارس التفاوض بشراسة ، وتمكن من إيقاف لمدة أشهر الحياة السياسية بالمغرب، بسبب موقفه من الحزب الذي حصد أغلب الاصوات، فكيف إذن، لهذا الرجل أن ألا يكون أيقونة في الدرس النضالي المغربي !، وتستفيد منه التنسيقيات الميدانية للتعليم( لتقول إنا عكسناها) في علاقتها مع النقابات، هذه الأخيرة التي يفر بعض كتابها خفافا وثقالا كلما تمتمت الحكومة بقرار للتوقيع عليه، فيتهمون بالمولاة للحكومة، وربما يوافقون على أشياء لم يوافق عليها القواعد، والدليل بيانات بعض المكاتب الإقليمية لفروعهم النقابية!  بل مشاركة  بعض منضاليهم الأساسيين في الحراك الميداني.

إن التنسيقيات تمارس نفس الفعل النضالي التاريخي للسيد رئيس الحكومة، وتستفيد من خطواته النضالية الشيقة والمثيرة. فالبلوكاج النضالي اليوم من جهة أخرى، هو درس في “المساحة الحقوقية” المتاحة والتي تتمتع بها بلادنا تحت رئاسة حزب الاحرار، وهي قراءة في جانبها التفاؤلي، وهو ما نسجل أنه شيء يحسب للحكومة الحالية ! وهذه التجربة كذلك تقدم صورة إيجابية لما ترسخه من القيم في إطار الدرس النضالي لفترة المعارضة التي مارسها حزب الاحرار في المجتمع المغربي في فترة من فترات احتدام الصراع السياسي، وخصوصا أن الوسط  التعليمي اتعظ به، وهم الذين وعدوا ب 2500 درهم في الحملة الانتخابية بلسان السيد رئيس حزب الأحرار، حتى إن البعض ظنها  زلة لسان منه إلى أن أكدها تصريح السيد الطالبي العلمي، وتسجل من طرف نساء ورجال التربية والتعليم بلهفة وبمداد من ذهب، فإن كان البلوكاج السياسي مورس على المجتمع بجميع قطاعاته، فربما التنسيقيات تمارسه بشكل ديمقراطي في قطاع واحد يقدم خدمة عمومية، وتحت رئاسة السيد أخنوش. وما عليه إلا أن يتسم بسعة الصدر.

الآن ما تأثير الكوبرا على القطاع التعليمي، من المعلوم أن هنالك أسطورة تكاد تكون قصة واقعية، وهي أن سياسيا بريطانيا أراد ان يخفف من تجوال ثعابين الكوبرا في الهند، فأمر بمنحة مالية لمن يصطاد الثعابين ويسلمها للسلطات مساهمة في تخفيف أثرها على البيئة ومنع سمها عن أبناء المجتمع، فتحفز الناس لاصطيادها، ولكن بعض الاذكياء بلوروا فكرة جهنمية، وفكروا خارج الصندوق، فربوا الثعابين خفية،  وجعلوها تتوالد لكي يبيعوها للسلطات مقابل المنح المالية، بدل التعب في اصطيادها، فلما تفطنت السلطات لهذه الحيلة جمدت فورا قرارها، فلما لم يجد أصحاب مزارع الثعابين المنح المالية الموعودة لهم، أعادوا إطلاق الثعابين في الطبيعة؛ مما زاد في تكاثرها وتهديدها للسلامة المجتمعية، فكانت تلك القصة عبرة دالة على محاولة حل مشكلة بقرارات غير حكيمة ولا مدروسة، لتزيد هذه الحلول المتسرعة تلك المشكلة سوءاً وتفاقما.

وهكذا كانت قرارات رئاسة الحكومة المغربية والوزير الوصي على القطاع ، فلو أن قرارهم كان الغاء المرسوم أو على الاقل استضافة كل الاطراف على طاولة مفاوضات واحدة، قبل اطلاق النظام الأساسي، وعدم الإسراع في اخراجه إلا بعد عرضه على المجلس الأعلى للتعليم، لإبداء رأيه أو  على مؤسسة البرلمان،  لكان الأمر هينا وسلسا، ولأعتبر قرارهم حكيما وناضجا، ويكتسب شرعية أكبر ومستحسنا من فئات عريضة، ولكن الارتجالية وقلة التواصل والاعتباطية وعدم استشارة المجالس، ولا الرجوع لمن يهمهم الامر ممن يطبق عليهم، جعل الحكومة في ورطة والنقابات بين فكي الشغيلة والحكومة ، والجميع في وضع لا يحسدون عليه، وخصوصا أن التنسيقيات مندفعة لمزيد تعبئة للتصعيد، ولتحقيق مكاسب مع اكتساب نضالها زخما شعبيا وأفقا وحدويا منقطع النظير.

يبدو أن شهر أكتوبر له تأثير سيء على السيد أخنوش كالرقم 13 في متخيل بعض الناس، لذلك أنصح الأوصياء على القطاع والحكماء من أهل الرأي والتأثير والذين أيديهم في هذا الملف الشائك؛ أن يسرعوا في إيجاد أرضية مشتركة لتخفيف حدة الصراع والوصول إلى رأي وسط، تحقيقا للمصلحة العامة واستدراكا لما يمكن من السنة الدراسية ومصلحة المتمدرسين، أما قرار إخراج النظام الأساسي لرجال التعليم بهذا العور الظاهر( رغم أن الوزارة لها جيش من الخبراء والمستشارين..) على عكس بقية الأنظمة الأساسية الأخرى، فلا يزيد إلا في التأثير على السلم الاجتماعي، واندفاع نساء ورجال التربية والتعليم لمزيد نضال، خصوصا مع انعدام العدالة الأجرية وصعود التضخم والزيادة في الضريبة، والاقتطاعات لإصلاح صناديق التقاعد، ولأن الكثير من الهيئات والفئات داخل القطاع تحس بالغبن و(الحكرة) بسبب الحلول التجزيئية،  كأن الحكومة أو النقابات لا تتوفر على خبراء ولا اذان صاغية، بعد كل هذا المارتون من الحوارات والتوافقات التي انتهت بكل هذه المساوئ.


مدرس وباحث
عضو تنسيقية دكاترة قطاع التربية الوطنية.


رابط المقالة من مصدرها:

الأربعاء، 22 نوفمبر 2023

قطاع التعليم بالمغرب من النضال المنقبض إلى النضال السائل.. اضرابات 2023م

 قطاع التعليم  بالمغرب من النضال المنقبض إلى النضال السائل.. اضرابات 2023م

بقلم: يوسف محمد بناصر

باحث مغربي

ـــــــــــــ

فليسمح لنا باومان زيغمونت في توظيف المفاهيم التي يشتغل بها، والتي من بينها توصيفه بالسيولة للحداثة والاخلاق ووو، وعلاقة بالموضوع أعلاه، أظن ان اشتغال نساء ورجال التعليم على نضالات الشارع خلال هذه الفترة الممتدة من الايام العصيبة والتي يمر بها قطاع التعليم بالمغرب، بأن أقل ما يمكن أن توصف بها أنها تعيش حالة سيولة، فقد انطلقت " الحركة الاحتجاجية" بشكل عفوي في بداياتها ليجد الحراك له بعد ذلك أحضانا وتنسيقيات ومتهافتين من من منظمات نقابية وحقوقية ومدنية..، وزادت وتيرة الاحتجاج بسبب بلاغات وخرجات غير موفقة لوزراء وساسة في الاغلبية الحكومية، وأصبحت بعض مطالب المناضلين تعلو مع  ارتفاع صرخاتهم في الشارع، وأصبح الملف المطلبي يوما بعد يوما يقترب من المثالية الهيغلية، فمن مجرد اعدام النظام الاساسي المشؤوم الى المطالبة بالزيادة في الاجور وتقديم اعتذار واضح لرجال ونساء التعليم.

ومن يحضر بين الاساتذة في نقاشاتهم يجد نفسه مدفوعا بسبب دفء الحراك والواجب الاخلاقي والانتماء المهني للانخراط في الخط النضالي التصعيدي، وربما الانخراط في المزيادة في مطالب الشغيلة، وقد يقضي البعض ساعات من النقاش يوميا، وفي تكرار مطالبه وفي كل مرة يقوم بتجويدها وتحسينها، ردا على مطالب الحكومة بكونها على استعداد لتجويد النظام الاساسي بدل ابطاله، ومن المستغرب أن تبقى الوزارة الوصية صامتة صمت نبي الله زكرياء في محرابه، وحتى ان البعض يصف الوزير الوصي على القطاع بكون من شيمه الصمت والسكينة وانه يعتبر من خوارم المروءة كثرة الحديث للاعلام، اللهم ما كان من لقاءات يتيمة تمت سابقا ، ويكاد الجميع يجمع على أن الاسئلة مسربة له، وان خروجه كارثي، ولم يسمح للرد عليه في نفس البرامج تفاديا لتشويش محفوظاته او بياناته، بمعنى انه جاء لكي يملي وليس لكي يناقش ويحاجج (لذلك ربما كان يكرر قالو لي). 

ومما يزيد الوضع سيولة وانجرافا لمزيد احتدام وغليان، هو ما يصرح به وزراء في قطاعات اخرى باسم التضامن الحكومي ، علما ان هؤلاء الوزراء دافعوا عن قطاعاتهم وحسنوا اداءها واقتطعوا لموظفيهم مكاسب جمة,,، فكيف يبخلون على قطاع التعليم  بفلسات وهم أهل الجود مع أهل ربعهم، والاسوأ من ذلك كونهم يحشرون أنفهم في قطاع له وزير  مشهود بكفاءته ويوصف بانه مهندس النموذج التنموي الجديد الذي يحتل فيه التعليم أولوية بارزة.

لقد كانت نضالات رجال التعليم بعد الربيع الديمقراطي منقبضة ومحتشمة ، ولم يعرف في قطاع التعليم هذا الخروج و"الحراك" منذ منتصف التسعينات مع انتشار الفكر اليساري المتشبع بالفكر النضالي من أجل الطبقات والمتحمس للبروليتاريا والطبقة المتوسطة، وهذه السيولة من الاحتجاجات التي عمت المغرب  والمتحمسة والمتسمة كذلك بالاتزان والعقلانية لحد الان، يبدو أنها تسير نحو النضج واختراق أفق مطالب أخرى مع التحاق تنسيقيات واطراف عمالية مهمة بها، مما سيزيد في تاجيج الوضع المتسم بالاختناق الاجتماعي والاقتصادي ..، بمعنى  نحن نسير نحو رفع سقف المطالب لتنتقل من اجتماعية واقتصادية الى سياسية، وامام سوء التصريحات وبطء التفكير في الحل من طرف الوزارة الوصية و تسويف رئيس الحكومة نكون أمام وضع (مستغلق).


 وربما هؤلاء  الساسة يلعبون على قاعدة من يقصر نفسه يخسر، فنكون أمام معادلة صعبة الخاسر فيها هي المدرسة العمومية واستمرار سوء تدبير قطاع  عمومي مازوم، وتوقف مرفق من اهم المرافق العمومية عن تقديم خدمته، مما يدفع بالاسر الى الالتحاق بالحراك ليس فقط مطالبة بتدريس ابنائهم ولكن كذلك يطالبون بتجويد المرفق باعتباره اساسيا وانهم يدفعون ضرائب على اساس استمراره وجودته (وتفعيلا لشعارات المدبرين للقطاع الذين يطبعون لافتات مع كل دخول مدرسي تحمل هذه المضامين)، ثم قد ينتقل اولئك الاباء بفعل الغضب الى محاسبة من تقع مسؤولية تكدير صفو الدخول المدرسي عليه  ونت يهدد ابناءهم بسنة بيضاء ، ويحرض على تمديد أمد الأزمة، فندخل بذلك من باب المحاسبة السياسية بممارسة الرقابة والنقد السياسي على المدبرين من الساسة، ولن يتوقف المحتجون على مطلب شعبي بريء في بدايته، لتنحرف الامور لتكون متسقة مع مطالب اخرى، لتتداخل مع اشكالات يعيشها المواطن البسيط لا يجد لها مبررا ولا حلا، والتي ترتبط بمعيشته اليومية وتضخم الاسعار...  وسؤالي الاخير، من يملك الجرأة أكثر ليحافظ على مصلحة الوطن بدل العبث بمصير أبنائه بالتموقف في منطقة  التعنت والمكابرة..؟

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

يوسف

تدوينة رقم 9



الأربعاء، 4 مايو 2022

 #أوربا_الفزاعة_العجوز__والدرس_الأوكراني..ما أشبه اليوم بالبارحة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم: يوسف محمد بناصر

باحث وكاتب مغربي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يبدو أن حلف الناتو الذي يجمع بعض الدول الاوربية مع بعض الدول خارج  القارة العجوز بدأ بالانهيار مبكرا، وقد سبق وان نبه الرئيس السابق للولايات المتحدة الامريكية لكون انهيار الحلف مسألة وقت فحسب، لذلك كان يبتزهم ويحرك كل مرة قواعد اللعب لما يخدم مصالح بلاده، كما صرح ماكرون الرئيس الفرنسي ان الحلف يعيش لحظة وفاة سريرية وان هَمَّ القائمين عليه وضع الميزانيات دون وضع خطط استراتيجية لحماية أعضاء الحلف. 

ان تاريخ اوربا للاسف يبدأ مرة اخرى من نقطة سفك الدم سواء ماكان سببا لاندلاع الحرب العالمية الاولى باغتيال ولي عهد النمسا  وصولا الى افتعال معركة حدودية من طرف هتلر بين المانيا مع بولندا ليدخل العالم حربه الثانية، وتسبب بذلك  الدكتاتوريات بعض تورط الديمقراطيات الهشة في خسارة ملايين من البشر لارواحهم وسفك الكثير من دماء الابرياء .


اوربا اليوم للاسف لم تستفد من ديمقراطيتها ولا تاريخ مؤسساتها واجهزة التفكير الاستراتيجي المدنية والعسكرية لتتوقع هذه الخسارة وهذا التهديد المتوحش لمنطقة نفوذ حلف الناتو، لتقع  في النهاية ضحية الغزو الروسي لحدودها بعد أن افتعل بوتين أزمة يتبعها بالتدخل العسكري تحت مبرر حماية مصالح الروس وحماية الاقلية الروسية ضد العدوان الغربي وتوسع حلف الناتو، وبعد أن أوهمت الولايات المتحدة الامريكية باستعدادها للدفاع عن مصالح الحلفاء.

يشبه رد فعل الولايات المتحدة الامريكية اليوم موقفها البارحة لكونها ستكون المستفيد الاكبر من صفقات السلاح ومن السخاء الاوربي لحماية الحدود وجعل اوكرانيا مستنقعا دمويا للروس فتضرب جهتين بحجر واحد، وبطبيعة الحال دولة  يفصلها الالاف من الكلومترات عن اوربا لن تخسر شيئا اذا اطلقت روسيا آلتها العسكرية وصلوا لجدار برلين التموقع السوفياتي.. فالحرب هي استعادة للأمجاد التاريخية، ربما تدخل دباباتها العاصمة باريس..، وافضل شيء سيقوم به الرؤساء الامريكيون هو اعداد خطة بميزانيات خيالية لاعداة اعمار اوربا المدمرة، كخطة وزير الخارجية الامريكي الجنرال جورج مارشال الذي ساهم في تقديم رؤية لاعداة بناء اوربا وسميت الخطة باسمه:"مشروع مارشال"، اما بلاد جلالة الملكة فانها اختارت منذ البداية وربما بالصدفة أو عن سابق قراءة وتوقع الانفصال عن مشاكل شقيقاتها من دول اوربا الغربية وما يستتبع ذلك من النأي عن اشكالاتها الاقتصادية والمالية ومجازفات اقتصادية وسياسية وعسكرية غير محسوبة، وربما ملامح سياستهم البرغماتية الحمائية بدات مع الانهيار  الاقتصادي لدولة اليونان منذ سنوات..


إن الرئيس بوتين من خلال تاريخه الطويل كرجل استخبارات متمرس وسياسي محنك جمع بين المعرفة العسكرية والاطلاع عن قرب على السياسات التاريخية للسوفيات وروسيا الفدرالية..، وعمل على بناء دولة روسيا وفق رؤية سياسية تحن لمجد القياصرة وممارسات ستالين الاستبدادية ومكنه وبنى حوله  طائفة من اوليغارشيا تعينه، استفادت منذ مدة من فوضى انهيار الدولة السوفياتية. وربما النزعة الدكتاتورية وقدرة بوتين على المناورة جعلته اليوم يحكم روسيا بامتدادها الجغرافي وتنوعها الاتني والسياسي بالنار والحديد، ليطمح الان لأن يلقن الغرب درسا تاريخيا يكلفهم الكثير من الدم والالم والمال، ربما منتقما لدولة السوفيات من الغرب وممارساته البراغماتية وسياسته التوسعية وتنصله من اتفاقاته مع الروس في لحظة ضعفهم وانهيار دولتهم، وعلى العكس من ذلك تبقى الحكومات الغربية الديمقراطية غير مستوعبة لحركة ومناورات بوتين وغير قادرة على فهم منحنيات تحولاته النفسية والسياسية وهو الذي يحمل معه ثقل الماضي ومآسي الانهيار الكبير الذي اصاب بلاده وحطم طموحاتهم القديمة، ولان ذاكرة الرؤساء الغربيين ربما تتوقف على تاريخ الغرب المنتشي بالانتصار ودون ذلك مصيره النسيان، وربما تولي بعض المنتخبين لرئاسة الدول في الغرب بشكل ديمقراطي يضعف ذاكرة انظمتهم كما يثقل من رد فعلهم ضد الدكتاتوريات المتوحشة ويجعل قدرتهم على اتخاذ القرارات الاستراتيجية  لاتمر بسلسلة بسبب الممارسات البيروقراطية السيئة،ثم إن حبهم ان يستميلوا المنتخبين والخوف من الاعلام والسنة بعض الصحفيين يضعف موقفهم وجراتهم على عكس سلطة الديكتاتور، وتاريخيا قد استوعب هتلر  تلك التجربة في حربه فقام بتعيين رجل مسرحي ليكون قائد الته الاعلامية والدعائية ويقطع السنة بقية الصحف غير الحكومية، واستعوب بوتين نفس الدرس ليقوم باستصدار قرار يكمم الافواه الروسية، ويحاسب كل صحفي على كل كلمة بعيد غزوه لأوكرانيا..، ويا ويل من احتج أو نطق بخلاف الخطاب الرسمي.

 إننا اليوم وفي سنة 2022 نستعيد مرة أخرى  تجربة نيفيل تشامبرلين الذي حاول استمالة هتلر واسترضائه ليحصل على اصوات المنتخبين البريطانيين في اجتماعات ماراتونية ليحسم هتلر تلك المفاوضات ويضرب كل ما تم مناقشته بعرض الحائط، ليقوم بتنزيل مخططه الدموي، وكذلك اليوم  حاول ماكرون استرضاء بوتين، ليحفظ ماء وجه اوربا، وذلك قبيل الحرب الاوكرانية نيابة عن اوربا، لينفذ الروس خطتهم دون الاهتمام بقرارات وعقوبات اوربا والعالم.. والكل يشاهد ويكتفي بالتنديد، فما أشبه اليوم بالبارحة !

إن شعب أوكرانيا اليوم يضع الغرب عموما  في مأزق سيء، ويضع حلف الناتو على وجه الخصوص في مساحة ضيقة وفي قفص اتهام مثقل بالعتاب حد الاشمئزاز، ويسائل قراراته وبياناته ومواقفه ويحاسب الديمقراطيات المجاورة لدولة اوكرانيا التي تحطم تبجحها  بالحلف والمصير المشترك في أول انفجار لصاروخ روسي داخل الحدود الاوكرانية ومقتل أول ضحية، ولم يعد موقف المساندة وبيانات التفهم والشجب  والدفاع عن الحكومة الشرعية وسلامة أراضي دولة مستقلة وذات سيادة حديثا مقبولا، وللأسف فقد أمست تلك الدول تبدي فقط استعدادها للدفاع عن حكومة كييف المنتخبة والموالية للغرب، وتكتفي   ببلاغات لغوية سواء في الجمعية العامة او مجلس الامن او أثناء اللقاءات الصحفية...حتى أنهم لم يتفقوا على كيفية دعم الدفاعات الاوكرانية التي انهارت أو تكاد الا بغض النظر عن الاف المتطوعين الاوربيين المسافرين من كل المدن للمشاركة في صفوف المقاومة الشعبية، فالروس التقموا تقريبا نصف دولة اوكرانيا وهجروا ازيد من مليون ونصف في الاسابيع الاولى من الغزو ودمروا البنية الاساسية للبلاد وحطموا اقتصاد البلاد كما كسروا قلوب نسائه..والسيد بوتين "الهادئء جدا" يتوعدهم بالمزيد.


اوربا  التي ورثت تاريخ اليونانيين والرومان يبدو انها منذ انهيار اثينا وصعود الدولة الرومانية فضلت قراءة التاريخ بعيون مغمضة بدل تفحصه بعيون ناقدة واستيعاب درس الحربين العالمتين على الاقل، وربما فضل العقل السياسي الاوربي اليوم التورط في حلبة مصارعة رومانية امتاعا لجمهور متعطش للدم وغوغاء السياسة الذين لهم اشتياق للملاحم الأسطورية، فأغلقوا للأبد ساحة الاغورا وفلسفتها، وربما يقضون على تراث العقل التنويري الذي اجتهد في القضاء على الغلبة بالدم وحد المقصلة وأسس للحجة و دافع عن الأنسنة والعمل السياسي  اللاعنفي وفق مفاهيم تظهر مدى تحضر الجنس الانساني وتقدمه..وربما تكون هذه التحولات الجيوسياسية هي مرحلة مشوهة للعودة بالانسان لما قبل التنوير.