الخميس، 5 يونيو 2014
الجمعة، 21 مارس 2014
أي رؤية تجديدية لسياق معرفي متأزم؟
يوسف محمد بناصر *
بدأت الحضارة الإسلامية مسيرتها في خدمة الإنسانية فكرا وروحا وبناء، انطلاقا من رؤية شمولية تنسجم مع المطالب والطموحات الإنسانية، فكان النص المنزل «القرآن» يشهد حركية متفاعلة استجابة لأسئلة الصدر الأول من الصحابة والتابعين المرتبطة أساسا بالحياة الجديدة التي بشر بها القرآن والدين الإسلامي، فنتج عن ذلك إنشاء جيل متعطش للمعارف القرآنية، يسترشد بها للإجابة عن تحديات الجاهلية الأولى ويهيمن بها على مشاكله العقدية والفكرية التي يعايشها أو التي تنحدر من الحضارات المجاورة له [فارسية، بيزنطية، يونانية..]، فجددوا للحضارة الإنسانية نفسها، وصححوا أصلها، لترتقي لقرون عدة، هذا قبل أن تعرف انتكاسة وتدخل في تحديات الانحصار والأزمة والجمود.إن مقاصد العيش الإنساني تتجدد يوما بعد يوم لمستجدات تظهر كل لحظة في الحياة المعاصرة، والدين الإسلامي معني بشكل أو آخر بمواكبة كافة المستجدات التي تقع، لأن المسلمين يتوجب عليهم النهوض بمسؤولية الشهود الحضاري خدمة لدينهم وانسجاما مع مبادئهم العقدية والأخلاقية ومساهمة منهم في الفكر الإنساني.. فقد وجب على ضوء هذه التحديات والمتغيرات المعاصرة أن تواكب مقاصد الرسالة الإسلامية كل جديد وتصدق بما هو مشترك إنساني يخدم روح الرؤية القرآنية، وتهيمن على انحرافات الحضارة المعاصرة فتصححها ثم ترشدها بناء على مبدأ قرآني توجيهي واضح: «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه».
من جهة أخرى، فالسؤال المنهجي والمعرفي المتعلق بمواقع الأزمة ومداخل الإصلاح أصبح متجاوزا، ولزم معه أن يتجاوز العقل المسلم محنته وأزمته الذاتية، سواء تعلقت تلك الأزمة بالموضوعات التي يشتغل عليها أو حتى بنوعية الأسئلة التي يطرحها.. فسؤال التجديد في كل مجال أمسى ملحا ويطرح نفسه كل حين، ويدق كل باب من أبواب حياة المسلم المعاصر، ولا أظن أن الانشغال عنه بموضوعات وقضايا هامشية ينجي كل واقف على حصن من حصون الفكر والثقافة والفقه الإسلامي من أن يتهم بالهروب والانغلاق على نفسه ورفض التعامل مع التحديات المعاصرة، وهذا أقل شيء، وهنالك طائفة أخرى لها أسئلة وجهود، ولكنها غير معفية من محاولة الخروج من السؤال القلق إلى السؤال الناضج، لأن الحاجة الذاتية الآنية تقتضي الترفع والنضج، والمطالب الفقهية والفكرية والمعرفية اليومية للأمة ملحة، تتطلب توقفا ونظرة فاحصة، ومنهجا واجتهادا تجديديا والنهوض به من المسؤوليات التعبدية والتاريخية..
إن المأزق الحضاري الإسلامي الذي يتحدث عنه الكثير من المفكرين لا يتعلق بأزمة فكر أو تاريخ، بل الأمر يكاد يلخص بأزمة منهج العقل المسلم في تعاطيه مع معطيات حضارية سواء أكانت من تراثه أم غيره، وضيق أفق تعامله مع المناهج الإنسانية المختلفة، ثم انحصار شجاعته عندما يتعلق الأمر بإعلانه عن أسئلته المتراكمة وربما المتناقضة والمستشكلة.. بله إجاباته الأخيرة.
يكاد العقل الفقهي والمعرفي الإسلامي يفقد القدرة على رسم طريق بيّن وواضح، لأنه لم يحسم بعد في مسارات الإصلاح وحاجته إليه، بل وصلت أزمته إلى حد التيه عن أسئلته الحقيقية، وابتعد -بوعي أو بدونه لمدة من الزمن- عن التعاطي لمستجدات واقعه فهما وتفقها، حتى نسي أو كاد يطمس قدراته الذاتية في صنع حراك فكري، أو بث نفس جديد ومتجدد في خيارات النهوض والتجديد بالنظر إلى التحديات المتلاحقة التي تحيط به والتي يلاحظ كل يوم امتداداتها من خلال مسيرة الغير المتجاوِز، ذلك الابتعاد جعله يفقده ثقته في نفسه، ويسد لديه أفق التجديد والاجتهاد والإبداع، خصوصا مع وجود فجوة حضارية مع الغير، فتوهم معها أنه من المحال مقارنة إمكاناته بما لدى الآخر ولا مجال للالتحاق بالركب الحضاري، ثم بتكريس -الغرب المتفوق- لقدراته من جانبه لتوسيع فوارق بينية تعقد الأمر، الدخول ضمن دائرته يوجب التقيد بالتزامات معنوية ومادية ثقيلة، قد يصل بعضها إلى القبول بالانفصال عن كل موروث أو التنازل عن كل خصوصية ثقافية أو دينية، وفي حالة الرفض والممانعة فقد يتهم الطرف الضعيف والممانع بالتخلف والمتصارع والمنحرف والمنغلق والماضوي.. وغيرها من النعوت، وطبعا لا مكان للحلول الوسطى فهي مسخ.
إن أفق التجديد في الفكر الإسلامي في ضوء مقاصد الرسالة يتلخص في إعادة تفكيك رؤيتنا لما حولنا من القضايا التي تتطلب من العقل المسلم التدخل بشكل مباشر، لأنها لا تتحمل حالة الانتظار، وأن يتجاوز «عقدته المتوهمة» بأنه غير معني بمشاكل العالم والإنسانية المعاصرة.
ثانيا: إن الفكر الإسلامي بحاجة إلى أسئلة حقيقية تلامس أهم مداخل الأزمة المعيشة -هذا بداية- وأن تلامس تلك الأسئلة ذلك التناقض المعيش جراء الفجوة الرقمية والمعرفية التي خلفها الغرب، فوجب على هذا العقل المجدد للسؤال والواعد أن يفك ارتهانه بالغير، فلا يعيد طرح أسئلة تبسيطية تجعله في مقابل التبع لتابعه، من مثل: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ وماذا خسر الغرب بانحطاط المسلمين..؟ وأكاد أجزم أنه لو تغيرت صيغ السؤال لتلامس جوانب من حياتنا ومن أفكارنا لتغير الشيء الكثير في واقعنا، ولوجود علاقة سببية فلابد أن تتغير الأجوبة بذلك لتواكب الأسئلة وتجيب عنها بحسب معطيات حضارية وإنسانية معينة..
فالفكر يلزمه أن ينفتح على مجالات واسعة لتتبلور في ظلها الأسئلة وتتلاحق الإجابات وتتراكم، وعلى الفقه بدوره -باعتباره يشكل شقا وركنا أساسيا في الفكر الإسلامي- أن يبدأ باستنطاق المراجع المؤسسة للأحكام فيبين على ضوئها وانطلاقا من مقاصدها الكبرى الأحكام العملية والتعبدية التي يمكن أن تخلفها تلك الأسئلة، فيراكم إجابات، ويعزز ويدعم مسارات الإصلاح باستخراجه لتصورات يؤطرها -على الأقل- النص المؤسس، ويحقق انفتاحا على النص من جهة أولى وعلى المشاكل والتحديات الحيوية من جهة ثانية، فلا يكون قد ألغى مشاركته في الترشيد والتوجيه والبناء الحضاري، أو يكون قد طمس ملكة السؤال لديه أو حتى همش النص بصفته مرجعا.
فالفكر والفقه الإسلاميان يشتركان في أنهما نتاجان للعقل المسلم، هذا الأخير أساسهما ومنطلقهما للوجود، فإذا تخلف هذا العقل عن ممارسة دوره واكتفى بأسئلة وأجوبة مستهلكة وجاهزة فلن يتغير شيء ولن يكون له إلا دور المشاهد، فلا أفق أمام أي فكر حر ولا حياة لأي إبداع إنساني ولا مستقبل لأي تحرر في عالمنا العربي والإسلامي.
إن المشاريع الفكرية الإسلامية المعاصرة تبشر بشيء واحد، ألا وهو أن أفق التجديد بدأ فجره يسطع ولو بخفوت وخجل وتثاقل واضح، فمنذ سؤال محمد إقبال ومرورا بأسئلة وبمشاريع مماثلة التي قد تصل في تنوعها حد التباين في الأسس والنهايات -منذ ذلك إلى الآن بقي العقل المسلم في خطوة يتيمة ومترنحة تحسب على أنها بداية فقط لاستعادة عافيته ونشاطه، ولعل هذا الأمر -المريب- يبرهن على وجود اختلال بنيوي صامد لا يقبل إلا صدمة قوية تكسر غفوة العقل، وتزلزل صمود الجدران الواقية لوعي آسن، قد تشكل ذاتيا أو بشكل مفتعل كي يحمي فقط نفسه وبقوة، ولكن الأمر الإيجابي أن تكون تلك المبادرات الفكرية مساهمة في الدفع برسالة الأمة الإسلامية من جديد من أجل الشهود الحضاري الموعود، والاستيعاب الإيجابي للمشترك الإنساني والمواكبة المساهمة في البناء الحضاري.
* باحث أكاديمي
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=6662&issueNo=76&secId=23#
الأربعاء، 7 أغسطس 2013
مقالة في مكر الثورة
البحث عن الحرية،
مطلب كل إنسان بالضرورة، فلا يمكن أن يستعبد الناس بعضهم البعض تحت أي ظرف، كما أن
تزوير تعبير الناس عن تلك الإرادة الحرة والقوية للحياة والحرية؛ لا يمكن أن يغير ذلك
النبض وتلك الطبيعة الكامنة في كل واحد منا.
التاريخ الإنساني
يسجل كل مرة مشاهد من حركات التحرر التي تنبثق من ظلمات القهر والاستبداد لتغلب الاحتيال
على إرادة الشعوب، فلا يمكن أن يتم تغييب كل تلك الانتصارات التاريخية والعودة بالتاريخ
إلى لحظة الهيمنة على الفعل والحس الإنسانين، لما راكمه الإنسان من مشاعر تحررية وأفكار
تنويرية وانتصارات على قيود الحرية؛ مكنته ولاتزال تمكنه من صياغة وجهة نظره بتجرد
ومسؤولية، وتوجه أفعاله نحو الإبداع والنقد والثورة الدائمة على الخوف والاستبداد والرجعية.
الانقلاب على
الإرادة الشعبية شيء مشين يحاسب عليه التاريخ وذاكرة الشعوب، خصوصا تلك التي تتذكر
المآسي والانتكاسات التي وقعت في الماضي القريب. إن ما وقع في مصر ويقع في بعض البلدان
العربية الأخرى، يوضح بطبيعة الحال مدى ارتباك القوانين الاجتماعية التي تحكم الفعل
السياسي والأخلاقي والحقوقي لهذه المجتمعات، لترضخ وتصدق أن الثورة تعيد نفسها مرارا
بلا خلفيات ولا تراجعات، إن التغيير وتحقيق العيش المشترك في إطار دولة مدنية لا يحصل
بزي وبيانات عسكرية. لذلك أظن أن المناخ المصري الاجتماعي والسياسي لايزال مشدوها أو
متماهيا مع تدخلات العسكر في الشأن السياسي لما أحدثته الأنظمة السابقة من تشوهات في
الثقافة والفعل المدنيين، مما قد يصعب الانتقال إلى الوضع الجديد أو حتى تقبله، كما
أستغرب موقف بعض الأنظمة العربية الأخرى؛ التي كانت إلى الأمس القريب تعاني تهديدات
الانقلابات العسكرية المتكررة، لتساند بشكل أو آخر ما حدث في الجمهورية المصرية مؤخرا.
إن الثورة لا
تعني بالضرورة الانقلاب على الوضع القديم كله، بقدر ما تعني إحداث رجة في الفكر والثقافة
الحقوقية والسياسية والاجتماعية لمختلف طبقات المجتمع، سواء منها الهيئات أو الأفراد،
ثم بسط أرضية وممارسات جديدة في الوعي الجمعي في سياق تدبير الشأن العام.

لقد ظنت بعض
الحركات الإسلامية أنها ستحقق بالربيع الديمقراطي مكاسب كثيرة أهمها الوصول إلى الحكم
بانتخابات نزيهة، لتمارس بدورها التدبير والتسيير، وفق برنامج سياسي واقتصادي كغيرها
من الأحزاب السياسية، ليتبين بعد سنتين ونيف على الأقل أن بعضها يعاني من حقيقة عدم
وضوح الرؤية والتصور نحو مفاهيم عدة متعلقة بالاختلاف والتدبير وبنية الدولة، مما جعل
ثقافتهم ومقولاتهم في مأزق معقد، بين الانسحاب من العمل السياسي للدعوة، أو المشاركة
مع فاعلين يتناقضون معهم في الرؤية والخلفيات الأيدلوجية، أو ممارسة الإقصاء والهيمنة
والتخبط في الحكم لوجود تحديات كبيرة أهمها المعارضة الشرسة –داخليا وخارجيا- وقلة
التجربة في التدبير وفشل في المناورة من داخل الموسسات، ثم الوقوع ضحية أخطائهم وترددهم
الكبير في اتخاذ القرارات الممكنة وعدم توقع انعكاساتها والردود المختلفة عليها، ويلاحظ
على الحركات الإسلامية التي أفرزتها صناديق الانتخابات للحكم، ومن خلال التتبع للتغيرات
الكثيرة الطارئة على المشهد العربي بعد الحراك الذي شهدته المنطقة، أن هذه الحركات
كانت تبني فعلها السياسي والأخلاقي على استعدادات لاتخاذ قرارات صائبة دائما، لكونها
مشحونة وجدانيا وفكريا بالخطابات الدينية المتماهية مع المقولات الإطلاقية، ولم تع
خطورة هذا التفكير والوضع الذي ستتسبب فيه لاحقا من ضرر واضطراب في المجتمع، بعد زجها
وخلطها بين المفاهيم الدينية والمدنية دون استيعاب لها، وكان من نتائج هذا الارتباك
عدم استعدادهم لاحتمال اتخاذ قرارات سيئة أو المناورة أو حتى القدرة على استشعار مآلات
خياراتهم في أغلب الأحيان، وهذا قد يكون واضحا من خلال قراءة الوضع السياسي المغربي
أو التونسي أو حتى المصري خصوصا منه وعلى سبيل المثال الخطابات التي ألقاها الرئيس
المصري محمد مرسي في لحظات الصراع أو قراراته المتعلقة بقضايا الدولة المصرية وما كان
فيها من تخبط، وبناء على هذا كانت مكاسب المعارضة عريضة ومناوراتها فاصلة، لأن استعدادها
للقرارات الصائبة كان ينسجم واستعدادها للسيء منها ومثاله موافقة الجيش على الانقلاب.
إن الفكر السياسي
الإسلامي يعيش مخاضعه التاريخي العسير، وما يحدث اليوم في إطار نشاط "الإسلام
السياسي" إنما هو دليل على مرحلة جديدة تطهر ما علق بأذهان الحركات الإسلامية
من مفاهيم ومقولات تاريخية خاطئة أو متجاوزة، لتستعيد وعيها النقدي لتمارس مراجعة علمية
شاملة وحقيقة، طارحة بعيدا كل تلك المحاولات التلفيقية التي عهدتها منذ قرن ونيف، لعلها
في الأخير تخرج بنظريات سياسية واقعية وحضارية منسجمة مع الدين والفكر السياسي الحديث
ومتطلبات الشعوب.
ان الشعوب قد
تعشق قادتها لفضيلتهم، ولكنها لن تقدر على الاستمرار في ذلك العشق تحت وطأة ارتباكهم
وترددهم في لحظة اتخاذ القرارات الصعبة وهم في الحكم، لذلك يجب على الذي يحكم أن يكون
مستعدا أكثر ودائما للقرارات الصعبة التي قد يتخذها ويتحمل عاقبتها، بقدر تحمله للسهلة
وصوابيتها ونشوته بها.
استعرنا من الفيلسوف
هيغل مفهومه "مكر التاريخ" لنتحدث عن "مكر الثورة" لأسباب عدة؛
أهمها أن الثورة في العالم العربي اليوم وخصوصا في مصر، كشفت عن أوجه متناقضة في التصورات
السياسية التي يدعيها كل طرف من دعاة الثورة ورموزها، فقد أسقطت الثورة الأقنعة التي
على أوجه العلمانيين والإسلاميين على حد سواء، وظهر مدى ترهل الفكر السياسي الإسلامي
وعدم انسجامه مع الطموحات والنضال السياسي، وفشله في تدبير الاختلاف، كما أوقعهم عدم
قدرة المجتمع المحافظ على تشرب المفاهيم الحديثة -رغم إرادته في التغيير- في مآزق عدة،
وعموما فرغم كل هذه التناقضات التي ظهرت وأثرت على مسار الثورة فإن الأفق يدعو إلى
التفاؤل، لان روح التنوير العربية المستعادة، وعزيمة الشباب الرافضة؛ لأن يكون مسار
التاريخ اعتباطيا، كلها أشياء مشجعة، ثم إن العبور نحو الحرية والدولة المدنية والثقافة
التنويرية المتجددة التي تنتمي للعصر شيء حتمي، بعد كل هذا التيه الذي عاشته هذه الشعوب.
وختاما أظن أن
فكر الحركات الإسلامية أو "الإسلام السياسي" ووفق الشروط المجتمعية والثقافية
والوجدانية الحالية لا يمكن أن يقدم للتجربة الديمقراطية في الأوطان العربية أكثر مما
قدمه الآن، فلن يصنع الاسلاميون لوحدهم ذلك الانتقال المرن نحو الديمقراطية دون قبول
بالفكر المغاير، ولا ذلك التجديد المأمول في الفكر والممارسة دون التخلي عن الهروب
الدائم للتاريخ ثم القبول بالإبداع والتعايش مع الحداثة، ولا ذلك الرفاه الاقتصادي
المنتظر دون التشبع بروح المساواة والقانون والنظام. لذلك فإن الانغلاق على المقولات
التاريخية عن الدولة الدينية أو التأطير بالآداب السلطانية والبطريركية الأبوية في
الممارسة السياسية والفعل الثقافي شيء يعد من التاريخ الذي يجب تجاوزه وتخلية الذهنية
الإسلامية منه.
باحث وكاتب
– أكادير
http://www.lakome.com/%D8%B1%D8%A3%D9%8A/168-%D9%85%D9%86%D8%A8%D8%B1-%D8%AD%D8%B1/28429-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9.html
الخميس، 19 يوليو 2012
«نحتمل بعضنا البعض لأننا جميعا مُدَّعون»
إميل سيوران-فيلسوف روماني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نحت الأدب الإنساني مفاهيم ثقافية عن علاقتنا الاجتماعية والنفسية التي تربط بعضنا ببعض، وتجعلنا نجتمع بشكل إنساني تحت سقف نعوت وربما ارتباطات مختلفة، تشكل ذواتنا، وربما يحتل مفهوم الصداقة، على غير العادة، مكانة مهمة بين مختلف تلك المفاهيم الفلسفية والاجتماعية والتربوية الأخرى التي تؤسس لعلاقتنا الإنسانية. وأول ما يتبادر إلى ذهن القارئ وهو يطالع كلمات هذه المقالة هو عتبتها وعنوانها،
ليربطه بكتاب لأبي حيان التوحيدي المعنون بـ«الصداقة والصديق»، وهو كتاب له مكانة طيبة ضمن الأدب عموما، ويحتاج الكثير منا إلى إعادة استعادة بعض كلماته وتفاصيله ومعانيه لبناء صداقات ناجحة أو، على الأقل، للاطلاع على ما يفتقر إليه من تصور لمسمى الصداقة. وتأتي مقولة سيوان للتأكيد على موقف وجودي- براغماتي واضح من العلاقة بـ«الآخر»، ربما كان بدوره، باعتباره فيلسوفا، يتصور أن احتمال وجود صداقات جديدة أو قديمة في حياتنا شيء تفرضه ظروف ما سريعا ما نتخلص منها بمجرد تغير تلك الظروف، وهو شيء مربك وعملي في نفس الوقت.
أصبحت لفظة صديق بلا بعد فلسفي ولا اجتماعي ولا نفسي بعدما كثر توظيفها في المواقع الاجتماعية والدردشات، فلا نرى إلا إضافات لصداقات جديدة، حتى إن بعض هذه المواقع، مثلا، لكثرة طلب صداقات جديدة، توقف تفعيل تلك الخدمة مدة شهر كامل على أمل أن يراجع المستخدم بروية ذلك المفهوم أو حتى يتأكد من جدية طلبه على الأقل، فيؤجلون شغفه وفضوله للحصول على لائحة جديدة إلى وقت آخر، ولاحظت أن بعض «الأصدقاء» يكثرون من ذكر عدد صداقاتهم الجديدة بافتخار وكثير «مزايدة» ولو تعلق الأمر بصداقات موقعُها «العالم الافتراضي»، وهذا كله إفراغ لما لمفهوم الصداقة من معنى وحقائق جليلة.
يؤكد أبو حيان التوحيدي، وهو الذي قد يتمنى ربما أن يواكب كل هذه التحولات، على دور الصديق الحقيقي والواقعي بالقول إن حديثه فيه حلاوة، كما أن فيه شفاء للصدر، وتخفيفا من البرحاء، وانجيابا للحرقة، واطرادا للغيظ، وبردا للغليل، وتعليلا للنفس، وربما لأن بعض الناس اليوم لا يملكون القدرة على تكوين وربط علاقات اجتماعية ناجحة وواقعية بسبب العمل أو حالة نفسية أو موقع اجتماعي، مما يجعلهم يهربون إلى العالم الافتراضي، للإحساس بأنه بديل لهم أولا، وثانيا لمشاركة مشاعرهم مع «الأغيار» دون كثير تحرج، ليس فقط بالدردشة في غرف خاصة، ولكن بالإفصاح عنها على الجدار الشخصي للعموم، سواء باسم مستعار أو باسمهم الحقيقي، ثم انتظار «التعليق» و«المشاركة» commenter ou partager، وهذا تحول كبير آخر يصيب جانبا مهما من تصوراتنا للعلاقات الاجتماعية والأخلاقية دون أن أنعتها بالسلب ولا بالإيجاب بل أقف منها موقفا حياديا.
إن المواقع الاجتماعية اليوم تنحت لنا تصورات ومواقف ومشاعر كما تساعدنا على التغيير بشكل سلس ومرن جدا، فتجعلنا ننتقل من حال إلى حال دون أن نعيى بذلك، ومشكلتنا أننا لا نعرف عمق هذا التغير والتحول إلا بعد أن نقطع مسافة كبيرة، دون أن نملك استراتيجية متكاملة تجعل علاقتنا تنسجم مع واقعنا والتحديات التقنية الجديدة، بمختلف جزئياتها، وهو ما يسمى بـ«التبيئة» بكل شروطها، فلا أحد اليوم يقدر على أن يغلق بابه أمام هذا السيل الجارف من المستحدثات، كأننا بصدد حلم مثالي يمنحنا اللذة ويمنع عنا التفكير، وشتان بين الحلم وبين فترة الاستيقاظ، ومثالا على ذلك نتحدث كثيرا عن الخصومات التي تقع بسبب نشر غسيل أحدهم أو أوراق الامتحان على جدار المواقع الاجتماعية أو امتلاك مسؤول لصفحة أو مشكل عائلي بين زوجين بسبب صفحة شخصية..، فنكتشف مشاكل وجرائم جديدة، وفوارق عميقة بين الأجيال المتعاقبة إلى درجة الدهشة، وقد نلاحظ فيما بعد أننا لسنا كما نتصور أنفسنا أو مجتمعنا، بل إننا مختلفون جدا أو منمطون جدا، فالتقنية سلاح لا نقدر على محاكمته أو تخفيف مخاطره.
هل نتحدث عن آداب الصديق وكتاب أبي حيان التوحيدي فقط؟ أم عن صداقتنا بالحاسوب؟ إننا نتحدث أيضا عن الأخير بطبيعة الحال بكل تصانيفه؛ خصوصا إذا كان متصلا بالشبكة العنكبوتية، إنه الصديق الحقيقي اليوم، لأنه يمنحنا المتعة ويجعل عالمنا منفصلا عن كل العالم أو متصلا بكل العوالم، قد كاد يشبه في قدراته ما في أحلام بلاد العجائب، فلم يعد الكتاب مجديا أو بنفس الروعة كما الجلوس إلى «أنيس بشري» أو غيره. وسؤالي: هل سنتمكن من إبداع أمثلة مرتبطة بالواقع الجديد كـأمثلتنا الثقافية القديمة: «الصديق قبل الطريق» و«خير جليس في الزمن كتاب»، تساعدنا على ترشيد علاقتنا بالوافد حديثا؟
الصداقة شيء مهم عند رجال السياسة والأدب وجل أفراد المجتمع مع اختلاف في نظرتهم إليها، لذلك حكى التوحيدي عن أبي سليمان السجستاني قائلا: «فأما الملوك فقد جَلـُّوا عن الصداقة؛ ولذلك لا تصح لهم أحكامها، ولا توفي بعهودها، وإنما أمورهم جارية على القدرة، والقهر، والهوى، والشائق، والاستحلاء،..». وربما مع المواقع الاجتماعية الجديدة لا حاجة بأحد الساسة إلى صديق يؤنسه ويكتم عنه أو يظهر محاسنه، إذ إن هذه المواقع تقوم بكل المهام بلا حجاب ولا وسائط كثيرة، وكثيرا ما تكون التعليقات على أخبارهم تبين صورتهم عند المتلقين، فتكشف شعبيتهم من عدمها، كما ساهمت في ظل الربيع الديمقراطي في تشكيل وعي سياسي مختلف، بل نزعت بعض الساسة عن كراسيهم.
أما ما نقل عنه في الكتاب وأهل العلم فقوله: «.. إنهم إذا خلوا من التنافس والتحاسد والتماري والتماحك، فربما صحت لهم الصداقة وظهر منهم الوفاء، وذلك قليل، وهذا القليل من الأصل القليل»، فقد كانت لهم هذه المواقع خير معين لكشف جديدِ هؤلاء من تنقلات ومشاركات وإبداعات، وهي خدمات تفاعلية توضح مدى اتساع قرائهم، مما يجعلهم أكثر قربا من بعضهم البعض، وهذا ما يفسر مدى انتشار صفحات خاصة بأصدقاء الكاتب الفلاني والعلاني، وهذا ما ينعكس سلبا كذلك على علاقات بعض الكتاب ببعضهم بنشر التعليقات المستفزة والأكاذيب والافتراءات وتحريك العداوات المجانية، وهو سبب وجيه لهدم صداقات مفترضة واقعيا.
لقد غيرت التقنية بعدما دخلت حياتنا طرق تفكيرنا وجعلتنا ننخرط، بشكل أو بآخر، في أشكال ثقافية مختلفة؛ كما جعلت تعابيرنا معقدة ومرتبكة، مما أثر على مفاهيمنا التي أصبحت لها دلالات جديدة تنخرط في تزكية هذا الواقع، ودلالة «الصداقة والصديق» جزئية فقط بدأت تفقد حمولتها شيئا فشيئا بعدما برزت إليها التقنية بأدواتها وبدأنا نصدق أوهامنا الافتراضية ونتماهى معها في اغتيال تام لتجاربنا الواقعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث وكاتب صحفي-أكادير
يوسف محمد بناصر
- الرأي
http://www.almassae.press.ma/node/50511
الاثنين، 9 يوليو 2012
أنا واليوم العالمي للشعـر والربيع الديمقراطي
إن للشعر حضورا بارزا في الحضارة
العربية-الإسلامية، إلى درجة أن زينت به جدران المساجد والأضرحة وكساء
الكعبة والأواني الذهبية والتيجان..، وكان سوق عكاظ قبلا يؤمه بامتياز، كما
عرف بكونه ذاكرتهم بحفظ التاريخ والأنساب والبطولات والمغامرات العربية،
إنه ديوان العرب الجامع لأنبائهم، كما أنه «الابن المدلل» للجنس الأدبي بلا
منازع.
تختلف المناسبات التي يستأسد فيها الشعر بالمجالس حسب مكانة الحاضرين
وباختلاف الأحوال والظروف، فهو من أهم الأجناس الأدبية التي يمكنها أن
تقتحم خلوة الصفوة من الأمراء والسلاطين، باعتباره متهتكا مرغوبا ونديما
محترما.
كان الناس، عامتهم وخاصتهم، ينبرون لسماع قصائد مرتجلة أو مكتوبة في لحظات تاريخية حاسمة أو لحظات إنسانية مهمة، على سبيل المثال: «قصيدة الحياة» لأبي القاسم الشابي التي تمت استعادتها هاتين السنتين، لقوتها وعمق كلماتها في خضم الربيع الديمقراطي، والتي كان أهم أبياتها:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القَدر
ولا بد لليل أن ينجلِي
ولا بد للقيْد أن يـنكسر
ومن لم يعانقهُ شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر
وقوله:
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
إلى أن قال:
إذا طمحتْ للحياة النفوسُ
فلا بد أن يستجيب القَدر
فلقد كان لهذه القصيدة -ولا يزال- وقع جميل في النفوس لما تكتنزه من معان جميلة سامية ومفردات رقيقة راقية، تعبر عن حالة كل إنسان يطمح نحو أفق الحرية والانعتاق من كل قيد.
وقد مرت أيام معدودة على الاحتفال بيوم عالمي خاص بالشعر والشعراء، وأنا أحتفي أو أتذكر هذه المناسبة المجيدة انتابني شعور بالقلق وإحساس بأني بصدد هجاء لهذا الجنس الأدبي، بذلك أخالف منطق الرومانسيين وبعض العقلانيين، فوجدتني مظهرا بعض مثالبه التي أظن أنني وقفت عليها، ربما أكون في غاية الجدية في ذلك أو في قمة الثمالة والمزحة، ويرجع إدراك ذلك إلى مدى قدرتي على الإقناع ثم قدرة القارئ وذكائه في إطلاق مخيلته معي أو حتى اجتهاده لمساعدتي على إضافة المزيد من الأسباب التي تجعلنا نجرب كره الشعر جميعا بقدر ما نحبه فنعكس مذهب الجمهور المتواتر ولو لمرة، هل أنا مرغم الآن على إقناع القارئ بحجج دامغة لما أدعيه؟ هذا ما لا أعد به أحدا، حتى لا يكتشف في الأخير أني دلست عليه أو غالطته.
أيها الشعر كم من إنسان تلذذ بإسماع أو سماع أحرفك في أيام الرخاء ليمنح باسمك النياشين والألقاب ويؤرخ للحب بك، ها أنت اليوم تقف على باب بعضهم تنشد كلمات ينساب منها الموت والذم والهجاء والرثاء..، لم أعرف جنسا يجمع بين الضدين والنقيضين غيرك، كأني أتتبع صفات منافق بين ثناياك.
لا أخفيكم أولا مدى إعجابي بلقب «شاعر»، فحينما أغرق في رومانسية ممزوجة بالصمت أحس بحاجة إلى أن عبر عما أحسه شعرا، حتى يمجد ذاك في ما لم يقل من قبل، قدرة خارقة تتسلل إلى كياني لقول أبيات شعرية تسكن الألم أو الضجيج الذي يكاد يفقدني صوابي، إنه مسكن لألمي الرهيب.
الشعر، هذا «الشيء» الذي يقارب السحر لما ينطوي عليه من جمال «إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا» مصداقا لحديث شريف، إنه يجعلنا نحتفي به كل يوم فنؤلف من أجله الموسيقى لنتوجه بها في الأخير، كأننا بصدد عرس بهيج، كما نصمت دهشة، فنميل يسرة ويمنة ونحن نستمع إلى شاعر موهوب، ثم نكاد نقسم على رأسه أنه يعبر عما نحس به، بل يعبر عما جاءت به الرسل والأنبياء من حقائق أحيانا، لتمتزج روح الشاعر بروح النبي فتتداخل الألقاب في ما بينها، شاعر وعازف ونبي، أي مقام هذا وأي كمال.
والغريب في الشعر أنه يدفعنا إلى التصفيق بحرارة لما نظن أنه تعابير صادقة يختزنها، فله حلة بهاء ورونق، فأحرفه رنانة وكلماته تتسلل إلينا كعبير ربيعي فيه إكسير الحياة، فكثيرا ما نجد بين الجمهور -والشاعر يعلو المنصة- من يكاد يغرق في البكاء أو من يهلل بخشوع ويكبر لما انبثق لديه من معان جديدة تكشفت له مع كل بيت شعري، إنه جنس أدبي غريب، يفرض عليك امتداداته الروحية فتدخل في لحظة استمتاع وتخشع غير اعتيادية.
يبدو أني لم أبدع أو أكتشف بعد تعريفا جارحا وإني لأزال بصدد التعديل، أعترف بأني في مأزق محرج، لأعريك أيها الشعر من مزاياك وأوضح تناقضاتك العجيبة، وأحقق وعيدي، بل غرقت في مدحك إلى الآن. لكني تذكرت أفاعيلك بالممجدين أمس، فكم من قصيدة مدح وثناء ألقيت في مراسيم واحتفالات الزعماء ثم تأتي بعد حين لتمارس نفاقك وسطوتك راقصا على مقبرة نفس الأسماء، كما كنت قبلا تقف على بابهم لتأخذ من عطاياهم، لقد حضرت الأعراس مباركا كما تقبلت التعازي باسمك.
إني لن أنسى أنك توشحت لافتات بعد هنيهة من إعلان الثورة أو «الربيع الديمقراطي» في الميادين في تونس وسوريا واليمن ومصر والمغرب..، تمنح بسمتك وتوقيعك للثوار وترقص بفرح معهم بين أوتار العود وعيون الناي وضرب الطبول تحفز فيهم الروح للزحف والانتصار. قد يعد البعض هذا مزية لك وأنا لا أعتبرها غير رغبة في الظهور في كل محفل تاريخي لتسطو بأسلوبك ومعانيك على زماننا، فنتذكرك حفظا وننسى صور المناسبة. لقد قال أصحاب المعلقات كل شيء بك، كما أرخ العرب أنسابهم وحروبهم بك، وسلبت قيسا عقله واسترقت لسان عنترة ولو تحرر جسده، وخلدت لتأبط شرا صعلكته، لقد مدح بك المادحون كما هجوا وغزوا، أفلا يكفيك كل ذلك.
وإن لم تعد هذه الأشياء منقصة في قيمتك فيكفيني منك أيها الشعر أنك شعار الغواية لمن سلبت عقولهم ووجدانهم وأسماعهم، ودليله قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون).
كثير من الشعراء احتفى بهم الناس وهم ينشدون الشعر في المنصات والملتقيات، فتوجوا أمراء بلا ممالك وسلاطين بلا تيجان، فما إن يخرسهم الموت أيها الشعر حتى تأخذ بريق أشعارهم وعنفوان أسمائهم وتدفنها في ذاكرة مقصية، تسحبها متى شئت وتبرزها أخرى، وحينما يتذكرهم الذاكرون لحظتها يتألق اسمك لا اسمهم، لأن ما قالوه إنما قالوه شعرا، فنحتفي بك مرة أخرى -والدليل قصيدة «إرادة الحياة» التي أدرجنا بعض أبياتها أعلاه والتي يرددها العامة والخاصة في الشوارع هذه الأيام ونسوا لمن هي ولا مناسبتها- فأي رزية بعد هذه الرزية.
باحث وكاتب
يوسف محمد بناصر
http://www.almassae.press.ma/node/47608
كان الناس، عامتهم وخاصتهم، ينبرون لسماع قصائد مرتجلة أو مكتوبة في لحظات تاريخية حاسمة أو لحظات إنسانية مهمة، على سبيل المثال: «قصيدة الحياة» لأبي القاسم الشابي التي تمت استعادتها هاتين السنتين، لقوتها وعمق كلماتها في خضم الربيع الديمقراطي، والتي كان أهم أبياتها:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القَدر
ولا بد لليل أن ينجلِي
ولا بد للقيْد أن يـنكسر
ومن لم يعانقهُ شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر
وقوله:
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
إلى أن قال:
إذا طمحتْ للحياة النفوسُ
فلا بد أن يستجيب القَدر
فلقد كان لهذه القصيدة -ولا يزال- وقع جميل في النفوس لما تكتنزه من معان جميلة سامية ومفردات رقيقة راقية، تعبر عن حالة كل إنسان يطمح نحو أفق الحرية والانعتاق من كل قيد.
وقد مرت أيام معدودة على الاحتفال بيوم عالمي خاص بالشعر والشعراء، وأنا أحتفي أو أتذكر هذه المناسبة المجيدة انتابني شعور بالقلق وإحساس بأني بصدد هجاء لهذا الجنس الأدبي، بذلك أخالف منطق الرومانسيين وبعض العقلانيين، فوجدتني مظهرا بعض مثالبه التي أظن أنني وقفت عليها، ربما أكون في غاية الجدية في ذلك أو في قمة الثمالة والمزحة، ويرجع إدراك ذلك إلى مدى قدرتي على الإقناع ثم قدرة القارئ وذكائه في إطلاق مخيلته معي أو حتى اجتهاده لمساعدتي على إضافة المزيد من الأسباب التي تجعلنا نجرب كره الشعر جميعا بقدر ما نحبه فنعكس مذهب الجمهور المتواتر ولو لمرة، هل أنا مرغم الآن على إقناع القارئ بحجج دامغة لما أدعيه؟ هذا ما لا أعد به أحدا، حتى لا يكتشف في الأخير أني دلست عليه أو غالطته.
أيها الشعر كم من إنسان تلذذ بإسماع أو سماع أحرفك في أيام الرخاء ليمنح باسمك النياشين والألقاب ويؤرخ للحب بك، ها أنت اليوم تقف على باب بعضهم تنشد كلمات ينساب منها الموت والذم والهجاء والرثاء..، لم أعرف جنسا يجمع بين الضدين والنقيضين غيرك، كأني أتتبع صفات منافق بين ثناياك.
لا أخفيكم أولا مدى إعجابي بلقب «شاعر»، فحينما أغرق في رومانسية ممزوجة بالصمت أحس بحاجة إلى أن عبر عما أحسه شعرا، حتى يمجد ذاك في ما لم يقل من قبل، قدرة خارقة تتسلل إلى كياني لقول أبيات شعرية تسكن الألم أو الضجيج الذي يكاد يفقدني صوابي، إنه مسكن لألمي الرهيب.
الشعر، هذا «الشيء» الذي يقارب السحر لما ينطوي عليه من جمال «إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا» مصداقا لحديث شريف، إنه يجعلنا نحتفي به كل يوم فنؤلف من أجله الموسيقى لنتوجه بها في الأخير، كأننا بصدد عرس بهيج، كما نصمت دهشة، فنميل يسرة ويمنة ونحن نستمع إلى شاعر موهوب، ثم نكاد نقسم على رأسه أنه يعبر عما نحس به، بل يعبر عما جاءت به الرسل والأنبياء من حقائق أحيانا، لتمتزج روح الشاعر بروح النبي فتتداخل الألقاب في ما بينها، شاعر وعازف ونبي، أي مقام هذا وأي كمال.
والغريب في الشعر أنه يدفعنا إلى التصفيق بحرارة لما نظن أنه تعابير صادقة يختزنها، فله حلة بهاء ورونق، فأحرفه رنانة وكلماته تتسلل إلينا كعبير ربيعي فيه إكسير الحياة، فكثيرا ما نجد بين الجمهور -والشاعر يعلو المنصة- من يكاد يغرق في البكاء أو من يهلل بخشوع ويكبر لما انبثق لديه من معان جديدة تكشفت له مع كل بيت شعري، إنه جنس أدبي غريب، يفرض عليك امتداداته الروحية فتدخل في لحظة استمتاع وتخشع غير اعتيادية.
يبدو أني لم أبدع أو أكتشف بعد تعريفا جارحا وإني لأزال بصدد التعديل، أعترف بأني في مأزق محرج، لأعريك أيها الشعر من مزاياك وأوضح تناقضاتك العجيبة، وأحقق وعيدي، بل غرقت في مدحك إلى الآن. لكني تذكرت أفاعيلك بالممجدين أمس، فكم من قصيدة مدح وثناء ألقيت في مراسيم واحتفالات الزعماء ثم تأتي بعد حين لتمارس نفاقك وسطوتك راقصا على مقبرة نفس الأسماء، كما كنت قبلا تقف على بابهم لتأخذ من عطاياهم، لقد حضرت الأعراس مباركا كما تقبلت التعازي باسمك.
إني لن أنسى أنك توشحت لافتات بعد هنيهة من إعلان الثورة أو «الربيع الديمقراطي» في الميادين في تونس وسوريا واليمن ومصر والمغرب..، تمنح بسمتك وتوقيعك للثوار وترقص بفرح معهم بين أوتار العود وعيون الناي وضرب الطبول تحفز فيهم الروح للزحف والانتصار. قد يعد البعض هذا مزية لك وأنا لا أعتبرها غير رغبة في الظهور في كل محفل تاريخي لتسطو بأسلوبك ومعانيك على زماننا، فنتذكرك حفظا وننسى صور المناسبة. لقد قال أصحاب المعلقات كل شيء بك، كما أرخ العرب أنسابهم وحروبهم بك، وسلبت قيسا عقله واسترقت لسان عنترة ولو تحرر جسده، وخلدت لتأبط شرا صعلكته، لقد مدح بك المادحون كما هجوا وغزوا، أفلا يكفيك كل ذلك.
وإن لم تعد هذه الأشياء منقصة في قيمتك فيكفيني منك أيها الشعر أنك شعار الغواية لمن سلبت عقولهم ووجدانهم وأسماعهم، ودليله قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون).
كثير من الشعراء احتفى بهم الناس وهم ينشدون الشعر في المنصات والملتقيات، فتوجوا أمراء بلا ممالك وسلاطين بلا تيجان، فما إن يخرسهم الموت أيها الشعر حتى تأخذ بريق أشعارهم وعنفوان أسمائهم وتدفنها في ذاكرة مقصية، تسحبها متى شئت وتبرزها أخرى، وحينما يتذكرهم الذاكرون لحظتها يتألق اسمك لا اسمهم، لأن ما قالوه إنما قالوه شعرا، فنحتفي بك مرة أخرى -والدليل قصيدة «إرادة الحياة» التي أدرجنا بعض أبياتها أعلاه والتي يرددها العامة والخاصة في الشوارع هذه الأيام ونسوا لمن هي ولا مناسبتها- فأي رزية بعد هذه الرزية.
باحث وكاتب
يوسف محمد بناصر
http://www.almassae.press.ma/node/47608
الجمعة، 16 مارس 2012
السبت، 19 فبراير 2011
في مدح الشعب…إذا أراد الحياة
الكاتب/ يوسف محمد بناصر
استمرت لحظات انتفاض الشعب التونسي في تصاعد غير مسبوق وبنفس غير متوقع إلى أن أطاحت برأس النظام المستبد بالسلطة زين العابدين بن علي، فر الرئيس هاربا تاركا كل شيء خلفه في مهب الريح، بعدما فقد السيطرة على زمام ما كان يظن ،إلى وقت قريب، أنه تحت عينه وسلطته التي لا تقهر. إنه "الشعب المنتفض"، لتصبح تلك اللحظة التي أذيع فيها الخبر تاريخية بامتياز، نعم فتونس تحركت كبقعة زيت متوهجة أوقد نارها ونورها "المرحوم البوعزيزي"، ثورة عصفت بالسنين العجاف التي أحاطت جمهورية الزيتونة بقبضة من كهنوت سياسي وبوليسي مترع بالفساد المالي، فانهارت شعارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع صرخات الجسد المحترق، لقد وصلت درجة اختناق الحرية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية في ظل النظام التونسي حتى صار مضرب الأمثال وسنة للاقتداء العربي، لقد اختنقت أنفاس الشباب الذين خرجوا يرددون "لاءات" كثيرة ولكنها عميقة، لا للاستعباد، لا للقمع ، لا تكميم الأفواه، ولا للنهب والاختلاس، نعم للحريات نعم للتعددية، بكل عفوية انتفضوا على ثقافة الانبطاح والاستبداد والخوف، لقد احترقت شرعية النظام التونسي في رمشة عين كما ستحترق غيرها من الأنظمة، صارت لحظة الثورة ناضجة بعد طول انتظار، وحان موسم عربي جديد، انطلق من بلاد الزيتونة، تجتث فيه أشجار علقمية المذاق ثمارها قهر واستبداد لتنفى بعيدا وتستبدل بأشجار تثمر في موسم ربيعي نظام الحريات والتعددية والكرامة ودولة الالتزام بالقانون والحقوق والمساواة. اعتمد النظام التونسي البائد على تسويق صورة مزيفة عن نفسه وعن نموذجه القوي، القادر على التحكم والرقابة، فقد خرب الأحزاب - يسارية كانت أو إسلامية- وجعلها غير قادرة على الحركة والعمل السياسي، وحاصر حراك المجتمع المدني، واعتمد بسط السيطرة بشكل شمولي على كل القطاعات الحيوية، اقتصادية ومالية وإعلامية وسياسية، دجن بعض المثقفين، كما صنع نخبا أخرى لتدور في فلكه وتلمع نموذجه المتقدم زورا، وعذب وسجن المعارضين أو طرد أغلبهم خارج البلاد، ثم خلق اقتصاد الريع ليستفيد أزلامه ليكونوا حماة النظام أو ليتحكم في بقايا المحرومين من الذين قد يحقدون على الوضع أو ينفلتون في لحظة غضب، فيخربون وينهبون ويقتلون ببشاعة كما قد يحصل عند سقوط أي مستبد. عندما أحكم النظام التونسي الخناق على ميادين التنفيس الشعبي وعلى المنظمات والأحزاب والهيئات ونمطها لصالحه، فقد في ذات الوقت السيطرة على الحراك الطبقي والاجتماعي، لتتوسع الطبقة الوسطى المثقفة، كما ترسخ الوعي السياسي فيها مع ارتفاع نسبة التمدرس وتوسع خريجي التعليم العالي، ليكون هذا التحول البنيوي الدقيق هو النقطة التي ستفيض الكأس، لأنها ساهمت في تسريع خطى انهيار النموذج البوليسي المترهل، فانتفض الشعب في لحظة حاسمة تحدوه الحماسة لصنع نموذج ديمقراطي صاعد، يتناسق مع طموحاته ويستجيب لحاجاته الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.إن الشعب التونسي اليوم بانتفاضته الشعبية الشبابية يعد مثالا صادما للمجتمعات التي تعيش في نفس الوضعية لزمن ممتد، لذلك فأمواج الانتفاض ستكون متلاحقة شيئا فشيئا لتعم غالبية الأنظمة الشمولية، التي رزحت بتخلفها الفكري والسياسي على الشعوب، وكل المؤشرات تشير إلى النظام المصري المتهالك الذي أمسى هو التالي في قائمة الأنظمة العربية التي سيخضعها موج "تسونامي التفكيك الشعبي" لقانونه. والإشكالية المطروحة الآن أن الشعوب ستتحرك بدون قيادات ملتزمة بمشروع إصلاحي أو أيديولوجي يحفظ القيم التي انتفض الناس من أجلها في برنامج عملي، ليصبح حراكهم عفويا تعبيريا وفي غالب الأحيان فوضويا، غير مؤطر بمنهجية سياسية واعية وفاعلة، وهذا ما سيتجلى في الانتفاضة المصرية إذا لم يتدارك الأمر في وقته، إنها حماسة الخروج من التيه السياسي العربي، حماسة اكتشاف الذات خارج سلطة القمع وخارج النظام المستبد، لقد تولدت لديهم الرغبة في التحدي، ولو تعلق الأمر باكتساح جحافلهم لشرطة القمع بصدر عار أو الوقوف بتحد أمام طلقات الرصاص، تلك الرغبة والتحدي لم تكن لتظهر لولا الإشباع الذي وصلته النفوس والضمائر من كرهها لثقافة الاستبداد والترهيب التي لا ينتهي لهيبها، فطربت النفوس بقوة لجاذبية التحرر وإرادة التخلص من الضيق الاقتصادي، فحان لزوما الوقت للانتفاض من أجل أن تؤسس ثقافة جديدة مبنية على هذه الحاجات، ولا منة لأحد من "الأحزاب السياسوية" المتخمة بالشعارات الجوفاء والموضوعة تحت تصرف قيادات الفكر القروسطوية أو التاريخ العجائبي، لا منة لأحد من هؤلاء ولا من أولئك على الشعبين التونسي ولا المصري إلى الآن، ولا منة لزعيم سياسي عليهم قد يتسمى مستقبلا بقائدهم الملهم أو الثوري، ولا منة لبرنامج أيديولوجي أو حركة ثورية أو تنظيم سري عليهم..، هم أنفسهم يمنون ويمتنون شبابا وشيبا، نساء ورجالا، على أن انتفاضتهم عملية سلمية شعبية لاعنفية شهد لها العالم ولا يزال، فهم أقاموها بعرق جبينهم وبأيديهم وبدمائهم وبعفويتهم السياسية، وقد جوبهت برصاص أنظمتهم المتمرس للقمع، لكن كانت إرادتهم أقوى وصدورهم أمتن وصفوفهم متراصة، فالعنف لا يولد إلا العنف والكراهية والانتقام، ولا أحد من مصلحته أن تتأجج مشاعر الانتقام، لأنها ستحرق في طريقها الأخضر واليابس، والشعب الذي يتبنى الفعل السلمي بشكل عفوي ذكي سياسيا وثقافيا، لأنه يرفض الوقوع في هفوة العنف والصراع المسلح أو على الأقل يؤجله كخيار صلب بعيد يمكن اللجوء إليه كآخر حل عند سقوط الحلول المرنة، وهو ما قد لا تفطن له بقية الشعوب وحتى الأنظمة التي تطمح لاستنساخ هذه التجربة أو تلك هنا أو هناك، فالظروف المختلفة والوضع الجيوسياسي والثقافي والإثني والديني كلها تحكم استعمال العنف عند الإنسان، وبطبيعة الحال فالعنف هو شيطان قابع في الجنس الإنساني يتقنه منذ حادثة ذبح هابيل مرورا بثقافة الحروب والانتصارات الدموية التاريخية التي كرست منطق الإلغاء والسيطرة، أفعال مستهترة بالأنفس والعقول كتبت على أنها بطولات وفضائل، لتمتد إلى الحاضر تخرس مواقف السلم وتربك مجتمعات التعايش لتجعلها محبة للدماء ومتعطشة للفوضى والانقسام، وأبرز مثال على ذلك العراق والسودان، والله أعلم من في القائمة أيضا. إن تجربة الشعب المصري اليوم في انتفاضته لا تختلف كثيرا عن الانتفاضات التي ستقع في بلدان عربية كثيرة خصوصا ذات الأنظمة الجمهورية، فهذه الأخيرة، لم تعد لها أي شرعية تاريخية أو سياسية أو أخلاقية، خصوصا بعدما طالت سنوات حكم المستبدين بها فتأكد أنها ولدت ميتة بلا معنى، حتى ولو كانت أسماؤها تقدمية تنهل من ثقافة التنوير السياسي الأوربي زورا، فكثير من الأوصاف السلبية مشتركة بينها والتي منها انفراد الحزب الواحد بالمواقع والسلطات والقمع البوليسي للشعب والإبقاء على حالة الطوارئ التي لا تنتهي، وانفراد القائد بكرسي الرئاسة، وإصدار دستور مقدس يصب في مصلحة توالي سنوات حكم الحاكم المستبد أو لنقل ملكية الجمهورية والقصر الرئاسي لابن الحاكم أو زوجته بعد عمر برزخي.سئمت الشعوب نفسها وسفهت أحلامها تحت حكام الجور والاستبداد، الذين انفرد العالم العربي لوحده بهم دون سائر البلدان، التي سارعت للتخلص مما علق بها من أيديولوجية الأنظمة الشمولية البائدة، والتي انهارت منذ أزيد من عقدين وبالأحرى توالى انهيارها منذ واقعة سقوط جدار برلين التاريخية، واليوم لم يعد من السهل إقناع الشعوب العربية بالعودة للخلف، فخطابات التبشير ولى زمانها، كما أن ترقيع ما بقي من الحياة السياسية والاقتصادية مرفوض تماما، و"منح" دساتير وحريات وحقوق صورية أو إطلاق إصلاحات مجتزأة وغير واضحة غير مقبول، لأن كل هذه الشعوب الآن امتزجت عندها مشاعر الإصرار على التغيير الجذري بمشاعر الوجود في الحياة، كأنها اللحظة فقط اكتشفت جمال الطريق السوي نحو عالم الديمقراطية ومتعة العيش في النور بعيدا عن الظل والظلام.
© منبر الحرية،9 فبراير/شباط 2011
http://www.minbaralhurriyya.org/content/view/1209/703
استمرت لحظات انتفاض الشعب التونسي في تصاعد غير مسبوق وبنفس غير متوقع إلى أن أطاحت برأس النظام المستبد بالسلطة زين العابدين بن علي، فر الرئيس هاربا تاركا كل شيء خلفه في مهب الريح، بعدما فقد السيطرة على زمام ما كان يظن ،إلى وقت قريب، أنه تحت عينه وسلطته التي لا تقهر. إنه "الشعب المنتفض"، لتصبح تلك اللحظة التي أذيع فيها الخبر تاريخية بامتياز، نعم فتونس تحركت كبقعة زيت متوهجة أوقد نارها ونورها "المرحوم البوعزيزي"، ثورة عصفت بالسنين العجاف التي أحاطت جمهورية الزيتونة بقبضة من كهنوت سياسي وبوليسي مترع بالفساد المالي، فانهارت شعارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع صرخات الجسد المحترق، لقد وصلت درجة اختناق الحرية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية في ظل النظام التونسي حتى صار مضرب الأمثال وسنة للاقتداء العربي، لقد اختنقت أنفاس الشباب الذين خرجوا يرددون "لاءات" كثيرة ولكنها عميقة، لا للاستعباد، لا للقمع ، لا تكميم الأفواه، ولا للنهب والاختلاس، نعم للحريات نعم للتعددية، بكل عفوية انتفضوا على ثقافة الانبطاح والاستبداد والخوف، لقد احترقت شرعية النظام التونسي في رمشة عين كما ستحترق غيرها من الأنظمة، صارت لحظة الثورة ناضجة بعد طول انتظار، وحان موسم عربي جديد، انطلق من بلاد الزيتونة، تجتث فيه أشجار علقمية المذاق ثمارها قهر واستبداد لتنفى بعيدا وتستبدل بأشجار تثمر في موسم ربيعي نظام الحريات والتعددية والكرامة ودولة الالتزام بالقانون والحقوق والمساواة. اعتمد النظام التونسي البائد على تسويق صورة مزيفة عن نفسه وعن نموذجه القوي، القادر على التحكم والرقابة، فقد خرب الأحزاب - يسارية كانت أو إسلامية- وجعلها غير قادرة على الحركة والعمل السياسي، وحاصر حراك المجتمع المدني، واعتمد بسط السيطرة بشكل شمولي على كل القطاعات الحيوية، اقتصادية ومالية وإعلامية وسياسية، دجن بعض المثقفين، كما صنع نخبا أخرى لتدور في فلكه وتلمع نموذجه المتقدم زورا، وعذب وسجن المعارضين أو طرد أغلبهم خارج البلاد، ثم خلق اقتصاد الريع ليستفيد أزلامه ليكونوا حماة النظام أو ليتحكم في بقايا المحرومين من الذين قد يحقدون على الوضع أو ينفلتون في لحظة غضب، فيخربون وينهبون ويقتلون ببشاعة كما قد يحصل عند سقوط أي مستبد. عندما أحكم النظام التونسي الخناق على ميادين التنفيس الشعبي وعلى المنظمات والأحزاب والهيئات ونمطها لصالحه، فقد في ذات الوقت السيطرة على الحراك الطبقي والاجتماعي، لتتوسع الطبقة الوسطى المثقفة، كما ترسخ الوعي السياسي فيها مع ارتفاع نسبة التمدرس وتوسع خريجي التعليم العالي، ليكون هذا التحول البنيوي الدقيق هو النقطة التي ستفيض الكأس، لأنها ساهمت في تسريع خطى انهيار النموذج البوليسي المترهل، فانتفض الشعب في لحظة حاسمة تحدوه الحماسة لصنع نموذج ديمقراطي صاعد، يتناسق مع طموحاته ويستجيب لحاجاته الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.إن الشعب التونسي اليوم بانتفاضته الشعبية الشبابية يعد مثالا صادما للمجتمعات التي تعيش في نفس الوضعية لزمن ممتد، لذلك فأمواج الانتفاض ستكون متلاحقة شيئا فشيئا لتعم غالبية الأنظمة الشمولية، التي رزحت بتخلفها الفكري والسياسي على الشعوب، وكل المؤشرات تشير إلى النظام المصري المتهالك الذي أمسى هو التالي في قائمة الأنظمة العربية التي سيخضعها موج "تسونامي التفكيك الشعبي" لقانونه. والإشكالية المطروحة الآن أن الشعوب ستتحرك بدون قيادات ملتزمة بمشروع إصلاحي أو أيديولوجي يحفظ القيم التي انتفض الناس من أجلها في برنامج عملي، ليصبح حراكهم عفويا تعبيريا وفي غالب الأحيان فوضويا، غير مؤطر بمنهجية سياسية واعية وفاعلة، وهذا ما سيتجلى في الانتفاضة المصرية إذا لم يتدارك الأمر في وقته، إنها حماسة الخروج من التيه السياسي العربي، حماسة اكتشاف الذات خارج سلطة القمع وخارج النظام المستبد، لقد تولدت لديهم الرغبة في التحدي، ولو تعلق الأمر باكتساح جحافلهم لشرطة القمع بصدر عار أو الوقوف بتحد أمام طلقات الرصاص، تلك الرغبة والتحدي لم تكن لتظهر لولا الإشباع الذي وصلته النفوس والضمائر من كرهها لثقافة الاستبداد والترهيب التي لا ينتهي لهيبها، فطربت النفوس بقوة لجاذبية التحرر وإرادة التخلص من الضيق الاقتصادي، فحان لزوما الوقت للانتفاض من أجل أن تؤسس ثقافة جديدة مبنية على هذه الحاجات، ولا منة لأحد من "الأحزاب السياسوية" المتخمة بالشعارات الجوفاء والموضوعة تحت تصرف قيادات الفكر القروسطوية أو التاريخ العجائبي، لا منة لأحد من هؤلاء ولا من أولئك على الشعبين التونسي ولا المصري إلى الآن، ولا منة لزعيم سياسي عليهم قد يتسمى مستقبلا بقائدهم الملهم أو الثوري، ولا منة لبرنامج أيديولوجي أو حركة ثورية أو تنظيم سري عليهم..، هم أنفسهم يمنون ويمتنون شبابا وشيبا، نساء ورجالا، على أن انتفاضتهم عملية سلمية شعبية لاعنفية شهد لها العالم ولا يزال، فهم أقاموها بعرق جبينهم وبأيديهم وبدمائهم وبعفويتهم السياسية، وقد جوبهت برصاص أنظمتهم المتمرس للقمع، لكن كانت إرادتهم أقوى وصدورهم أمتن وصفوفهم متراصة، فالعنف لا يولد إلا العنف والكراهية والانتقام، ولا أحد من مصلحته أن تتأجج مشاعر الانتقام، لأنها ستحرق في طريقها الأخضر واليابس، والشعب الذي يتبنى الفعل السلمي بشكل عفوي ذكي سياسيا وثقافيا، لأنه يرفض الوقوع في هفوة العنف والصراع المسلح أو على الأقل يؤجله كخيار صلب بعيد يمكن اللجوء إليه كآخر حل عند سقوط الحلول المرنة، وهو ما قد لا تفطن له بقية الشعوب وحتى الأنظمة التي تطمح لاستنساخ هذه التجربة أو تلك هنا أو هناك، فالظروف المختلفة والوضع الجيوسياسي والثقافي والإثني والديني كلها تحكم استعمال العنف عند الإنسان، وبطبيعة الحال فالعنف هو شيطان قابع في الجنس الإنساني يتقنه منذ حادثة ذبح هابيل مرورا بثقافة الحروب والانتصارات الدموية التاريخية التي كرست منطق الإلغاء والسيطرة، أفعال مستهترة بالأنفس والعقول كتبت على أنها بطولات وفضائل، لتمتد إلى الحاضر تخرس مواقف السلم وتربك مجتمعات التعايش لتجعلها محبة للدماء ومتعطشة للفوضى والانقسام، وأبرز مثال على ذلك العراق والسودان، والله أعلم من في القائمة أيضا. إن تجربة الشعب المصري اليوم في انتفاضته لا تختلف كثيرا عن الانتفاضات التي ستقع في بلدان عربية كثيرة خصوصا ذات الأنظمة الجمهورية، فهذه الأخيرة، لم تعد لها أي شرعية تاريخية أو سياسية أو أخلاقية، خصوصا بعدما طالت سنوات حكم المستبدين بها فتأكد أنها ولدت ميتة بلا معنى، حتى ولو كانت أسماؤها تقدمية تنهل من ثقافة التنوير السياسي الأوربي زورا، فكثير من الأوصاف السلبية مشتركة بينها والتي منها انفراد الحزب الواحد بالمواقع والسلطات والقمع البوليسي للشعب والإبقاء على حالة الطوارئ التي لا تنتهي، وانفراد القائد بكرسي الرئاسة، وإصدار دستور مقدس يصب في مصلحة توالي سنوات حكم الحاكم المستبد أو لنقل ملكية الجمهورية والقصر الرئاسي لابن الحاكم أو زوجته بعد عمر برزخي.سئمت الشعوب نفسها وسفهت أحلامها تحت حكام الجور والاستبداد، الذين انفرد العالم العربي لوحده بهم دون سائر البلدان، التي سارعت للتخلص مما علق بها من أيديولوجية الأنظمة الشمولية البائدة، والتي انهارت منذ أزيد من عقدين وبالأحرى توالى انهيارها منذ واقعة سقوط جدار برلين التاريخية، واليوم لم يعد من السهل إقناع الشعوب العربية بالعودة للخلف، فخطابات التبشير ولى زمانها، كما أن ترقيع ما بقي من الحياة السياسية والاقتصادية مرفوض تماما، و"منح" دساتير وحريات وحقوق صورية أو إطلاق إصلاحات مجتزأة وغير واضحة غير مقبول، لأن كل هذه الشعوب الآن امتزجت عندها مشاعر الإصرار على التغيير الجذري بمشاعر الوجود في الحياة، كأنها اللحظة فقط اكتشفت جمال الطريق السوي نحو عالم الديمقراطية ومتعة العيش في النور بعيدا عن الظل والظلام.
© منبر الحرية،9 فبراير/شباط 2011
http://www.minbaralhurriyya.org/content/view/1209/703
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)