ندوة دولية بعنوان:
"رهانات الفلسفة العربية المعاصرة"
كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس أكدال، بالرباط
متابعة: يوسف محمد بناصر
الرباط ـ المغرب

نظمت وحدة :"فلسفة الحق السياسي والأخلاقي"، {شعبة الفلسفة} بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس أكدال، بالرباط بالتعاون مع مؤسسة كونراد ادينارو، ندوة دولية بعنوان"رهانات الفلسفة العربية المعاصرة"، وذلك يومي الجمعة و السبت: 20 و 21 نوفمبر 2009م، وقد ساهم في تنشيط محاور الندوة 25 باحثا في مختلف المجالات الفلسفية من الجامعات المغربية والأقطار العربية، كالأردن و لبنان ومصر وتونس والجزائر.
وجاء في الورقة التقديمية للندوة بأن الغرض الأساسي منها ليس، كما كان الحال في الندوات السابقة، تقييم تاريخي لانجازات الفلسفة العربية المعاصرة، وفرز تياراتها وتحقيب مراحلها عن أصالتها وقيمتها بالنسبة للفلسفات الغربية، إنما الغرض هو التفلسف في موضوعات حيوية وآنية تمثل تحديات بالنسبة للزمن الحاضر عربيا ودوليا، موضوعات تتصل بالمشاكل السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والبيئية، وأكد المنظمون على رغبتهم في الانخراط في عملية تجاوز الثنائيات، والتفاعل مع التفكير البشري العالمي للكشف عن جذور المشاكل الجديدة التي يعيشها الإنسان الناطق بالعربية، ومحاولة وضع الأسئلة المناسبة، بحثا عن عناصر للتحليل والمعالجة.
فقد أكد الباحث الجزائري عبد الرحمن بوقاف في مداخلته المعنونة:"الفلسفة ومجاوزة التبرير..." على أن الخطاب الفلسفي العربي الراهن يعاني من أزمة التلقي وغياب الجرأة على تناول المحظور، لعدم وجود "النص الغائب" الذي قد يكون نصا حاسما على غرار الفلسفة الغربية، التي أنتجت نصوصا غيرت مجريات العالم بكامله، كما شكل غياب الوظيفة النقدية في الدرس الفلسفي العربي استمرارا لمعاناتها، والحل حسب الباحث يكمن في انفتاح الفلسفة على النسيج الاجتماعي والثقافي واعتمادها على ما اسماه:"الإعلام الفلسفي" وأن تكتسب أصدقاء ينتمون إلى التخصصات المجاورة كعلم الاجتماع وعلم النفس..، وقد أثارت مداخلة الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي إشكالية الترجمة من اللغة الفرنسية ليطرح العديد من الأسئلة التي من بينها: هل للفلسفة رهانات أم هي مراهنة في حد ذاتها؟ إذا كانت الفلسفة تعتبر رهانا، فهل يمكن اعتبار الراهن رهانها الأساسي؟ أم العكس؟ أو بشكل أدق هل ثمة من فلسفة في العالم العربي يمكن أن تنعت بأنها عربية؟ وهل أنجب العالم العربي فيلسوفا أم فلاسفة...؟ وقد عنونت المداخلة بـ:"الفلسفة والترجمة في العالم العربي"، حيث حاول فيها الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي الإجابة عن بعض الأسئلة المطروحة على الفلسفة، واستقصاء الأسباب الكامنة وراء تراجعها، ليخلص إلى كون الجمع بين الترجمة والفلسفة شيء ضروري، حيث يقول إنه لا مفر من ترجمة النصوص الفلسفية؛ إذا كانت الفلسفة ترغب في تجاوز عيوبها، ثم إذا كان المشتغل في حقل الفلسفة يرغب في الإلمام بتيارات الفلسفة العالمية وأسئلتها ورهاناتها..، فالترجمة عنده لا تتم بعيدا عن السجال الفلسفي إذ:"الترجمة الفلسفية مثل الفلسفة هم فكري لا يمكن أن يتم خارج مختبر الفكر أو قاعات الدرس الفسلفي". ويذهب الأستاذ محمد وقيدي إلى ضرورة الانتقال من مستوى القراءة الفلسفية إلى الإبداع الفلسفي، أي الانتقال من دراسة المذاهب الفلسفية إلى التفكير في المشكلات الفلسفية، ففي نظره؛ يقتضي هذا الرهان في مرحلة أولى؛ الاتصال بالنصوص الفلسفية من اجل قراءتها وفهمها وتأويلها، وفي مرحلة ثانية؛ إبداع نص فلسفي جديد، وقد درس الأستاذ وقيدي ثلاث تجارب للاستدلال على الانتقال من المذهب إلى المشكلات: كتجربة عبد السلام بنعبد العالي في متابعته للحياة الفسلفية ومراجعته لمختلف التجارب الفلسفية والتراث الفلسفي،فتجربة محمد المصباحي في تناوله للفكر الرشدي باعتباره حداثة في عصره، ثم تجربة وقيدي الشخصية في تطبيق مفاهيم "باشلار"على سياقات فكرية وفلسفية لم يتناولها هذا الفيلسوف نفسه.
ثم شكل مفهوم الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحداثي محور مداخلة المفكر اللبناني ناصف نصار؛ إذ جعل مفهوم العلمانية احد الرهانات الفلسفية، التي ينبغي أن يخوض فيها الفلاسفة والمفكرون العرب اليوم، وهذا الرهان يستدعي حسب نصار؛ مقدمتين رئيستين: تفيد المقدمة الأولى؛ أن العلمانية لا يمكن تجنبها لأنها تيار كوني يخاطب جميع المجتمعات والأديان، وأما المقدمة الثانية، فتقول: أن العلمانية تشكل سؤالا عميقا يطرحه المجتمع على جميع الأديان في إطار تنامي الوعي السياسي، ويعتبر الباحث المغربي إدريس كثير أن المغرب شهد ميلاد فلسفة مغربية تطورت منذ ابن رشد إلى اليوم، وركز الباحث الأردني احمد ماضي على الإجابة عن أسئلة تتناول الأنموذج الفلسفي العربي المعاصر، والذي من أبرز أعلامه ناصيف نصار ومحمد عابد الجابري وأبو يعرب المرزوقي ومحمود نجيب زكي وطيب تيزيني وطه عبد الرحمن..، حيث يتردد البعض من هذه الأعلام بين القول الإنشائي الفوقي وبين احتلال موقع في الفلسفة القومية أو العالمية، وطرح المفكر المصري حسن حنفي في مداخلته:"الفلسفة والموقف الحضاري" مجموعة من الأسئلة حول رهان الفلسفة والتي من بينها؛ هل لدى العرب رهان معلن؟ أم لكل رهانه| رهاناته؟ ليجيب بان الفلسفة لا توجد خارج لحظتها التاريخية، حيث يقسم لحظات الفلسفة إلى ثلاث عصور: عصر التأسيس وعصر الشروح والتفسيرات، ثم عصر النهضة والإصلاح، وخلص إلى أن الفلسفة العربية تهم في الدخول في عصرها الثالث، الذي يقتضي التخلص من الأشعرية التي تقابل الكنسية في أوربا، ليختم في الأخير بتساؤل حول إمكانية الجيل الجديد في أن يكون له رهان فلسفي في ظل عودة الأشكال الاستعمارية الجديدة؟ سؤال سيجيب عنه جيل الفلاسفة القادم حسب قوله.
وفي نفس السياق، حاول ثلة من الباحثين الإجابة عن أسئلة أخرى تواجه الفلسفة؛ والمتعلقة خصوصا بتحديات التكنولوجيا المعاصرة، فحسب الباحث عبد العزيز الداودي وعمر بوفتاس وعبد العلي معزوز، فان تحديات الحضارة المعاصرة المطروحة على الفلسفة العربية بحدة، والتي من قبيلها: تحديات مجتمع المعرفة، والتنوع الثقافي، والأزمة البيئية، ومآزق العقل التكنولوجي المعاصر..، مما يجب معه إعادة النظر في الإنسان بمقولات جديدة، وبدوره طرح الباحث محمد الشيح سؤالا حول فلسفة الدين، وإمكانية التعدد والتنوع في العالم العربي..، ليبقى هذا السؤال عالقا وحيويا؛ ينتعش في بيئة ثقافية عربية قلقة ومفتوحة على احتمالات مختلفة.
في الأخير، أكد المشاركون على أن تنظيم الندوة ليس الغرض منه تقييم وضع الفلسفة العربية منذ بداياتها الحديثة، ولا فرز تياراتها وتحقيب مراحها، أو التساؤل عن أصلتها وقيمها بالنسبة للواقع أو بالقياس إلى الفلسفة الغربية، وإنما الغرض منه هو رصد تفاعل القول الفلسفي العربي {الأكاديمي وغير الأكاديمي} مع الهموم والرهانات التي يطرحها العالم المعاصر محليا ودوليا، بكل تجليات الإنسانية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والبيئية والثقافية، كما أن الندوة ليست مناسبة للكلام عن صدمة الحداثة أو عن النهضة الأولى والثانية، أو عن تقابلات التراث والمعاصرة وبين الشريعة والحكمة، الذات والآخر، أو حتى عن الدور الذي لعبته الفلسفة العربية الحديثة في تأويل العالم أو تعييره، وإنما تريد أن تتكلم عن الفلسفة العربية هنا والآن، عن كيفية تعاطيها مع الواقع ومواجهتها للأسئلة الجديدة التي تهم الإنسان الناطق بالعربية من حيث هو مرٍٍِآة للإنسان العالمي.
كما عبر المشاركون على أن تنظيم مثل هذا النشاط الفلسفي ينطلق من الإيمان بأن الفلسفة العربية لاتزال موجودة، وأنها حققت في الأزمنة الأخيرة تراكما لا يستهان به على مستوى الكم والكيف معا، هذا التراكم الذي لم يتم الانتباه إليه بعد، ربما لأنه لم يكسب بعد قوة التأثير في المجال العام، فالإنتاج الفلسفي العربي في تزايد مطرد، والمجالات التي يرتادها الفلاسفة العرب بأجيالهم المختلفة في تجدد وتنوع في علاقة مع تجدد تحديات وآفاق الفكر والواقع العربي والعالمي، والنشاط الفلسفي هو كذلك فرصة لمعاينة التحديات الخطيرة التي تواجهها الفلسفة العربية المعاصرة؛ فاستفحال الشك في العقل ولواحقه النظرية والعلمية، من علم وفلسفة وحرية وديمقراطية وحقوق الإنسان، وطغيان ثقافة اليأس والإحباط والعدمية والانغلاق على الهويات الضيقة غير القابلة للحياة أبدا، جراء شعور مرير بالفشل والعجز على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كل هذا افقد الإنسان ثقته في نفسه، وفي قدرته على التحدي والإبداع والاندفاع إلى الإمام، فإذا أضفنا إلى ذلك التحديات الخارجية، المتمثلة، من جهة، في المواجهات الساخنة الفكرية والعلمية بين الذات والآخر {الغرب}، والتي تركت جروحا كبيرة في الضفتين معا في العقود الأخيرة، ومن جهة ثانية، في التدفق الهائل لسيل من الأسئلة والمفاهيم والمعارف والتقنيات والعلمية الجديدة والرؤى الفلسفية غير القابلة للإحاطة.. لأدركنا مدى اللبس الذي يتخبط فيه الإنسان العربي اليوم.
وفي ظل هذا الجو المشحون بالأسئلة والتحديات والعوائق داخليا وخارجيا، اجمع كل الفاعلين العموميين والخصوصيين على أن لا مناص من الفلسفة لإعادة بناء الإنسان وترتيب البيت الداخلي للمجتمعات العربية بروح من النقد و العقلانية والحرية والحوار والتسامح.