الأحد، 30 أكتوبر 2016

اللفياثان الانتخابي ومتاهات السياسة بالمغرب


بقلم: د. يوسف محمد بناصر
كاتب وباحث مغربي

***
تشتغل الأحزاب السياسية المغربية على غير عادتها على انتزاع مساحات القرب من المواطنين وانتزاع أصواتهم كذلك، ببرامجها المكررة وبآلياتها الكلاسيكية وبخطاباتها التي ألفها بسطاء المجتمع كما الطبقة المثقفة والعالمة، وتبقى الأحزاب المواكبة للتطورات التقنية والمجددة لنخبها والمتبنية لخطاب حداثي معدودة على رؤوس أصابع اليد الواحدة.
إن مقصد الأحزاب السياسية هو كسب أصوات كل الشرائح الاجتماعية، وجعلها منصتةً ومستوعبة لتفاصيل برامج سياسية يعرف الكل أن أغلبها يبقى حبراً على ورق بعد انتهاء العملية الانتخابية، بحيث لو سئل من سيتصدر الانتخابات بعد يوم من فرز الأصوات لقال إنه ينفذ برنامج الملك.
أما الجديد هذه المرة، أن الساسة أصبحوا يتموقعون بين طرفَي نقيض، بين الاستمرار في خط تكريس الآداب السلطانية وتكرار تجارب الأحزاب الإدارية والموالية للسلطة الحاكمة في البلاد، وبين التيار الإسلامي المحافظ والممانع أو اليساري المفعم بكثير من الطاقة والكثير من المثالية.
إن المواطن العادي لم يستوعب لعبة السياسة في المغرب بالشكل الذي يمكنه من فهم العلاقات المعقدة التي تجمع بين كل الأطراف التي تتنازع مناطق نفوذ ودوائر صنع القرار؛ لأنه إلى الآن يمارس مقارنات في جزئيات تخص كل فريق، ويحاسب الأحزاب على تلك التفاصيل اليومية، التي تتعلق بمعيشته وتمسّه مباشرة، أما ما راكمه المشهد السياسي المغربي من تجارب وما أصبح عرفاً سياسياً أو ثقافة تحدد كل تلك الحدود بين النظام السياسي والفاعلين وتأثير التراث السياسي التاريخي والفقهي على كيفيات تدبير المشهد عموماً ومن يتخذ القرارات المهمة والصعبة فلا ينتبه إليه.
إن الاحتكاك الحاصل اليوم بين التيارات المختلفة، وفي ظل دستور جديد دفع الثقافة السياسية وممارستها إلى أن تشهد ثنائية قطبية بين اتجاه يؤسس للإصلاح ويتبنى رؤية يختلط فيها الفكر السلفي مع تراث فكر النهضة والإصلاح وبعض تسربات الحداثة التي فرضت نفسها بشكل أو آخر مع مطامح سياسية واقتصادية واجتماعية لفئات واسعة من الشعب، وهذا مثاله حزب العدالة والتنمية، واتجاه لا يتخلف عن الأول إلا بكونه يشكل فرملة زائدة لصيرورة الإصلاح وبشروط ممنوحة ووفق رؤية لا تعبر عن مطامح الحراك الديمقراطي، وآمال الكثير من الشباب ومثاله حزب الأصالة والمعاصرة، إذن فكلاهما يرشف من عين واحدة يجمع رؤية توفيقية في تركيبة غامضة وهي السلفية والتحديثية، ويتمتع بقدرة هائلة على إنتاج خطاب تلفيقي يستغل نتائج الربيع الديمقراطي بالركوب على آمال شبابه.
إن الثنائية القطبية التي تتشكل في المملكة المغربية بين حزبين متصارعين هي متوهمة، ولا تعبر بصراحة عن نضوج الممارسة والفعل السياسي؛ لكونها لم تؤسس بعد لثقافة تدبير الاختلاف السياسي والأيديولوجي؛ حيث كشفت عن خطاب سيئ وممارسات مستهجنة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وما لم تضع بعد مختلف الأحزاب الأخرى قدمها في إحدى الجهتين بقناعة ووفق رؤية واضحة؛ ليتم تشكيل قوى ضغط وفق مشروع استراتيجي لا يرتبط بالحملة الانتخابية الظرفية، فلا يمكن الحديث عن استقطابات حقيقية، والمطلوب من الأحزاب الجدية التي تملك رصيداً نضالياً وتاريخياً وبرنامجاً سياسياً واقعياً هو وضع بوصلة تحدد تموقعها الفعلي ومدى فاعليتها في تدبير الشأن العام المغربي، ومشاركة المؤسسة الملكية في صنع خيارات واتخاذ القرارات الكبرى بدل الاكتفاء بإنجاز برنامج يومي أو تنفيذ برنامج معد مسبقاً لم يسطره الحزب، ولا يتوافق مع وعوده وحملاته الانتخابية.
اللفياثان الانتخابي هو أن يشكل المنافس السياسي من قدراته الرمزية وخطاباته سلطة معنوية تريح ضمائر الناس ويقنع ضعاف العقول بأنه يمتلك قدرات عجائبية تصلح حالهم، وتوقف بؤسهم، وتغير واقعهم اليومي للأفضل، فيقبلون التنازل عن حرياتهم وقدرتهم النقدية وملكتهم الإبداعية من أجل إتاحة الفرصة للحاكم الرمزي الذي يمثل دور المهدي المنتظر والرجل الخارق من أجل تحقيق الأحلام وفق رؤيته الخاصة وبرنامجه الإصلاحي المثالي الذي لا يقدر أحد على مواجهته أو نقده، فلا ينتبهون لتنازلاتهم ولخسارتهم إلا بعد فوات الأوان، وللأسف، هذا الاختيار يقع وفق الإرادة الجماعية المؤطرة بالأوهام وبكثير من المطامح الشخصية؛ ليستبد الزعيم بالسلطة وأثناء كل نقد أو مواجهة، يستند إلى ما راكمه من شعبية أو تاريخ نضالي، وينظر إلى محصلته الانتخابية النسبية، التي جعلته يتصدر المشهد بأنها تفويض مطلق من كافة الشعب، وأن الفئات الساكتة أو المغيبة أو المعارضة للعبة كلها، والتي لم تعبر عن صوتها، لا تملك إلا الانصياع للتي صوَّتت أو التي منحته كل هذه الشرعية التي أصبحت مشروعية.
في المغرب تلعب الطبقة المتوسطة دور سفينة الإنقاذ وتعمل الأحزاب على استمالة صوتها بأي كيفية وفقت إليها، وأما الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة الأخرى، فتلعب دوراً ثانوياً وهي غير ملتزمة سياسياً في الغالب، وكثيراً ما تقع ضحية الوعود الانتخابية لبعض الأحزاب السياسية، حتى أمست فاقدة للثقة وتنظر للوضع بترقب وتوجس، وإن شاركت فإنها تشارك باستحياء وبراغماتية لتستفيد من بعض الهبات والمكاسب الآنية.
عوداً على ذي بدء، إن الإيجابي في ظل كل الممارسات السياسية المغربية هو طول النفس الذي تتمتع به بعض الأحزاب الجديدة على غير العادة، وقدرة النظام السياسي على المناورة وعلى وضع خيارات متعددة تخدم مشروعه وتجعل سيرورة النظام مستقرة ووضعه آمناً، وترك هامش واسع للفرقاء السياسيين والفاعلين المدنيين للعمل من أجل بناء ثقافة وممارسة ديمقراطية محلية ترتبط بتاريخ الجغرافية المغربية وذاكرة الشعب وتراثه السياسي والديني.
وهذا المران يجعل التحولات السياسية الإيجابية التي يشهدها المغرب أنموذجية في ظل التعثرات والنكسات التي تعترض تجارب الأنظمة العربية الأخرى، ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أي مدى يقدر النظام المغربي على استباق الأحداث وفقه مآلاتها، ووضع الاستراتيجيات السياسية التي تخدم تطور البلد وتعزز تماسك بنية المجتمع والنظام ثم الانفتاح أكثر على الثقافات الديمقراطية العالمية بدل الاعتماد على الآداب السلطانية ونتاج المراكمة التاريخية؟
وهل تقدر الأحزاب السياسية المغربية على صناعة نخب سياسية تتبنى خطاباً مركباً يخدم أجندتها الأيديولوجية وتصوراتها الخاصة لتدبير الشأن العام وامتلاك زمام المبادرة واستقلالية قراراتها الحزبية بعيداً عن الارتهان إلى الغير؟ وكيف يمكن للنظام السياسي كما الأحزاب تعزيز ثقافة سياسية حديثة ودعم النخب الشبابية الصاعدة والسماح لها للتعبير والمشاركة الفاعلة، وتقوية قدرتها على صنع التغيير والمشاركة فيه بثقة وكرامة وحرية، وجعلها قادرة على المنافسة على مراكز القرار بعيداً عن الاستقطاب السلبي والاحتواء في مؤسسات صورية؟
وتبقى التجربة الديمقراطية المغربية ناشئة تتأثر بالأوضاع النفسية والأعراف التاريخية الاجتماعية والثقافية والسياسية للفاعلين السياسيين حتى في تفسير روح الدستور الجديد أكثر من تأثرها بمضامين الوثيقة الدستورية ذاتها، أو تأثرها بالثقافة السياسية المعاصرة ومدارسها الكبرى، مما يخلق عند الباحث والمتمعن في الخطاب والتفاعلات السياسية كثيراً من الارتباك والحيرة والترقب.
***
المصدر:
http://www.huffpostarabi.com/yosef-nasser/story_b_12684470.html

الأربعاء، 26 أكتوبر 2016

التطرف يرسم صورا كاريكاتيرية عن الله والنبي

التطرف يرسم صورا كاريكاتيرية عن الله والنبي

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) يوسف محمد بناصر:

فلسفة الاقصاء تقوم على أن المختلف أو المخالف لا مكان له في دائرة الوجود، لأن وجوده يسبب التشويش والتشكيك وسيكون صوتا مسموعا للكثيرين ومزعجا لغيره.

إن فلسفة الاغتيال عند المتطرفين تقوم على أسس أيديولوجية ونفسية لا يمكن التنبؤ بها، لأنها تبقى متوارية إلى أن تظهر مفاجئة المقربين والمتتبعين. إنها تتأسس على استراتيجية التخويف وافشاء الرعب على أوسع نطاق، وجعل أفراد المجتمع يعيدون التفكير في تفاصيل العلاقات التي تجمعهم بالكثير من أقربائهم وجيرانهم؛ لأن وباء التطرف فايروس عندما يصيب أحدهم ينمو في صمت بين الأقفاص الصدرية ويتناسل بين الأفكار السوداوية لأي كائن انساني. والذين يعانون من ثقل الدوغما المغلقة على ذاتها والمغلفة بكثير من المزايدات، مستعدون للقيام بأي شيء من أجل نصرة منطقهم ورسالتهم.
إن انتشار فلسفة الوثوقية عند المتطرفين والتزامهم بالحد الأقصى من التماهي مع مفهوم الواجب، سواء كان دينيا محضا أو أيديولوجيا صرفا، يجعل خروجهم كل لحظة بسلوكيات شاذة وبمواقف متطرفة قضية مبدئية ومسألة فيها الكثير من الاقتناع بكونهم يسطِّرون تاريخا مثاليا!

إنهم يؤمنون بكونهم يقودون الإنسانية نحو مسار يمحو كل بؤس وتيه وانحراف يمكن أن تشهده الأمم المعاصرة لسبب من الأسباب، وأنهم أمر السماء ويد القدر لتغيير كل هذه الانحرافات الطارئة على المجتمعات وتحقيق بشارة تطهير الأرض من الدنس ثم تحقيق الخلاص الفردي بالصعود إلى الجنة!

اغتيال ناهض حتّر، مثلا، مهما كانت دوافعه يبقى مأساة في قافلة المآسي التي تهب على هذه الأمة من مختلف البقاع. إن هذا الفعل الشنيع يسيء إلى الذات الإلهية أكثر مما ظن هؤلاء أن الكاتب الأردني ناهض أساء إليها. فهُم يغتالون الإنسانية والعقل ويُسخرون كل أدوات مجهوداتهم لقهر إرادة الانسان في أن يكون حرا متطلعا مستقلا ومبدعا. يوجهون رصاصاتهم لكل الضمائر الحية والقلوب المتوهجة بالإيمان المصدق بصفات الله العليا وأسمائه الحسنى.

عن الكاتب: يوسف محمد بناصر، باحث وكاتب مغربي، نشر له عدة بحوث وشارك في تأليف أكثر من كتاب. يعمل باحثا في مركز الدكتوراه جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال في المغرب.
***
مصدر خارجي للمقال:
http://www.irfaasawtak.com/archives/36078

السبت، 8 أكتوبر 2016

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج3.

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج3.
**
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي


أصبح الفكر المتطرف في السياق الحضاري الإسلامي “لاهوت تحرير” في نسخته الإسلامية بعد النسخة المسيحية، وإرهاصات هذا المشروع كانت بداياتها منذ حرب أفغانستان، رغم أنه كان موجها ضد التوسع السوفياتي إلا أنه كان يحمل بين طياته بذور الاستقلال بالقرار وفاعلية ذاتية تخرجه من دائرة التحكم إلى دائرة المبادرة والارتداد ليكون منزعه داخليا بعدما كان خارجيا/ هجوميا بعدما كان دفاعيا. وقد وقع الأمر فيما بعد في جمهوريات أسيا السوفياتية ثم بعدها بالصومال والبلقان فالعراق ثم سوريا..، وبقية الدول “الشرق-أوسطية” منتظرة على اللائحة.

إن استضافة المعسكرات والقواعد الأجنبية في مناطق جغرافية دينيا يمثل سببا تحفيزيا لنمو التطرف، وإذكاء الشعور بعودة الاستعمار للمنطقة خصوصا أنه لم يمر على استقلال أغلب دولها أقل من نصف قرن، والذاكرة لا تزال تنبض بمرارة الأحداث الماضية، مسترجعة صور الاستغلال والتدخل في مختلف شؤون المنطقة الداخلية، وما كرسته ثقافة المستعمر في المجتمع الذي كان مؤسسا على ثقافة القبيلة المتماسكة والممتدة في جغرافية غير محدودة، ليجد هذا المجتمع نفسه منكمشا، قد فتته المستعمر ليسهل فيما بعد هضمه أو توزيعه في دويلات متصارعة ليتم ابتزازها.



إن إشكالية العدل وكيفية تصريفه يمثل جزءا مهما في فلسفة الفكر السلفي الجهادي، لأن مقابله الظلم والمظلومية في بعض الأحيان، يدفع للعمل في الظلام وفي الدهاليز، ورفض كل أساليب تدبير قيمة العدالة، حتى لو كان المجتمع في قمة تمثله لقيمة العدل وتُصَرَّف فيه العدالة بمثالية، وكذا غيرها من القيم. فالوسيلة مهما ارتقت في نظرهم سواء كانت شورية أو ديمقراطية لا تحقق المقصود الذاتي للقيم المنشودة، لأنها منشودة لذاتها وفق تصور مثالي كامل، وأي وسيلة لتصريف هذه القيم إنما هي وسيلة تشويه وتحريف، فكأنهم يودون أن لا تكون هنالك وساطة بينهم وبين السماء، بل تتجلى قدرة ومشيئة السماء بذاتها وبإرادة مطلقة فلا تترك للناس خيارا للتفكير أو التدبير أو الخطأ. فهم يودون أن يروا تدخل “الله” مباشرة في الحياة الدنوية، كما تدخل في حياة أقوام لينزل عقابه أو ليوجههم بشكل مباشر[إنقاذ الأقوام السابقة وبعض معجزات الرسل أو إهلاك البعض الآخر..]، فلا وساطة بل هي حاكمية إلهية مطلقة لا حاكمية بشرية. أما القانون البشري النسبي فلا معنى له كما لا معنى للتنظيمات والتوصيفات التي يتوسلها المجتمع الإنساني للتنظيم وتحقيق القيم المتعاقد عليها فيما بينهم، فكل هذه المفاهيم ومعها المؤسسات هي طارئة تبعد المؤمن الحقيقي عن الفهم الصائب، بحسب تصورهم لمشيئة السماء التي يجب أن تتحقق. وحادثة ذو الخويصرة وقصته مع النبي الأكرم في التاريخ الإسلامي خير شاهد على أن هذه الفئة تبحث عن أفق يتجاوز التفسير الواقعي للنصوص والمفاهيم، كأنهم يقولون للنبي المرسل والمسدد بالوحي بأنهم أكثر تفسيرية للدين ومقاصده منه، متجاوزين تجربته ووساطته لينفتحوا مباشرة على مراد السماء والمعاني الذاتية للوحي. وما حدث فيما بعد من غيره من الخوارج من مناظرات وحروب ضد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب يفسر بوضوح تلك العلاقة المستشكلة بين من يستوعب الدين في جزئياته ويعقل مقاصده الكبرى وبين من يتدين بعاطفته ويرتبط بظاهرية النصوص وأحكامها فهما وتنزيلا، ويرفض التأويل وبحث مناطاتها. وهذه العلاقة المعقدة بين المفاهيم وتمثلاتها الواقعية شائكة، ولاتزال في حاجة إلى تحقيق لأنها تضع المعرفة الفقهية وأحكامها في مأزق ومساءلة دائمة.

إن تفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية الحديثة المتعلقة بالعنف الديني لا يتوقف على جمع ملخصات النشرات الإخبارية ولا تتبع ما تقدمه البرامج الحوارية من معلومات، بل الظاهرة أعقد من ذلك كله وتحتاج لمراكز بحثية تتصف بالدقة المنهجية والعلمية، لأن موضوع البحث يعد إشكالية بنيوية مركبة، يختلط فيها ما هو روحي/اجتماعي بما هو نفسي/تاريخي واقتصادي بما هو سياسي، والنفوس البشرية ليست في الأخير على طبيعة واحدة ولا على نمط معرفي مضبوط، لتتمكن المناهج والبحوث المخبرية من استيعابه، بل لابد أن تستحضر كافة المناهج وتتكامل الرؤى لتكون النتائج قريبة من رصد حقيقة هذه الظاهرة، وهذا الأمر يصعب عمل الباحثين ويجعلهم كل مرة يستأنفون عملهم لدراسة –ربما- نفس الحالة مرارا وتكرارا. وتبقى “الظاهرة الداعشية” ومثيلاتها، رغم ما سبق الإشارة إليه من صعوبات حول آلية دراستها، ظاهرة غير عصية على الفهم، فإمكانية استيعابها وفهم آلية عملها وتفكيك مرجعيتها الفكرية والعقدية ممكنة، لأنها في النهاية تبقى حركة تاريخية وتنظيما بشريا، يتقفى أثر السابقين وتبني طموحاتها وانجازاتها على سلسلة من الإخفاقات والمشاريع المعطلة تاريخيا. ويبدو أن هذه الحركات “امبريا-دينية” تبحث لها عن لحظة تغفل فيها الحداثة لتستعيد نهضتها وتقوم بإتمام مشروعها التاريخي. ليبقى إيمان الناس وسلامتهم الروحية عرضة للقرصنة كل مرة من طرفهم، فهم يجعلون شعاراتهم البراقة حول العدل والرخاء والسعادة الأبدية تعلو أعلامهم، ويعاد مصادرة الإيمان وتقديمه بصور “بئيسة” للعموم وفق رؤيتهم للوجود، وكيف لا تكون لمفهوم الإيمان كل هذه القيمة والبريق وهو يعتبر قنطرة الخلاص الأبدي ! من يستحوذ عليه يقطع الطريق على البقية الأخرى، ليقع بعض السذج ضحية إيمانهم وتتيه البقية في بحور القلق والريبة وغياب المعنى.
* كاتب وباحث مغربي
///

نشر المقال بمنبر الحرية:


http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9547