الخميس، 27 أبريل 2017

التطرف الديني يرسم صوراً كاريكاتورية عن الله والنبي


بقلم : يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

****

فلسفة الإقصاء تقوم عند المتطرفين على أن المختلف أو المخالف كيفما كانت توجهاته ولو كان من أقرب الناس لك، لا مكان له في دائرة الوجود، لأن وجوده يسبب التشويش والتشكيك وسيكون صوتاً مسموعاً للكثيرين ومزعجاً لغيره.

إن فلسفة الاغتيال عند المتطرفين تقوم على أسس أيديولوجية ونفسية لا يمكن التنبأ بها، لأنها تبقى متوارية إلى أن تظهر مفاجئة المقربين والمتتبعين، إنها تتأسس على استراتيجية التخويف وإفشاء الرعب على أوسع نطاق، وجعل المجتمع المطمئن لسلامة أفراده يعيدون التفكير في تفاصيل العلاقات التي تجمعهم بالكثير من أقربائهم وجيرانهم وبقية المواطنين، لأن وباء التطرف فيروس عندما يصيب أحدهم ينمو في صمت بين الأقفاص الصدرية ويتناسل بين الأفكار السوداوية لأي كائن إنساني، والذين يعانون من ثقل الدوغما المغلقة على ذاتها والمغلفة بكثير من المزايدات مستعدون للقيام بأي شيء من أجل نصرة منطقهم ورسالتهم.
 

إن انتشار فلسفة الوثوقية عند المتطرفين والتزامهم بالحد الأقصى من التماهي مع مفهوم الواجب، سواء كان دينياً محضاً أو أيديولوجياً صرفاً، يجعل خروجهم كل لحظة بسلوكيات شاذة وبمواقف متطرفة، قضية مبدئية ومسألة فيها الكثير من الاقتناع بكونهم يسطِّرون تاريخاً مثالياً.

إنهم يؤمنون بكونهم يقودون الإنسانية نحو مسار يمحو كل بؤس وتيه وانحراف يمكن أن تشهده الأمم المعاصرة لسبب من الأسباب، وهم أمر السماء ويد القدر لتغيير كل هذه الانحرافات الطارئة على المجتمعات وتحقيق بشارة تطهير الأرض من الدنس ثم تحقيق الخلاص الفردي بالصعود إلى الجنة.
 
إن اغتيال المخالفين والمعارضين وأهل الملل الأخرى مما لهم العهد والأمن مهما كانت دوافعه، يبقى مأساة في قافلة المآسي التي تهب على هذه الأمة من مختلف البقاع، إن هذا الفعل الشنيع يسيء إلى الذات الإلهية أكثر مما يظن هؤلاء كون المخالفين والمعارضين يسيئون لمعتقداتهم المغلقة ولأيدولوجيتهم.
إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن والقتل لتلك النفوس هو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس.
فهُم يغتالون الإنسانية والعقل ويُسخرون كل أدواتهم ومجهوداتهم لقهر إرادة الإنسان المؤمن وغيره من المخالفين حتى لا يكون حراً مستقلاً ومبدعاً ومختلفاً، يوجهون رصاصاتهم وأحزمتهم الناسفة لكل الضمائر الحية والقلوب المتوهجة بالإيمان المصدق بالله القدير وأسمائه العليا الذي جعلنا اختلافنا في العقيدة واللون واللغة آية من آياته.

إن هؤلاء المتطرفين يوقعوننا في حيرة وذهول دائم بين أن نتقبل هذه الوقائع الدامية على أنها حوادث يوم عادي في سنة كبيسة؛ لنستسلم لخزعبلاتهم الفكرية وترهاتهم الأيديولوجية وبين ادعائهم بكون هذا العالم كله مختزل في مساوئه، ويجب تسريع نهايته حيث ستتحقق السعادة والعدالة والمجتمع المثالي، ويجب أن نصدق ذلك بدورنا وألا نقف منتظرين تحققه وفقط، بل نلتزم بخطتهم من أجل النهاية السعيدة!


إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن الذبح والقتل بالأحزمة الناسفة والدهس بالشاحنات لتلك النفوس إنما هو تحقيق لشعيرة من شعائر معتقده، وهو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس. وللأسف من ينظر في خريطة جرائم التنظيمات المتطرفة على شساعة خرائط تمكنها من الجغرافية العربية، لن يجد تفسيراً لكل هذا الاستخفاف بالدماء والأعراض غير كون بعض الثقافة الدينية التي يرتوي منها هؤلاء المتعطشون للدماء لا تقف عن حدود فسادها بل تعدته فأمست تلك الثقافة مميتة وقاتلة لمن يعتقدها. 


لقد أصبح هذا الشكل من التدين قاتلاً ومفزعاً، وتجفيف هذه المنابع ليس بالأمر الهين؛ لأنه يحتاج لتنظيف مضاد مبني على نقد ذاتي وهو ما لا يستطيع الكثير من الوعاظ والعلماء والمثقفين تقبله، لأن فيه مساً بطهرانية مشربهم ونرجسيتهم المعرفية، فلا يقبل الطعن في خلفيتهم الفكرية أو الدينية. 

لقد وصل الأمر ببعضهم إلى جعل كل النِّتاج الفقهي والفكري البشري المتصل بالنصوص المقدسة بمستوى المقدس نفسه، وهنا ولدت أيديولوجيا الدين المتطرف وتمكنت وبدأت تخوض الحروب باسم الإله الذي رسموه في حالة غضب دائمة، يرفع أعلاماً لحرب لا تضع أوزارها أبداً، وصادرت هذه الفئة كل التفسيرات والتأويلات لصالحها، سواء الدنيوية أو الأخروية. 

إنهم نموذج مستعاد لذي الخويصرة حرقوص بن زهير التميمي ت 37هـ الذي قال للرسول الأكرم اعدل يا محمد! ليرد عليه الرسول عليه الصلاة والسلام بالقول: ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. هذا النموذج المتنطع قادر على هتك كل المحارم وانتهاك كل المحرمات، وادعاء أنه الأقدر على ايصال الناس للجنة بأمان أو ردهم عن النار بالترهيب.

هؤلاء لا يحفظون أو يؤولون بشكل سيء قول الرسول يوم حجة الوداع: فإنَّ دماءَكم، وأموالكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا، هل بلَّغتُ؟ وقد يشهدون بعد ذلك بأن نبيهم لم يبلغ شيئاً! هؤلاء يمسحون عن كتبهم قوله عليه الصلاة والسلام: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ويغلقون أعينهم عن قوله تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (سورة المائدة).  إنهم مستاؤون جداً من كل هذه النصوص وغيرها، لذلك فهم من يرسم رسومات كاريكاتورية ساخرة عن الإله والنبي والدين بأفعالهم الإجرامية، وبتفسيراتهم المختلة، واغتيالاتهم وحوادث الدهس وتفجيراتهم دليل على انهيار أطروحاتهم، وارتباك منطقهم وخسة مقصدهم.

///
المصدر:

الأربعاء، 12 أبريل 2017

تأويلية العنف المقدس بين قراصنة الدين وإرادة السماء


بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي

******
يعتبر العنف لعنة تلاحق الإنسانية منذ بداية التاريخ، منذ أن قال ابن آدم لأخيه: لأقتلنك، ولا يمكن التعامل مع هذه الإشكالية بمزيد عنف على مستوى التأويل أثناء محاول التفكيك والفهم أو بتوجيه أصبع الاتهام للمقدس بكل بساطة، لأن النصوص المقدسة تقترح تعاملا لاعنفيا بالمقابل في سياق نفس الحادثة التاريخية لرد رعونة الأخ القاتل، بذلك يرد المقدس التهم عن نفسه، ويحاول توريط الإرادة الإنسانية في أسباب وقوع كل هذا العنف، الذي أمسى عنصرا مكونا للطبيعة البشرية، فقد قال هابيل لأخيه حينها: "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".
إن بعض الذين يمارسون العنف اليوم يؤثثون سلعتهم بالنصوص المقدسة، ولهم إمكانات وقدرات لا محدودة من التأويل تستقوي بالتاريخ والممارسات الدوغمائية، التي لا تنتهي بفهم مؤسس للتعايش بل العكس، فرسالتهم لا تهدف لتحقيق الاستقرار بقدر سعيها لتحقيق اللاتوازن من أجل التعجيل بخروج المصلح المُبَشَّر به في آخر الزمان والفوز بالموعود، إذ إن الفوضى إذا امتدت تقرب نهاية العالم حسب المعتقد الإسلامي، خروج المهدي المنتظر المسلم أو اليهودي أو المسيحي، ووقوع معركة الهرمجدون، وهذا يمثل عتبة حتمية أولى للعمل لتحقيق المبتغى من إسراع الاصلاح الجذري والتخلص من المدنس والفساد الذي يسود العالم.


من يمتلك المرجعية الفكرية والعقدية وينشئ مؤسسة مبنية على خلفية تاريخية توازي ما كان في عهد الصدر الأول في الإسلام، فسيتمكن من بناء طائفة قوية ومجتمع منسجم.
إن تخفيف العنف وفق تصور الأديان التوحيدية لا يكون إلا بالأضحية الحيوانية، كالكبش الذي أمسى رمزا من رموز الفداء مع قصة إسماعيل الذبيح، كأن الأديان التوحيدية تقوم بتحويل العنف وتلطيف ممارساته وما يرتبط به من تأويلات، وتقطع مع طقس التضحية بالإنسان على المذبح، والذي انتشر في معابد الأديان الطوطمية القديمة. ثم تأتي بعدها بعض العبادات والطقوس الأخرى؛ كالصلاة والصوم والوضوء لقوله عليه السلام: فإذا غضب أحدكم فليغتسل.

أبدت عدة جهات إسلامية فقهية وفكرية تخوفها من أن يخطف معنى الدين بتوظيف التأويل المذموم، ويسطر الخاطفون الحقيقة باسم إلههم المتخيل ويكرسونها بعنف ويجعلون كل المعاني الأخرى المحتملة والمضمرة غير قابلة للظهور ولا للكشف، فتتأسس مؤسسة مقابلة تستند لتلك الرمزية لغلق الباب أمام أي اجتهاد أو اختلاف في الرؤى واستراتيجيات التأويل والفهم والممارسة.

إن قصة مسجد ضرار في الإسلام والذي بني إلى جانب مسجد قباء كان محاولة للاحتيال على السلطة الرمزية التي شكلها الرسول الأكرم مع الصحابة في المدينة المنورة، وهي محاولة من المنافقين لمصادرتها بإنشاء مقابل لها ليشكلوا جبهة تصادم المؤسسة الرسمية ولتعم فوضى المؤمنين ثم يبدأ صراع المؤسسات والتأويلات. ولقد قاموا بعدها بمحاولة الاغتيال المشهورة للنبي الأكرم في غزوة تبوك.

أما اعتراض ذو الخويصرة التميمي المحسوب على توجه طائفة الخوارج المتطرفة على تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم؛ فقد كان محاولة لتفكيك رمزية الرسول في إحقاق مفاهيم كالعدل والمساواة والرحمة والأخوة، وإبداء الرجل اعتراضه كان ممارسة تأويلية متطرفة منه، قصد بها إحراج وإرباك مؤسسة الرسالة المحمدية وإفراغها من مضامينها الأساسية والتشكيك في صدق توجهها وموضوعيتها، باعتبارها هي التي تنشئ القيم وتتفرع عنها وتُشَرّع وتراقب السلوكات الاجتماعية الصادرة عن المؤمنين. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذاك الرجل وقيمه النَّزقة التي ستكون بؤرة مثالية وخصبة لنمو أهم فرقة خوارج في التاريخ السياسي والعقدي الإسلامي. والتي أسست للعنف وخاض مع المجتمع تجربة مريرة معها استمرت لعقود. ونتج عنها ولادة مدرسة عقدية مبنية على تأويلات خاصة واستراتيجية إصلاحية عنفية، ولا تزال تلك التجربة ترمي بظلالها على سياقنا المعرفي والسياسي إلى اليوم مع الفرق والحركات السلفية والجهادية المختلفة.


  •  
"القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه، لأن الإنسان قادر على تحوير وتحويل النصوص ولي أعناقها لتخدم مصالح طائفته ونفسية المؤمنين على وجه قبيح وغير مستحسن".

إن الصراع اليوم بين المتدينين المتطرفين والمعتدلين هو صراع قدرة على التأويل، ومن يمتلك المرجعية الفكرية والعقدية وينشئ مؤسسة مبنية على خلفية تاريخية توازي ما كان في عهد الصدر الأول في الإسلام، فسيتمكن من بناء طائفة قوية ومجتمع منسجم مع نتاج التأويلات الاجتماعية والدينية. وإن نجح المتطرفون في كسب معركة التأويل تنتهي الأنماط الإيمانية الأخرى والمدارس الإسلامية العقدية والفقهية التي لا تنسجم مع تطلعات وقراءات المتطرفين للمقدس، وستتحول المؤسسة الرسمية التي تحمي الخطاب الديني وتعيد بلورته وتجديده وتوجهه مستوعبة الزمان ومدركات المؤمنين وذهنياتهم وحاجتهم، لمؤسسة تستعيد التاريخ والأنماط الإيمانية غير المفككة والتي كانت تعاني من تشوهات عقدية ونفسية وعرقية وتاريخية مستعادة، والتي شكلت عائقا في تقدم العقل الإسلامي في لحظة من لحظاته الماضية ولا تزال. 

وما يحدث اليوم من عنف واصطدام بالعقل المنغلق إنما كان صورة تحديثية لهذه الصور المصغرة للمستعاد من تلك التشوهات ومزالقها، كما أن تحدياتها الخطيرة كامنة في كونها في حالة حركة ونشاط مع تنامي جغرافية الصراع الديني وسعة الاستقطاب لصالح هذه الحركات التي تنبعث بين الفينة والأخرى، وساعد على ذلك خصوبة الظروف الجيوسياسية وسعة القلاقل في المنطقة الممتدة على مدى الجغرافية العربية والإسلامية.
لقد فهم الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب مسألة الصراع بين دولته الفتية والمؤسسات التي يقوم على تدبيرها وبين طائفة الخوارج، فهم بأن الصراع قائم على أساس التأويل وأنه صراع على امتلاك المعنى وفهم المقدس، لذلك لما بعث ابن عباس لمحاججتهم قال له: لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، هذه الالتفاتة العجيبة والفطنة من الخليفة تظهر مدى إدراكه للحرب التي تشن عليه وقتها وأساليبها، لذلك استبق حيلة الخوارج بتضييق المعنى عليهم وهدم ملجئهم المتضمن في النص المقدس المفتوح على التأويل والمفعم بالحيوية والخصوبة.



  •  
تجاوز العنف يكون بتقديم منهجية معرفية متكاملة ومصدقة بما قدمه العقل البشري من معارف، لتخدم النص وتسعف العقل المسلم للاجتهاد والتجديد.

إنه في الأخير يعبر عن عنف التأويل وخطورته، وقد عبر كذلك حَبْر الأمة وعالمها عبد الله ابن عباس عن هذا المعنى بقوله: القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه، لأن الإنسان قادر على تحوير وتحويل النصوص ولي أعناقها لتخدم مصالح طائفته ونفسية المؤمنين على وجه قبيح وغير مستحسن. وللجهل والتأويل المذموم والانتحال مزالق تهدد المقدس وتحوله إلى غول أسطوري قاطع طريق أو إلى سيل من المعاني يجرف كل ما يجد في طريقه ويؤسس لدوامة عنف لا تنتهي، وقد حذر النبي الأكرم من هذه المخاطر بقوله: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

إن رهان المؤمنين اليوم هو إثبات قدرتهم على الإبقاء على صفاء المعنى في ظل تأويلاتهم لأنماط الإيمان في ظل التعدد، وتأسيس رؤية جديدة لفلسفة التعايش ومراجعة مبادئ تدبير الاختلاف وفق رؤية تستوعب المخالف ولا تصادر الآراء الإنسانية المغايرة، وتفكيك نزعة امتلاك الحقيقة المطلقة التي تعمي بصيرة المتطرفين وتغري عقولهم ببدء التحرك للحديث باسم الله وممارسة الحرب على غيرهم من المخالفين. 

وتجاوز العنف لا يتأتى بإغلاق النص المقدس ونزع إيمان الناس ومعتقداتهم والسخرية منها سواء من المؤمنين المتطرفين أو اللادينيين، وإنما يكون بأنسنة المفاهيم وجعل الدين في خدمة الإنسان، وتقديم منهجية معرفية متكاملة ومصدقة بما قدمه العقل البشري من معارف، لتخدم النص وتسعف العقل المسلم للاجتهاد والتجديد، وعدم نزع النفعية والفضيلة والشرعية عن المعرفة الإنسانية ومناهجها، والسعي الحثيث للسمو بالعقل وتفكيك كل الدوغمائيات والجزميات التي راكمها التاريخ على ضفاف الحضارة الإسلامية.


****
الرابط الخارجي 

الجمعة، 7 أبريل 2017

بنكيران والعثماني ونظرية الدوائر الثلاث في الممارسة السياسية المغربية

بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي.

*****

تتنازع دوائر النفوذ السياسي في الوطن العربي عدة قوى، هي العشيرة والزاوية والحزب ثم الدولة بأجهزتها، والمشهد المغربي ليس بدعاً مما تعرفه بقية الأقطار الأخرى. ولقد أمست الحركات الإسلامية منذ ظهورها تتقاسم مع الزاوية أدوارها بل بدأت تسحب منها الشرعية وقدرتها، ومن قادة الحركات من أسس لمشروعية خطابه من داخل الزاوية. ومن الأحزاب السياسية ما استند إلى العشيرة والقبيلة ليبني تجربته على أساس النزعة العصبية واللغوية. والدولة بمفهومها العصري يلفظها الواقع العربي عنه، بحيث إن الثقافة المجتمعية تشبعت بالممارسات التاريخية الكلاسيكية التي امتدت لأزيد من عشرة قرون. 
فمفهومها لايزال في الوطن العربي تتقاذفه الكثير من الممارسات التي لا تعبر عن خلفية تاريخية أو أيديولوجية مؤسسة وواضحة بشكل يحسم في طريقة الحكم وآليات تدبير الصراع السياسي داخل القطر الواحد. فالتجربة حديثة والنظرية السياسية العربية كانت مترددة بين القطب الشرقي والغربي وبعضها فضل أن يعتمد على التاريخ والآداب السلطانية أو يخلط بين النظريات السياسية المعاصرة وبعض ما بقي من ممارسات فقه السياسة الشرعية، والذي دون تحت إمارة الغلبة والسيف. 
والمملكة المغربية والسعودية وبعض الإمارات الخليجية نموذج حي لصور الدولة القادمة من التاريخ البعيد والمشبعة بالتقاليد والأعراف، مع اختلاف في الحدة والانجذاب لذلك بين كل دولة وأخرى، بحسب التجربة التاريخية والاحتكاكات الحضارية المحدودة مع ثقافات أخرى، وبحسب التموقع الجغرافي لكل واحدة على حدى أو بعض نفسيات القادة.
 

لم تفرز هذه النظريات السياسية كما ممارساتها ثقافة سياسية راشدة على أرض الواقع ولم تتمكن من صناعة زعماء ملهمين ومبدعين يثيرون الانتباه في الواقع السياسي العربي. وظهور الحركات الإسلامية بحدة واندماجها أو انخراطها في العمل السياسي المتأخر جعلها تستفيد من كثير من الأخطاء التاريخية التي وقعت فيها الأنظمة والحكام ومن بعض الثغرات المعرفية والتاريخية في النظرية السياسية الإسلامية، لتبدي قدرة متفوقة على المناورة ومرونة في التعامل مع المستجدات الثقافية والدينية التي تغري الشعوب وتجذبهم لنموذجها. 


قطباً سياسياً محافظاً ومقرباً من النظام السياسي المغربي يحاول الحافظ على مساحة فارغة بينه وبين الحزب الإسلامي، ويصادر أي ممارسات رمزية ويبدي تحفظاً من المشاريع الإصلاحية.
ومن المُغْرِيات، بحث الشعوب عن زعيم صالح أو مصلح محتمل لاعتقادهم بالمهدوية تاريخياً ونفسياً وروحياً، هذا المنتظر الذي سيقود الناس للتقدم كلما بدى أنهم بدأوا يفقدون الأمل من التغيير أو يملون الممارسات الفاسدة كما سوء أحوالهم. وقد كانت بعض الشعوب أكثر قدرة على إبداء معارضتها وثورتها على نمط الحكم الفاسد وكسر صورة الزعيم غير الوطني، فلم تنتظر وعد التاريخ ولا حتميته ولا وعوده البعيدة المنال، ونستحضر هنا ما وقع من ثورات عديدة خلال القرن الماضي ونمثل بدولة العراق ومصر وإيران.
 

ومرونة الحركات الإسلامية وقدرتها على المناورة في صراعها التاريخي مع الدولة لم يمكنها بدورها في لحظة الانتشاء بالانتصار من ممارسة نقد ذاتي لمسارها المعرفي والأخلاقي وصيرورة ممارساتها وسلوكيات أفرادها وقياداتها، مما ورطها بدورها في تكرار أخطاء زعماء وقادة بلدانهم، فاستنسخوا نفسياتهم. فالزعماء باقتناعهم أنهم يمثلون رأس الحكم ولا شيء دونهم، ويمثلون دائرة مطابقة لوجود فعلي للدولة ولأجهزتها. فخلقوا من أنفسهم طواغيتاً سياسية، واقتنعوا أنهم المهدي الموعود ليحتالوا على الأتباع بإنعاش مخيلتهم كل مرة بخطابات عاطفية تستجدي تعاطفهم وإيمانهم بقدراتهم العجيبة. 

مما يضعف دور المؤسسات ويلخص أدوارها في صورة الزعيم وينهي أي معنى لمؤسسات الدولة التي تنهار كلية بانهيار قدراتهم. فوجود الزعيم بين شعبه يشعرهم بالاطمئنان، وقدرته على الحركة وتحقيق المكاسب على غرمائه وغلبته لهم يظهر سلامة وقوة النظام بل في بعض الأحيان يعطي له شرعيته. وهذا كله توهم وسوء تقدير لذات الزعيم ولأساليب تدبير الحكم، فالتجربة المعاصرة ألغت هذا الوهم وكشفت زيف الادعاء، ابتداء بسقوط السوفيات إلى ما بعد انهيار النموذج التونسي والليبي والمصري، وتبقى الأنظمة العربية الأخرى في اضطراب وتوجس وترقب.
 

إن التجربة المغربية تعيش في ظل تحولات الربيع الديمقراطي مراناً صعباً، فالأحزاب السياسية فقدت قدرتها على القراءة الاستباقية للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي تطرأ على الواقع المغربي لضعف أصابها. ليجد النظام المغربي نفسه إما أمام أشخاص اكتسبوا مشروعيتهم من الحراك الديمقراطي أو من برنامجهم ووعودهم الانتخابية أو أمام منظمات حقوقية ومجتمع مدني يتابع بكثير من القلق والريبة حركات وسكنات الفاعلين السياسيين المغاربة، ونجد هؤلاء لديهم الكثير من التحسس تجاه مواقف بعض الرموز الموالية للنظام سواء كانوا أحزاباً أو أشخاصاً. ويعتقد الفاعل المدني كما الحقوقي أن أي سلوك لا يستند إلى الممارسة الديمقراطية أو روح الدستور يعتبر انتكاسة ومصدر تشويش على المكتسبات السياسية والحقوقية خصوصاً بعد التعاقد على دستور 2011م، ومضامينه التي تتعلق بتدبير الشأن العام واحترام دور المؤسسات وسلطها.


إن ما أفرزته انتخابات 7 أكتوبر 2016م من فوز مسموم لحزب العدالة والتنمية، المعبر عن خلفية المشروع الإسلامي، بعدم قدرته على تشكيل الحكومة مع فرقائه من الأحزاب السياسية المغربية، بعد إعفاء الأستاذ عبد الإله بنكيران وتكليف الدكتور سعد الدين العثماني، ليظهر شدة الصراع القائم بين دائرة المؤسسة الملكية والمقربين منها ودائرة المجتمع الحقوقي والمدني ودائرة الحزب الإسلامي الفائز والمعبر عن الإرادة الشعبية وطموحات الحراك الديمقراطي. 
إن فلسفة الدوائر الثلاث في علم النفس والتي أسسها البروفسور بيتر مارش أستاذ علم النفس بجامعة كامبريدج، تؤكد أن لكل إنسان مياه إقليمية وحدوداً مثل الدول، وأن أي إنسان يجلس في منتصف دوائر غير مرئية تحيط به لا تسمح باختراقها إلا لمن نحبهم فقط، وننزعج إذا اقتحم علينا حياتنا أو دوائرنا أشخاص غير مرغوب فيهم. وأي اقتحام لتلك الخصوصية يقتضي من الذات إيجاد حواجز وتعبيرات وتصرفات تظهر توترنا، والتصرف وفق ما يقتضيه الحفاظ على حدودنا للحد من اقتراب الخصم أو الغريب من ذواتنا. 
ولتجريب تنزيل هذه النظرية على الوضع السياسي المغربي نجد أن قطباً سياسياً محافظاً ومقرباً من النظام السياسي المغربي يحاول الحافظ على مساحة فارغة بينه وبين الحزب الإسلامي، ويصادر أي ممارسات رمزية ويبدي تحفظاً من المشاريع الإصلاحية التي يقدمها بله المواقف والسلوكيات السياسية التي يبديها القادة ومناضلو هذا الحزب، ويستند ذلك القطب على الآداب السلطانية والتقاليد والأعراف التاريخية المخزنة المتوارثة، التي تجعل من المخزن المسؤول الأول والأخير عن أي إصلاح والقادر على استيعاب حاجات وطموحات الشعب ولكن وفق نموذجه واستراتيجيته وبرنامجه. 
ووفق نظرية الدوائر الثلاث فالمخزن منظومة سياسية وأيديولوجية وكائن تاريخي بمفهوم العروي الذي يسمه بأنه التحرك بحسب المتاح للبشرية أي وفق الظروف الحتمية المتاحة للإنسان وليس خارج تلك الظروف. والمخزن بالمفهوم التاريخي البوبري، يعني كارل بوبر، هو القادر على إيجاد قوانين التغيير الاجتماعي. هذه القوانين زاحم فيها الحزب الإسلامي النظام السياسي أو المخزن فما كان عليه إلا أن يتخذ له استراتيجيات تدافع عن دائرة صناعة قراره وتوسيع خياراته بعيداً عن مناوشات الحزب وخلفية مجيئه للسلطة، مما ورط السيد بنكيران وبعده العثماني، في مشهد سياسي كاريكاتوري بحسب المتتبعين، وضخم غموض المشهد من شكوك المجتمع المدني وتوجسه من مآلات تدبير الفاعلين السياسيين للسلطة والشأن العام. وخلق هذا الجو توتراً داخل أروقة الحزب نفسه، لتبدأ الاتهامات بالخيانة والاستقطابات والموالاة والنزاع على المكاسب والأتباع والتنازع على المصداقية والشرعية بينهم، مما يضع المؤسسة الحزبية وأطرها في رجة وحيرة.