الاثنين، 29 مايو 2017

المغرب الكبير والموجة الثالثة للحراك الديمقراطي


بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

******
الحراك الشعبي العفوي يحتاج في النهاية إلى فرش ثقافي ومعرفي مركب، فلا يجب أن ينساق ببراءة ثورية إلى أهداف مثالية بعيدة كل البعد عن التطلعات الحقيقية للشعوب. والأنظمة السياسية تحتاج لكي تحقق الاستقرار إلى توسعة الحقل الدلالي الحقوقي بعيدا عن الآداب السلطانية وما تراكم في مباحثها تاريخيا من فلسفة سياسية مؤطرة بالغلبة والقبول بالمستبد العادل وحكم الرعايا بالسيف، هذه المراجعة الملحة ستمكن المواطنين في الوطن العربي/ وليس الرعايا من الإحساس بانتمائهم إلى هذا العصر، بعيدا عن التيه في طرق أخرى وفلسفات أغلبها اصطنعت لتكريس نفسية الاستعباد والتبعية.
وهي كلها طرق وفلسفات تثبت فشلها وانسداد أفقها مع كل لحظة ثورية تنبعث فيها الإرادة الانسانية لتشكل وعيها مجددا، فتشرق معها الحاجة للحرية والكرامة والعدالة. هذه الخلاصة حفزتنا مرة أخرى للعودة للكتابة عن نفس الموضوع من زاوية أخرى، بعدما تنامت الموجة الجديدة من الحراك أو بحسب قول هنتنغتون في كتابه: الموجة الثالثة، التحول الديمقراطي في أواخر القرن 20.
إن الحراك الاجتماعي يبقى نابضا، لأنه لا يزال هنالك الكثير من العمل يجب القيام به، وما بقي من زمن الذلقراطيات العربية بعد الحراك الديمقراطي في أمس الحاجة أن تبقى هذه الظاهرة السليمة في يفعانها وعنفوانها، والربيع الديمقراطي يظن أنه انتقل إلى فصل من فصوله السيئة في كثير من البلدان، ونسي معظم الباحثين أن التطهر من الخوف والقلق من عنف السلطة والفزع من أفكار الديمقراطية والاختلاف، وفوبيا وقوع التداول على الحكم وتقسيم الثروة، كل هذه الأمور تبقى صعبة تحتاج إلى صبر وموجات أخرى من انتفاضات متلاحقة تنسي كل موجة الناس في سابقتها. إنه الحل السحري الذي اكتشفه الضعفاء والفئات المهمشة والكثير من الشعوب التي أحاط بها الطغيان وانسدت الآفاق أمامها، ولم يبق لها غير ذاك أو الاستعداد لتحطيم كل شيء وتدمير الذات مقابل جرعة من الكرامة بدل المهانة والذل.
السلطة الكلاسيكية عليها أن تخاف مما قد يطرأ في أي زمان أو مكان في جغرافية تحكمها، ولم تعد هذه التركيبة المهترئة وغير المنسجمة من الدول التقليدية وفلسفة الحكم قادرة على حصار أو استيعاب الحراك بحكم عجزها المطبق.
في لقاء جمع بين ماريوسواريز وزير خارجية الحكومة المؤقتة وزعيم الحزب الاشتراكي البرتغالي إثر الثورة البرتغالية أواسط سبعينيات القرن الماضي ووزير خارجية و.م.أ هنري كيسنجر في واشطن، قام كيسنجر بتوبيخ سواريز وغيره من العناصر المعتدلة لعدم اتخاذ موقف حاسم لاستئصال شأفة الدكتاتورية الماركسية اللينينية، فقال كيسنجر لسواريز: "أنا أدرك مدى إخلاصك، لكنك ساذج مثل كيرينسكي"؛ رئيس الحكومة الانتقالية بعد الثورة البلشفية 1917م، وأطاح به زميله لينين، فرد عليه سواريز قائلا: "بالطبع أنا لا أود أن أكون مخلصا وساذجا مثل كيرينسكي". فقال له كيسنجر: "ولا كيرينسكي كان يود ذلك أيضا".
نورد هذه القصة لتوضيح كون السلطة السياسية العربية التي تقتنع بأن الحراك انتهى؛ تجمع بين السذاجة السياسية والاستراتيجية ومعهما عماء الإخلاص لسلطتها التاريخية ولأمجادها المزيفة، مما يوقعها كل مرة في الارتباك وسوء تدبير اللحظة، والتخلف عن الموعد مع التاريخ الذي تخطه الشعوب بعيدا عن قادتها. مما يجعل هؤلاء القادة يعتقدون أن الفعل المدني والحراك الاجتماعي عدو يجب التخلص منه في أقرب فرصة تتيحها شروط التاريخ، بتعبير الباحث المغربي عبد الرحيم العطري. 
والسياسي المحنك يتحين تلك الفرص التي قد يأتي بها القدر في كثير من الأحوال لكي يقتنصها، ولكن في حالة العقل السياسي العربي لا شيء يداوي عُنْجُهِيَّتَه، لأن أخطاءه تؤدي إلى تصعيد موجة التعارض بتمييز دائرته عن دائرة الحراك فيكشفه موقفه الرجعي، مما يوقعه في الحرج والمواجهة والصدام مع الشعب ثم الاجتثاث. ولا أحد منهم يكلف نفسه ليفهم أو يفسر أو يتساءل مع توماس فريدمان: لماذا يثور الناس؟
إن لوينز فون شتاين الباحث الألماني قد أشار بأن وزر الحراك يقع على الحركة العمالية وقد آن لهذا الرأي أن يتغير أو يخفف منه، ليتحمل الشباب بكل انتماءاتهم أو بدونها وزر تأجج الحركات الاجتماعية وخوض المعركة التاريخية، لتنتفي جرعة الصراع سواء بالمنطق الهيغلي أو الماركسي، مقابل نشوء آليات ومظاهر جديدة تبلور الحراك وتؤسس لواقع جديد يحتاج لمزيد دراسة وفهم. ولتبقى كذلك، آراء آلان تورين صامدة في إظهار السمات التي تحكم أي ظاهرة احتجاجية والتي لخصها في مبدأ الهوية وهي دائرة الحراك ومبدأ التعارض دائرة الخصوم ومبدأ الكلية بوتقة تعكس وعيا جمعيا.
ويمكن هنا أن ندعم نظرية تورين بموقف غوستاف لوبون الأرستقراطي الذي يظهر الفقراء وهم يخرجون للشوارع لإظهار تطلعاتهم الشخصية وبعض رغباتهم الوحشية والشيطانية؛ لأن هذا الفيلسوف ينظر إليها بكونها تعكس العقل الباطني وعواطف الجمهور، مع تحفظنا على ترجيحاته وتفسيراته التفصيلية التي تحتاج إلى ومراجعة.
إن السلطة الكلاسيكية عليها أن تخاف مما قد يطرأ في أي زمان أو مكان في جغرافية تحكمها، ولم تعد هذه التركيبة المهترئة وغير المنسجمة من الدول التقليدية وفلسفة الحكم قادرة على حصار أو استيعاب الحراك بحكم عجزها المطبق أمام الحداثة والتقنية ونفحات الحرية ونزعة التحرر والخلاص الفردي والجماعي. إنها تشعر بالعجز والشيخوخة ويشعر القائمون عليها بالعته عندما يفشلون في فهم الظاهرة التي تمتد بتدوينة حرة على موقع اجتماعي أو بسبب رد فعل على تصرف أحمق من شرطي ضد مواطن أو بسبب سوء معاملة موظف رسمي أثناء دوامه أوفي بعض الأحيان دون أي سبب.
موجة الاحتجاجات الجديدة اليوم في مختلف الدول العربية، تأتي في سياق سوء الفهم من تقدير الموقف من الربيع الديمقراطي، وعجز دوائر القرار من امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه الحالة الرخوة جدا والمستجدة على بلدان المنطقة.
إن مسارات الحراك الزيتية وغير المتوقعة وأمام الأمثلة الكثيرة والممتدة بين اليمن وليبيا وسوريا والعراق وغيرها، تجعل القدرة على دراسة الاحتمالات وتفسير أنماط الفهم وخطاب وسلوك هؤلاء الناس غير واضحة وإن كانت لها نتائج فهي غير موضوعية ولا تبني موقفا استشرافيا.
موجة الاحتجاجات الجديدة اليوم في مختلف الدول العربية، تأتي في سياق سوء الفهم من تقدير الموقف من الربيع الديمقراطي، وعجز دوائر القرار من امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه الحالة الرخوة جدا والمستجدة على بلدان المنطقة. ويزيد الأمر تعقيدا فشل هؤلاء في تدبير الاختلاف السياسي وضبابية في أنماط الحكم، وتشوهات في التدبير الاقتصادي وتغييب الكفاءات السياسية والوطنية، وتقزيم لدور الهيئات السياسية وترويض بعضها وإفقادها المصداقية، مقابل توظيف للتقنوقراطيين الانتهازيين الذين لا يمتلكون الجرأة ولا الرؤية السياسية ولا ثقة الجمهور.

كما أن لتقهقر دور الدولة وأجهزتها القمعية دورا أساسيا، وكان المعول الذي هدم آخر صنم لها، نكوص ما أسسته من مقولات حول الهيبة والشرعية التاريخية والاجتماعية والدينية وما استمدته من مرجعيات تقليدانية وتاريخية كانت تستند عليها.

كل هذا في مقابل تنامي مجتمع مدني وهيئات حقوقية وإعلام بديل واجتماعي قوي واحترافي. وليس للحكام اليوم غير الانصياع لجرأة هؤلاء الشباب والتطلع معهم لمستقبل مشترك في ظل تحديث لرؤيتهم السياسية ولمؤسساتهم الحاكمة وبناء عقد اجتماعي وسياسي حديث، وإلا فإن عواصف الصحراء الخريفية أو عنفوان الربيع المخضر ينمو غير بعيد عن خيامهم، التي لن تستقر على حالها ولن تتقوى بوتدها، بعد الشعور بطعم الحرية والانفتاح على أجواء الديمقراطية والتطلع لمجتمع المعرفة والرخاء الاقتصادي، ولن تنفع مع الموجة الجديدة من الحراك لا المزيد من الريع والمنح ولا الإصلاحات التلفيقية ولا الخطابات الدينية التي تلعن الفتن النائمة.
نشر على منصة الجزيرة:

الثلاثاء، 16 مايو 2017

صناعة الزعيم في فكر الحركات الإسلامية



****


إن الزعامة في الحركات الإسلامية هي نتاج نضال وتضحية في كثير من تنظيماتها، وهذا شيء إيجابي لا ينكره أحد، وصناعة الزعيم يعد من أهم الأدبيات التي ورثت مع تنظيم الإخوان المسلمون الذين أسسوا لكثير من الممارسات والتصورات من خلال تجربتهم التاريخية الممتدة.
 
ويبدو أن الحركات الإسلامية المعاصرة عاجزة عن الخروج من جلباب القادة الكلاسكيين الذين قعدوا للممارسات السياسية والأخلاقية والتنظيمية، هذا الإرث التاريخي والعاطفي والأخلاقي الذي قد يكون ابتدأ مع حركة الإصلاح الديني والنهضة العربية، ووجد له تنظيما مستوعبا مع الأستاذ حسن البنا ليستوعب التصورات ويفعل المفاهيم المبتوتة في الكتب والرسائل والممارسة في الجلسات، والتي تكفلت كذلك المقررات التنظيمية والخطب الوعظية على تمريرها للمنتظمين منهم.

يقف اليوم هذا الإرث حاجزا عن رؤية المستقبل، ويرمي بثقله على الحاضر، ويوقع هذه التنظيمات في مأزق الجذب العاطفي والروحي الذي يغرق المنخرطين في هذا العمل في كثير من الأوهام السياسية والاجتماعية والدينية، وقد تفطن البعض من القادة والمفكرين داخل هذه التنظيمات لهذه الفجوة في التفكير، فقاموا بمراجعات قيمة ونقد ذاتي صارم، في المغرب ومصر والكويت والسودان وتونس ولبنان. وقد اقتنع البعض منهم بأن التنظيمات الحركية قد ضاقت بأهلها كما ضاق صدر بعض زعمائها بانتقادات أولئك، ليكون الجزاء هو الفصل والطرد، لينخرط هؤلاء في مشاريع أخرى علمية ومراكز دراسات أو حتى في أحزاب سياسية تقدر على استيعاب تجاربهم وسعة أفقهم، ولا تمارس الوصاية الفكرية والروحية عليهم.
 

كما أن هذه الهيئات كان أساسها المدني غير المتسم بسمة دينية شكل مركز جاذبية للكثير من الذين قاموا بتلك المراجعات، لكونها لا تتدعي نهاية أنماط التدين عندها ولا واحديتها التي لا تقبل بالتعدد والحرية، ولا تقبل إطلاقية فلسفاتها في التغيير الاجتماعي والسياسي ولا حتمية مشروعها النظري.إن هذه السمات البارزة وما تختزنه من قيم إنما كانت من نعم الحداثة والفكر التنويري النقدي الذي أبدعه الإنسان.
 

الصراع على قيادة أي حركة من الحركات الاجتماعية يرجع إلى مسألة القوانين الداخلية للتنظيم وطبيعة التنظيم ذاته، وكذا نفسيات القادة والمنتظمين من الأعضاء وعلاقاتهم الروحية والاجتماعية.

إن الذي حفزني لكتابة هذه المقالة يرجع أساسا إلى ما اطلعت عليه من كلمات مقالة الأستاذ عمر عبيدة حسنة حول مراجعاته الشخصية والعميقة لفكر تنظيم الإخوان المسلمون، والمعنون بـ: من إصابات العمل الإسلامي، والتي اختصرها في: العجز عن انتاج قيادات فكرية، انقلاب الوسائل إلى غايات، سيادة العقلية الذرائعية، فكر المواجهة، عدم تمثل المعاني المفقودة في الأمة، عدم تقدير قيمة التخصص، العجز عن استنبات قيادات متجددة.
 

وأجدني قبل أيام أعيش تجربة كتابة مقالة عن صناعة الزعيم ومطالعا لكثير من المقالات التي تبحث في سيكولوجية الجماهير والسلطة والزعماء، وأنا أنظر إلى تجربة الحركات الإسلامية المغربية، بعد أن تم تعيين الدكتور سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة المغربية وإعفاء الأستاذ عبد الإله بنكيران، وقبلها ما أصاب جماعة العدل والاحسان من انكماش بعد وفاة الزعيم الروحي والتاريخي الأستاذ عبد السلام ياسين، وما يقع لحركة من أجل الأمة وكذا البديل الحضاري وغيرها من الحركات السلفية من اضطراب بسبب إما الوفاة أو التعرض للاعتقال والمتابعة القضائية أو الحصار السياسي أو السقوط في حبال المؤامرة والابتزاز السياسي أو القبول بالتقرب إلى دوائر القرار السياسي والحزبي للاستفادة من الغنائم مقابل تقديم تنازلات معينة.
 

والملاحظ أن الصراع على قيادة أي حركة من الحركات الاجتماعية يرجع إلى مسألة القوانين الداخلية للتنظيم وطبيعة التنظيم ذاته، وكذا نفسيات القادة والمنتظمين من الأعضاء وعلاقاتهم الروحية والاجتماعية، ولا ننسى كاريزما من يكون في الواجهة، وقد يكون تدخل بعض دوائر القرار في ترتيب أوراق بعض التنظيمات والأحزاب مؤثرا وواردا في كثير من التنظيمات إما لنيل البركة والرضا والتزكية أو لتسهيل العمل وشرعنته.
 

وقد حدث في المغرب مؤخرا أن تقاذف بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية البارزين فيما بينهم الكثير من الكلام الذي يشعر بكون تنظيمهم السياسي يعيش حالة ارتباك بسبب الرجة التي أحدثها إعفاء الأمين العام الأستاذ بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة 2017م، ليتم تكليف عضو آخر في الحزب لتلك المهمة، فبعض الأعضاء اتهموا غيرهم من إخوانهم بالخيانة والخنوع ودافع الآخرون بكون التجربة تقتضي الانحناء للعواصف وتفادي حالة الاصطدام مع القصر وبعض دوائر صنع القرار السياسي المغربي المتهمة بإرادة التحكم وبالاصطفاف في جبهة الدولة العميقة.
 

هذا الحدث أفرز لنا وضعا جديدا لم يكن مخططا له، ولم يكن ليدركه الكثير من المناضلين في صفوف الحركات الإسلامية وهو إشكالية تفكيك رمزية الزعيم السياسي من طرف النظام السياسي التاريخي والقوي وإعادة تركيبها بشكل مستفز، ليهدم الصورة التي كونها الزعيم عن نفسه أو التي رسمها عنه مريدوه وليتم التعريض به بأنه شخصية غير محتملة، وبه نزق وطيش ويصعب التنبأ بردود أفعاله، وبكونه غير مرن ولا لبق ولا يرقى ليكون رجل دولة يحفظ لسانه ويكتم الأسرار ويرسم حدود علاقاته ومآلات سلوكاته، ويرسم حدودا لنفسه ويتحكم في ردود أفعاله السياسية والخطابية.
 
ونؤكد مرة أخرى على مثال التجربة المغربية، فقد تم اختيار بديل شخصيته تخالف صورة الزعيم بنكيران، ولا يعكس أي تفصيل منها، وفي كل الأحوال له مميزات قد تكون تقنع دوائر صنع القرار ولكنها لا ترقى لترضي المناضلين المتعطشين لشخصية زعيم منفلت لا يُتوقع سقف خطابه ولا يتحكم في ردود أفعاله، شخصية زعيم يخلق الفرجة مع كل ظهور له لتعلو نسب تتبع أخباره ومقابلاته وتزيد شعبيته على شعبية النظام نفسه ليكسب مساحة واسعة من النفوذ والهيبة، ويوثق علاقته السياسية بحميمية مع نفوس الجماهير. فينافس بل يزايد بشكل أو آخر على أقرانه من الساسة وغيرهم.

الحركات الإسلامية حركة بشرية واجتهاد نسبي في حاجة دائمة للمراجعة، والمجتمع لا يجب أن ينظر إليها بكونها أنموذجا مثاليا لإقامة نمط الدين النهائي بل هي تجربة تاريخية مباركة.
لا يتوقف الأمر على ما تحمله شخصية هذا الزعيم من قدرات إدارية أو كفاءة سياسية بقدر ما يكنه له المريدون من طاعة وثقة ورابطة عاطفية تجعله أنموذجا صعب الاستنساخ، وغيابه في لحظة عن المشهد الحزبي والسياسي يشكل صدمة، بحيث يتصور مع غيبته أن المؤسسة الحزبية ستنهار أو أن بقية القادة من حزبه والمنافسين له على كرسي الزعامة لن يقدروا على القيام بمهام المفاوضة وتدبير الشأن السياسي اليومي والتحكم في قرار الحزب، ولا حتى النجاة بالمؤسسة الحزبية من التحديات والمؤامرات التي تحاك ضدها.
فالكل يتلخص في الزعيم والزعيم هو الكل، فهذا الدفيء العلائقي يتوغل على مستوى الوجدان وفي المواقف السياسية والأخلاقية، ليرفض أي مقترح للزعامة ولا تقبل أي محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للصورة الرمزية للزعيم الأوحد، ومن يدعي بديلا له أو مقترحا آخر عنه فهو متآمر وخائن وأفكاره هدامة. فيتوقف تجديد النخب وتحديث مواقع القرار وقادته ويعاد انتاج خطاب المظلومية والتبرير والوعظ، فتنمو المؤامرات بينهم وتوغل صدور بعضهم على البعض، وتكرر العثرات وتكثر القناعات المبنية على الأوهام بدل الحقائق والأفكار وتخفت النزعة النقدية والإبداعية بين الأعضاء وتظهر الآفات الأخلاقية والتنظيمية والأيديولوجية والصراع على المصالح الفردية وتحصيل الغنائم الآنية، مما ينبئ بالتصدع والترهل والانهيار.
إن الحركات الإسلامية حركة بشرية واجتهاد نسبي في حاجة دائمة للمراجعة والتقويم لكون النفوس الإنسانية فاعلة فيها والظروف التاريخية والاجتماعية، والمجتمع لا يجب أن ينظر إليها بكونها أنموذجا مثاليا لإقامة نمط الدين النهائي في الحياة والمجتمع بل هي تجربة تاريخية مباركة.

****