الخميس، 19 يوليو 2012


 

«نحتمل بعضنا البعض لأننا جميعا مُدَّعون»
إميل سيوران-فيلسوف روماني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
نحت الأدب الإنساني مفاهيم ثقافية عن علاقتنا الاجتماعية والنفسية التي تربط بعضنا ببعض، وتجعلنا نجتمع بشكل إنساني تحت سقف نعوت وربما ارتباطات مختلفة، تشكل ذواتنا، وربما يحتل مفهوم الصداقة، على غير العادة، مكانة مهمة بين مختلف تلك المفاهيم الفلسفية والاجتماعية والتربوية الأخرى التي تؤسس لعلاقتنا الإنسانية. وأول ما يتبادر إلى ذهن القارئ وهو يطالع كلمات هذه المقالة هو عتبتها وعنوانها،
ليربطه بكتاب لأبي حيان التوحيدي المعنون بـ«الصداقة والصديق»، وهو كتاب له مكانة طيبة ضمن الأدب عموما، ويحتاج الكثير منا إلى إعادة استعادة بعض كلماته وتفاصيله ومعانيه لبناء صداقات ناجحة أو، على الأقل، للاطلاع على ما يفتقر إليه من تصور لمسمى الصداقة. وتأتي مقولة سيوان للتأكيد على موقف وجودي- براغماتي واضح من العلاقة بـ«الآخر»، ربما كان بدوره، باعتباره فيلسوفا، يتصور أن احتمال وجود صداقات جديدة أو قديمة في حياتنا شيء تفرضه ظروف ما سريعا ما نتخلص منها بمجرد تغير تلك الظروف، وهو شيء مربك وعملي في نفس الوقت.
أصبحت لفظة صديق بلا بعد فلسفي ولا اجتماعي ولا نفسي بعدما كثر توظيفها في المواقع الاجتماعية والدردشات، فلا نرى إلا إضافات لصداقات جديدة، حتى إن بعض هذه المواقع، مثلا، لكثرة طلب صداقات جديدة، توقف تفعيل تلك الخدمة مدة شهر كامل على أمل أن يراجع المستخدم بروية ذلك المفهوم أو حتى يتأكد من جدية طلبه على الأقل، فيؤجلون شغفه وفضوله للحصول على لائحة جديدة إلى وقت آخر، ولاحظت أن بعض «الأصدقاء» يكثرون من ذكر عدد صداقاتهم الجديدة بافتخار وكثير «مزايدة» ولو تعلق الأمر بصداقات موقعُها «العالم الافتراضي»، وهذا كله إفراغ لما لمفهوم الصداقة من معنى وحقائق جليلة.
يؤكد أبو حيان التوحيدي، وهو الذي قد يتمنى ربما أن يواكب كل هذه التحولات، على دور الصديق الحقيقي والواقعي بالقول إن حديثه فيه حلاوة، كما أن فيه شفاء للصدر، وتخفيفا من البرحاء، وانجيابا للحرقة، واطرادا للغيظ، وبردا للغليل، وتعليلا للنفس، وربما لأن بعض الناس اليوم لا يملكون القدرة على تكوين وربط علاقات اجتماعية ناجحة وواقعية بسبب العمل أو حالة نفسية أو موقع اجتماعي، مما يجعلهم يهربون إلى العالم الافتراضي، للإحساس بأنه بديل لهم أولا، وثانيا لمشاركة مشاعرهم مع «الأغيار» دون كثير تحرج، ليس فقط بالدردشة في غرف خاصة، ولكن بالإفصاح عنها على الجدار الشخصي للعموم، سواء باسم مستعار أو باسمهم الحقيقي، ثم انتظار «التعليق» و«المشاركة» commenter ou partager، وهذا تحول كبير آخر يصيب جانبا مهما من تصوراتنا للعلاقات الاجتماعية والأخلاقية دون أن أنعتها بالسلب ولا بالإيجاب بل أقف منها موقفا حياديا.
إن المواقع الاجتماعية اليوم تنحت لنا تصورات ومواقف ومشاعر كما تساعدنا على التغيير بشكل سلس ومرن جدا، فتجعلنا ننتقل من حال إلى حال دون أن نعيى بذلك، ومشكلتنا أننا لا نعرف عمق هذا التغير والتحول إلا بعد أن نقطع مسافة كبيرة، دون أن نملك استراتيجية متكاملة تجعل علاقتنا تنسجم مع واقعنا والتحديات التقنية الجديدة، بمختلف جزئياتها، وهو ما يسمى بـ«التبيئة» بكل شروطها، فلا أحد اليوم يقدر على أن يغلق بابه أمام هذا السيل الجارف من المستحدثات، كأننا بصدد حلم مثالي يمنحنا اللذة ويمنع عنا التفكير، وشتان بين الحلم وبين فترة الاستيقاظ، ومثالا على ذلك نتحدث كثيرا عن الخصومات التي تقع بسبب نشر غسيل أحدهم أو أوراق الامتحان على جدار المواقع الاجتماعية أو امتلاك مسؤول لصفحة أو مشكل عائلي بين زوجين بسبب صفحة شخصية..، فنكتشف مشاكل وجرائم جديدة، وفوارق عميقة بين الأجيال المتعاقبة إلى درجة الدهشة، وقد نلاحظ فيما بعد أننا لسنا كما نتصور أنفسنا أو مجتمعنا، بل إننا مختلفون جدا أو منمطون جدا، فالتقنية سلاح لا نقدر على محاكمته أو تخفيف مخاطره.
هل نتحدث عن آداب الصديق وكتاب أبي حيان التوحيدي فقط؟ أم عن صداقتنا بالحاسوب؟ إننا نتحدث أيضا عن الأخير بطبيعة الحال بكل تصانيفه؛ خصوصا إذا كان متصلا بالشبكة العنكبوتية، إنه الصديق الحقيقي اليوم، لأنه يمنحنا المتعة ويجعل عالمنا منفصلا عن كل العالم أو متصلا بكل العوالم، قد كاد يشبه في قدراته ما في أحلام بلاد العجائب، فلم يعد الكتاب مجديا أو بنفس الروعة كما الجلوس إلى «أنيس بشري» أو غيره. وسؤالي: هل سنتمكن من إبداع أمثلة مرتبطة بالواقع الجديد كـأمثلتنا الثقافية القديمة: «الصديق قبل الطريق» و«خير جليس في الزمن كتاب»، تساعدنا على ترشيد علاقتنا بالوافد حديثا؟
الصداقة شيء مهم عند رجال السياسة والأدب وجل أفراد المجتمع مع اختلاف في نظرتهم إليها، لذلك حكى التوحيدي عن أبي سليمان السجستاني قائلا: «فأما الملوك فقد جَلـُّوا عن الصداقة؛ ولذلك لا تصح لهم أحكامها، ولا توفي بعهودها، وإنما أمورهم جارية على القدرة، والقهر، والهوى، والشائق، والاستحلاء،..». وربما مع المواقع الاجتماعية الجديدة لا حاجة بأحد الساسة إلى صديق يؤنسه ويكتم عنه أو يظهر محاسنه، إذ إن هذه المواقع تقوم بكل المهام بلا حجاب ولا وسائط كثيرة، وكثيرا ما تكون التعليقات على أخبارهم تبين صورتهم عند المتلقين، فتكشف شعبيتهم من عدمها، كما ساهمت في ظل الربيع الديمقراطي في تشكيل وعي سياسي مختلف، بل نزعت بعض الساسة عن كراسيهم.
أما ما نقل عنه في الكتاب وأهل العلم فقوله: «.. إنهم إذا خلوا من التنافس والتحاسد والتماري والتماحك، فربما صحت لهم الصداقة وظهر منهم الوفاء، وذلك قليل، وهذا القليل من الأصل القليل»، فقد كانت لهم هذه المواقع خير معين لكشف جديدِ هؤلاء من تنقلات ومشاركات وإبداعات، وهي خدمات تفاعلية توضح مدى اتساع قرائهم، مما يجعلهم أكثر قربا من بعضهم البعض، وهذا ما يفسر مدى انتشار صفحات خاصة بأصدقاء الكاتب الفلاني والعلاني، وهذا ما ينعكس سلبا كذلك على علاقات بعض الكتاب ببعضهم بنشر التعليقات المستفزة والأكاذيب والافتراءات وتحريك العداوات المجانية، وهو سبب وجيه لهدم صداقات مفترضة واقعيا.
لقد غيرت التقنية بعدما دخلت حياتنا طرق تفكيرنا وجعلتنا ننخرط، بشكل أو بآخر، في أشكال ثقافية مختلفة؛ كما جعلت تعابيرنا معقدة ومرتبكة، مما أثر على مفاهيمنا التي أصبحت لها دلالات جديدة تنخرط في تزكية هذا الواقع، ودلالة «الصداقة والصديق» جزئية فقط بدأت تفقد حمولتها شيئا فشيئا بعدما برزت إليها التقنية بأدواتها وبدأنا نصدق أوهامنا الافتراضية ونتماهى معها في اغتيال تام لتجاربنا الواقعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث وكاتب صحفي-أكادير
 يوسف محمد بناصر

الاثنين، 9 يوليو 2012

            أنا واليوم العالمي للشعـر والربيع الديمقراطي

 

إن للشعر حضورا بارزا في الحضارة العربية-الإسلامية، إلى درجة أن زينت به جدران المساجد والأضرحة وكساء الكعبة والأواني الذهبية والتيجان..، وكان سوق عكاظ قبلا يؤمه بامتياز، كما عرف بكونه ذاكرتهم بحفظ التاريخ والأنساب والبطولات والمغامرات العربية، إنه ديوان العرب الجامع لأنبائهم، كما أنه «الابن المدلل» للجنس الأدبي بلا منازع.
تختلف المناسبات التي يستأسد فيها الشعر بالمجالس حسب مكانة الحاضرين وباختلاف الأحوال والظروف، فهو من أهم الأجناس الأدبية التي يمكنها أن تقتحم خلوة الصفوة من الأمراء والسلاطين، باعتباره متهتكا مرغوبا ونديما محترما.
كان الناس، عامتهم وخاصتهم، ينبرون لسماع قصائد مرتجلة أو مكتوبة في لحظات تاريخية حاسمة أو لحظات إنسانية مهمة، على سبيل المثال: «قصيدة الحياة» لأبي القاسم الشابي التي تمت استعادتها هاتين السنتين، لقوتها وعمق كلماتها في خضم الربيع الديمقراطي، والتي كان أهم أبياتها:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب  القَدر
ولا بد لليل أن ينجلِي
ولا بد للقيْد أن  يـنكسر
ومن لم يعانقهُ شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر
وقوله:
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
إلى أن قال:
إذا طمحتْ للحياة النفوسُ
فلا بد أن يستجيب القَدر
فلقد كان لهذه القصيدة -ولا يزال- وقع جميل في النفوس لما تكتنزه من معان جميلة سامية ومفردات رقيقة راقية، تعبر عن حالة كل إنسان يطمح نحو أفق الحرية والانعتاق من كل قيد.
وقد مرت أيام معدودة على الاحتفال بيوم عالمي خاص بالشعر والشعراء، وأنا أحتفي أو أتذكر هذه المناسبة المجيدة انتابني شعور بالقلق وإحساس بأني بصدد هجاء لهذا الجنس الأدبي، بذلك أخالف منطق الرومانسيين وبعض العقلانيين، فوجدتني مظهرا بعض مثالبه التي أظن أنني وقفت عليها، ربما أكون في غاية الجدية في ذلك أو في قمة الثمالة والمزحة، ويرجع إدراك ذلك إلى مدى قدرتي على الإقناع ثم قدرة القارئ وذكائه في إطلاق مخيلته معي أو حتى اجتهاده لمساعدتي على إضافة المزيد من الأسباب التي تجعلنا نجرب كره الشعر جميعا بقدر ما نحبه فنعكس مذهب الجمهور المتواتر ولو لمرة، هل أنا مرغم الآن على إقناع القارئ بحجج دامغة لما أدعيه؟ هذا ما لا أعد به أحدا، حتى لا يكتشف في الأخير أني دلست عليه أو غالطته.
 أيها الشعر كم من إنسان تلذذ بإسماع أو سماع أحرفك في أيام الرخاء ليمنح باسمك النياشين والألقاب ويؤرخ للحب بك، ها أنت اليوم تقف على باب بعضهم تنشد كلمات ينساب منها الموت والذم والهجاء والرثاء..، لم أعرف جنسا يجمع بين الضدين والنقيضين غيرك، كأني أتتبع صفات منافق بين ثناياك.
 لا أخفيكم أولا مدى إعجابي بلقب «شاعر»، فحينما أغرق في رومانسية ممزوجة بالصمت أحس بحاجة إلى أن عبر عما أحسه شعرا، حتى يمجد ذاك في ما لم يقل من قبل، قدرة خارقة تتسلل إلى كياني لقول أبيات شعرية تسكن الألم أو الضجيج الذي يكاد يفقدني صوابي، إنه مسكن لألمي الرهيب.
الشعر، هذا «الشيء» الذي يقارب السحر لما ينطوي عليه من جمال «إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا» مصداقا لحديث شريف، إنه يجعلنا نحتفي به كل يوم فنؤلف من أجله الموسيقى لنتوجه بها في الأخير، كأننا بصدد عرس بهيج، كما نصمت دهشة، فنميل يسرة ويمنة ونحن نستمع إلى شاعر موهوب، ثم نكاد نقسم على رأسه أنه يعبر عما نحس به، بل يعبر عما جاءت به الرسل والأنبياء من حقائق أحيانا، لتمتزج روح الشاعر بروح النبي فتتداخل الألقاب في ما بينها، شاعر وعازف ونبي، أي مقام هذا وأي كمال.
والغريب في الشعر أنه يدفعنا إلى التصفيق بحرارة لما نظن أنه تعابير صادقة يختزنها، فله حلة بهاء ورونق، فأحرفه رنانة وكلماته تتسلل إلينا كعبير ربيعي فيه إكسير الحياة، فكثيرا ما نجد بين الجمهور -والشاعر يعلو المنصة- من يكاد يغرق في البكاء أو من يهلل بخشوع ويكبر لما انبثق لديه من معان جديدة تكشفت له مع كل بيت شعري، إنه جنس أدبي غريب، يفرض عليك امتداداته الروحية فتدخل في لحظة استمتاع وتخشع غير اعتيادية.
يبدو أني لم أبدع أو أكتشف بعد تعريفا جارحا وإني لأزال بصدد التعديل، أعترف بأني في مأزق محرج، لأعريك أيها الشعر من مزاياك وأوضح تناقضاتك العجيبة، وأحقق وعيدي، بل غرقت في مدحك إلى الآن. لكني تذكرت أفاعيلك بالممجدين أمس، فكم من قصيدة مدح وثناء ألقيت في مراسيم واحتفالات الزعماء ثم تأتي بعد حين لتمارس نفاقك وسطوتك راقصا على مقبرة نفس الأسماء، كما كنت قبلا تقف على بابهم لتأخذ من عطاياهم، لقد حضرت الأعراس مباركا كما تقبلت التعازي باسمك.
إني لن أنسى أنك توشحت لافتات بعد هنيهة من إعلان الثورة أو «الربيع الديمقراطي» في الميادين في تونس وسوريا واليمن ومصر والمغرب..، تمنح بسمتك وتوقيعك للثوار وترقص بفرح معهم بين أوتار العود وعيون الناي وضرب الطبول تحفز فيهم الروح للزحف والانتصار. قد يعد البعض هذا مزية لك وأنا لا أعتبرها غير رغبة في الظهور في كل محفل تاريخي لتسطو بأسلوبك ومعانيك على زماننا، فنتذكرك حفظا وننسى صور المناسبة. لقد قال أصحاب المعلقات كل شيء بك، كما أرخ العرب أنسابهم وحروبهم بك، وسلبت قيسا عقله واسترقت لسان عنترة ولو تحرر جسده، وخلدت لتأبط شرا صعلكته، لقد مدح بك المادحون كما هجوا وغزوا، أفلا يكفيك كل ذلك.
وإن لم تعد هذه الأشياء منقصة في قيمتك فيكفيني منك أيها الشعر أنك شعار الغواية لمن سلبت عقولهم ووجدانهم وأسماعهم، ودليله قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون).
كثير من الشعراء احتفى بهم الناس وهم ينشدون الشعر في المنصات والملتقيات، فتوجوا أمراء بلا ممالك وسلاطين بلا تيجان، فما إن يخرسهم الموت أيها الشعر حتى تأخذ بريق أشعارهم وعنفوان أسمائهم وتدفنها في ذاكرة مقصية، تسحبها متى شئت وتبرزها أخرى، وحينما يتذكرهم الذاكرون لحظتها يتألق اسمك لا اسمهم، لأن ما قالوه إنما قالوه شعرا، فنحتفي بك مرة أخرى -والدليل قصيدة «إرادة الحياة» التي أدرجنا بعض أبياتها أعلاه والتي يرددها العامة والخاصة في الشوارع هذه الأيام ونسوا لمن هي ولا مناسبتها- فأي رزية بعد هذه الرزية.


باحث وكاتب


يوسف محمد بناصر

                       http://www.almassae.press.ma/node/47608