الأربعاء، 7 أغسطس 2013

مقالة في مكر الثورة


البحث عن الحرية، مطلب كل إنسان بالضرورة، فلا يمكن أن يستعبد الناس بعضهم البعض تحت أي ظرف، كما أن تزوير تعبير الناس عن تلك الإرادة الحرة والقوية للحياة والحرية؛ لا يمكن أن يغير ذلك النبض وتلك الطبيعة الكامنة في كل واحد منا.
التاريخ الإنساني يسجل كل مرة مشاهد من حركات التحرر التي تنبثق من ظلمات القهر والاستبداد لتغلب الاحتيال على إرادة الشعوب، فلا يمكن أن يتم تغييب كل تلك الانتصارات التاريخية والعودة بالتاريخ إلى لحظة الهيمنة على الفعل والحس الإنسانين، لما راكمه الإنسان من مشاعر تحررية وأفكار تنويرية وانتصارات على قيود الحرية؛ مكنته ولاتزال تمكنه من صياغة وجهة نظره بتجرد ومسؤولية، وتوجه أفعاله نحو الإبداع والنقد والثورة الدائمة على الخوف والاستبداد والرجعية.
الانقلاب على الإرادة الشعبية شيء مشين يحاسب عليه التاريخ وذاكرة الشعوب، خصوصا تلك التي تتذكر المآسي والانتكاسات التي وقعت في الماضي القريب. إن ما وقع في مصر ويقع في بعض البلدان العربية الأخرى، يوضح بطبيعة الحال مدى ارتباك القوانين الاجتماعية التي تحكم الفعل السياسي والأخلاقي والحقوقي لهذه المجتمعات، لترضخ وتصدق أن الثورة تعيد نفسها مرارا بلا خلفيات ولا تراجعات، إن التغيير وتحقيق العيش المشترك في إطار دولة مدنية لا يحصل بزي وبيانات عسكرية. لذلك أظن أن المناخ المصري الاجتماعي والسياسي لايزال مشدوها أو متماهيا مع تدخلات العسكر في الشأن السياسي لما أحدثته الأنظمة السابقة من تشوهات في الثقافة والفعل المدنيين، مما قد يصعب الانتقال إلى الوضع الجديد أو حتى تقبله، كما أستغرب موقف بعض الأنظمة العربية الأخرى؛ التي كانت إلى الأمس القريب تعاني تهديدات الانقلابات العسكرية المتكررة، لتساند بشكل أو آخر ما حدث في الجمهورية المصرية مؤخرا.
إن الثورة لا تعني بالضرورة الانقلاب على الوضع القديم كله، بقدر ما تعني إحداث رجة في الفكر والثقافة الحقوقية والسياسية والاجتماعية لمختلف طبقات المجتمع، سواء منها الهيئات أو الأفراد، ثم بسط أرضية وممارسات جديدة في الوعي الجمعي في سياق تدبير الشأن العام.

لقد ظنت بعض الحركات الإسلامية أنها ستحقق بالربيع الديمقراطي مكاسب كثيرة أهمها الوصول إلى الحكم بانتخابات نزيهة، لتمارس بدورها التدبير والتسيير، وفق برنامج سياسي واقتصادي كغيرها من الأحزاب السياسية، ليتبين بعد سنتين ونيف على الأقل أن بعضها يعاني من حقيقة عدم وضوح الرؤية والتصور نحو مفاهيم عدة متعلقة بالاختلاف والتدبير وبنية الدولة، مما جعل ثقافتهم ومقولاتهم في مأزق معقد، بين الانسحاب من العمل السياسي للدعوة، أو المشاركة مع فاعلين يتناقضون معهم في الرؤية والخلفيات الأيدلوجية، أو ممارسة الإقصاء والهيمنة والتخبط في الحكم لوجود تحديات كبيرة أهمها المعارضة الشرسة –داخليا وخارجيا- وقلة التجربة في التدبير وفشل في المناورة من داخل الموسسات، ثم الوقوع ضحية أخطائهم وترددهم الكبير في اتخاذ القرارات الممكنة وعدم توقع انعكاساتها والردود المختلفة عليها، ويلاحظ على الحركات الإسلامية التي أفرزتها صناديق الانتخابات للحكم، ومن خلال التتبع للتغيرات الكثيرة الطارئة على المشهد العربي بعد الحراك الذي شهدته المنطقة، أن هذه الحركات كانت تبني فعلها السياسي والأخلاقي على استعدادات لاتخاذ قرارات صائبة دائما، لكونها مشحونة وجدانيا وفكريا بالخطابات الدينية المتماهية مع المقولات الإطلاقية، ولم تع خطورة هذا التفكير والوضع الذي ستتسبب فيه لاحقا من ضرر واضطراب في المجتمع، بعد زجها وخلطها بين المفاهيم الدينية والمدنية دون استيعاب لها، وكان من نتائج هذا الارتباك عدم استعدادهم لاحتمال اتخاذ قرارات سيئة أو المناورة أو حتى القدرة على استشعار مآلات خياراتهم في أغلب الأحيان، وهذا قد يكون واضحا من خلال قراءة الوضع السياسي المغربي أو التونسي أو حتى المصري خصوصا منه وعلى سبيل المثال الخطابات التي ألقاها الرئيس المصري محمد مرسي في لحظات الصراع أو قراراته المتعلقة بقضايا الدولة المصرية وما كان فيها من تخبط، وبناء على هذا كانت مكاسب المعارضة عريضة ومناوراتها فاصلة، لأن استعدادها للقرارات الصائبة كان ينسجم واستعدادها للسيء منها ومثاله موافقة الجيش على الانقلاب.
إن الفكر السياسي الإسلامي يعيش مخاضعه التاريخي العسير، وما يحدث اليوم في إطار نشاط "الإسلام السياسي" إنما هو دليل على مرحلة جديدة تطهر ما علق بأذهان الحركات الإسلامية من مفاهيم ومقولات تاريخية خاطئة أو متجاوزة، لتستعيد وعيها النقدي لتمارس مراجعة علمية شاملة وحقيقة، طارحة بعيدا كل تلك المحاولات التلفيقية التي عهدتها منذ قرن ونيف، لعلها في الأخير تخرج بنظريات سياسية واقعية وحضارية منسجمة مع الدين والفكر السياسي الحديث ومتطلبات الشعوب.
ان الشعوب قد تعشق قادتها لفضيلتهم، ولكنها لن تقدر على الاستمرار في ذلك العشق تحت وطأة ارتباكهم وترددهم في لحظة اتخاذ القرارات الصعبة وهم في الحكم، لذلك يجب على الذي يحكم أن يكون مستعدا أكثر ودائما للقرارات الصعبة التي قد يتخذها ويتحمل عاقبتها، بقدر تحمله للسهلة وصوابيتها ونشوته بها.
استعرنا من الفيلسوف هيغل مفهومه "مكر التاريخ" لنتحدث عن "مكر الثورة" لأسباب عدة؛ أهمها أن الثورة في العالم العربي اليوم وخصوصا في مصر، كشفت عن أوجه متناقضة في التصورات السياسية التي يدعيها كل طرف من دعاة الثورة ورموزها، فقد أسقطت الثورة الأقنعة التي على أوجه العلمانيين والإسلاميين على حد سواء، وظهر مدى ترهل الفكر السياسي الإسلامي وعدم انسجامه مع الطموحات والنضال السياسي، وفشله في تدبير الاختلاف، كما أوقعهم عدم قدرة المجتمع المحافظ على تشرب المفاهيم الحديثة -رغم إرادته في التغيير- في مآزق عدة، وعموما فرغم كل هذه التناقضات التي ظهرت وأثرت على مسار الثورة فإن الأفق يدعو إلى التفاؤل، لان روح التنوير العربية المستعادة، وعزيمة الشباب الرافضة؛ لأن يكون مسار التاريخ اعتباطيا، كلها أشياء مشجعة، ثم إن العبور نحو الحرية والدولة المدنية والثقافة التنويرية المتجددة التي تنتمي للعصر شيء حتمي، بعد كل هذا التيه الذي عاشته هذه الشعوب.
وختاما أظن أن فكر الحركات الإسلامية أو "الإسلام السياسي" ووفق الشروط المجتمعية والثقافية والوجدانية الحالية لا يمكن أن يقدم للتجربة الديمقراطية في الأوطان العربية أكثر مما قدمه الآن، فلن يصنع الاسلاميون لوحدهم ذلك الانتقال المرن نحو الديمقراطية دون قبول بالفكر المغاير، ولا ذلك التجديد المأمول في الفكر والممارسة دون التخلي عن الهروب الدائم للتاريخ ثم القبول بالإبداع والتعايش مع الحداثة، ولا ذلك الرفاه الاقتصادي المنتظر دون التشبع بروح المساواة والقانون والنظام. لذلك فإن الانغلاق على المقولات التاريخية عن الدولة الدينية أو التأطير بالآداب السلطانية والبطريركية الأبوية في الممارسة السياسية والفعل الثقافي شيء يعد من التاريخ الذي يجب تجاوزه وتخلية الذهنية الإسلامية منه.

باحث وكاتب – أكادير


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
http://www.lakome.com/%D8%B1%D8%A3%D9%8A/168-%D9%85%D9%86%D8%A8%D8%B1-%D8%AD%D8%B1/28429-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9.html

الخميس، 19 يوليو 2012


 

«نحتمل بعضنا البعض لأننا جميعا مُدَّعون»
إميل سيوران-فيلسوف روماني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
نحت الأدب الإنساني مفاهيم ثقافية عن علاقتنا الاجتماعية والنفسية التي تربط بعضنا ببعض، وتجعلنا نجتمع بشكل إنساني تحت سقف نعوت وربما ارتباطات مختلفة، تشكل ذواتنا، وربما يحتل مفهوم الصداقة، على غير العادة، مكانة مهمة بين مختلف تلك المفاهيم الفلسفية والاجتماعية والتربوية الأخرى التي تؤسس لعلاقتنا الإنسانية. وأول ما يتبادر إلى ذهن القارئ وهو يطالع كلمات هذه المقالة هو عتبتها وعنوانها،
ليربطه بكتاب لأبي حيان التوحيدي المعنون بـ«الصداقة والصديق»، وهو كتاب له مكانة طيبة ضمن الأدب عموما، ويحتاج الكثير منا إلى إعادة استعادة بعض كلماته وتفاصيله ومعانيه لبناء صداقات ناجحة أو، على الأقل، للاطلاع على ما يفتقر إليه من تصور لمسمى الصداقة. وتأتي مقولة سيوان للتأكيد على موقف وجودي- براغماتي واضح من العلاقة بـ«الآخر»، ربما كان بدوره، باعتباره فيلسوفا، يتصور أن احتمال وجود صداقات جديدة أو قديمة في حياتنا شيء تفرضه ظروف ما سريعا ما نتخلص منها بمجرد تغير تلك الظروف، وهو شيء مربك وعملي في نفس الوقت.
أصبحت لفظة صديق بلا بعد فلسفي ولا اجتماعي ولا نفسي بعدما كثر توظيفها في المواقع الاجتماعية والدردشات، فلا نرى إلا إضافات لصداقات جديدة، حتى إن بعض هذه المواقع، مثلا، لكثرة طلب صداقات جديدة، توقف تفعيل تلك الخدمة مدة شهر كامل على أمل أن يراجع المستخدم بروية ذلك المفهوم أو حتى يتأكد من جدية طلبه على الأقل، فيؤجلون شغفه وفضوله للحصول على لائحة جديدة إلى وقت آخر، ولاحظت أن بعض «الأصدقاء» يكثرون من ذكر عدد صداقاتهم الجديدة بافتخار وكثير «مزايدة» ولو تعلق الأمر بصداقات موقعُها «العالم الافتراضي»، وهذا كله إفراغ لما لمفهوم الصداقة من معنى وحقائق جليلة.
يؤكد أبو حيان التوحيدي، وهو الذي قد يتمنى ربما أن يواكب كل هذه التحولات، على دور الصديق الحقيقي والواقعي بالقول إن حديثه فيه حلاوة، كما أن فيه شفاء للصدر، وتخفيفا من البرحاء، وانجيابا للحرقة، واطرادا للغيظ، وبردا للغليل، وتعليلا للنفس، وربما لأن بعض الناس اليوم لا يملكون القدرة على تكوين وربط علاقات اجتماعية ناجحة وواقعية بسبب العمل أو حالة نفسية أو موقع اجتماعي، مما يجعلهم يهربون إلى العالم الافتراضي، للإحساس بأنه بديل لهم أولا، وثانيا لمشاركة مشاعرهم مع «الأغيار» دون كثير تحرج، ليس فقط بالدردشة في غرف خاصة، ولكن بالإفصاح عنها على الجدار الشخصي للعموم، سواء باسم مستعار أو باسمهم الحقيقي، ثم انتظار «التعليق» و«المشاركة» commenter ou partager، وهذا تحول كبير آخر يصيب جانبا مهما من تصوراتنا للعلاقات الاجتماعية والأخلاقية دون أن أنعتها بالسلب ولا بالإيجاب بل أقف منها موقفا حياديا.
إن المواقع الاجتماعية اليوم تنحت لنا تصورات ومواقف ومشاعر كما تساعدنا على التغيير بشكل سلس ومرن جدا، فتجعلنا ننتقل من حال إلى حال دون أن نعيى بذلك، ومشكلتنا أننا لا نعرف عمق هذا التغير والتحول إلا بعد أن نقطع مسافة كبيرة، دون أن نملك استراتيجية متكاملة تجعل علاقتنا تنسجم مع واقعنا والتحديات التقنية الجديدة، بمختلف جزئياتها، وهو ما يسمى بـ«التبيئة» بكل شروطها، فلا أحد اليوم يقدر على أن يغلق بابه أمام هذا السيل الجارف من المستحدثات، كأننا بصدد حلم مثالي يمنحنا اللذة ويمنع عنا التفكير، وشتان بين الحلم وبين فترة الاستيقاظ، ومثالا على ذلك نتحدث كثيرا عن الخصومات التي تقع بسبب نشر غسيل أحدهم أو أوراق الامتحان على جدار المواقع الاجتماعية أو امتلاك مسؤول لصفحة أو مشكل عائلي بين زوجين بسبب صفحة شخصية..، فنكتشف مشاكل وجرائم جديدة، وفوارق عميقة بين الأجيال المتعاقبة إلى درجة الدهشة، وقد نلاحظ فيما بعد أننا لسنا كما نتصور أنفسنا أو مجتمعنا، بل إننا مختلفون جدا أو منمطون جدا، فالتقنية سلاح لا نقدر على محاكمته أو تخفيف مخاطره.
هل نتحدث عن آداب الصديق وكتاب أبي حيان التوحيدي فقط؟ أم عن صداقتنا بالحاسوب؟ إننا نتحدث أيضا عن الأخير بطبيعة الحال بكل تصانيفه؛ خصوصا إذا كان متصلا بالشبكة العنكبوتية، إنه الصديق الحقيقي اليوم، لأنه يمنحنا المتعة ويجعل عالمنا منفصلا عن كل العالم أو متصلا بكل العوالم، قد كاد يشبه في قدراته ما في أحلام بلاد العجائب، فلم يعد الكتاب مجديا أو بنفس الروعة كما الجلوس إلى «أنيس بشري» أو غيره. وسؤالي: هل سنتمكن من إبداع أمثلة مرتبطة بالواقع الجديد كـأمثلتنا الثقافية القديمة: «الصديق قبل الطريق» و«خير جليس في الزمن كتاب»، تساعدنا على ترشيد علاقتنا بالوافد حديثا؟
الصداقة شيء مهم عند رجال السياسة والأدب وجل أفراد المجتمع مع اختلاف في نظرتهم إليها، لذلك حكى التوحيدي عن أبي سليمان السجستاني قائلا: «فأما الملوك فقد جَلـُّوا عن الصداقة؛ ولذلك لا تصح لهم أحكامها، ولا توفي بعهودها، وإنما أمورهم جارية على القدرة، والقهر، والهوى، والشائق، والاستحلاء،..». وربما مع المواقع الاجتماعية الجديدة لا حاجة بأحد الساسة إلى صديق يؤنسه ويكتم عنه أو يظهر محاسنه، إذ إن هذه المواقع تقوم بكل المهام بلا حجاب ولا وسائط كثيرة، وكثيرا ما تكون التعليقات على أخبارهم تبين صورتهم عند المتلقين، فتكشف شعبيتهم من عدمها، كما ساهمت في ظل الربيع الديمقراطي في تشكيل وعي سياسي مختلف، بل نزعت بعض الساسة عن كراسيهم.
أما ما نقل عنه في الكتاب وأهل العلم فقوله: «.. إنهم إذا خلوا من التنافس والتحاسد والتماري والتماحك، فربما صحت لهم الصداقة وظهر منهم الوفاء، وذلك قليل، وهذا القليل من الأصل القليل»، فقد كانت لهم هذه المواقع خير معين لكشف جديدِ هؤلاء من تنقلات ومشاركات وإبداعات، وهي خدمات تفاعلية توضح مدى اتساع قرائهم، مما يجعلهم أكثر قربا من بعضهم البعض، وهذا ما يفسر مدى انتشار صفحات خاصة بأصدقاء الكاتب الفلاني والعلاني، وهذا ما ينعكس سلبا كذلك على علاقات بعض الكتاب ببعضهم بنشر التعليقات المستفزة والأكاذيب والافتراءات وتحريك العداوات المجانية، وهو سبب وجيه لهدم صداقات مفترضة واقعيا.
لقد غيرت التقنية بعدما دخلت حياتنا طرق تفكيرنا وجعلتنا ننخرط، بشكل أو بآخر، في أشكال ثقافية مختلفة؛ كما جعلت تعابيرنا معقدة ومرتبكة، مما أثر على مفاهيمنا التي أصبحت لها دلالات جديدة تنخرط في تزكية هذا الواقع، ودلالة «الصداقة والصديق» جزئية فقط بدأت تفقد حمولتها شيئا فشيئا بعدما برزت إليها التقنية بأدواتها وبدأنا نصدق أوهامنا الافتراضية ونتماهى معها في اغتيال تام لتجاربنا الواقعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث وكاتب صحفي-أكادير
 يوسف محمد بناصر

الاثنين، 9 يوليو 2012

            أنا واليوم العالمي للشعـر والربيع الديمقراطي

 

إن للشعر حضورا بارزا في الحضارة العربية-الإسلامية، إلى درجة أن زينت به جدران المساجد والأضرحة وكساء الكعبة والأواني الذهبية والتيجان..، وكان سوق عكاظ قبلا يؤمه بامتياز، كما عرف بكونه ذاكرتهم بحفظ التاريخ والأنساب والبطولات والمغامرات العربية، إنه ديوان العرب الجامع لأنبائهم، كما أنه «الابن المدلل» للجنس الأدبي بلا منازع.
تختلف المناسبات التي يستأسد فيها الشعر بالمجالس حسب مكانة الحاضرين وباختلاف الأحوال والظروف، فهو من أهم الأجناس الأدبية التي يمكنها أن تقتحم خلوة الصفوة من الأمراء والسلاطين، باعتباره متهتكا مرغوبا ونديما محترما.
كان الناس، عامتهم وخاصتهم، ينبرون لسماع قصائد مرتجلة أو مكتوبة في لحظات تاريخية حاسمة أو لحظات إنسانية مهمة، على سبيل المثال: «قصيدة الحياة» لأبي القاسم الشابي التي تمت استعادتها هاتين السنتين، لقوتها وعمق كلماتها في خضم الربيع الديمقراطي، والتي كان أهم أبياتها:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب  القَدر
ولا بد لليل أن ينجلِي
ولا بد للقيْد أن  يـنكسر
ومن لم يعانقهُ شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر
وقوله:
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
إلى أن قال:
إذا طمحتْ للحياة النفوسُ
فلا بد أن يستجيب القَدر
فلقد كان لهذه القصيدة -ولا يزال- وقع جميل في النفوس لما تكتنزه من معان جميلة سامية ومفردات رقيقة راقية، تعبر عن حالة كل إنسان يطمح نحو أفق الحرية والانعتاق من كل قيد.
وقد مرت أيام معدودة على الاحتفال بيوم عالمي خاص بالشعر والشعراء، وأنا أحتفي أو أتذكر هذه المناسبة المجيدة انتابني شعور بالقلق وإحساس بأني بصدد هجاء لهذا الجنس الأدبي، بذلك أخالف منطق الرومانسيين وبعض العقلانيين، فوجدتني مظهرا بعض مثالبه التي أظن أنني وقفت عليها، ربما أكون في غاية الجدية في ذلك أو في قمة الثمالة والمزحة، ويرجع إدراك ذلك إلى مدى قدرتي على الإقناع ثم قدرة القارئ وذكائه في إطلاق مخيلته معي أو حتى اجتهاده لمساعدتي على إضافة المزيد من الأسباب التي تجعلنا نجرب كره الشعر جميعا بقدر ما نحبه فنعكس مذهب الجمهور المتواتر ولو لمرة، هل أنا مرغم الآن على إقناع القارئ بحجج دامغة لما أدعيه؟ هذا ما لا أعد به أحدا، حتى لا يكتشف في الأخير أني دلست عليه أو غالطته.
 أيها الشعر كم من إنسان تلذذ بإسماع أو سماع أحرفك في أيام الرخاء ليمنح باسمك النياشين والألقاب ويؤرخ للحب بك، ها أنت اليوم تقف على باب بعضهم تنشد كلمات ينساب منها الموت والذم والهجاء والرثاء..، لم أعرف جنسا يجمع بين الضدين والنقيضين غيرك، كأني أتتبع صفات منافق بين ثناياك.
 لا أخفيكم أولا مدى إعجابي بلقب «شاعر»، فحينما أغرق في رومانسية ممزوجة بالصمت أحس بحاجة إلى أن عبر عما أحسه شعرا، حتى يمجد ذاك في ما لم يقل من قبل، قدرة خارقة تتسلل إلى كياني لقول أبيات شعرية تسكن الألم أو الضجيج الذي يكاد يفقدني صوابي، إنه مسكن لألمي الرهيب.
الشعر، هذا «الشيء» الذي يقارب السحر لما ينطوي عليه من جمال «إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا» مصداقا لحديث شريف، إنه يجعلنا نحتفي به كل يوم فنؤلف من أجله الموسيقى لنتوجه بها في الأخير، كأننا بصدد عرس بهيج، كما نصمت دهشة، فنميل يسرة ويمنة ونحن نستمع إلى شاعر موهوب، ثم نكاد نقسم على رأسه أنه يعبر عما نحس به، بل يعبر عما جاءت به الرسل والأنبياء من حقائق أحيانا، لتمتزج روح الشاعر بروح النبي فتتداخل الألقاب في ما بينها، شاعر وعازف ونبي، أي مقام هذا وأي كمال.
والغريب في الشعر أنه يدفعنا إلى التصفيق بحرارة لما نظن أنه تعابير صادقة يختزنها، فله حلة بهاء ورونق، فأحرفه رنانة وكلماته تتسلل إلينا كعبير ربيعي فيه إكسير الحياة، فكثيرا ما نجد بين الجمهور -والشاعر يعلو المنصة- من يكاد يغرق في البكاء أو من يهلل بخشوع ويكبر لما انبثق لديه من معان جديدة تكشفت له مع كل بيت شعري، إنه جنس أدبي غريب، يفرض عليك امتداداته الروحية فتدخل في لحظة استمتاع وتخشع غير اعتيادية.
يبدو أني لم أبدع أو أكتشف بعد تعريفا جارحا وإني لأزال بصدد التعديل، أعترف بأني في مأزق محرج، لأعريك أيها الشعر من مزاياك وأوضح تناقضاتك العجيبة، وأحقق وعيدي، بل غرقت في مدحك إلى الآن. لكني تذكرت أفاعيلك بالممجدين أمس، فكم من قصيدة مدح وثناء ألقيت في مراسيم واحتفالات الزعماء ثم تأتي بعد حين لتمارس نفاقك وسطوتك راقصا على مقبرة نفس الأسماء، كما كنت قبلا تقف على بابهم لتأخذ من عطاياهم، لقد حضرت الأعراس مباركا كما تقبلت التعازي باسمك.
إني لن أنسى أنك توشحت لافتات بعد هنيهة من إعلان الثورة أو «الربيع الديمقراطي» في الميادين في تونس وسوريا واليمن ومصر والمغرب..، تمنح بسمتك وتوقيعك للثوار وترقص بفرح معهم بين أوتار العود وعيون الناي وضرب الطبول تحفز فيهم الروح للزحف والانتصار. قد يعد البعض هذا مزية لك وأنا لا أعتبرها غير رغبة في الظهور في كل محفل تاريخي لتسطو بأسلوبك ومعانيك على زماننا، فنتذكرك حفظا وننسى صور المناسبة. لقد قال أصحاب المعلقات كل شيء بك، كما أرخ العرب أنسابهم وحروبهم بك، وسلبت قيسا عقله واسترقت لسان عنترة ولو تحرر جسده، وخلدت لتأبط شرا صعلكته، لقد مدح بك المادحون كما هجوا وغزوا، أفلا يكفيك كل ذلك.
وإن لم تعد هذه الأشياء منقصة في قيمتك فيكفيني منك أيها الشعر أنك شعار الغواية لمن سلبت عقولهم ووجدانهم وأسماعهم، ودليله قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون).
كثير من الشعراء احتفى بهم الناس وهم ينشدون الشعر في المنصات والملتقيات، فتوجوا أمراء بلا ممالك وسلاطين بلا تيجان، فما إن يخرسهم الموت أيها الشعر حتى تأخذ بريق أشعارهم وعنفوان أسمائهم وتدفنها في ذاكرة مقصية، تسحبها متى شئت وتبرزها أخرى، وحينما يتذكرهم الذاكرون لحظتها يتألق اسمك لا اسمهم، لأن ما قالوه إنما قالوه شعرا، فنحتفي بك مرة أخرى -والدليل قصيدة «إرادة الحياة» التي أدرجنا بعض أبياتها أعلاه والتي يرددها العامة والخاصة في الشوارع هذه الأيام ونسوا لمن هي ولا مناسبتها- فأي رزية بعد هذه الرزية.


باحث وكاتب


يوسف محمد بناصر

                       http://www.almassae.press.ma/node/47608

السبت، 19 فبراير 2011

في مدح الشعب…إذا أراد الحياة

الكاتب/ يوسف محمد بناصر
استمرت لحظات انتفاض الشعب التونسي في تصاعد غير مسبوق وبنفس غير متوقع إلى أن أطاحت برأس النظام المستبد بالسلطة زين العابدين بن علي، فر الرئيس هاربا تاركا كل شيء خلفه في مهب الريح، بعدما فقد السيطرة على زمام ما كان يظن ،إلى وقت قريب، أنه تحت عينه وسلطته التي لا تقهر. إنه "الشعب المنتفض"، لتصبح تلك اللحظة التي أذيع فيها الخبر تاريخية بامتياز، نعم فتونس تحركت كبقعة زيت متوهجة أوقد نارها ونورها "المرحوم البوعزيزي"، ثورة عصفت بالسنين العجاف التي أحاطت جمهورية الزيتونة بقبضة من كهنوت سياسي وبوليسي مترع بالفساد المالي، فانهارت شعارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع صرخات الجسد المحترق، لقد وصلت درجة اختناق الحرية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية في ظل النظام التونسي حتى صار مضرب الأمثال وسنة للاقتداء العربي، لقد اختنقت أنفاس الشباب الذين خرجوا يرددون "لاءات" كثيرة ولكنها عميقة، لا للاستعباد، لا للقمع ، لا تكميم الأفواه، ولا للنهب والاختلاس، نعم للحريات نعم للتعددية، بكل عفوية انتفضوا على ثقافة الانبطاح والاستبداد والخوف، لقد احترقت شرعية النظام التونسي في رمشة عين كما ستحترق غيرها من الأنظمة، صارت لحظة الثورة ناضجة بعد طول انتظار، وحان موسم عربي جديد، انطلق من بلاد الزيتونة، تجتث فيه أشجار علقمية المذاق ثمارها قهر واستبداد لتنفى بعيدا وتستبدل بأشجار تثمر في موسم ربيعي نظام الحريات والتعددية والكرامة ودولة الالتزام بالقانون والحقوق والمساواة. اعتمد النظام التونسي البائد على تسويق صورة مزيفة عن نفسه وعن نموذجه القوي، القادر على التحكم والرقابة، فقد خرب الأحزاب - يسارية كانت أو إسلامية- وجعلها غير قادرة على الحركة والعمل السياسي، وحاصر حراك المجتمع المدني، واعتمد بسط السيطرة بشكل شمولي على كل القطاعات الحيوية، اقتصادية ومالية وإعلامية وسياسية، دجن بعض المثقفين، كما صنع نخبا أخرى لتدور في فلكه وتلمع نموذجه المتقدم زورا، وعذب وسجن المعارضين أو طرد أغلبهم خارج البلاد، ثم خلق اقتصاد الريع ليستفيد أزلامه ليكونوا حماة النظام أو ليتحكم في بقايا المحرومين من الذين قد يحقدون على الوضع أو ينفلتون في لحظة غضب، فيخربون وينهبون ويقتلون ببشاعة كما قد يحصل عند سقوط أي مستبد. عندما أحكم النظام التونسي الخناق على ميادين التنفيس الشعبي وعلى المنظمات والأحزاب والهيئات ونمطها لصالحه، فقد في ذات الوقت السيطرة على الحراك الطبقي والاجتماعي، لتتوسع الطبقة الوسطى المثقفة، كما ترسخ الوعي السياسي فيها مع ارتفاع نسبة التمدرس وتوسع خريجي التعليم العالي، ليكون هذا التحول البنيوي الدقيق هو النقطة التي ستفيض الكأس، لأنها ساهمت في تسريع خطى انهيار النموذج البوليسي المترهل، فانتفض الشعب في لحظة حاسمة تحدوه الحماسة لصنع نموذج ديمقراطي صاعد، يتناسق مع طموحاته ويستجيب لحاجاته الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.إن الشعب التونسي اليوم بانتفاضته الشعبية الشبابية يعد مثالا صادما للمجتمعات التي تعيش في نفس الوضعية لزمن ممتد، لذلك فأمواج الانتفاض ستكون متلاحقة شيئا فشيئا لتعم غالبية الأنظمة الشمولية، التي رزحت بتخلفها الفكري والسياسي على الشعوب، وكل المؤشرات تشير إلى النظام المصري المتهالك الذي أمسى هو التالي في قائمة الأنظمة العربية التي سيخضعها موج "تسونامي التفكيك الشعبي" لقانونه. والإشكالية المطروحة الآن أن الشعوب ستتحرك بدون قيادات ملتزمة بمشروع إصلاحي أو أيديولوجي يحفظ القيم التي انتفض الناس من أجلها في برنامج عملي، ليصبح حراكهم عفويا تعبيريا وفي غالب الأحيان فوضويا، غير مؤطر بمنهجية سياسية واعية وفاعلة، وهذا ما سيتجلى في الانتفاضة المصرية إذا لم يتدارك الأمر في وقته، إنها حماسة الخروج من التيه السياسي العربي، حماسة اكتشاف الذات خارج سلطة القمع وخارج النظام المستبد، لقد تولدت لديهم الرغبة في التحدي، ولو تعلق الأمر باكتساح جحافلهم لشرطة القمع بصدر عار أو الوقوف بتحد أمام طلقات الرصاص، تلك الرغبة والتحدي لم تكن لتظهر لولا الإشباع الذي وصلته النفوس والضمائر من كرهها لثقافة الاستبداد والترهيب التي لا ينتهي لهيبها، فطربت النفوس بقوة لجاذبية التحرر وإرادة التخلص من الضيق الاقتصادي، فحان لزوما الوقت للانتفاض من أجل أن تؤسس ثقافة جديدة مبنية على هذه الحاجات، ولا منة لأحد من "الأحزاب السياسوية" المتخمة بالشعارات الجوفاء والموضوعة تحت تصرف قيادات الفكر القروسطوية أو التاريخ العجائبي، لا منة لأحد من هؤلاء ولا من أولئك على الشعبين التونسي ولا المصري إلى الآن، ولا منة لزعيم سياسي عليهم قد يتسمى مستقبلا بقائدهم الملهم أو الثوري، ولا منة لبرنامج أيديولوجي أو حركة ثورية أو تنظيم سري عليهم..، هم أنفسهم يمنون ويمتنون شبابا وشيبا، نساء ورجالا، على أن انتفاضتهم عملية سلمية شعبية لاعنفية شهد لها العالم ولا يزال، فهم أقاموها بعرق جبينهم وبأيديهم وبدمائهم وبعفويتهم السياسية، وقد جوبهت برصاص أنظمتهم المتمرس للقمع، لكن كانت إرادتهم أقوى وصدورهم أمتن وصفوفهم متراصة، فالعنف لا يولد إلا العنف والكراهية والانتقام، ولا أحد من مصلحته أن تتأجج مشاعر الانتقام، لأنها ستحرق في طريقها الأخضر واليابس، والشعب الذي يتبنى الفعل السلمي بشكل عفوي ذكي سياسيا وثقافيا، لأنه يرفض الوقوع في هفوة العنف والصراع المسلح أو على الأقل يؤجله كخيار صلب بعيد يمكن اللجوء إليه كآخر حل عند سقوط الحلول المرنة، وهو ما قد لا تفطن له بقية الشعوب وحتى الأنظمة التي تطمح لاستنساخ هذه التجربة أو تلك هنا أو هناك، فالظروف المختلفة والوضع الجيوسياسي والثقافي والإثني والديني كلها تحكم استعمال العنف عند الإنسان، وبطبيعة الحال فالعنف هو شيطان قابع في الجنس الإنساني يتقنه منذ حادثة ذبح هابيل مرورا بثقافة الحروب والانتصارات الدموية التاريخية التي كرست منطق الإلغاء والسيطرة، أفعال مستهترة بالأنفس والعقول كتبت على أنها بطولات وفضائل، لتمتد إلى الحاضر تخرس مواقف السلم وتربك مجتمعات التعايش لتجعلها محبة للدماء ومتعطشة للفوضى والانقسام، وأبرز مثال على ذلك العراق والسودان، والله أعلم من في القائمة أيضا. إن تجربة الشعب المصري اليوم في انتفاضته لا تختلف كثيرا عن الانتفاضات التي ستقع في بلدان عربية كثيرة خصوصا ذات الأنظمة الجمهورية، فهذه الأخيرة، لم تعد لها أي شرعية تاريخية أو سياسية أو أخلاقية، خصوصا بعدما طالت سنوات حكم المستبدين بها فتأكد أنها ولدت ميتة بلا معنى، حتى ولو كانت أسماؤها تقدمية تنهل من ثقافة التنوير السياسي الأوربي زورا، فكثير من الأوصاف السلبية مشتركة بينها والتي منها انفراد الحزب الواحد بالمواقع والسلطات والقمع البوليسي للشعب والإبقاء على حالة الطوارئ التي لا تنتهي، وانفراد القائد بكرسي الرئاسة، وإصدار دستور مقدس يصب في مصلحة توالي سنوات حكم الحاكم المستبد أو لنقل ملكية الجمهورية والقصر الرئاسي لابن الحاكم أو زوجته بعد عمر برزخي.سئمت الشعوب نفسها وسفهت أحلامها تحت حكام الجور والاستبداد، الذين انفرد العالم العربي لوحده بهم دون سائر البلدان، التي سارعت للتخلص مما علق بها من أيديولوجية الأنظمة الشمولية البائدة، والتي انهارت منذ أزيد من عقدين وبالأحرى توالى انهيارها منذ واقعة سقوط جدار برلين التاريخية، واليوم لم يعد من السهل إقناع الشعوب العربية بالعودة للخلف، فخطابات التبشير ولى زمانها، كما أن ترقيع ما بقي من الحياة السياسية والاقتصادية مرفوض تماما، و"منح" دساتير وحريات وحقوق صورية أو إطلاق إصلاحات مجتزأة وغير واضحة غير مقبول، لأن كل هذه الشعوب الآن امتزجت عندها مشاعر الإصرار على التغيير الجذري بمشاعر الوجود في الحياة، كأنها اللحظة فقط اكتشفت جمال الطريق السوي نحو عالم الديمقراطية ومتعة العيش في النور بعيدا عن الظل والظلام.
‎© منبر الحرية،9 فبراير/شباط 2011

http://www.minbaralhurriyya.org/content/view/1209/703

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010

مؤتمر دولي حول القراءات المعاصرة للقرآن الكريم

و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين.


(سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ـ سورة البقرة : الآية32 ـ

ينظم مختبر الدراسات و الأبحاث الحضارية بتعاون مع : شعبة الدراسات الإسلامية مؤتمرا دوليا و ذلك منتصف شهر أبريل 2011م بكلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة شعيب الدكالي، الجديدة ، المغرب .في موضوع :


القراءات المعاصرة للقرآن الكريم .


تعرف الساحة الثقافية ـ خاصة بعد رحيل أقطاب الدراسات المعاصرة للقرآن الكريم ـ جدلا كبيرا حول ما يسمى بـ القراءات المعاصرة للقرآن الكريم ـ هناك من ينعتها بالجديدة، والحداثية، والعلمانية ـ التي تتدثر بمناهج لسانية، وسوسيولوجية، وتاريخية، وإنتروبولوجية، أدت ـ في أغلب الأحيان بقصد أو بغير قصد ـ إلى تحريف المعاني القرآنية، وإخراج النصوص عما هو مجمع عليه، فضلا عن تناقضها مع الحقائق الشرعية، وتعارضها مع مقاصد الشريعة الإسلامية. ومرد ذلك لعدم احترامها لخصوصيات القرآن الكريم، ومعاملته كسائر النصوص البشرية .وليس معنى ذلك أننا نريد حجب هذه المناهج عن مقاربة الخطاب القرآني، بقدر ما نريد بيان حقيقة أساسية تتعلق بالقراءة الإيجابية للقرآن الكريم، وهي القراءة المقاصدية، التي تحفظ للقرآن الكريم خصوصياته، وتحقق مقاصده، ككتاب هداية، يبين للناس ما يحقق صلاحهم في الحال والفلاح في المآل . إن كل منهج من المناهج المذكورة آنفا يمكنه أن يسهم في بلورة هذه القراءة المقاصدية، بحيث تمكن الإنسان من الوقوف على مراد الله تعالى من الخطاب القرآني بحسب القدرة البشرية، أي إنها قراءة ذات أبعاد ثلاث : أ. التلاوة .ب. التدبر .ت. التطبيق .والله تعالى تعبدنا كمسلمين بهذه المستويات الثلاث، ومن ثم فإن القراءة في تصور المسلمين ليست قراءة حرة، بقدر ما هي قراءة مقاصدية.

ومن هنا نفهم أننا أمام موقفين:

1- موقف يؤمن بأن القرآن كلام الله، المقدس والمعجز، والمتضمن للحق والحقيقة، ومن ثم يتخذه مرجعية له في الحياة.

2- وموقف آخر ينظر إلى القرآن كنص بشري ليست له أية خصوصية، وأن هالة القداسة مصطنعة، ومن ثم دعت إلى القطيعة المعرفية مع القراءات الإسلامية التراثية، وحذفت عبارات التعظيم، واستعملت مصطلحات غير المصطلحات الشرعية. فبدل نزول القرآن استعملوا الواقعة القرآنية، وبدل القرآن استعملوا المدونة الكبرى، وبدل الآية استعملوا العبارة. وتعمدت الاستشهاد بالقرآن والنص البشري بدون أدنى تمييز بينهما، مع الدعوة إلى عقلنة النص القرآني برمته، ورفع عائق الغيبية. واعتبار كل ما يعارض العقل شواهد تاريخية، وربط الآيات القرآنية بالظروف والسياقات الزمنية، بما يعني أن القرآن الكريم ليس إلا نصا تاريخيا. والتذرع بالمناهج الحديثة بدعوى أنسنة القرآن الكريم، لنزع القداسة عنه، والتشكيك في تواتره. مما يخفي وراءه مواقف المستكبرين في الأرض من جهة، وأهدافهم، ومشاريعهم التي بدأنا نرصد بعض آثارها على الواقع، واختيارات أيديولوجية من جهة أخرى.

والواقع أن الدراسات المعاصرة للقرآن الكريم ما هي إلا امتداد للدراسات الاستشراقية التي يمثلها نولدكه في دراسته عن تاريخ القرآن الكريم، حيث انتهى إلى أن نبوة محمد ما هي إلا امتداد لنبوات العهد القديم، وأن القرآن الكريم مأخوذ عن المأثورات اليهودية والمسيحية.

وقد تطورت هذه الدراسات حول القرآن الكريم في الستينات من القرن الماضي، على أيدي التفكيكيين كجون واسنبرو، وكوك، وكرون الذين يمثلون الاتجاه التفكيكي الداخلي، ولينغ ولوكسنبورج اللذين يمثلان الاتجاه التفكيكي الخارجي. وعن هؤلاء أخذ أصحاب القراءات المعاصرة للقرآن الكريم، من العرب والمسلمين، كمحمد أركون، ونصر حامد أبي زيد، والمنصف بن عبد الجليل، وعبده الفيلالي الأنصاري، ويوسف صديق، ومحمد الشريف فرجاني، وعبد المجيد الشرفي، وطيب تيزيني، وحسن حنفي، وأخيرا محمد عابد الجابري.

إننا نعقد هذا المؤتمر الدولي لدراسة المناهج الموظفة في القراءات المعاصرة للتفسير، وتطبيق هذه المناهج من قبل الباحثين والدارسين المشار إليهم آنفا، وعيا منا بأن المنهج ليس بالضرورة هو التطبيق، ذلك أن الخلفيات الأيديولوجية والسياسية هي التي توجه هذه المناهج ـ في الغالب ـ ، لنصبح أمام إسقاطات تنتهي إلى نتائج مرسومة سلفا. كما أننا نروم الكشف عن إمكانية الإفادة من المناهج الحديثة واستعمالها استعمالا علميا، يراعي خصوصيات القرآن الكريم، دون خلفيات مسبقة، وبهدف الوصول إلى الحقيقة، علما أن الدين لله، وأن معارف البشر نسبية، فاجتهاداتهم محدودة في الزمان والمكان، ولا يمكن بأي حال الادعاء بأنها مراد الله النهائي. كما أن تبني هذه المناهج وفق شروط علمية وموضوعية يمكن المسلمين من فهم تراثهم التفسيري، ومن ثم القدرة على استيعابه واستبطانه وصولا إلى الإبداع، حيث الإضافة العلمية للمجال، واكتشاف نواح جديدة من الإعجاز.

محاور الندوة :

1- الأسس المعرفية والخلفيات العقدية والسياسية للقراءات المعاصرة للقرآن الكريم.

2- الضوابط و الشروط العلمية و المنهجية لقراءة القرآن الكريم.

3- نقد علمي و موضوعي للقراءات المعاصرة و روادها .

4- الخطاب الديني والخطاب البشري أية علاقة ؟

اللجنة المنظمة :

1- الأستاذة الدكتورة : خديجة إيكر، رئيسة مختبر الدراسات والأبحاث الحضارية، تخصص لسانيات .

2 - الأستاذ الدكتور : إبراهيم عقيلي ،رئيس شعبة الدراسات الإسلامية ، تخصص الفكر الإسلامي .

3- الأستاذ الدكتور: أحمد بزوي ،رئيس مجموعة البحث في تراث و ثقافة دول الخليج، تخصص علوم القرآن و التفسير.

4- الأستاذ الدكتور : علي بيهي ،عضو مختبر البحث ، تخصص أدب عربي .

5ـ الأستاذ الدكتور : عبد الرحيم الراوي ،عضو مختبر البحث ، تخصص أدب عربي.

6- الأستاذ الدكتور : ميلود الضعيف ، عضو مختبر البحث ،تخصص علوم القرآن والتفسير.

7- الأستاذ الدكتور : محمد الرقاق ،عضو مختبر البحث ، تخصص لسانيات .

8- الأستاذ الدكتور : أحمد العمراني ،رئيس المجلس العلمي بسيدي بنور،وعضو مكتب الشعبة، تخصص علوم القرآن والتفسير.

9- الأستاذ الدكتور : عبد الهادي دحاني : ،عضو مكتب الشعبة، تخصص علوم القرآن والتفسير.

10 ـ أحمد زحاف ، شعبة اللغة الفرنسية، تخصص لسانيات.

آخر أجل لقبول الملخصات : 09/01/2011م.

آخر أجل لقبول البحوث كاملة : 13/03/2011م.

سينعقد المؤتمر بإذن الله أيام : 19 ـ 20 ـ 21/ 04/ 2011م.

للتواصل مع اللجنة المنظمة يرجى الاتصال بـ:

د. أحمد بزوي الضاوي

ahmedbezoui@yahoo.fr هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

الأحد، 28 نوفمبر 2010

رهانات الفلسفة العربية المعاصرة

ندوة دولية بعنوان:

"رهانات الفلسفة العربية المعاصرة"

كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس أكدال، بالرباط

متابعة: يوسف محمد بناصر

الرباط ـ المغرب

نظمت وحدة :"فلسفة الحق السياسي والأخلاقي"، {شعبة الفلسفة} بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس أكدال، بالرباط بالتعاون مع مؤسسة كونراد ادينارو، ندوة دولية بعنوان"رهانات الفلسفة العربية المعاصرة"، وذلك يومي الجمعة و السبت: 20 و 21 نوفمبر 2009م، وقد ساهم في تنشيط محاور الندوة 25 باحثا في مختلف المجالات الفلسفية من الجامعات المغربية والأقطار العربية، كالأردن و لبنان ومصر وتونس والجزائر.

وجاء في الورقة التقديمية للندوة بأن الغرض الأساسي منها ليس، كما كان الحال في الندوات السابقة، تقييم تاريخي لانجازات الفلسفة العربية المعاصرة، وفرز تياراتها وتحقيب مراحلها عن أصالتها وقيمتها بالنسبة للفلسفات الغربية، إنما الغرض هو التفلسف في موضوعات حيوية وآنية تمثل تحديات بالنسبة للزمن الحاضر عربيا ودوليا، موضوعات تتصل بالمشاكل السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والبيئية، وأكد المنظمون على رغبتهم في الانخراط في عملية تجاوز الثنائيات، والتفاعل مع التفكير البشري العالمي للكشف عن جذور المشاكل الجديدة التي يعيشها الإنسان الناطق بالعربية، ومحاولة وضع الأسئلة المناسبة، بحثا عن عناصر للتحليل والمعالجة.

فقد أكد الباحث الجزائري عبد الرحمن بوقاف في مداخلته المعنونة:"الفلسفة ومجاوزة التبرير..." على أن الخطاب الفلسفي العربي الراهن يعاني من أزمة التلقي وغياب الجرأة على تناول المحظور، لعدم وجود "النص الغائب" الذي قد يكون نصا حاسما على غرار الفلسفة الغربية، التي أنتجت نصوصا غيرت مجريات العالم بكامله، كما شكل غياب الوظيفة النقدية في الدرس الفلسفي العربي استمرارا لمعاناتها، والحل حسب الباحث يكمن في انفتاح الفلسفة على النسيج الاجتماعي والثقافي واعتمادها على ما اسماه:"الإعلام الفلسفي" وأن تكتسب أصدقاء ينتمون إلى التخصصات المجاورة كعلم الاجتماع وعلم النفس..، وقد أثارت مداخلة الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي إشكالية الترجمة من اللغة الفرنسية ليطرح العديد من الأسئلة التي من بينها: هل للفلسفة رهانات أم هي مراهنة في حد ذاتها؟ إذا كانت الفلسفة تعتبر رهانا، فهل يمكن اعتبار الراهن رهانها الأساسي؟ أم العكس؟ أو بشكل أدق هل ثمة من فلسفة في العالم العربي يمكن أن تنعت بأنها عربية؟ وهل أنجب العالم العربي فيلسوفا أم فلاسفة...؟ وقد عنونت المداخلة بـ:"الفلسفة والترجمة في العالم العربي"، حيث حاول فيها الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي الإجابة عن بعض الأسئلة المطروحة على الفلسفة، واستقصاء الأسباب الكامنة وراء تراجعها، ليخلص إلى كون الجمع بين الترجمة والفلسفة شيء ضروري، حيث يقول إنه لا مفر من ترجمة النصوص الفلسفية؛ إذا كانت الفلسفة ترغب في تجاوز عيوبها، ثم إذا كان المشتغل في حقل الفلسفة يرغب في الإلمام بتيارات الفلسفة العالمية وأسئلتها ورهاناتها..، فالترجمة عنده لا تتم بعيدا عن السجال الفلسفي إذ:"الترجمة الفلسفية مثل الفلسفة هم فكري لا يمكن أن يتم خارج مختبر الفكر أو قاعات الدرس الفسلفي". ويذهب الأستاذ محمد وقيدي إلى ضرورة الانتقال من مستوى القراءة الفلسفية إلى الإبداع الفلسفي، أي الانتقال من دراسة المذاهب الفلسفية إلى التفكير في المشكلات الفلسفية، ففي نظره؛ يقتضي هذا الرهان في مرحلة أولى؛ الاتصال بالنصوص الفلسفية من اجل قراءتها وفهمها وتأويلها، وفي مرحلة ثانية؛ إبداع نص فلسفي جديد، وقد درس الأستاذ وقيدي ثلاث تجارب للاستدلال على الانتقال من المذهب إلى المشكلات: كتجربة عبد السلام بنعبد العالي في متابعته للحياة الفسلفية ومراجعته لمختلف التجارب الفلسفية والتراث الفلسفي،فتجربة محمد المصباحي في تناوله للفكر الرشدي باعتباره حداثة في عصره، ثم تجربة وقيدي الشخصية في تطبيق مفاهيم "باشلار"على سياقات فكرية وفلسفية لم يتناولها هذا الفيلسوف نفسه.

ثم شكل مفهوم الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحداثي محور مداخلة المفكر اللبناني ناصف نصار؛ إذ جعل مفهوم العلمانية احد الرهانات الفلسفية، التي ينبغي أن يخوض فيها الفلاسفة والمفكرون العرب اليوم، وهذا الرهان يستدعي حسب نصار؛ مقدمتين رئيستين: تفيد المقدمة الأولى؛ أن العلمانية لا يمكن تجنبها لأنها تيار كوني يخاطب جميع المجتمعات والأديان، وأما المقدمة الثانية، فتقول: أن العلمانية تشكل سؤالا عميقا يطرحه المجتمع على جميع الأديان في إطار تنامي الوعي السياسي، ويعتبر الباحث المغربي إدريس كثير أن المغرب شهد ميلاد فلسفة مغربية تطورت منذ ابن رشد إلى اليوم، وركز الباحث الأردني احمد ماضي على الإجابة عن أسئلة تتناول الأنموذج الفلسفي العربي المعاصر، والذي من أبرز أعلامه ناصيف نصار ومحمد عابد الجابري وأبو يعرب المرزوقي ومحمود نجيب زكي وطيب تيزيني وطه عبد الرحمن..، حيث يتردد البعض من هذه الأعلام بين القول الإنشائي الفوقي وبين احتلال موقع في الفلسفة القومية أو العالمية، وطرح المفكر المصري حسن حنفي في مداخلته:"الفلسفة والموقف الحضاري" مجموعة من الأسئلة حول رهان الفلسفة والتي من بينها؛ هل لدى العرب رهان معلن؟ أم لكل رهانه| رهاناته؟ ليجيب بان الفلسفة لا توجد خارج لحظتها التاريخية، حيث يقسم لحظات الفلسفة إلى ثلاث عصور: عصر التأسيس وعصر الشروح والتفسيرات، ثم عصر النهضة والإصلاح، وخلص إلى أن الفلسفة العربية تهم في الدخول في عصرها الثالث، الذي يقتضي التخلص من الأشعرية التي تقابل الكنسية في أوربا، ليختم في الأخير بتساؤل حول إمكانية الجيل الجديد في أن يكون له رهان فلسفي في ظل عودة الأشكال الاستعمارية الجديدة؟ سؤال سيجيب عنه جيل الفلاسفة القادم حسب قوله.

وفي نفس السياق، حاول ثلة من الباحثين الإجابة عن أسئلة أخرى تواجه الفلسفة؛ والمتعلقة خصوصا بتحديات التكنولوجيا المعاصرة، فحسب الباحث عبد العزيز الداودي وعمر بوفتاس وعبد العلي معزوز، فان تحديات الحضارة المعاصرة المطروحة على الفلسفة العربية بحدة، والتي من قبيلها: تحديات مجتمع المعرفة، والتنوع الثقافي، والأزمة البيئية، ومآزق العقل التكنولوجي المعاصر..، مما يجب معه إعادة النظر في الإنسان بمقولات جديدة، وبدوره طرح الباحث محمد الشيح سؤالا حول فلسفة الدين، وإمكانية التعدد والتنوع في العالم العربي..، ليبقى هذا السؤال عالقا وحيويا؛ ينتعش في بيئة ثقافية عربية قلقة ومفتوحة على احتمالات مختلفة.

في الأخير، أكد المشاركون على أن تنظيم الندوة ليس الغرض منه تقييم وضع الفلسفة العربية منذ بداياتها الحديثة، ولا فرز تياراتها وتحقيب مراحها، أو التساؤل عن أصلتها وقيمها بالنسبة للواقع أو بالقياس إلى الفلسفة الغربية، وإنما الغرض منه هو رصد تفاعل القول الفلسفي العربي {الأكاديمي وغير الأكاديمي} مع الهموم والرهانات التي يطرحها العالم المعاصر محليا ودوليا، بكل تجليات الإنسانية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والبيئية والثقافية، كما أن الندوة ليست مناسبة للكلام عن صدمة الحداثة أو عن النهضة الأولى والثانية، أو عن تقابلات التراث والمعاصرة وبين الشريعة والحكمة، الذات والآخر، أو حتى عن الدور الذي لعبته الفلسفة العربية الحديثة في تأويل العالم أو تعييره، وإنما تريد أن تتكلم عن الفلسفة العربية هنا والآن، عن كيفية تعاطيها مع الواقع ومواجهتها للأسئلة الجديدة التي تهم الإنسان الناطق بالعربية من حيث هو مرٍٍِآة للإنسان العالمي.

كما عبر المشاركون على أن تنظيم مثل هذا النشاط الفلسفي ينطلق من الإيمان بأن الفلسفة العربية لاتزال موجودة، وأنها حققت في الأزمنة الأخيرة تراكما لا يستهان به على مستوى الكم والكيف معا، هذا التراكم الذي لم يتم الانتباه إليه بعد، ربما لأنه لم يكسب بعد قوة التأثير في المجال العام، فالإنتاج الفلسفي العربي في تزايد مطرد، والمجالات التي يرتادها الفلاسفة العرب بأجيالهم المختلفة في تجدد وتنوع في علاقة مع تجدد تحديات وآفاق الفكر والواقع العربي والعالمي، والنشاط الفلسفي هو كذلك فرصة لمعاينة التحديات الخطيرة التي تواجهها الفلسفة العربية المعاصرة؛ فاستفحال الشك في العقل ولواحقه النظرية والعلمية، من علم وفلسفة وحرية وديمقراطية وحقوق الإنسان، وطغيان ثقافة اليأس والإحباط والعدمية والانغلاق على الهويات الضيقة غير القابلة للحياة أبدا، جراء شعور مرير بالفشل والعجز على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كل هذا افقد الإنسان ثقته في نفسه، وفي قدرته على التحدي والإبداع والاندفاع إلى الإمام، فإذا أضفنا إلى ذلك التحديات الخارجية، المتمثلة، من جهة، في المواجهات الساخنة الفكرية والعلمية بين الذات والآخر {الغرب}، والتي تركت جروحا كبيرة في الضفتين معا في العقود الأخيرة، ومن جهة ثانية، في التدفق الهائل لسيل من الأسئلة والمفاهيم والمعارف والتقنيات والعلمية الجديدة والرؤى الفلسفية غير القابلة للإحاطة.. لأدركنا مدى اللبس الذي يتخبط فيه الإنسان العربي اليوم.

وفي ظل هذا الجو المشحون بالأسئلة والتحديات والعوائق داخليا وخارجيا، اجمع كل الفاعلين العموميين والخصوصيين على أن لا مناص من الفلسفة لإعادة بناء الإنسان وترتيب البيت الداخلي للمجتمعات العربية بروح من النقد و العقلانية والحرية والحوار والتسامح.