الأحد، 11 سبتمبر 2016

عالمنا المعاصر والتحولات الصعبة، “العنف المنظم أنموذجا”

عالمنا المعاصر والتحولات الصعبة، “العنف المنظم أنموذجا”

بقلم :د.يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

يقتضي مبدأ التعقل الإنساني في العصر الحاضر، أن ننظر إلى كافة الصراعات والنزاعات الدموية التي تظهر في بقع مختلفة من أنحاء العالم على أنها؛ صيرورة سلبية، ترافق الخلق الإنساني منذ بدء التاريخ، فرغم ما توصل إليه الإنسان من علوم وقوانين وما أبدعه وصاغه من أخلاقيات ومعارف، وما حققه من عمران بشري وصناعي وما مر به من تنوير ونهضة…، لم يستطع بعد هذا “الكائن البائس” أن يضع حدا لنزاعاته ونزواته البدائية، والحادة في كثير من الأحيان، فالعنف في عقيدته وفكره وسلوكه أمسى شيئا طبعيا  أكثر منه تطبعي، ربما لذلك لم يستطع التخلص منه، فهو يمارس العنف غالب نهاره في أنحاء مختلفة من المدن والحواضر والأمكنة والشوارع وحتى في عمله وداخل منزله، بل في كل يوم يتلذذ الناس بمشاهدة أفلام الرعب، والحركة”الأكشن”، والمصارعة في التلفزيون وهم يتناولون وجبة العشاء، ولهم معها موعد أسبوعي على شاشات السينما، فيغذون مخيالهم بها، مما يزيدهم مراكمة للسلوك العنفي، ويزيد غريزتهم تعطشا للبحث عن الإشباع السلوكي؛ فيقعون ضحية الاستدراج، ليمارسوا العنف في أي وقت وفي أي مكان عندما تسنح لهم الفرصة لذلك.
لقد كان النظام الإنساني الاجتماعي والأخلاقي، محصلة تراكم التجارب والتوافقات في التجمعات وبين الأفراد على مر العصور، فأغلب النظم التي تحكم عالمنا اليوم، إنما هي خلاصات التجارب الإنسانية في التاريخ، فتلك التجمعات قامت بصياغة تصورات مشتركة عن الأنظمة والأخلاق، لتحكمها وتحتكم إليها، وتربط بعضها ببعض بها على أساس التضامن والعدل، وتحفظ بها تجمعاتها من الفوضى واللانظام بكل تجلياتهما.
فنزوع الكائن الإنساني نحو تحقيق مشترك أخلاقي واجتماعي، كان الهدف منه تحقيق الإستقرار أولا، ثم التعايش بين مختلف أفراده، بله والتجمعات الأخرى، وتدبيره الخلافات والاختلافات، فوضعت أنظمة تحافظ على روح الوحدة والتكافل الأمني والروحي والاقتصادي والأخلاقي وغيرها، ولم تكن هذه الأهداف المسطرة، وليدة لحظة معينة في التاريخ أو طفرة وقعت، بل كانت نتيجة تراكمات لسنوات ولأجيال متعاقبة، وهي أيضا نتيجة إحساس بالنقص، والحاجة للانضباط لأخلاق الجماعة ولروحها، بعدما تم تأسيس أول مجتمع بشري، وكانت غايته تحقيق الدفء الجماعي وإشباع روح الفرد.
إن ما بني اليوم من ثقافة السلم والسلام في المجتمعات المعاصرة واعتبر مكسبا معرفيا وسياسيا واجتماعيا، كان نتيجة قوة إرادة الفرد والمجتمع الانساني في كبح جماح الانفلاتات الطارئة في السلوك الإنساني؛ والتي تستهدف حرية الإنسان ومكتسباته الثقافية والسياسية والاقتصادية. ولم يكن الفرد وحده هو الذي يهدد ذاك الاستقرار بل كان تغول الدولة ومؤسساتها والتنظيمات الأيديولوجية وانتشار الشطط في استعمال السلطة بسبب الفساد في النظام بقطاعاته الحيوية وتأفف المواطنين من المعاملات اليومية مع الإدارات العمومية، كل هذه العوامل ترسخ السخط في أوساط المواطنين من أجل الانتفاضة بدرجات متفاوتة وبتلقائية ضد كل أشكال القمع والتجاوزات، ولا يمكن أن تصبح انتفاضتهم ذات تأثير كبير إلا إذا كانت خارج بعض المؤسسات خصوصا منها النقابية، حينها يعبر الأفراد بحماسة ودون خلفيات تحد من إرادة ثورتهم؛ إنهم يعبرون عن مطالبهم في الحرية والعدالة والرخاء، وقد تكون هذه المطالب موجودة ولكن وقع عليها المصادرة أو الانتهاك بسبب انحراف في تأويل الدساتير المنظمة للمجتمع والعلاقات والسلط، وهي أنماط متسلسة ومتناسقة من التعاقدات الاجتماعية والسياسية الملزمة التي إذا فسدت فسد كل شيء. وقد تكون الثورة بسبب فشل في وضع القوانين أو سوء تدبير أو فشل في تدبير الحكم أو فساد وممارسة بيروقراطية للسلطة .
إن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المعاصر، يدفع بعجلة العلم نحو أفق أرحب لخدمة الناس، ويعدهم بتحقيق مزيد من الازدهار والرخاء والسلم، ولكن لابد من التذكير بأن التاريخ الإنساني عرف منحى مضطربا أيضا، فمع كل ازدياد للتطور والازدهار والرفاهية وحياة المتع والترف؛ تتوالد في أذهان بعض الساسة والمؤدلجين والبيروقراطيين مخططات معقدة لارتكاب مزيد من الجرائم في حق شعوبهم، فيستغلون منابرهم وعلاقاتهم وأحزابهم ومنظماتهم وإعلامهم..، وتظهر جماعات الفوضى واللااستقرار التي تنتعش من الفوضى وتغتني منها، ويتناسل العنف باعتباره تعبيرا مضادا ورد فعل طبيعي، ليتخذ أشكالا مختلفة، ينتظم في الأرياف والضواحي والأحياء المهمشة، لينمو متجسدا في أفكار يمينية ويسارية متطرفة، ويمتد هذا العنف زاحفا على المؤسسات في أجندة وبرامج سياسية حماسية “فاشيستية” غير معقلنة، وتستغل هذه الفئات المنافذ الديمقراطية والروح الليبرالية للمجتمع لتنشر عقائدها وعداءها لفكر التنوير والاختلاف، فتمتد شرعيتها وتكتسب المشروعية مما بقي من منافذ مؤسساتية، لتصبح اجماعا وطنيا نافذا وتكون “دوغما مغلقة” ليؤمن بها الجميع ويستعد الجميع لفدائها، وربما الوضع الأوربي وما يحدث من نقاشات مجتمعية وسياسية حول “الوحدة الأوربية” و”مسألة المهاجرين” و” تدبير الأزمة الاقتصادية” وغيرها كلها توحي بأن القادم صعب.
إن الترف والازدهار كما التخلف والجهل لهما ضريبتهما الأخلاقية والنفسية والأمنية، وما يحدث اليوم من ظهور لحركات النازية الجديدة وصعود اليمين المتطرف وتناسل الحركات الجهادية بمختلف مسمياتها، وتنامي الحس العنصري والانشغال بتعزيز الهويات الثقافية والعرقية والمذهبية في أنحاء أوربا وأمريكا، وفي مختلف مجتمعاتنا العربية، كل ذلك نذير شؤم على أن الاستقرار الإنساني مهدد، ولا يمكن وصفه إلا بكونه نوعا من الاضطراب الذي أمسى يزعج عالمنا اليوم، ويشكل تهديدا للسلم الاجتماعي والسياسي والأمن الروحي وحريات الأفراد والفكر لجميع المجتمعات. إنه في الأخير؛ ضوء أحمر على أن التنوع الإنساني في المجتمعات الإسلامية والغربية قد انتكس، وأن قبول الاختلافات ومحاولة تدبيرها مهما كانت صورتها أضحى ركنا منهارا وفلسفة باهتة، إنها صورة قاتمة -ويا للأسف- لما يشهده عالمنا من تحولات صعبة وعنيفة قد تنحو به إلى مزيد اضطراب على المستوى الاجتماعي والقيمي والاقتصادي، مما يجعل ما راكمته الإنسانية من فكر تنويري وتراث عقلاني وروح إبداع ومكاسب جمة على جرف هار.
*كاتب وباحث مغربي
منبر الحرية، 10 سبتمبر/أيلول 2016
رابط الموقع: http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9533

الأربعاء، 15 يونيو 2016

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج2.

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج2.
****

يوسف محمد بناصر    
باحث مغربي
***


لقد سبق وان اعتبر الإمام علي –كرم الله وجهه- فئة الخوارج بغاة وخواطئ، وعندما قارنهم بغيرهم من مخالفيه اعتبرهم طلاب حق فقال:”ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه”، واليوم تلعب هذه الفئة على مشاعر المؤمنين بادعاء استرجاع القيم الراشدة التاريخية وبتمثل الحكم السديد، وذهنية المؤمن أمَدُها لا يستوعب مآل تعاطفه الروحي مع قضايا تتعلق بمعتقده، لأن ذاكرته تقتصر على الحلم بتحقيق مشروع الخلافة المؤجل والتي ستأتي لتوفر الموعود من رخاء وعدل ومساواة..، ونرجسية المؤمنين المجروحة حول هذه المفاهيم المأزومة حينئذ ستتحفز النفوس فتسقط في فخ الانتماء لا شعوريا للدعوة المتطرفة والتعاطف مع مشروعها. هذا المدخل النفسي والروحي الخطير هو الآن في قبضة الحركات المتطرفة، تفتحه في وجه المثقفين والأميين وهم سيان، أهل دار الإيمان أو المهاجرين لدار الكفر – بتعبيراتهم-. وهذا ما يفسر كذلك تلك “الهجرة المبهمة والمعكوسة” لبعض الشباب المثقف من مختلف الدول سواء كانت عربية إسلامية أو غربية لمناطق النزاع في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان..، فمفتاح تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية يتوقف على الاستعداد للارتماء في أحضان إحدى تلك الحركات. والاتصالات المعولمة تلعب دورها اليوم كوسيلة لتأجيج هذا الاختراق وتوسيع نطاق المتعاطفين والـمُـستقطَبين، لأن الوعود المثالية بتحقيق جنة أرضية تجد لها دائما آذانا صاغية ثم بعدها حصادا من اليائسين من ذوي النوايا الحسنة. وتنهار لحظتها ثقافة الإنسان عاجزة عن الممانعة أو تنشيط الوعي النقدي لدى هذا الكائن البائس، وتكتفي بتوريطه في دور التابع والمبرر، فتتحول الثقافة والفكر إلى عنصر مميت وقاتل. والتحاق بعض العلماء أو ذوي الشهادات العليا من مختلف التخصصات العلمية والأدبية بمعسكر الحركات المتطرفة؛ يعد لحد الآن في عيون بعض المحللين مسألة مستغربة ومبهمة لا يجدون لها التفسير المناسب. ولكن إذا قمنا باستقراء التاريخ الإسلامي الحديث وما طرأ عليه من استعمار وأنظمة استبدادية وتمزق طائفي وانتشار للأمية، واعتمدنا على تفسير وفهم لصيرورة التحولات الاجتماعية والسياسية الطارئة في المجتمع الإسلامي المعاصر في علاقته مع الحضارة الحديثة وحنينه الدائم للماضي، سنقترب من الإمساك بالخيط الناظم، ونفكك آلية الاشتغال التي تعتمدها التنظيمات المغلقة في التعبئة والاستقطاب، فلا فرق بين متعلم وجاهل في لحظة حماسة واستجابة لنداء مقدس. إنهم ينسجون لعبتهم على مختلف التناقضات ويحركون الحمية الدينية ويموقعونها في لحظة تاريخية، فهم كمن يضبط ساعة يده على توقيت بلد يقوم فيه بالسياحة، بحيث يجد الفرد نفسه يتمثل عصرا غير عصره وبطولة موهومة ليست له، وكل زعمه أنه يحقق مجد الأجداد والسلف، ولو تطلب الأمر أن يستنهض قدراتهم مرة أخرى من رفاتهم الأبدي، ليحقق النصر بتفاصيله الدقيقة والمملة في لحظته هو وزمانه الواقعي. فلا تفكير ولا مراجعات لتفاصيل الدعوة ومصاديقها أو لخلفيتها العقدية أو الاجتماعية أو السياسية، بالنسبة لهم إنما هو تصديق وإيمان،تنفيذ للأوامر، ثم نصر أو شهادة. وانتشار عمليات التفجير الذاتي للنفوس يعد في هذا الباب خير مثال على أن المنتمين للتنظيمات الإرهابية يلغون ذواتهم ومصالحهم وكل عواطفهم مصدقين ومدركين أن مقصدهم المثالي لا يقارن بتحقيق أي هدف مادي أو معنوي آخر، وهذا لا يكون إلا إذا تجلى لهم أن كل شيء باطل ولا قيمة له أمام الـمـــُثل العليا التي يسعون إلى تحقيقها.
قد حدث في التاريخ الإسلامي أن ناظر عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي[61ه /101ه،] الخوارج في زمانه، فاستخدم في حواره معهم الحجج التي يقرون بصحتها، فحاججهم بسلوك من يعترفون به كأبي بكر[ت،13ه] وعمر[23ه]، وبلال بن مرداس [ت 61 هجرية] وعبد الله بن وهب الراسبي أبرز قادتهم، فبين أخطاءهم بشهادتهم على أنفسهم، فرجع منهم الباحث عن الحق إلى الرشد وبقي المتعصبون على رأيهم، واستولى على عقول ونفوس الخوارج عبارات اللعن والتكفير والبراءة وطلبوا من عمر أن يقر بها في حق أهل بيته، وإلا فلا التقاء بينهما، فلم يجزع ولم يفزع الخليفة عمر، بهذا الطلب الصعب الخاطئ بل صبر وضبط نفسه وحاور القوم بالحجج الدامغة فهو طبيب يبتغي العلاج وليس جزارا يريد سفك الدماء. صورة أولئك تبقى مستعادة اليوم ببؤسها المعنوي والمادي، وخصوصا أن وسائل الميديا اليوم توثق الجرائم بالصوت والصورة، وما أرتكب من تقتيل وهتك للأعراض وتدمير للإرث الحضاري والإنساني من متاحف وآثار للدول والحضارات القديمة، يصعب على العقل أن يتصوره وأن يتقبله، ومناظرتهم اليوم حول صوابية أفعالهم بعد كلما ما حدث لا قيمة لها، وقد سبق أن فعلت هيئات إسلامية ذلك في وقت سابق مع تنظيم طالبان، لحظة إقدامهم على هدم تمثال بوذا التاريخي بأفغانستان، فلم يحفز ذلك قدراتهم الإدراكية لمراجعة مواقفهم من العنف والعلاقة مع الغير وأهمية الحفاظ على الإرث الحضاري المشترك، ولن يحفز كذلك قدرات هؤلاء الجدد من المتطرفين؛ لأخذ قسط من سكينة للتفكر والتدبر في مآلات سلوكاتهم البدائية واللاحضارية والمأساوية على مستقبل الإنسانية جمعاء…
*كاتب وباحث من المغرب.
منبر الحرية، 13 يونيو/حزيران 2016
رابط المقال:

http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9498

الجمعة، 25 مارس 2016

culture of violence and non-violence in Islamic thought

ثقافة العنف واللاعنف في الفكر الإسلامي

بقلم: يوسف محمد بناصر- باحث مغربي
الملخص:

يعتبر العنف مشكلة ثقافية واجتماعية انسانية امتدت عبر التاريخ، وتعقدت مع اختلاط العنف بالمقدس، وتورط الفهم السيء للدين والتأويل المختلط بالنزعة الايديولوجية والعقائد المغلقة بمضامين بعض النصوص الدينية، وقد خاضت الثقافة والحضارة الاسلاميتين تجربة تاريخية مع مختلف أشكال العنف الديني عبر فترات الصعود والانحطاط، فانبثقت فرق اسلامية أسست رؤاها السياسية على السلوك العنفي بعد أن عززته بخلفية دينية، ولايزال ذلك يؤثر على التاريخ الاسلامي سلبا لأنه أمسى مرجعية معتمدة عند بعض الجماعات الجهادية المعاصرة.

إن مواجهة العنف الديني لا تكون إلا بالمعرفة والتربية على حرية الفكر والضمير والارشاد للإبداع بدل السقوط في فخ الرجوع المكثف للعقل الماضوي، وهذا الرجوع يعني السقوط المتكرر على عتبات أحداث مأساوية تاريخية؛ باستعادة بعضها بما تتضمنه من ثقل على المستوى العاطفي والروحي والمعرفي والسلوكي. إن العمل على تنمية القيم الروحية وتوسيع آفاق التواصل والتعارف يمكن المجتمع المسلم من تجاوز ثقافة الانغلاق التي سقط صريعا بسببها لمدة الاستعمار، فأنتجت لديه الاحساس بالكراهية والبغض وثقافة الالغاء وعدم الاعتراف كردة فعل فيما بعد.

يعد العمل السلمي واللاعنفي كما تدبير الحوار والصراع ثقافة غير معترف بها إلى الآن؛ في ظل سياق مجتمع يعيش على العنف والتطرف وتصاعد الكراهية بين مختلف مكوناته العرقية والمذهبية والسياسية..، والعمل على تجاوز هذه السلبيات وتشكيل ذلك الوعي والثقافة لا يكون إلا بإعادة قراءة النصوص الدينية بعقلية مستوعبة لتحديات العصر ومشكلاته المعقدة، ويمكن تعريف تلك القراءة بأنها هي القدرة على امتلاك معرفة لا تتحيز للماضي وعقل تنويري نقدي لا يتعامل مع النصوص دون منهجية مقاصدية مع انفتاح على انتاجات المعرفة الانسانية والاستفادة منها دون توجس وبمختلف مجالاتها.

إن مختلف الثقافات الانسانية تعيش على وقع عنف في غالب الاحيان تكون خلفيته دينية، والمعرفة والمجتمع الاسلاميين ليسا بدعا عن تلك الثقافات، ويبقى السبيل للتحرر من هذه الرذيلة أن تتظافر جهود الباحثين والمربين والمفكرين بمختلف تخصصاتهم لتأسيس بيداغوجيا تصحح بعض المفاهيم والسلوكات التي تبقي حجم ثقافة العنف متضخمة ونابضة في المجتمع، مما قد يساعد على تجفيف منابعه وتعويضه بثقافة التعايش والسلم والمعرفة والقدرة على الانفتاح والتواصل، وبناء جيل مستقبلي يطمح للسلام ويخدمه ويسمو بروحه وسلوكه ومعرفته حتى يصل للكمال الإنساني والحضاري.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا
http://www.mominoun.com/articles/categories/11

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج1.

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج1.

************
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث مغربي


إن المتمعن في قراءة التحولات الكبرى في المجتمع الإسلامي سواء على المستوى السياسي والفكري والأخلاقي…، لما بعد الخلافة الراشدة، يستنتج أن العنصر المهم الأبرز في ظهور الفكر السياسي الإسلامي يعود إلى انفجار العنف، أو ما بات يعرف بزمن الفتنة وما بعدها، هذه الفترة التاريخية القلقة والعصيبة في التاريخ الإسلامي لا تزال تمتد ضاربة بجذورها ورامية بظلالها على أغلب مراحل الحاضر، وقد يكون لها امتداد أوسع على مستقبل الأمة، ومآلاته لا تبشر بخير إلى الآن.
إن العقيدة المتطرفة ما كانت لتنمو لولا غياب الفكر النقدي وحرية التعبير عن الأفكار، ثم يأتي غياب وسائل تدبير الاختلاف والحكم في المرتبة الثانية، وهذه الأسباب الخطيرة، هي ما كان يؤطر مجموع عقائد الفرق المتطرفة على مدى التاريخ الإسلامي، ابتداء بالخوارج وانتهاء بالفكر “الداعشي” اليوم.
إن استعادة الخلافة الراشدة وإسقاط الحكم الظالم،كما سبق أن تصوره الخوارج لا يكون إلا بالسيف، وخاصة بعد قيام وراثة الملك وسقوط الخلافة الشورية ، وهنا يتقاطع وينسجم التصور السلفي الجهادي المبني على خلفية تاريخية مثالية للدين والتدين مع من سبقهم من الخوارج، مما يجعل من الاستحالة بمكان تفكيك بنية تفكيرهم أو تغيير تصوراتهم لما يجب أن يكون عليه الواقع المعاش في اتساقه مع مفهومات الدين وتمثلاته الحياتية، لتعجز مناهج التفكير أمام وثوقية الدوغما المغلقة. ومناورة التأويل في هذا المجال الحساس تبقى “خطا أحمرا” يربك العقل، لما قد يتسبب فيه هذا الأمر من خلخلة لمناهج التفكير الديني في السياق المعرفي الإسلامي الكلاسيكي. إن هذا التوصيف ينطلق من قراءة واعية للانقسامات المتطرفة والعقائد المتناقضة التي احتضنتها هذه الثقافة منذ فترة الانفتاح على الثقافات المجاورة في الصدر الأول من الإسلام. والتناقض الفكري الذي تلبس نصوص بعض المفكرين الرواد في مجال الفقه وعلم الكلام والتصوف، وفي بعض الأحيان ما وقع من تناقضات منهجية وعقائدية لدى بعضهم الآخر له دور أساسي في إظهار طوائف متطرفة في مختلف العصور وفي مختلف التوجهات. وترجع بعض الأسباب الأخرى إلى بساطة بنية العقل العربي الذي تنزل فيها النص المؤسس، وعدم استيعابها الكامل لمختلف المضامين التي تختزلها الرسالة القرآنية، ثم مدى استيعابها تحول المعاني من بنية اجتماعية إلى أخرى. كما أن وقوع حوادث سياسية عظام في خضم التجربة الإسلامية كالفتنة وغياب رؤية سياسية ناضجة للدولة الإسلامية واغتيال أغلب “الخلفاء الراشدين” ثم إغلاق التجربة السياسية الفتية بسيطرة فكرة التوريث والتسلط ثم ملاحقة المعارضين –من فقهاء أو فلاسفة وساسة – للقضاء عليهم من طرف الحاكم المتغلب؛ كل هذا ساهم في بلورة دوائر عقدية مغلقة، تستقطب بجاذبية مقولاتها ومثالية طروحاتها كل المهمشين والتائهين والمارقين وبعض المؤلفة قلوبهم من ذوي المصالح العرقية والمذهبية من مختلف الأقطار. لتُكَون لنا طائفة من المؤمنين المنساقين وراء شعارات طغت عليها المثالية متجاوزة بها البناء النموذجي الذي رسخه الرسول الأكرم في مجتمعه والذي يتسم باتساق منهجه مع الواقع، لتقدم هذه النزعات المتطرفة بدائل تعدها أرقى؛ لتتجاوز بها كل ما سبقها من التجارب. فكانت هذه الطوائف التي كرست أنموذجها المثالي بالعنف مستعدة لتعيش تناقضاتها المركبة متحدية كل القيم في صورتها التاريخية، وهي اليوم ووفق النموذج الذي ندرسه تتحدى الحداثة وقيمها.
إن “النموذج الداعشي” قد قوى فرصته لاستعادة نموذجه التاريخي، والمتمثل في استمداده من لحظات الإشراق الديني والسياسي في الحضارة الإسلامية بكل تفاصيلهما، ابتداء بالتقسيمات الإدارية والتوصيفات الشرعية وتركيبات مفاهيم السياسة الشرعية والآداب السلطانية وانتهاء ببنية الخطاب السلفي المستعاد بشكل انتقائي وفظيع من مرجعيات ومصادر فقهية محددة. بحيث يتم الترويج لخطابها كل مرة في الأشرطة المسجلة، وفي كل ما تبثه قنوات هذه الحركة المتطرفة وغيرها كوسيلة للدعاية لمواقفها ولتوضيح أيدلوجيتها.
إن تعريف البراديغم يتلخص في توفر عناصر متشابهة في موضوعات مختلفة، وبناء عليه فإن عنونتنا للدراسة بـ”البراديغم الداعشي..” يلخص ما تتضمنه من أفكار وتصورات حول كيفية تفكير هذه الفئة والبنية المعرفية التي تتحرك ضمنها وسياقها التاريخي والثقافي، وسنحاول أن نحفر في التأويلات الممكنة وغير الممكنة في بعض النصوص والمرجعيات التي تعد مؤطرا منهجيا لرؤاها، ودافعا معرفيا ونفسيا مؤسسا لها، حتى تظهر بمظهر المُخَلّص على مدى فترات تاريخية متلاحقة وفي مختلف الجغرافيات الإسلامية في العهود الماضية. وهي اليوم بدأت تتحرك مع بوصلة العولمة وتبيء مفهوم الشركة العابرة للقارات في قاموسها وتهاجر به إلى حقل الإرهاب الديني العابر للقارات، فلم تعد الجغرافية تحديا أو جدارا مانعا لمزيد زحف وصعود وتوسع شبيه بـ”حركة امبريا-دينية” تقوم بها هذه التنظيمات داخل أوطان مستقلة خارقة كل ما تدعيه هذه الأوطان من حماية أمنية ومخترقة مجتمعاتها ثقافيا ودينيا/روحيا وسياسيا.
تعتبر الحركات الإجتماعية المتطرفة ظاهرة سوسيولوجية على مر التاريخ، وغالبا ما تلتحف بعض الحركات منها بالمقدس لما له من أهمية بالغة في التجيش وخلق حالة النفير، بلا مقدمات معقدة ولا أجندة منطقية، فكل ما عليها هو الاستعانة بالنصوص المقدسة وانتقاء منطقة التوتر التي تسمح بجعلها أيقونة الحراك والاستقطاب الجماعي وإثباتها كهدف منشود، وبطبيعة الحال تلعب المواعظ دورا حاسما كما الاستدلال بلحظات مظلومية المرجعيات التاريخية أو بالتذكير بنبوؤات تبشر بها بعض الآثار حول تحقق مفاهيم إطلاقية كالعدل الكامل والدين الكامل والمجتمع المثالي والخلافة التي تطبق فيها إرادة ” الله” وحاكميته بلا تحيزات، ولتنزل أحكامه لتحل محل الإرادة البشرية وقوانينها الوضعية..، هذه السلسلة المدروسة من الأفعال المحبوكة والمركبة من الناحية التصورية، تجعل الأتباع يستجيبون للنداء ولا تبقى لهم لحظة للتفكير أو النقد أو حتى الاستيعاب، مادامت الفكرة مشرقة وتستند إلى المقدس وتدور في دائرة نصرته وإعلائه فلا مجال للتأخر. وإذا كان المحضن متوفرا فلا يبقى غير الاستجابة لمن تمت مبايعته على “السمع والطاعة” والثقة به فيما يتخذه من قرارات في المنشط والمكره، فيجد المجند نفسه في علاقة حميمية ودفء سيكولوجي مع إخوته ممن لبى النداء معه، فيقع في لا وعيه أن ما يعيشه من حماسة للفكرة هو حقيقة واقعية متمثلة في واقعه بتمامها، ولا مجال للشك أو الارتياب، وأن المشكك بعد هذا اليقين الجازم إنما يسبح ضد التيار ويعيش في أوهام شيطانية زعزعت يقينه وإيمانه، مما يتطلب إما الدعوة في مرحلة أولى ثم التصفية إن رفض التوبة، ولو كان من أقرب المقربين. واستعادة شكل المحاسبة ومظهر إنزال العقاب يبقى أمرا شكليا مادام التاريخ يتضمن الكثير من الأمثلة الواضحة والتي كان عليها وفاق ولها حجية معتبرة؛[ كالصلب أو القتل والـمُــَثْلَة والحرق..]، ولا حاجة لكثير إبداع. ويكفي أن تزين الأفعال ببعض الأدلة الشرعية، ليظهر الأمر للمُعَاقِب والمعاقَب بأنه تنفيذ لأمر السماء، فيتقبلها المؤمن وغيره بشيء من الرضا كأنه قضاء وقدر. وهذا واضح وجلي في المشاهد المفزعة التي تبثها قنوات ما يسمى بــ” الدولة الإسلامية بالعراق والشام” والتي تستعمل هذا الأسلوب بقوة لغرض تمييز صفها ومشروعها عن بقية الأطراف المتطرفة، وفي بعض الأحيان لتزايد على غيرها بشرعيتها ومشروعية سلطتها، وليتسق موقفها مع بنية الخطاب الذي تستقيه بعناية من نصوص تاريخية، وتنتقيه بدهاء عقدي وسياسي خبيث. وقد دفع هذا الفعل بتنظيم “الجبهة الشامية” وهو طرف منافس لـ”داعش” إلى إصدار شريط دعائي ضد هذه الأخيرة، سمته:” مسلمون لا مجرمون” في يوم07 دجنبر 2015م، هذا الشريط يهدم تصور الإخوة الأعداء عن مفهوم الجهاد والقتال ومعاملة الأسرى، كما يستبطن منهجية استثنائية تزعزع براديغم الحركات المتطرفة التي تشتغل في دائرة ضيقة مفاهميا وروحيا، بحيث لا يسمح سقف تنظيرها جميعا، ببناء تصور مغاير عن الفعل العنفي بمختلف مسمياته، خصوصا أنه يعد ممارسة طقوسية فريدة وبدائية عند أغلبهم، والذي من بين تمظهراته اعتبار الكائن البشري قربانا للإله. وأظن أن عرض الشريط بتلك الدقة والخلفية الإعلامية الدعائية المحترفة لا يخرج الجبهة من دائرة الفكر المتطرف، وستعتبره الأطراف الأخرى حيلة مدروسة دعائيا وإعلاميا، الغرض منه هو إعادة التموقع في خط يظهر “الجبهة الشامية” بأنها أكثر حكمة ورزانة وأقل تعطشا للدماء أو لاصطياد الضحايا أو الابتزاز بهم، وأن مشروعها السياسي والعقدي له سمات مميزة تخالف بقية أطراف المعارضة التي لها نفس التوجه.
* كاتب من المغرب.
منبر الحرية، 31 يناير/كانون الثاني 2016
***
رابط البحث:

http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9427

السبت، 5 ديسمبر 2015

حلقات فيض الأحوال....

فيض الأحوال:...: حال"الانتظار المنقذ أو الجحيم، بين التكفيرية والحداثة والتقنية...!":08

******
سبق وأن اكد شيخ العارفين أن"..من طلب الله بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك." وحالنا اليوم تبحث عن المنقذ، لتطغى فكرة المهدوية مرة أخرى على وجداننا، وان كان لابد منها، فارجو ان يستعاد العبد الصالح باستراتيجيته التي تشكل فقاعة يهبها العقل لأنها تطفو على معارفه الظاهرة، ولا يفجرها غير أهل الكشف الذين تحلوا بحال التهيؤ وحبَّسوا أنفسهم في مقام الانتظار محتسبين ذلك العمل فضيلة العارف الحق. لانه في هذا العصر،تتوحد التكفيرية بمسمياتها "الصلبة" و"السائلة" مع التقنية بآلتها الجهنمية ليصنعوا لنا هذا العالم ويشكلوا آلهة تصادر العالم لها لتبتلعه في لحظة غياب العقل أو عبثيته القصوى،إن تقنية ما بعد الحداثة وسطوة الدين يشكلان في هذا العصر "لعنة أطلنتيس" حيث يغرق العالم الاسطوري في لحظة هيجان شهواني طارئ،و المنقذ من اللعنة بحسب هيدغر كذلك هو الإنتظار، فحينما سُئل عما إذا كان للفلسفة من دور تلعبه في عالم يطحنه طغيان العولمة التقنوية، أجاب بـ"أن مهمة الفلسفة تنحصر في إعدادنا لانتظار إلهٍ، هو وحده القادر على إنقاذنا من الهول المنتظر". انتهى كلامه. إن المتلاعبين بالضمائر وبالعقول لا يكتفون أبدا من محاولة إفراغ كل شيء من المعنى، أو بتعبير نيتشه حين تصبح العدمية فاعلة، أي تتحول فيما بعد إلى أفق، وأنا أرى أن أملهم أن يكون كل العالم متجهما مغفلا فاقدا للإيمان، لتسكنه أشباحنا المثقلة بالضياع والارتياب والاستعداد للموت لإله اللاشيء. 
***** توقيعي

الثلاثاء، 10 مارس 2015

منحى التفكير الفقهي في التاريخ المعاصر: مساهمة الطاهر بن عاشور أنموذجًا

منحى التفكير الفقهي في التاريخ المعاصر: مساهمة الطاهر بن عاشور أنموذجًا ************************** بقلم: يوسف محمد بناصر ************************** تمهيد عام: إنّ التفكير الفقهي في التاريخ الإسلامي يعرف عدة مستويات كما يعرف تحولات مهمة، فقد بدأ التأسيس له في القرن الأول الهجري لتكتمل دورته مع نهاية القرن الخامس الهجري، ولتبدأ دورته الجديدة بأسماء علماء وعلوم استجدت بوقوع وقائع في التاريخ الإسلامي أهمها الغزو التتري والصليبي للشرق الإسلامي. فإذا اعتبرنا أنّ التاريخ عمومًا قد يعيد نفسه ولكن بصور مختلفة، يمكن أن نفهم لماذا عرف التاريخ الحديث اختلالات في ميزان القوى بين الشرق والغرب، وما الذي دفع بالمستعمر الأوربي إلى القيام بحملات استكشافية، ومن ثم استعمارية لأغلب العالم الإسلامي بغربه وشرقه، ومن ثمة نفهم الكيفية التي تعامل بها الوعي الإسلامي مع الظاهرة الجديدة على أنّها نتيجة تخلف وانسداد على الذات وعدم مراكمة علوم ومناهج كالتي حصلت لأوربا، أو قد نذهب مذهب من اعتبر أنّ القضية قدرية محض، أو نميل إلى فهم المسألة على أنها متعلقة بدورة تاريخية وسنن كونية تصيب كل الأمم مهما بلغ مجدها أو عملها وعلمها مع التاريخ؛ فما أن يتدهور الفكر والتفكير في أي مجتمع حتى تتدهور الأمة ويضمحل الإبداع والاجتهاد ويظهر إلى السطح التقليد والسلبية مهما كان دينها أو قيمها النبيلة. ولد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور [1296-1379هـ/1879-1973م] في مرحلة حرجة من التاريخ التونسي والإسلامي على وجه العموم، وكانت الدولة التونسية تشهد تدهورًا في أمورها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وبدأت المطامع الاستعمارية تنهش في الاستقلال التونسي كما كان الأمر مع الدول العربية الأخرى، ولم تنجح المحاولات الإصلاحية التي تبناها أحمد باشا باي ومحمد الباي ثم محمد الصادق باي بمعية المصلح خير الدين التونسي، فكان لابد أن تتراكم الإشكالات السياسية والفقهية والثقافية مع الدخول الفرنسي لتونس، ليلزم مع هذه المستجدات ولادة وعي وعقل فقهي قادر على التعامل مع التحولات ومع هذه النوازل الجديدة، بطرق ومنهاجية غير تقليدية، يكون باستطاعتها استيعاب كل المتغيرات التي هبت بقدوم المستعمر إلى البلاد، لأنّ التحولات والإشكالات الفقهية والاجتماعية على الوجه الأخص كانت مع الاحتكاك بثقافة الأجنبي الوافد. لقد استفاد الشيخ الطاهر بن عاشور من العلوم التي كانت متوفرة في زمانه وأبان عن انفتاحه على مختلف المناهج العلمية والأدبية الإنسانية، فكان بحق مثال الفقيه المجتهد المنفتح على عوالم جديدة من خلال فهم إيجابي للواقع المعاصر دون حساسية مفرطة، فتزعّم الإصلاح وقام بمجهودات إصلاحية في ميدان القضاء والتعليم والفتوى والفكر، كما تحمّل مشعل التغير الفقهي والفكري مع معاصريه في المغرب العربي، أمثال الحجوي الثعالبي المغربي [1291ـ 1376هـ موافق 1956م]، وعبد الحميد بن باديس[1889-1940م] الجزائري وغيرهما من المجتهدين والمصلحين المسلمين في الأقطار الإسلامية الأخرى. لقد كان الوعي التاريخي عند الشيخ الطاهر بن عاشور وعيًا مبنيًّا على أساس الاستفادة من العلوم المتاحة ودمجها في المقررات التعليمية، وكانت التحولات المعاصرة قد بينت أخطاءً في الفهم الفقهي للشريعة الإسلامية وإنزالها، فتحرك مرة أخرى لبناء التفكير الإسلامي على أساس مقصدي غائي، فكانت تحفته المقصدية: "مقاصد الشريعة"، كما شهد على التدهور والظلم الاجتماعي في الوطن العربي وفي تونس خاصة، ولاعتقاده أنّ الإسلام إنّما جاء ليضمن الحقوق والفرص لكل الناس حسب جهدهم، وليحقق عدالة اجتماعية على مستويات معقولة، فقد كتب عن الظاهرة الاجتماعية السلبية كتابيه: "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" و"الوقف وآثاره في الإسلام".. إلخ. ولعلّ أهم ما كان يستحضره الشيخ في أغلب تآليفه هو دعواته المتكررة إلى ضرورة التجديد والاجتهاد والنظر العقليين في المسائل المستجدة، وتأكيده أنّ الشريعة لها مقاصد وغايات، وأنّ العلوم الإنسانية من المفروض على العقل المسلم أن ينفتح عليها بشكل تمنحه سعة أفق في التفكير والإبداع، ولعلّ عمله ونشاطه الثقافي والعلمي كان منصبًّا على تحقيق النهضة الاجتماعية والثقافية المستوعبة والمتحرّرة من القيود البالية التي تراكمت مع التاريخ، فمنعت قدرات العقل والإبداع من الانطلاق، كما أكّد الشيخ المجدّد أهمية الإنسان المسلم في مشروعه الإصلاحي، فكان اعتقاده أنّ الإصلاح الاجتماعي لا يتم إلا بإصلاح الفرد ببنائه النفسي وتربيته على أسس وقيم عقدية صحيحة، دون إغفال القيم الإنسانية التي يجب أن يتخلق بها المسلم لأنّها من عقيدته السامية، فخلص بذلك إلى أنّ بنية الأزمة الإسلامية ترجع بالأساس إلى الأزمة العقدية والدينية التي كان من تبعاتها الجمود والخمول في كل المستويات. ولم ينس -بطبيعة الحال- حضور الآخر في الذهنية الإسلامية باعتباره مستعمرًا ومتفوقًا، ولكن هذا لا يعني القطيعة معه أو عدم الاستفادة منه، بل دعا إلى أن تكون جسور التواصل والتعارف مفتوحة بين الطرفين، وجعلها من الضروريات التي يجب أن يتنبه إليها المسلمون لأنّ تداخل المصالح وتقارب الدول وانفتاح العالم على مصراعيه على كل الأجناس والثقافات، يجعل على الإنسان المسلم ثقل إثبات قدرته على المساهمة الإيجابية في المشترك الإنساني، كما أنّه قادر على إدراك المعطيات المستجدة واستيعابها والتعامل معها بالعقلانية والعلمية الواجبة. 1ـ مساهمة ابن عاشور في التوجيه العلمي لقضايا الأمّة: شهدت نهاية القرن التاسع عشر تحوّلات في الجغرافية الإسلامية، إذ أطبق الاستعمار الأجنبي طوقه على المنطقة العربية، وبدأت ثقافة الوافد الجديد تترسخ، باعتبارها قيمًا جديدةً منافسةً للقيم التقليدية للمجتمع، فكان اللباس مظهرًا من مظاهر التحوّل الشكلي في المجتمع العربي خصوصًا في الطبقات المحتكة بالأجنبي، وكانت المفاهيم التي تناقش مختلف القضايا مظهرًا مختلفًا للتحول الفكري والثقافي في بنية المجتمع العربي، فهذا الحراك في الشكل والعمق استلزم معه تحرك الباحثين والمتتبعين وخصوصًا منهم الفقهاء الذين استنكروا أغلب قيم المستعمِر، ليجدوا أنفسهم ملزمين بالبحث عن جدار ثقافي ومعرفي يقوّي ظهر الثقافة الوطنية، ويحمي عقيدة الشعب من أن تستقر في الأذهان مفاهيم المؤسسة الاستعمارية، وقد لعب الشيخ الطاهر بن عاشور[تـ12 أغسطس 1973م] في هذه الفترة بالذات، باعتباره عالمًا وفقيهًا ومصلحًا، ومطّلعًا على مرتكزات الفكر الوافد، دورًا مهمًّا في الأحداث الثقافية التونسية، فأبان عن سعة أفق وشجاعة علمية وإرادة إصلاحية قوية. إنّ دراسة منحى التفكير الفقهي عند الشيخ الطاهر بن عاشور لا يعني بالضرورة جرد المسائل الفقهية التي تطرّق إليها وهي ليست - من ناحية ثانية- دراسة مستفيضة لفتاواه واجتهاداته، بقدر ما هي محاولة لمعرفة بعض ملامح انفتاحه على مختلف القضايا المطروحة بذهنية مستوعبة للتحول التاريخي، الذي يعيش على وقعه الشعب التونسي، والأمّة الإسلامية عمومًا آنذاك؛ فالمسافة التي ستجمع الشيخ بالمنظومة الفقهية الكلاسيكية عند تعاطيه مع القضايا المستجدة قد تعطينا فرصة لرؤية المصادر التي يرجع إليها الشيخ للإجابة على كل ما يعترضه من أسئلة. فما مدى وعي الشيخ بضرورة تعامل الفقيه مع الظواهر والنوازل الجديدة بشكل تكاملي استيعابي، دون أن يحصر الإجابة في جزئية فقهية أو يغفل عن السياق التاريخي والتحديات المتراكمة والأبعاد التي ستنتج عنها؟ أو بمعنى آخر، هل يمتزج في شخصية ابن عاشور بعد الفقيه المفتي والمصلح الاجتماعي والمثقف المسيس عندما تستوقفه قضية أو إشكالية ما؟ إنّ الباحث عندما يتصفح كتابات أي مصلح اجتماعي أو ديني يجد أنّ ذلك المصلح لا يكتب مؤلفه غالباً إلا تحت ضغط واقع معين أو أسئلة آنية استدعت الكتابة والإجابة على بعض الإشكالات المطروحة في سياقها الاجتماعي والتاريخي. والشيخ الطاهر بن عاشور ليس بدعاً من المؤلفين، إذ أنّه صادف تاريخًا مأزومًا وتحولات إقليمية ومحلية، فرضت عليه التعامل معها بشكل واع، وأن يستحضرها في تحليلاته، فتجلى ذلك في عناوين أغلب كتبه. فـمثلا: "تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد" كان نتاج سنوات طويلة -قاربت الأربعين سنة- من البحث والدراسة لكتب التفسير المشهورة، ليخرج بكتابه وبالعنوان الذي يصف حاجة مرحلته إلى تجديد وتنوير للعقول، خصوصًا بعدما لاحظ أنً الكثير من التفاسير هي: "عالة على كلام سابق، حيث لا حَظّ لمؤلفه إلا الجمع، على تفاوت بين اختصار وتطويل"[1]، وقد اكتشف في نفسه القدرة على أن يجدد في فهم الآيات وأن يضيف ما فتح الله عليه من المعاني والتأويلات في اختصار غير مخل: "وقد ميزت ما يفتح الله لي من فهم من معاني كتابه وما أجلبه من المسائل العلمية، ومما لا يذكره المفسرون، وإنما حسبي في ذلك عدم عثوري عليه فيما بين يدي من التفاسير في تلك الآية خاصة"[2] حتّى لا يكون في بعض الأحيان ذلك المفسر الذي لم يأت بشيء يقنع به المتلقي، كما فعل الرازي والبقاعي في تفسيرهما[3]. ومنذ البداية حدد الشيخ الطاهر بن عاشور منهجه في تفسيره قائلاً: "واهتممت بتبيين معاني المفردات في اللغة العربية، بضبط وتحقيق مما خلت عن ضبط كثير منه قواميس اللغة...، وبذلت الجهد في الكشف عن نكت من معاني القرآن وإعجازه خلت عنها التفاسير..."[4]، وربما لسعة اطلاعه على التفاسير السابقة وكشفه عن بعض الاختلالات التي شابت منهج المفسرين، فإنّه معتز بما توصل إليه من نكت جمّة ومن مسائل مكملة ومتماسكة، حتى عدّ تفسيره مرجحًا على غيره من التفاسير رغم اختصاره: "بحيث ساوى هذا التفسير على اختصاره مطولات القماطير، ففيه أحسن ما في التفاسير، وفيه أحسن مما في التفاسير".[5] فانفتاحه على المعارف والعلوم التقليدية مكّنه من كشف بعض الاختلالات المنهجية التي شابت منهج المتقدمين، ولكنه لم يقف صامتًا أمام ما اكتشفه من اعوجاج منهجي ومعرفي عندهم ـ كما فعل بعض المتأخرين- بل تجرّأ على الكشف عنها وبسطها ثم قدّم البديل كما يعتقده، وذلك بيّن مما سبق ذكره في علاقته مع التراث التفسيري، مع حفاظه على الاحترام الواجب لهم ولجهودهم التي قدموها قائلاً: "وحاشا أن ننقضه أو نبيده، عالمًا بأنّ غمط فضلهم كفران للنعمة، وجحد سلفها ليس من حميد خصال الأمّة".[6] ومن الملاحظ أنّ الأستاذ الشيخ ابن عاشور قد تحيز للمباحث اللغوية في كثير من المواضيع التي اشتغل عليها وأظهر براعته فقيهًا ولغويًّا، حيث لا يبحث في قضية من القضايا إلا بعدما يكشف عن غموضها اللغوي والبياني، وإن تجلى ذلك في تفسيره بشكل واضح وعبّر عنه في مقدمته بأن منهجه، منهج بياني يكشف عن وجوه الإعجاز ونكت البلاغة العربية وأساليب الاستعمال، فقد كان هذا دأبه مع: "كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ" الذي تناول فيه بالتوضيح وبالتوسعة أحيانًا أخرى بعض الأحاديث الواردة في موطأ الإمام مالك بن أنس، ولكن غلب عليه في أحيان كثيرة الطابع اللغوي.[7] إنّ رد الشيخ ابن عاشور على الشيخ عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" بكتاب سماه: "نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم"، يعتبر انفتاحًا على النقاشات الدائرة في الوطن العربي، وهو في حد ذاته يعبر عن مدى متابعته لآخر السجالات العلمية التي حدثت في زمانه، مما يعني أنّه شخصية مستوعبة لما يقع في محيطها. إنّ التفكير الفقهي عندما ينغلق على نفسه ويحدد مسارًا واحدًا ووحيدًا في التفكير، وغالبًا ما يكون في الاشتغال بجزئيات فقهية أو مذهبية، يجعل إمكان وقوع التغيير في المعرفة مستحيلاً، لأنّه يكرر الموجود ولا يجيب على الجديد إلا بالرجوع الدائم إلى القديم ولو لم يسعفه. ورجوع العقل الفقهي إلى القديم هو تعبير عن أزمة في القدرة على التصدي للإشكالات المطروحة، بالهروب إلى الماضي. ويعدّ الشيخ الطاهر بن عاشور من الفقهاء الذي بنوا مواقفهم الفقهية والفكرية على اجتهاد منفتح على المستحدث من النوازل بعقل متفهّم وفاحص. فنزعات بعض أفراد المجتمع التونسي إلى التحرر الفكري، وتمثل قيم الغرب جعل الشيخ ابن عاشور ينظر إلى الواقع التونسي على أنّه واقع متحرك وفق ظروف معينة، ولا يمكن للفقيه النبيه أن يحكم في هذه الظروف فقط بالفتاوى الفقهية، ليتم ضبط المجتمع وتوجيهه نحو تماسك موهوم ومترهل مع كل تلك الاختلالات التي عريت مع استقرار الاستعمار، ولا يتم ذلك – أيضا- دون استحضار واع للبنية التي تستفتيه ثم التنبّه لغياب أرضية ثقافية واجتماعية وتربوية لديها القابلية للتماسك لمواجهة رياح التغيير العاصفة؛ التي فرض وقعها المستعمر الفرنسي على مختلف المهتمين من الفقهاء والمثقفين، وخصوصًا على فئة البسطاء وعامة الناس. فمحاولته التفسيرية -ربما- تبين قدرته على التفسير، وتكشف مدى اطلاعه على البيان والبلاغة العربية، ولكنّها لا تكشف بشكل واضح وعميق عن تعامله مع قضايا يومية ومعيشية وثقافية تضرب باستمرار الثقافة الإسلامية في بلده كما تثقل كاهل البسطاء من الناس، وتجعل فكر النبهاء في حيرة، تمنع عنهم التفكير السليم في المسائل العالقة. فقدرة الشيخ الطاهر بن عاشور العلمية والمعرفية والفقيهة تتجلى أكثر في كتبه "نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم" و"أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" وفي كتابه "أليس الصبح بقريب، التعليم العربي الإسلامي، دراسة تاريخية وآراء إصلاحية"، على الرغم ممّا لكتبه الأخرى من أهمية علمية وتأسيسية، لكن هذه المدوّنات الفكرية والعلمية توضّح السياقات التاريخيّة التي حكمت تصرفات الشيخ، كما توضح تداخل عقلية الفقيه المستوعب للعلوم الشرعية مع فطنة المصلح الاجتماعي المدرك للمتغيرات التي تتوالد باستمرار. فقيامه بواجب الإصلاح للمنظومة التربوية والتعليمة التونسية، ونقده للطريقة التي يمارس به التعليم والتلقين، بالإضافة إلى معرفته بمستويات الأجانب في طرق تحصيل المعرفة والمباحث التي يدرسونها، جعلته يوفّق بين المباحث التقليدية في العلوم الشرعية، وبعض المعارف والعلوم الأخرى، كل ذلك من أجل تمتيع الطالب والباحث بمستوى علمي رفيع؛ يمكّنه من قيادة بلده نحو التحوّل المنشود، فكما يقول الباحث محمد الطاهر الميساوي: "لم تكن همّة ابن عاشور وتطلعاته الإصلاحية وخاصة في المجال الفكري والعلمي قاصرة على فروع دون أخرى من فروع المعرفة الإسلامية، وإنّما كانت رؤيته الإصلاحية شاملةً لكل العلوم التي كانت تدرّس في جامعة الزيتونة، وفي نظائرها من مؤسسات التعليم الإسلامية كالقرويين والأزهر".[8] إنّ الحركة الإصلاحية التونسية التي شارك فيها الطاهر بن عاشور كان لها تأثيرها الخاص في كتاباته، "فلا يمكن اعتبار الحركة الإصلاحية في تونس وغيرها مجرد نظريات دوّنت في الكتب، ويمكن دراستها من غير اعتبار لتأثير الظروف"[9]، فقد بصم الحراك اليومي والوقائع المتراكمة على تصوّرات الشيخ الإصلاحية، فتحدث عن مفاهيم عدّة ارتبط نقاشها بتلك المرحلة الحرجة من تاريخ الشعوب العربية، وكانت أهم تلك المفاهيم: الحرية، المساواة، العدل، الحكومة والدولة الإسلامية، التفكير في الإسلام، الإصلاح الاجتماعي والتعليمي، قضية المرأة، واقعية الشريعة، وعلاقة الدين بالإنسان...فمزج بين متطلبات المجتمع في التوصل إلى إجابات على النوازل الفقهية وبين تحديات الواقع الذي تتوالد فيه إشكالات تكاد تعصف بالاعتقاد ووجود الشريعة. ولكن كان كل الأمل في أنّ المجتمع بدأ يعي ضرورة مواجهة التحدي الاستعماري بالقيم الدينية العليا مع الانفتاح على فضائل النظام الوضعي، فكان حرص رجال الإصلاح في تونس على تأسيس دعوتهم على ملاحظة مقاصد الشريعة واجتهدوا، ليبنوا أنّ اقتباس بعض النظم الدنيوية التي ظهرت نجاعتها في أوربا، لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، بل يتفق واتجاهاتها العامة وهي تتلخص فيما سماه علماء المسلمين قبل ذلك بالمقاصد أو الكليات،[10]فتأليف الطاهر بن عاشور لمؤلّفه "مقاصد الشريعة الإسلامية"، إنّما كان الهدف منه توضيح مقصدية الشريعة الإسلامية وصلاحيتها في كل زمان ومكان، بدل التوقف على ظاهرها والتمسك بحرفية المعاني، وهو ما يغلق على المجتهد - في الأخير- أفق الاجتهاد واستيعاب الحوادث المتجددة، أو تصدر عن الفقهاء استنباطات ينكرها العقل أو يتوهم عدم صلاحيتها. "فواجب الاجتهاد، من أجل هذا كانت الأمة الإسلامية بحاجة إلى علماء أهل نظر سديد في فقه الشريعة، وتمكن من معرفة مقاصدها، وخبرة بمواضع الحاجة في الأمة، ومقدرة على إمدادها بالمعالجة الشرعية لاستبقاء عظمتها"،[11] فمن مقاصد الشريعة حفظ هيبة الأحكام الشرعية والعمل على انتظام أمر الأمّة، بجلب المصالح ودفع الفساد عنها،[12]فلا ينتظم أمر الأمة بأحكام شرعية لا تستحضر مختلف الوقائع المحيطة بالنازلة، ولا تُولِي اهتمامًا بالأبعاد التي ستكون للأحكام المستنبطة على مستقبل الأفراد والمجتمع، لذلك فالأمّة بحاجة إلى: "علماء أكفّاء يقيموا بينهم أوسعهم علمًا وأصدقهم نظرًا في فهم الشريعة فيشهدوا لهم بالتأهل للاجتهاد في الشريعة".[13] لقد عمل ابن عاشور على استحضار مختلف الظروف المصاحبة لولادة الحكم الشرعي؛ الذي يأتي ليخدم مصالح الناس ويدفع عنهم الضرر والغل، ولا يصلح الحكم الشرعي إلا بصلاح العقول التي تتعامل مع النصوص المؤسسة لاستنباط الأحكام والعقول التي تطبقها، فالعقل والتفكير الفقهيّان يجب أن يكونا موضوع إصلاح أيضا، فالقاعدة تقول( ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب)، فـ"إصلاح التفكير من أهم ما قصدته الشريعة الإسلامية في إقامة نظام الاجتماع من طريق صلاح الأفراد".[14] 2ـ من مظاهر الاجتهاد لدى ابن عاشور لقد اجتهد الشيخ الطاهر بن عاشور من أجل تتبع ما سمحت به قريحته من النكت العلمية والعبر الأخلاقية والتربوية فيما يكتبه، وهو ما أكده في تفسيره وفي كتابه "كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ: "فالموطأ وإن كان قد شرح بشروح جمة، قد بقيت في خلاله نكت مهمة، لم تَغُصْ على دُرَرِها الأذهانُ، وهي إذا لاح شعاعها لا يهون إهمالها"[15]، كما أنّه لم يخف ما يواجهه من تحدّ في مسيرته العلمية من أجل الحصول على المعرفة، فقد اعترضته أوهام وشكوك دفعت به إلى الحيرة، وتبادرت إليه أسئلة حاصرته، كقوله: "أمر التيمم في الإسلام دقيق، ولقد تحيرت زمانًا في تطلب الحكمة التي لأجلها شُرّع التيمم"[16] فبقيت تلك الأسئلة عالقة مدة من الزمن، إلى أن أدرك المقصد وتوصل إلى الحكمة، فقال: "ولأنّ تعذر الوسيلة لا ينبغي أن يجرّ إلى تعطيل المقصد، فكان وجوب الصلاة مع تعذر الطهارة شرعًا واضحًا، وكان تعويض الطهارة المائية بطهارة مائية أخرى متعذرًا، فكأن النظر يقتضي أن تسقط الطهارة عن عادم الماء والعاجز"[17]، وأيضا قوله: "فكان تعويض الطهارة المائية بغير مائية شرعًا غريبًا خفيَّ الحكمة، و كنت زمانًا أحسبه من متشابه الشريعة، ولكني لم ألبث أن ألهمت إلى حكمة دقيقة فيه لم تبدُ لأحد فيما رأيت، تلك هي التنبيه على عظم قدر الصلاة، وتأكّد وجوب التطهر لها، بأن أرادت الشريعة إقامة عمل مقام الطهارة، حتى لا يشعر المسلم أنّه يناجي ربه دون تطهر، وحتى لا تفوته نية التطهر للصلاة، فلا يفوته ذلك المعنى المنتقل به من طهارة الظاهر إلى طهارة الباطن، وحتى لا يظن أنّ أمر الطهارة هين، وفي إقامة ذلك العمل مقام الطهارة تذكير مستمر بها".[18] كانت همّته الإصلاحية وقدرته العلمية وصبره المستمر عالية جعلته، في الأخير، لا يستسلم ولا يكلّ، فكان بحق رمزًا من رموز الإصلاح الحديث في العالم العربي وفي تونس بلا منازع، فاستحق اللقب الذي أطلقه عليه الشيخ المصلح محمد عبده بتسميته: "سفير الدعوة بجامع الزيتونة". هذه القلعة العلمية التي تحمّلَ أعباء إصلاحها وإخراجها على أجمل حُلّة لتنافس بقية المدارس والمعاهد العلمية في الوطن العربي، وتزاحم الجامعات الغربية في إشاعة المعرفة العلمية والمعارف المختلفة. فبحكم أنّه خرّيج ذلك الصرح العلمي وخبر ما فيه من إشكالات تنظيمية ومنهجية، فقد بذل جهده المستطاع من أجل تجاوز كل ما يمكن أن يعيق مسيرة الإصلاح في تونس، خصوصًا أنّ جامعة الزيتونة سيكون لها الدور الرئيس في توعية رواد حركة الاستقلال وتأطيرهم فيما بعد، فيقول الشيخ ابن عاشور رحمه الله: "غير أنّي لم أدع فرصة إلا سعيت إلى إصلاح التعليم فيها بما ينطبق على كثير مما ضمنته هذا الكتاب [يعني أليس الصبح بقريب] فاستتب العمل بكثير من ذلك وبقي كثير بحسب ما سمحت به الظروف".[19] لقد كان الأستاذ الطاهر بن عاشور واعيًا بكون مهمته لا يمكن اختزالها في مهمة الفقيه المفتي المعتزل للناس في زاوية ما، والذي يكتفي بتتبع القضايا النظرية ليمنحها حكمًا فقهيًّا، لأنّ شخصيته النشيطة لا تخول له أن يشاهد اختلالات الواقع دون أن يتدخل لإصلاحها، وهو المتأثر بالفكر الإصلاحي المصري بعدما التقى برائد من رواده الشيخ محمد عبده بتونس سنة 1331هـ[20]، الذي حفزه لأن يقرأ القرآن قراءة متدبر ومصلح، لأنّ الكتاب الكريم أنزل للقيام على توجيه الإنسانية نحو الأمان والاستقرار والرقي إذا صادف عقلاً متدبرًا، ولم ينزل ليحافظ على الركود والتخلف والقمع، كما عبّر عن ذلك بقوله: "فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية والاجتماعية والعمرانية"،[21] وهذه المهمّة يسمها بأنّها علم، فيقول: "علم المعاملات ويعبر عنه الحكماء بالسياسة المدنية"[22]، أمّا الإصلاح في المجتمع والعالم الإسلامي، وتأسيس العمران وحفظ النظام والأمن ورعاية المصالح الكلية والجامعة، فهو مقصد علم العمران وعلم الاجتماع[23]. ورغم جهوده المنافحة عن الثقافة الإسلامية وتأسيس نظام متين ممنهج؛ إلا أنّه يعترف مرارًا بأنّه يواجه تحديات قد تكون أكبر من قوته، خصوصًا مع ما تراكم من سلبيات في المجتمع والعقول، بقوله: "وأعلم أن نور عقلي هو دون إضاءة هاته المجاهل التي صفدت عليها منافذ الأنوار والأهوية الخالصة، فامتلأت بالحوامض الرديئة منذ أزمان"،[24] ولكنه لا يستسلم ويعد جهده واجبًا مقدسًا يجب عليه مواصلته: "إذن كان واجبًا علينا خدمةً للملة وتهيئةً للنشأة العلمية التي تزين مستقبلنا وتمجد ماضينا، أن ندخل تلك المجاهل نرفع بإحدى يدينا مشاعل النور ونقطع بالأخرى ما يمانع من حجرات العثور".[25] ومن المعلوم أنّ الشيخ ابن عاشور عاش محنة مع التيار التقليدي خصوصًا بعدما طرح رؤيته الإصلاحية للتعليم، فعدّها البعض "ضربًا من الكلام إن لم يكن أضغاث أحلام"[26]. وانقسمت البلاد إلى منحاز إليه ومناوئ له، فعلى سبيل المثال، انحازت جريدة "النهضة" للشيخ الطاهر بن عاشور وبرنامجه التجديدي وأيّده الدستوريون والإصلاحيون، بينما ساندت جريدة "الزهرة" وجهات النظر التي عبّر عنها المشايخ المحافظون وبعض الشخصيّات العامة.[27] لقد حاول الأستاذ الطاهر بن عاشور أن يتوقف عند أغلب المفاهيم المستوردة إلى السياق الثقافي الإسلامي، ليبحث فيها بحثًا دقيقًا، فإن اكتشف أضرارها نقدها ونقضها، وإن انكشفت عن منفعة فيها وخيريّة للأمّة، عزّزها وجلاّها، فكان هذا بحق يكشف عن وعيه بأنّ عمل العقل الفقهي لا يمكن أن يجزأ عن عمل المفكّر، حتى إن عرف الفقيه قصوره في المجال الفكري انبرى المفكر لسدّ الثغرة ودفع الضرر، وهو إدراك منه أنّ جهد الفقيه نسبي، وإن أجاب على المسائل الفقهية والنوازل المحدثة، لأنّ مشكلات الفكر أعم وأعقد وأخطر على عقل الأمة ومصيرها، لذلك اجتمعت فيه عقلية الفقيه وعقليّة المفكّر. كما ينوه الدكتور طه جابر العلواني بإضافات الشيخ ابن عاشور بقوله: "قد يكون من أهم ما امتاز به جهد ابن عاشور هو العمل على تقديم منهج للكشف عن المقاصد، جعله يضيف مقصديْن هامين جدًّا وهما مقصد المساواة ومقصد الحرية، وتلك خطوة اجتهادية هامة".[28] فإنّ التنويه بالكشف عن مقصديْن جديديْن، كان نتيجة الظرف التاريخي الذي اصطبغ بالاستعمار وظلمه، ثم وجود جاليات أجنبية بالبلاد الإسلامية متمتعة ومستقوية على السكان الأصليين، ولا ننسى التذكير بما كانت عليه الأنظمة العربية من تخلّف في شكل الحكم وتوزيع السلط، والتي لم تمنح الكرامة للمحكومين ولم تحافظ على حقّهم في عيش حياة كريمة. ولولا شخصية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور المنفتحة على المتغيرات الجديدة بمتطلبات المدنية واستيعابه لمشاكل محيطه، لما ألحق الحرية والمساواة بالمقاصد. فالحريّة أساس المسؤولية وما جاء الدين الإسلامي إلاّ ليحرّر الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد. وهو ما عبّر عنه الشيخ بقوله: "فالحرية حلية الإنسان وزينة المدنية، فيها تنمي القوى وتنطلق المواهب، وبصوبها تنبت فضائل الصدق والشجاعة والنصيحة بصراحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتلاقح الأفكار وترق أفنان العلوم".[29] ومحاولته التأسيسية لحرية التفكير لم تكن من فراغ، إذا علمنا القمع الذي يواجه به الاستعمار حركات التحرير، وأيضا بعض مواقف الفقهاء المحافظة من بعض الآراء التحررية، فيقول: "وفيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة من الاعتقادات فالمسلم مخير في اعتقاد ما شاء منه إلا أنّه في مراتب الصواب والخطأ".[30] فهذه المواقف تبين مدى تأثره بالحراك الفكري الغربي، الذي وصل إلى قمة في نقاشه لضرورة تحرر المجتمع سياسيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا. كما أنّ ابن عاشور في كتابه: "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" قرر أن يبحث عن قيم التسامح التي تأسس عليها الإسلام في علاقته مع الغير ومع الذات أوّلا، فيقول: "إنّ التسامح في الإسلام وليد إصلاح التفكير ومكارم الأخلاق اللذين هما من أصول النظام الاجتماعي"[31]. وانتقد الكيفيّة التي يتعاطى بها بعض الفقهاء مع التفسير، بانغلاقهم على الطريقة الكلاسيكية واستبعادهم للعلوم الإنسانية الأخرى، وهو الذهن المنفتح على مختلف المعارف، فيقول: "فالضعف فيها-أي العلوم الإنسانية- لِظنّ بعض الفقهاء أنّها بعيدة عن القرآن، وهي ضرورية لمعرفة عظمته العمرانية، مثل التاريخ، وفلسفة العمران، والأديان والسياسة.[32] لقد انبرى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور لعملية تثويرية للعلوم والمعارف الإسلامية، كما أنّه شارك في التأسيس لوعي جديد بضرورة التحول في طريقة بحث القضايا والمسائل الفقهية والفكرية، كما كان مثال الشخصية الفذة التي استوعبت قيم الآخر، وعملت على ترسيخ كلّ المفاهيم الوافدة على المحيط الإسلامي بشكل صحيح وراشد، دون تخوّف أو ارتياب، ممّا كشف عن قدرته في تجاوز المعوقات الذاتية؛ التي تحاصر تحرّر الإنسان المسلم، ليتجاوز وضعية التخلف والانحطاط التي عمّرت دهرًا من الزمن، فعبّر بذلك عن التناغم والانسجام مع روح العصر، الذي يجب أن يتخلّق به شخص العالم الفقيه، بالانخراط في التحوّل الحضاري بشكل واع وفاعل ودون استلاب، كما أنّه تعبير عن سعة أفقه وحسن تفكيره. [1]- ينظر: التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، طبعة سنة 1984، مج1، ص 7 [2]-نفسه، ص 7 [3]- نفسه، ص 8 [4]-نفسه، ص 8 [5]-نفسه، ص 8 [6]- نفسه، ص 7 [7]- د. كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، الطاهر بن عاشور، ضبط نصه وعلق عليه وخرج أحاديثه، د.طه بن علي بوسريح التونسي، طبعة. دار سحنون للنشر والتوزيع، ودار السلام، ط1، 2006، ص 13 [8]- ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، تحقيق ودراسة، د. محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس. الأردن، طبعة 2، 2001، ص 27 [9]- ينظر: د. أحمد عبد السلام، مواقف إصلاحية في تونس قبل الحماية، الشركة التونسية للتوزيع، ط1، فيفري 1987، ص 139 [10]- ينظر: مواقف إصلاحية في تونس قبل الحماية، مرجع سابق، ص 139 [11]- ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر ابن عاشور، تحقيق ودراسة، محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، ط2، 2001، ص 407 [12]- ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص 405 [13]- ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص 409 [14]- ينظر: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، طبعة الشركة التونسية للتوزيع تونس والمؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، ط2، طبعة يوليو 1985، ص 52 [15]- ينظر: كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، الطاهر بن عاشور، ضبط نصه وعلق عليه وخرّج أحاديثه، د.طه بن علي بوسريح التونسي، طبعة. دار سحنون للنشر والتوزيع، ودار السلام، ط1، 2006، ص 17 [16]- كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، نفسه، ص 89 [17]- ينظر: كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، مصدر سابق، ص 80 [18]- ينظر: كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، مصدر سابق، ص 90 [19]- ينظر: أليس الصبح بقريب، التعليم العربي الإسلامي، دراسة تاريخية وآراء إصلاحية، الطاهر بن عاشور، ط. دار سحنون، دار السلام، ط1،2006، ص 7 [20]- أليس الصبح بقريب، مصدر سابق، ص 157 [21]- ينظر: المجلة الزيتونة، الجزء السابع، مارس 1937، المجلد1، ص 316 [22]- ينظر: المجلة الزيتونية، مرجع سابق، ص 316 [23]- ينظر: المجلة الزيتونية، مرجع سابق، ص 316 [24]- ينظر: أليس الصبح بقريب، مصدر سابق، ص 7 [25]- ينظر: أليس الصبح بقريب، مصدر سابق، ص 8 [26]- أليس الصبح بقريب، مصدر سابق، ص 5 [27]-ينظر: أثر الدلالة اللغوية في التفسير عند الطاهر بن عاشور في كتابه، التحرير والتنوير، مشرف بن أحمد جمعان الزهراني، أطروحة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، نوقشت بجامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، شعبة التفسير وعلوم القرآن، سنة 1427-هـ 1426، ص 318 [28]- ينظر: نظرية المقاصد عند محمد الطاهر بن عاشور، إسماعيل الحسني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، طبعة2، سنة 2005، ص 16 [29]- ينظر: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، مصدر سابق، ص 17 [30]- أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، مصدر سابق، ص 172 [31]- أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، مصدر سابق، ص 229 [32]- ينظر: أليس الصبح بقريب، مصدر سابق، ص 165 *********** رابط البحث: http://mominoun.com/articles

الاثنين، 19 يناير 2015

شاركت بمداخلة في الموتمر المنظم حول الدكتور نصر أبو زيد في فهم القران

مؤتمر علمي يناقش منهج نصر حامد أبو زيد في فهم القرآن


تنظم مؤسسة المفكر نصر حامد أبو زيد للدراسات الإسلامية في 10، 11 أكتوبر الجاري، مؤتمرها الأول بالقاهرة عن " التأويلية و نصر حامد أبو زيد" وأعماله التي يتناولها باحثون عرب وأجانب.
وقالت المؤسسة، في بيان لها، إن "المؤتمر سيستمر يومين، وسيشارك فيه باحثون، من بينهم السوداني مجدي عز الدين، والأردنية مريم السيد، والمغربي يوسف محمد بناصر، والجزائري عبد القادر حميدة، والتركي عثمان تاستان.
ويشارك من المصريين في المؤتمر كل من ابتهال يونس، وهاني المرعشلي، والشريف منجود، وطارق النعمان، وسلمى مبارك، وعماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق.
مؤتمر علمي يناقش
ويناقش المؤتمر قضايا منها "المنهج التأويلي عند نصر أبو زيد"، و"التطور الدلالي في القرآن.. بين تاريخية القدماء والنظريات الأدبية والتأويلية عند المحدثين"، و"حفريات في آليات التأويل.. بيير بورديو قارئا لنصر حامد أبو زيد"، و"سلمي مبارك.. خطاب التحريم والفن عند نصر حامد أبو زيد"، و"الفن والقرآن.. الرسم باللغة".
وتسعى مؤسسة نصر حامد أبو زيد، التي أعلن عنها عام 2011، إلى توفير الإمكانات البحثية لشباب الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية، وتمنح جوائز سنوية لأفضل البحوث في مجال الدراسات القرآنية للشباب بداية من العام الجاري.
وتحمل المؤسسة اسم المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد الذي ولد عام1943، وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنهى حياته البحثية أستاذاً لكرسي ابن رشد للدراسات الإسلامية والإنسانية بجامعة الدراسات الإنسانية بأوتريخت في هولندا وتوفي عام 2010.
ونشر أبو زيد دراسات حظيت بالاهتمام وأثارت جدلاً واسعاً، ومنها "مفهوم النص.. دراسة في علوم القرآن"، و"النص.. السلطة والحقيقة"، و"التفكير في زمن التكفير"، و"المرأة في خطاب الأزمة"، و"دوائر الخوف في قراءة خطاب المرأة"، ونال أبو زيد جوائز في العالم العربي وخارجه، ومنها وسام الاستحقاق الثقافي من تونس وجائزة ابن رشد للفكر الحر في ألمانيا.
وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" قد شرعت في إعادة نشر الأعمال الكاملة للمفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، صدرت منها حتى الآن الكتب التالية: "التفكير في زمن التكفير"، و"فلسفة التأويل"، و"الاتجاه العقلي في التفسير"، و"إشكاليات القراءة وآليات التأويل"، و"الخطاب والتأويل"، و"نقد الخطاب الديني"، و"مفهوم النص"، و"دوائر الخوف"، و"النص والسلطة والحقيقة"، و"التجديد والتحريم والتأويل"، و"هكذا تكلم ابن عربي"، و"الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية".
أعمال المؤتمر :
أعمال المؤتمر :
اليوم الأول : الجمعة 10 أكتوبر
     الساعة العاشرة : التسجيل والافتتاح 
     الكلمة الافتتاحية : ابتهال يونس 
  استراحة 
الجلسة الأولي : 11 – 2  (استراحة من 12 – 1 لصلاة الجمعة )
رئيس الجلسة: ابتهال يونس 
المتحدثون : 
 هاني المرعشلي: التأويلية عند نصر حامد أبو زيد: مفاهيم واتجاهات 
 جمال عمر: القرآن وقراءته: تطور المفاهيم عند نصر أبو زيد 
 مجدي عز الدين: المنهج التأويلي عند نصر أبو زيد
 عثمان تاستان: On the Intellectual Reception and Influence of Nasr in     Academic Context of Turkey                            
استراحة الغذاء من 2 – 3 

الجلسة الثانية : 3- 5
رئيس الجلسة : أشرف البولاقي 
المتحدثون : 
 نادر عمر : التطور الدلالي في القرآن: بين تاريخية القدماء والنظريات الأدبية والتأويلية عند المحدثين 
 الشريف منجود: تأويل النص وتشكيل العقل عند نصر أبو زيد : دراسة في هرمنيوطيقا النص الديني 
 عبد الباسط سلامة هيكل: الجذور التراثية في تأويلية نصر أبو زيد 
 عبد القادر حميدة : حفريات في آليات التأويل : بيير بورديو قارئا لنصر حامد أبو زيد 

اليوم الثاني : السبت 11 أكتوبر 
الجلسة الأولي 10 – 2 تتخللها استراحة من 11.30- 12 
رئيس الجلسة : عماد أبو غازي 
المتحدثون : 
 سلمي مبارك: خطاب التحريم والفن عند نصر حامد أبو زيد 
 ابتهال يونس: الفن والقرآن. الرسم باللغة 
 مريم السيد:Rethinking the Quran: Comparative Study between Nasr Hamid abu Zaid and Muhammad Shahrour                               
 محمود مراد: مفهوم التاريخية عند نصر أبو زيد 
استراحة الغذاء من 2- 3  

الجلسة الثانية 3-5 
رئيس الجلسة: طارق النعمان 
المتحدثون : 
 يوسف محمد بناصر:  إشكالية الإيمان : دراسة تأويلية في مشروع الأستاذ نصر حامد أبو زيد 
 محمد أحمد الصغير:  القراءات الحديثة للنص القرآني بين التأويل والإبداع في خطاب نصر حامد ابو زيد وطه عبد الرحمن 
 وائل النجمي: آليات الاشتباك في خطاب المساجلة : التفكير في زمن التكفير نموذجًا. 
 محمد جبريل: المرتكزات الاعتزالية  في مشروع أبي زيد التأويلي: قضية خلق القرآن نموذجا 

كلمة ختام المؤتمر والتوصيات

رابط الموقع:


http://www.islamist-movements.com/3616