هل يحقق ترامب نبوءة هنتنغتون؟
***
بقلم : د.يوسف محمد بناصر
بقلم : د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي
***
إن التحولات الكبيرة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة مدعاة للدراسة والكثير من التأمل في مصير الإنسانية وتاريخها، هذا التاريخ الذي يفرض الرجوع إليه دوما، لأنه في هذه اللحظة بالضبط عاد ليحدد ممرا واحدا ملزما في خضم احتمالات كثيرة متوهمة من طرف البعض.
والساسة يظنون بأنهم يستعينون بخبرتهم وأن نجاحاتهم تم تحقيقها بكثير من الدهاء السياسي والخطابي، ولكن مكر التاريخ تكون له الكلمة في الأخير، فيقلب التوقعات والفرضيات ويهيمن في كثير من الجزئيات، كأنه انبعث ليصحح مساره ويذكر بسطوته وقوانينه الثابتة.
والساسة يظنون بأنهم يستعينون بخبرتهم وأن نجاحاتهم تم تحقيقها بكثير من الدهاء السياسي والخطابي، ولكن مكر التاريخ تكون له الكلمة في الأخير، فيقلب التوقعات والفرضيات ويهيمن في كثير من الجزئيات، كأنه انبعث ليصحح مساره ويذكر بسطوته وقوانينه الثابتة.
| الولايات المتحدة تجاوزت إلى حد ما الانقسام العرقي بين البيض والسود بتكافؤ الفرص بينهما في أغلب المجالات الحيوية، ليعوض بالانقسام الثقافي وهو الخطير. |
صعود اليمين المتطرف اليوم في كثير من الجغرافيات الديمقراطية اعتبر سحابة صيف في كثير من الدراسات والتقارير، لكن أن يحصل الأمر في خضم تجربة متمتعة بكثير من المصداقية وينظر إليها بكونها أنموذجا ضمن نماذج عالمية رائدة، فالأمر يستدعي الكثير من التبصر والتأمل لقراءة هذه الظاهرة الجديدة والتي تحولت من مجرد حدث لحظي إلى شكل من أشكال الفعل السياسي والأيديولوجي الذي عبر ليؤثر في كل القرارات التي تهم مجالات الاقتصاد والسياسة الدولية وكذلك الثقافة.
فوز ترامب مؤخرا بالانتخابات الرئاسية بعد كل خطاباته المتوترة والمستفزة، وفي كثير من الأحيان المضطربة، هذا الفوز لا يعكس إلا صورة قاتمة لما ستؤول إليه قراراته بعد ولوجه للبيت الأبيض في مستقبل الأيام، وتضخم الخطاب اليميني الأمريكي سيعبر لمختلف الديمقراطيات الرئيسية، وسيكبح جماح تطور الديمقرطايت الناشئة إن لم يقض عليها، لكونها ستتورط في صراعات جزئية مرتبطة بالانتصار للقومية والأيديولوجيات المغلقة.
لقد اعتقدنا أن السيد هنتغتون خسر رهانه حول وقوع الصراع الحضاري، وأن العالم يتجه عكس ما كان يأمل أي نحو السلم وإرساء مبادئ المساواة والديمقراطية واحترام حقوق الانسان.
وقد سبق لهنتنغتون أن ألف كتاب بعنوان "من نحن؟ تحديات الهوية القومية الأميركية، تحدث فيه عن بعض الأراجيف التي أسس عليها هواجسه وتصوراته لمستقبل التعايش المشترك بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يبدو أن عودته للكتابة قبل وفاته حول تهديدات قادمة لم يكن محض صدفة أو مجازفة منه مرة أخرى بخوضه في قضايا ذات خطورة وتعقيد كالتي تهم المشتركات الإنسانية ومستقبلها.
وأعاد هتنغتون التذكير بمخاطر الهجرة والتنوع الثقافي في المجتمعات الليبرالية، فالتهديد في اعتقاده لم يكن من الحضارات المنافسة للحضارة الغربية أمريكا بالخصوص، التهديد هذه المرة والخطورة تكمن في الخط الداخلي، أي فيما تحتفظ به حدود الولايات المتحدة ، وليس فيما يرد الى حدودها من الخارج.
إن ما يمس ثوابت ومستقبل إمبراطورية القرن الواحد والعشرين هو "التهديد اللاتيني" الذي هو نسق جديد رافض لمنظومة القيم الأنجلو بروتستنتية التي بنت الحلم الأمريكي الحالي، وتجاهل هذا التحدي من طرف أميركا يشكل مخاطرة بالنسبة إليها، خصوصا أن هذه الفئات القادمة إلى أمريكا تشكل نمطا لغويا هجينا وهو الإسبنجليزية (مزيج من الإنجليزية والإسبانية).
واستشهد الباحث على ما ادعاه بكون الرؤساء الأمريكان تعاملوا مع اللغة الإنجليزية بكونها من الثوابت الوطنية وخطا أحمر لا يجب المساس به، فالرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت عام 1917 قال " يجب أن يكون لدينا علم واحد، وأن تكون لنا لغة واحدة، وهذه ستكون لغة إعلان الاستقلال، ولغة خطاب الوداع الذي ألقاه واشنطن، وخطاب لنكولن في غيتسبرغ وحفل تنصيبه الثاني".
لكن التغيرات الثقافية ومستجدات الهجرة قلبت الصورة والتصورات عن كون الولايات المتحدة ذات قومية واحدة، ونقل الباحث عن الرئيس السابق بيل كلنتون في يونيو 2000 قوله" آمل كل الأمل أن أكون الرئيس الأخير في التاريخ الأمريكي الذي لا يستطيع التحدث بالإسبانية" وفي مايو 2001 احتفل الرئيس بوش الابن باليوم الوطني للمكسيك عن طريق تقليد بث خطابه الإذاعي يوم السبت الذي يوجهه إلى الأمريكيين باللغتين الإنجليزية والإسبانية.
وفي سبتمبر 2003 تم إجراء واحدة من تلك المناظرات بين المرشحين الديمقراطيين باللغتين الإنجليزية والإسبانية. وبتتبع سياسات الرؤساء الأمريكيين في تعاملهم مع ثنائية اللغة في بلدهم نرى تحولا نوعيا وجذريا، ففي أقل من تسعين سنة تغير كل شيء.
وما سبق جعل الكاتب يشعر بالخوف في الخلاصة بقوله " إن الإسبانية أخذت تنضم إلى لغة واشنطن وجيفرسون ولنكولن وروزفلت وكنيدي، على أنها لغة الولايات المتحدة، وإذا ما تواصل هذا الإتجاه، فإن الإنقسام الثقافي بين اللاتينيين والإنجلونيين، يمكن أن يحل محل الإنقسام العرقي بين البيض والسود، على أنه الشرخ الأكثر خطورة في المجتمع الأمريكي".
لقد اعتقدنا أن السيد هنتغتون خسر رهانه حول وقوع الصراع الحضاري، وأن العالم يتجه عكس ما كان يأمل أي نحو السلم وإرساء مبادئ المساواة والديمقراطية واحترام حقوق الانسان.
وقد سبق لهنتنغتون أن ألف كتاب بعنوان "من نحن؟ تحديات الهوية القومية الأميركية، تحدث فيه عن بعض الأراجيف التي أسس عليها هواجسه وتصوراته لمستقبل التعايش المشترك بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يبدو أن عودته للكتابة قبل وفاته حول تهديدات قادمة لم يكن محض صدفة أو مجازفة منه مرة أخرى بخوضه في قضايا ذات خطورة وتعقيد كالتي تهم المشتركات الإنسانية ومستقبلها.
وأعاد هتنغتون التذكير بمخاطر الهجرة والتنوع الثقافي في المجتمعات الليبرالية، فالتهديد في اعتقاده لم يكن من الحضارات المنافسة للحضارة الغربية أمريكا بالخصوص، التهديد هذه المرة والخطورة تكمن في الخط الداخلي، أي فيما تحتفظ به حدود الولايات المتحدة ، وليس فيما يرد الى حدودها من الخارج.
إن ما يمس ثوابت ومستقبل إمبراطورية القرن الواحد والعشرين هو "التهديد اللاتيني" الذي هو نسق جديد رافض لمنظومة القيم الأنجلو بروتستنتية التي بنت الحلم الأمريكي الحالي، وتجاهل هذا التحدي من طرف أميركا يشكل مخاطرة بالنسبة إليها، خصوصا أن هذه الفئات القادمة إلى أمريكا تشكل نمطا لغويا هجينا وهو الإسبنجليزية (مزيج من الإنجليزية والإسبانية).
واستشهد الباحث على ما ادعاه بكون الرؤساء الأمريكان تعاملوا مع اللغة الإنجليزية بكونها من الثوابت الوطنية وخطا أحمر لا يجب المساس به، فالرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت عام 1917 قال " يجب أن يكون لدينا علم واحد، وأن تكون لنا لغة واحدة، وهذه ستكون لغة إعلان الاستقلال، ولغة خطاب الوداع الذي ألقاه واشنطن، وخطاب لنكولن في غيتسبرغ وحفل تنصيبه الثاني".
لكن التغيرات الثقافية ومستجدات الهجرة قلبت الصورة والتصورات عن كون الولايات المتحدة ذات قومية واحدة، ونقل الباحث عن الرئيس السابق بيل كلنتون في يونيو 2000 قوله" آمل كل الأمل أن أكون الرئيس الأخير في التاريخ الأمريكي الذي لا يستطيع التحدث بالإسبانية" وفي مايو 2001 احتفل الرئيس بوش الابن باليوم الوطني للمكسيك عن طريق تقليد بث خطابه الإذاعي يوم السبت الذي يوجهه إلى الأمريكيين باللغتين الإنجليزية والإسبانية.
وفي سبتمبر 2003 تم إجراء واحدة من تلك المناظرات بين المرشحين الديمقراطيين باللغتين الإنجليزية والإسبانية. وبتتبع سياسات الرؤساء الأمريكيين في تعاملهم مع ثنائية اللغة في بلدهم نرى تحولا نوعيا وجذريا، ففي أقل من تسعين سنة تغير كل شيء.
وما سبق جعل الكاتب يشعر بالخوف في الخلاصة بقوله " إن الإسبانية أخذت تنضم إلى لغة واشنطن وجيفرسون ولنكولن وروزفلت وكنيدي، على أنها لغة الولايات المتحدة، وإذا ما تواصل هذا الإتجاه، فإن الإنقسام الثقافي بين اللاتينيين والإنجلونيين، يمكن أن يحل محل الإنقسام العرقي بين البيض والسود، على أنه الشرخ الأكثر خطورة في المجتمع الأمريكي".
وأضاف أن خطورة هذا الأمر تتجلى في أن الولايات المتحدة تجاوزت إلى حد ما الانقسام العرقي بين البيض والسود بتكافؤ الفرص بينهما في أغلب المجالات الحيوية، ليعوض بالانقسام الثقافي وهو الخطير، لأنه قادرعلى زعزعة المجتمع الأمريكي بل الأمن القومي الذي تعمل الدولة على توفيره بميزانيات خيالية.
وفي نظر هنتنغتون فقد أمست الهجرة اللاتينية الهائلة، تؤثر على الولايات المتحدة بطريقتين:
1. أصبحت أجزاء مهمة من البلاد يغلب عليها الطابع اللاتيني لغويا، وثقافيا.
2. كما أن البلاد بأسرها بدأت تصبح ثنائية اللغة والثقافة.
وتجاوز الكاتب مناقشة المشكلة وإيجاد الحلول لها في بعض الأحيان إلى إيراد أقوال تشجع على التطرف والعنصرية مثل قوله "هؤلاء الوطنيون البيض الجدد، لا ينادون بالتفوق العنصري للرجل الأبيض، ولكنهم يؤمنون بضرورة الحفاظ على الذات العنصرية ويؤكدون أن الثقافة نتاج العرق، ولتدعيم مقولته، ولزيادة حرقة البيض على مستقبلهم كان لابد من أن يتبع كل ذلك بإحصاءات لخبراء السكان الذين يتوقعون أنه بحلول عام 2040، يمكن أن يصبح البيض في غير اللاتينيين الأقلية من بين كل الأمريكيين الآخرين".
وفي نظر هنتنغتون فقد أمست الهجرة اللاتينية الهائلة، تؤثر على الولايات المتحدة بطريقتين:
1. أصبحت أجزاء مهمة من البلاد يغلب عليها الطابع اللاتيني لغويا، وثقافيا.
2. كما أن البلاد بأسرها بدأت تصبح ثنائية اللغة والثقافة.
وتجاوز الكاتب مناقشة المشكلة وإيجاد الحلول لها في بعض الأحيان إلى إيراد أقوال تشجع على التطرف والعنصرية مثل قوله "هؤلاء الوطنيون البيض الجدد، لا ينادون بالتفوق العنصري للرجل الأبيض، ولكنهم يؤمنون بضرورة الحفاظ على الذات العنصرية ويؤكدون أن الثقافة نتاج العرق، ولتدعيم مقولته، ولزيادة حرقة البيض على مستقبلهم كان لابد من أن يتبع كل ذلك بإحصاءات لخبراء السكان الذين يتوقعون أنه بحلول عام 2040، يمكن أن يصبح البيض في غير اللاتينيين الأقلية من بين كل الأمريكيين الآخرين".
| لنا أن نتوقع مستقبل أمريكا الذي هو على كف عفريت، لأن جميع الاحتمالات مفتوحة من حالة السلم إلى حالة اللاسلم. |
وتعميقا للأزمة وتأكيدا لرؤيته، قام هنتنغتون بمقارنة وضعية البوسنة والهرسك، بوضعية كاليفورنيا الأمريكية، ففي عام 1961 كان عدد سكان البوسنة والهرسك 43% صرب و26 بالمئة مسلمين وعام 1991 كانت هذه النسب هي 31% صرب و44 % مسلمين ، ورد الصرب على ذلك بالتطهير العرقي.
وبطبيعة الحال تذكير الباحث بتلك الصورة السيئة لانعدام التعايش مؤتر جدا ولا أتوقع أن أي أحد نسي ما ارتكبه الصرب ضد المسلمين من مجازر جماعية واغتصاب وقتل وتدمير.
وأسقط الكاتب نفس الوضعية على كاليفورنيا، ففي سنة 1990 كان سكان هذه الولاية 57% من البيض غير اللاتنيين و26% من اللاتنيين، ويتوقع أن ذلك سيتغير بحلول 2040 م، إذ ستصبح نسبة البيض غير اللاتينيين 31% واللاتينيين 48%.
وقال إن فرصة أن يرد بيض كالفورنيا بالطريقة التي رد بها صرب البوسنة والهرسك هي صفر الآن، ولكن فرصة ألا يردوا بالمرة هي أيضا صفر.
ولنا أن نتوقع مستقبل أمريكا الذي هو على كف عفريت-حسب هذا الخبير- لأن جميع الاحتمالات مفتوحة من حالة السلم إلى حالة اللاسلم؛ من التناسق الثقافي والدمج الحضاري إلى التمزق والمفارقات بشتى أنواعها والسيد ترامب هو تلك النبوءة الموعودة.
***
رابط الموقع الأصلي:
وبطبيعة الحال تذكير الباحث بتلك الصورة السيئة لانعدام التعايش مؤتر جدا ولا أتوقع أن أي أحد نسي ما ارتكبه الصرب ضد المسلمين من مجازر جماعية واغتصاب وقتل وتدمير.
وأسقط الكاتب نفس الوضعية على كاليفورنيا، ففي سنة 1990 كان سكان هذه الولاية 57% من البيض غير اللاتنيين و26% من اللاتنيين، ويتوقع أن ذلك سيتغير بحلول 2040 م، إذ ستصبح نسبة البيض غير اللاتينيين 31% واللاتينيين 48%.
وقال إن فرصة أن يرد بيض كالفورنيا بالطريقة التي رد بها صرب البوسنة والهرسك هي صفر الآن، ولكن فرصة ألا يردوا بالمرة هي أيضا صفر.
ولنا أن نتوقع مستقبل أمريكا الذي هو على كف عفريت-حسب هذا الخبير- لأن جميع الاحتمالات مفتوحة من حالة السلم إلى حالة اللاسلم؛ من التناسق الثقافي والدمج الحضاري إلى التمزق والمفارقات بشتى أنواعها والسيد ترامب هو تلك النبوءة الموعودة.
***
رابط الموقع الأصلي:
http://blogs.aljazeera.net/BenYosuf