الاثنين، 29 مايو 2017

المغرب الكبير والموجة الثالثة للحراك الديمقراطي


بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

******
الحراك الشعبي العفوي يحتاج في النهاية إلى فرش ثقافي ومعرفي مركب، فلا يجب أن ينساق ببراءة ثورية إلى أهداف مثالية بعيدة كل البعد عن التطلعات الحقيقية للشعوب. والأنظمة السياسية تحتاج لكي تحقق الاستقرار إلى توسعة الحقل الدلالي الحقوقي بعيدا عن الآداب السلطانية وما تراكم في مباحثها تاريخيا من فلسفة سياسية مؤطرة بالغلبة والقبول بالمستبد العادل وحكم الرعايا بالسيف، هذه المراجعة الملحة ستمكن المواطنين في الوطن العربي/ وليس الرعايا من الإحساس بانتمائهم إلى هذا العصر، بعيدا عن التيه في طرق أخرى وفلسفات أغلبها اصطنعت لتكريس نفسية الاستعباد والتبعية.
وهي كلها طرق وفلسفات تثبت فشلها وانسداد أفقها مع كل لحظة ثورية تنبعث فيها الإرادة الانسانية لتشكل وعيها مجددا، فتشرق معها الحاجة للحرية والكرامة والعدالة. هذه الخلاصة حفزتنا مرة أخرى للعودة للكتابة عن نفس الموضوع من زاوية أخرى، بعدما تنامت الموجة الجديدة من الحراك أو بحسب قول هنتنغتون في كتابه: الموجة الثالثة، التحول الديمقراطي في أواخر القرن 20.
إن الحراك الاجتماعي يبقى نابضا، لأنه لا يزال هنالك الكثير من العمل يجب القيام به، وما بقي من زمن الذلقراطيات العربية بعد الحراك الديمقراطي في أمس الحاجة أن تبقى هذه الظاهرة السليمة في يفعانها وعنفوانها، والربيع الديمقراطي يظن أنه انتقل إلى فصل من فصوله السيئة في كثير من البلدان، ونسي معظم الباحثين أن التطهر من الخوف والقلق من عنف السلطة والفزع من أفكار الديمقراطية والاختلاف، وفوبيا وقوع التداول على الحكم وتقسيم الثروة، كل هذه الأمور تبقى صعبة تحتاج إلى صبر وموجات أخرى من انتفاضات متلاحقة تنسي كل موجة الناس في سابقتها. إنه الحل السحري الذي اكتشفه الضعفاء والفئات المهمشة والكثير من الشعوب التي أحاط بها الطغيان وانسدت الآفاق أمامها، ولم يبق لها غير ذاك أو الاستعداد لتحطيم كل شيء وتدمير الذات مقابل جرعة من الكرامة بدل المهانة والذل.
السلطة الكلاسيكية عليها أن تخاف مما قد يطرأ في أي زمان أو مكان في جغرافية تحكمها، ولم تعد هذه التركيبة المهترئة وغير المنسجمة من الدول التقليدية وفلسفة الحكم قادرة على حصار أو استيعاب الحراك بحكم عجزها المطبق.
في لقاء جمع بين ماريوسواريز وزير خارجية الحكومة المؤقتة وزعيم الحزب الاشتراكي البرتغالي إثر الثورة البرتغالية أواسط سبعينيات القرن الماضي ووزير خارجية و.م.أ هنري كيسنجر في واشطن، قام كيسنجر بتوبيخ سواريز وغيره من العناصر المعتدلة لعدم اتخاذ موقف حاسم لاستئصال شأفة الدكتاتورية الماركسية اللينينية، فقال كيسنجر لسواريز: "أنا أدرك مدى إخلاصك، لكنك ساذج مثل كيرينسكي"؛ رئيس الحكومة الانتقالية بعد الثورة البلشفية 1917م، وأطاح به زميله لينين، فرد عليه سواريز قائلا: "بالطبع أنا لا أود أن أكون مخلصا وساذجا مثل كيرينسكي". فقال له كيسنجر: "ولا كيرينسكي كان يود ذلك أيضا".
نورد هذه القصة لتوضيح كون السلطة السياسية العربية التي تقتنع بأن الحراك انتهى؛ تجمع بين السذاجة السياسية والاستراتيجية ومعهما عماء الإخلاص لسلطتها التاريخية ولأمجادها المزيفة، مما يوقعها كل مرة في الارتباك وسوء تدبير اللحظة، والتخلف عن الموعد مع التاريخ الذي تخطه الشعوب بعيدا عن قادتها. مما يجعل هؤلاء القادة يعتقدون أن الفعل المدني والحراك الاجتماعي عدو يجب التخلص منه في أقرب فرصة تتيحها شروط التاريخ، بتعبير الباحث المغربي عبد الرحيم العطري. 
والسياسي المحنك يتحين تلك الفرص التي قد يأتي بها القدر في كثير من الأحوال لكي يقتنصها، ولكن في حالة العقل السياسي العربي لا شيء يداوي عُنْجُهِيَّتَه، لأن أخطاءه تؤدي إلى تصعيد موجة التعارض بتمييز دائرته عن دائرة الحراك فيكشفه موقفه الرجعي، مما يوقعه في الحرج والمواجهة والصدام مع الشعب ثم الاجتثاث. ولا أحد منهم يكلف نفسه ليفهم أو يفسر أو يتساءل مع توماس فريدمان: لماذا يثور الناس؟
إن لوينز فون شتاين الباحث الألماني قد أشار بأن وزر الحراك يقع على الحركة العمالية وقد آن لهذا الرأي أن يتغير أو يخفف منه، ليتحمل الشباب بكل انتماءاتهم أو بدونها وزر تأجج الحركات الاجتماعية وخوض المعركة التاريخية، لتنتفي جرعة الصراع سواء بالمنطق الهيغلي أو الماركسي، مقابل نشوء آليات ومظاهر جديدة تبلور الحراك وتؤسس لواقع جديد يحتاج لمزيد دراسة وفهم. ولتبقى كذلك، آراء آلان تورين صامدة في إظهار السمات التي تحكم أي ظاهرة احتجاجية والتي لخصها في مبدأ الهوية وهي دائرة الحراك ومبدأ التعارض دائرة الخصوم ومبدأ الكلية بوتقة تعكس وعيا جمعيا.
ويمكن هنا أن ندعم نظرية تورين بموقف غوستاف لوبون الأرستقراطي الذي يظهر الفقراء وهم يخرجون للشوارع لإظهار تطلعاتهم الشخصية وبعض رغباتهم الوحشية والشيطانية؛ لأن هذا الفيلسوف ينظر إليها بكونها تعكس العقل الباطني وعواطف الجمهور، مع تحفظنا على ترجيحاته وتفسيراته التفصيلية التي تحتاج إلى ومراجعة.
إن السلطة الكلاسيكية عليها أن تخاف مما قد يطرأ في أي زمان أو مكان في جغرافية تحكمها، ولم تعد هذه التركيبة المهترئة وغير المنسجمة من الدول التقليدية وفلسفة الحكم قادرة على حصار أو استيعاب الحراك بحكم عجزها المطبق أمام الحداثة والتقنية ونفحات الحرية ونزعة التحرر والخلاص الفردي والجماعي. إنها تشعر بالعجز والشيخوخة ويشعر القائمون عليها بالعته عندما يفشلون في فهم الظاهرة التي تمتد بتدوينة حرة على موقع اجتماعي أو بسبب رد فعل على تصرف أحمق من شرطي ضد مواطن أو بسبب سوء معاملة موظف رسمي أثناء دوامه أوفي بعض الأحيان دون أي سبب.
موجة الاحتجاجات الجديدة اليوم في مختلف الدول العربية، تأتي في سياق سوء الفهم من تقدير الموقف من الربيع الديمقراطي، وعجز دوائر القرار من امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه الحالة الرخوة جدا والمستجدة على بلدان المنطقة.
إن مسارات الحراك الزيتية وغير المتوقعة وأمام الأمثلة الكثيرة والممتدة بين اليمن وليبيا وسوريا والعراق وغيرها، تجعل القدرة على دراسة الاحتمالات وتفسير أنماط الفهم وخطاب وسلوك هؤلاء الناس غير واضحة وإن كانت لها نتائج فهي غير موضوعية ولا تبني موقفا استشرافيا.
موجة الاحتجاجات الجديدة اليوم في مختلف الدول العربية، تأتي في سياق سوء الفهم من تقدير الموقف من الربيع الديمقراطي، وعجز دوائر القرار من امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه الحالة الرخوة جدا والمستجدة على بلدان المنطقة. ويزيد الأمر تعقيدا فشل هؤلاء في تدبير الاختلاف السياسي وضبابية في أنماط الحكم، وتشوهات في التدبير الاقتصادي وتغييب الكفاءات السياسية والوطنية، وتقزيم لدور الهيئات السياسية وترويض بعضها وإفقادها المصداقية، مقابل توظيف للتقنوقراطيين الانتهازيين الذين لا يمتلكون الجرأة ولا الرؤية السياسية ولا ثقة الجمهور.

كما أن لتقهقر دور الدولة وأجهزتها القمعية دورا أساسيا، وكان المعول الذي هدم آخر صنم لها، نكوص ما أسسته من مقولات حول الهيبة والشرعية التاريخية والاجتماعية والدينية وما استمدته من مرجعيات تقليدانية وتاريخية كانت تستند عليها.

كل هذا في مقابل تنامي مجتمع مدني وهيئات حقوقية وإعلام بديل واجتماعي قوي واحترافي. وليس للحكام اليوم غير الانصياع لجرأة هؤلاء الشباب والتطلع معهم لمستقبل مشترك في ظل تحديث لرؤيتهم السياسية ولمؤسساتهم الحاكمة وبناء عقد اجتماعي وسياسي حديث، وإلا فإن عواصف الصحراء الخريفية أو عنفوان الربيع المخضر ينمو غير بعيد عن خيامهم، التي لن تستقر على حالها ولن تتقوى بوتدها، بعد الشعور بطعم الحرية والانفتاح على أجواء الديمقراطية والتطلع لمجتمع المعرفة والرخاء الاقتصادي، ولن تنفع مع الموجة الجديدة من الحراك لا المزيد من الريع والمنح ولا الإصلاحات التلفيقية ولا الخطابات الدينية التي تلعن الفتن النائمة.
نشر على منصة الجزيرة:

الثلاثاء، 16 مايو 2017

صناعة الزعيم في فكر الحركات الإسلامية



****


إن الزعامة في الحركات الإسلامية هي نتاج نضال وتضحية في كثير من تنظيماتها، وهذا شيء إيجابي لا ينكره أحد، وصناعة الزعيم يعد من أهم الأدبيات التي ورثت مع تنظيم الإخوان المسلمون الذين أسسوا لكثير من الممارسات والتصورات من خلال تجربتهم التاريخية الممتدة.
 
ويبدو أن الحركات الإسلامية المعاصرة عاجزة عن الخروج من جلباب القادة الكلاسكيين الذين قعدوا للممارسات السياسية والأخلاقية والتنظيمية، هذا الإرث التاريخي والعاطفي والأخلاقي الذي قد يكون ابتدأ مع حركة الإصلاح الديني والنهضة العربية، ووجد له تنظيما مستوعبا مع الأستاذ حسن البنا ليستوعب التصورات ويفعل المفاهيم المبتوتة في الكتب والرسائل والممارسة في الجلسات، والتي تكفلت كذلك المقررات التنظيمية والخطب الوعظية على تمريرها للمنتظمين منهم.

يقف اليوم هذا الإرث حاجزا عن رؤية المستقبل، ويرمي بثقله على الحاضر، ويوقع هذه التنظيمات في مأزق الجذب العاطفي والروحي الذي يغرق المنخرطين في هذا العمل في كثير من الأوهام السياسية والاجتماعية والدينية، وقد تفطن البعض من القادة والمفكرين داخل هذه التنظيمات لهذه الفجوة في التفكير، فقاموا بمراجعات قيمة ونقد ذاتي صارم، في المغرب ومصر والكويت والسودان وتونس ولبنان. وقد اقتنع البعض منهم بأن التنظيمات الحركية قد ضاقت بأهلها كما ضاق صدر بعض زعمائها بانتقادات أولئك، ليكون الجزاء هو الفصل والطرد، لينخرط هؤلاء في مشاريع أخرى علمية ومراكز دراسات أو حتى في أحزاب سياسية تقدر على استيعاب تجاربهم وسعة أفقهم، ولا تمارس الوصاية الفكرية والروحية عليهم.
 

كما أن هذه الهيئات كان أساسها المدني غير المتسم بسمة دينية شكل مركز جاذبية للكثير من الذين قاموا بتلك المراجعات، لكونها لا تتدعي نهاية أنماط التدين عندها ولا واحديتها التي لا تقبل بالتعدد والحرية، ولا تقبل إطلاقية فلسفاتها في التغيير الاجتماعي والسياسي ولا حتمية مشروعها النظري.إن هذه السمات البارزة وما تختزنه من قيم إنما كانت من نعم الحداثة والفكر التنويري النقدي الذي أبدعه الإنسان.
 

الصراع على قيادة أي حركة من الحركات الاجتماعية يرجع إلى مسألة القوانين الداخلية للتنظيم وطبيعة التنظيم ذاته، وكذا نفسيات القادة والمنتظمين من الأعضاء وعلاقاتهم الروحية والاجتماعية.

إن الذي حفزني لكتابة هذه المقالة يرجع أساسا إلى ما اطلعت عليه من كلمات مقالة الأستاذ عمر عبيدة حسنة حول مراجعاته الشخصية والعميقة لفكر تنظيم الإخوان المسلمون، والمعنون بـ: من إصابات العمل الإسلامي، والتي اختصرها في: العجز عن انتاج قيادات فكرية، انقلاب الوسائل إلى غايات، سيادة العقلية الذرائعية، فكر المواجهة، عدم تمثل المعاني المفقودة في الأمة، عدم تقدير قيمة التخصص، العجز عن استنبات قيادات متجددة.
 

وأجدني قبل أيام أعيش تجربة كتابة مقالة عن صناعة الزعيم ومطالعا لكثير من المقالات التي تبحث في سيكولوجية الجماهير والسلطة والزعماء، وأنا أنظر إلى تجربة الحركات الإسلامية المغربية، بعد أن تم تعيين الدكتور سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة المغربية وإعفاء الأستاذ عبد الإله بنكيران، وقبلها ما أصاب جماعة العدل والاحسان من انكماش بعد وفاة الزعيم الروحي والتاريخي الأستاذ عبد السلام ياسين، وما يقع لحركة من أجل الأمة وكذا البديل الحضاري وغيرها من الحركات السلفية من اضطراب بسبب إما الوفاة أو التعرض للاعتقال والمتابعة القضائية أو الحصار السياسي أو السقوط في حبال المؤامرة والابتزاز السياسي أو القبول بالتقرب إلى دوائر القرار السياسي والحزبي للاستفادة من الغنائم مقابل تقديم تنازلات معينة.
 

والملاحظ أن الصراع على قيادة أي حركة من الحركات الاجتماعية يرجع إلى مسألة القوانين الداخلية للتنظيم وطبيعة التنظيم ذاته، وكذا نفسيات القادة والمنتظمين من الأعضاء وعلاقاتهم الروحية والاجتماعية، ولا ننسى كاريزما من يكون في الواجهة، وقد يكون تدخل بعض دوائر القرار في ترتيب أوراق بعض التنظيمات والأحزاب مؤثرا وواردا في كثير من التنظيمات إما لنيل البركة والرضا والتزكية أو لتسهيل العمل وشرعنته.
 

وقد حدث في المغرب مؤخرا أن تقاذف بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية البارزين فيما بينهم الكثير من الكلام الذي يشعر بكون تنظيمهم السياسي يعيش حالة ارتباك بسبب الرجة التي أحدثها إعفاء الأمين العام الأستاذ بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة 2017م، ليتم تكليف عضو آخر في الحزب لتلك المهمة، فبعض الأعضاء اتهموا غيرهم من إخوانهم بالخيانة والخنوع ودافع الآخرون بكون التجربة تقتضي الانحناء للعواصف وتفادي حالة الاصطدام مع القصر وبعض دوائر صنع القرار السياسي المغربي المتهمة بإرادة التحكم وبالاصطفاف في جبهة الدولة العميقة.
 

هذا الحدث أفرز لنا وضعا جديدا لم يكن مخططا له، ولم يكن ليدركه الكثير من المناضلين في صفوف الحركات الإسلامية وهو إشكالية تفكيك رمزية الزعيم السياسي من طرف النظام السياسي التاريخي والقوي وإعادة تركيبها بشكل مستفز، ليهدم الصورة التي كونها الزعيم عن نفسه أو التي رسمها عنه مريدوه وليتم التعريض به بأنه شخصية غير محتملة، وبه نزق وطيش ويصعب التنبأ بردود أفعاله، وبكونه غير مرن ولا لبق ولا يرقى ليكون رجل دولة يحفظ لسانه ويكتم الأسرار ويرسم حدود علاقاته ومآلات سلوكاته، ويرسم حدودا لنفسه ويتحكم في ردود أفعاله السياسية والخطابية.
 
ونؤكد مرة أخرى على مثال التجربة المغربية، فقد تم اختيار بديل شخصيته تخالف صورة الزعيم بنكيران، ولا يعكس أي تفصيل منها، وفي كل الأحوال له مميزات قد تكون تقنع دوائر صنع القرار ولكنها لا ترقى لترضي المناضلين المتعطشين لشخصية زعيم منفلت لا يُتوقع سقف خطابه ولا يتحكم في ردود أفعاله، شخصية زعيم يخلق الفرجة مع كل ظهور له لتعلو نسب تتبع أخباره ومقابلاته وتزيد شعبيته على شعبية النظام نفسه ليكسب مساحة واسعة من النفوذ والهيبة، ويوثق علاقته السياسية بحميمية مع نفوس الجماهير. فينافس بل يزايد بشكل أو آخر على أقرانه من الساسة وغيرهم.

الحركات الإسلامية حركة بشرية واجتهاد نسبي في حاجة دائمة للمراجعة، والمجتمع لا يجب أن ينظر إليها بكونها أنموذجا مثاليا لإقامة نمط الدين النهائي بل هي تجربة تاريخية مباركة.
لا يتوقف الأمر على ما تحمله شخصية هذا الزعيم من قدرات إدارية أو كفاءة سياسية بقدر ما يكنه له المريدون من طاعة وثقة ورابطة عاطفية تجعله أنموذجا صعب الاستنساخ، وغيابه في لحظة عن المشهد الحزبي والسياسي يشكل صدمة، بحيث يتصور مع غيبته أن المؤسسة الحزبية ستنهار أو أن بقية القادة من حزبه والمنافسين له على كرسي الزعامة لن يقدروا على القيام بمهام المفاوضة وتدبير الشأن السياسي اليومي والتحكم في قرار الحزب، ولا حتى النجاة بالمؤسسة الحزبية من التحديات والمؤامرات التي تحاك ضدها.
فالكل يتلخص في الزعيم والزعيم هو الكل، فهذا الدفيء العلائقي يتوغل على مستوى الوجدان وفي المواقف السياسية والأخلاقية، ليرفض أي مقترح للزعامة ولا تقبل أي محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للصورة الرمزية للزعيم الأوحد، ومن يدعي بديلا له أو مقترحا آخر عنه فهو متآمر وخائن وأفكاره هدامة. فيتوقف تجديد النخب وتحديث مواقع القرار وقادته ويعاد انتاج خطاب المظلومية والتبرير والوعظ، فتنمو المؤامرات بينهم وتوغل صدور بعضهم على البعض، وتكرر العثرات وتكثر القناعات المبنية على الأوهام بدل الحقائق والأفكار وتخفت النزعة النقدية والإبداعية بين الأعضاء وتظهر الآفات الأخلاقية والتنظيمية والأيديولوجية والصراع على المصالح الفردية وتحصيل الغنائم الآنية، مما ينبئ بالتصدع والترهل والانهيار.
إن الحركات الإسلامية حركة بشرية واجتهاد نسبي في حاجة دائمة للمراجعة والتقويم لكون النفوس الإنسانية فاعلة فيها والظروف التاريخية والاجتماعية، والمجتمع لا يجب أن ينظر إليها بكونها أنموذجا مثاليا لإقامة نمط الدين النهائي في الحياة والمجتمع بل هي تجربة تاريخية مباركة.

****

الخميس، 27 أبريل 2017

التطرف الديني يرسم صوراً كاريكاتورية عن الله والنبي


بقلم : يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

****

فلسفة الإقصاء تقوم عند المتطرفين على أن المختلف أو المخالف كيفما كانت توجهاته ولو كان من أقرب الناس لك، لا مكان له في دائرة الوجود، لأن وجوده يسبب التشويش والتشكيك وسيكون صوتاً مسموعاً للكثيرين ومزعجاً لغيره.

إن فلسفة الاغتيال عند المتطرفين تقوم على أسس أيديولوجية ونفسية لا يمكن التنبأ بها، لأنها تبقى متوارية إلى أن تظهر مفاجئة المقربين والمتتبعين، إنها تتأسس على استراتيجية التخويف وإفشاء الرعب على أوسع نطاق، وجعل المجتمع المطمئن لسلامة أفراده يعيدون التفكير في تفاصيل العلاقات التي تجمعهم بالكثير من أقربائهم وجيرانهم وبقية المواطنين، لأن وباء التطرف فيروس عندما يصيب أحدهم ينمو في صمت بين الأقفاص الصدرية ويتناسل بين الأفكار السوداوية لأي كائن إنساني، والذين يعانون من ثقل الدوغما المغلقة على ذاتها والمغلفة بكثير من المزايدات مستعدون للقيام بأي شيء من أجل نصرة منطقهم ورسالتهم.
 

إن انتشار فلسفة الوثوقية عند المتطرفين والتزامهم بالحد الأقصى من التماهي مع مفهوم الواجب، سواء كان دينياً محضاً أو أيديولوجياً صرفاً، يجعل خروجهم كل لحظة بسلوكيات شاذة وبمواقف متطرفة، قضية مبدئية ومسألة فيها الكثير من الاقتناع بكونهم يسطِّرون تاريخاً مثالياً.

إنهم يؤمنون بكونهم يقودون الإنسانية نحو مسار يمحو كل بؤس وتيه وانحراف يمكن أن تشهده الأمم المعاصرة لسبب من الأسباب، وهم أمر السماء ويد القدر لتغيير كل هذه الانحرافات الطارئة على المجتمعات وتحقيق بشارة تطهير الأرض من الدنس ثم تحقيق الخلاص الفردي بالصعود إلى الجنة.
 
إن اغتيال المخالفين والمعارضين وأهل الملل الأخرى مما لهم العهد والأمن مهما كانت دوافعه، يبقى مأساة في قافلة المآسي التي تهب على هذه الأمة من مختلف البقاع، إن هذا الفعل الشنيع يسيء إلى الذات الإلهية أكثر مما يظن هؤلاء كون المخالفين والمعارضين يسيئون لمعتقداتهم المغلقة ولأيدولوجيتهم.
إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن والقتل لتلك النفوس هو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس.
فهُم يغتالون الإنسانية والعقل ويُسخرون كل أدواتهم ومجهوداتهم لقهر إرادة الإنسان المؤمن وغيره من المخالفين حتى لا يكون حراً مستقلاً ومبدعاً ومختلفاً، يوجهون رصاصاتهم وأحزمتهم الناسفة لكل الضمائر الحية والقلوب المتوهجة بالإيمان المصدق بالله القدير وأسمائه العليا الذي جعلنا اختلافنا في العقيدة واللون واللغة آية من آياته.

إن هؤلاء المتطرفين يوقعوننا في حيرة وذهول دائم بين أن نتقبل هذه الوقائع الدامية على أنها حوادث يوم عادي في سنة كبيسة؛ لنستسلم لخزعبلاتهم الفكرية وترهاتهم الأيديولوجية وبين ادعائهم بكون هذا العالم كله مختزل في مساوئه، ويجب تسريع نهايته حيث ستتحقق السعادة والعدالة والمجتمع المثالي، ويجب أن نصدق ذلك بدورنا وألا نقف منتظرين تحققه وفقط، بل نلتزم بخطتهم من أجل النهاية السعيدة!


إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن الذبح والقتل بالأحزمة الناسفة والدهس بالشاحنات لتلك النفوس إنما هو تحقيق لشعيرة من شعائر معتقده، وهو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس. وللأسف من ينظر في خريطة جرائم التنظيمات المتطرفة على شساعة خرائط تمكنها من الجغرافية العربية، لن يجد تفسيراً لكل هذا الاستخفاف بالدماء والأعراض غير كون بعض الثقافة الدينية التي يرتوي منها هؤلاء المتعطشون للدماء لا تقف عن حدود فسادها بل تعدته فأمست تلك الثقافة مميتة وقاتلة لمن يعتقدها. 


لقد أصبح هذا الشكل من التدين قاتلاً ومفزعاً، وتجفيف هذه المنابع ليس بالأمر الهين؛ لأنه يحتاج لتنظيف مضاد مبني على نقد ذاتي وهو ما لا يستطيع الكثير من الوعاظ والعلماء والمثقفين تقبله، لأن فيه مساً بطهرانية مشربهم ونرجسيتهم المعرفية، فلا يقبل الطعن في خلفيتهم الفكرية أو الدينية. 

لقد وصل الأمر ببعضهم إلى جعل كل النِّتاج الفقهي والفكري البشري المتصل بالنصوص المقدسة بمستوى المقدس نفسه، وهنا ولدت أيديولوجيا الدين المتطرف وتمكنت وبدأت تخوض الحروب باسم الإله الذي رسموه في حالة غضب دائمة، يرفع أعلاماً لحرب لا تضع أوزارها أبداً، وصادرت هذه الفئة كل التفسيرات والتأويلات لصالحها، سواء الدنيوية أو الأخروية. 

إنهم نموذج مستعاد لذي الخويصرة حرقوص بن زهير التميمي ت 37هـ الذي قال للرسول الأكرم اعدل يا محمد! ليرد عليه الرسول عليه الصلاة والسلام بالقول: ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. هذا النموذج المتنطع قادر على هتك كل المحارم وانتهاك كل المحرمات، وادعاء أنه الأقدر على ايصال الناس للجنة بأمان أو ردهم عن النار بالترهيب.

هؤلاء لا يحفظون أو يؤولون بشكل سيء قول الرسول يوم حجة الوداع: فإنَّ دماءَكم، وأموالكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا، هل بلَّغتُ؟ وقد يشهدون بعد ذلك بأن نبيهم لم يبلغ شيئاً! هؤلاء يمسحون عن كتبهم قوله عليه الصلاة والسلام: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ويغلقون أعينهم عن قوله تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (سورة المائدة).  إنهم مستاؤون جداً من كل هذه النصوص وغيرها، لذلك فهم من يرسم رسومات كاريكاتورية ساخرة عن الإله والنبي والدين بأفعالهم الإجرامية، وبتفسيراتهم المختلة، واغتيالاتهم وحوادث الدهس وتفجيراتهم دليل على انهيار أطروحاتهم، وارتباك منطقهم وخسة مقصدهم.

///
المصدر:

الأربعاء، 12 أبريل 2017

تأويلية العنف المقدس بين قراصنة الدين وإرادة السماء


بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي

******
يعتبر العنف لعنة تلاحق الإنسانية منذ بداية التاريخ، منذ أن قال ابن آدم لأخيه: لأقتلنك، ولا يمكن التعامل مع هذه الإشكالية بمزيد عنف على مستوى التأويل أثناء محاول التفكيك والفهم أو بتوجيه أصبع الاتهام للمقدس بكل بساطة، لأن النصوص المقدسة تقترح تعاملا لاعنفيا بالمقابل في سياق نفس الحادثة التاريخية لرد رعونة الأخ القاتل، بذلك يرد المقدس التهم عن نفسه، ويحاول توريط الإرادة الإنسانية في أسباب وقوع كل هذا العنف، الذي أمسى عنصرا مكونا للطبيعة البشرية، فقد قال هابيل لأخيه حينها: "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".
إن بعض الذين يمارسون العنف اليوم يؤثثون سلعتهم بالنصوص المقدسة، ولهم إمكانات وقدرات لا محدودة من التأويل تستقوي بالتاريخ والممارسات الدوغمائية، التي لا تنتهي بفهم مؤسس للتعايش بل العكس، فرسالتهم لا تهدف لتحقيق الاستقرار بقدر سعيها لتحقيق اللاتوازن من أجل التعجيل بخروج المصلح المُبَشَّر به في آخر الزمان والفوز بالموعود، إذ إن الفوضى إذا امتدت تقرب نهاية العالم حسب المعتقد الإسلامي، خروج المهدي المنتظر المسلم أو اليهودي أو المسيحي، ووقوع معركة الهرمجدون، وهذا يمثل عتبة حتمية أولى للعمل لتحقيق المبتغى من إسراع الاصلاح الجذري والتخلص من المدنس والفساد الذي يسود العالم.


من يمتلك المرجعية الفكرية والعقدية وينشئ مؤسسة مبنية على خلفية تاريخية توازي ما كان في عهد الصدر الأول في الإسلام، فسيتمكن من بناء طائفة قوية ومجتمع منسجم.
إن تخفيف العنف وفق تصور الأديان التوحيدية لا يكون إلا بالأضحية الحيوانية، كالكبش الذي أمسى رمزا من رموز الفداء مع قصة إسماعيل الذبيح، كأن الأديان التوحيدية تقوم بتحويل العنف وتلطيف ممارساته وما يرتبط به من تأويلات، وتقطع مع طقس التضحية بالإنسان على المذبح، والذي انتشر في معابد الأديان الطوطمية القديمة. ثم تأتي بعدها بعض العبادات والطقوس الأخرى؛ كالصلاة والصوم والوضوء لقوله عليه السلام: فإذا غضب أحدكم فليغتسل.

أبدت عدة جهات إسلامية فقهية وفكرية تخوفها من أن يخطف معنى الدين بتوظيف التأويل المذموم، ويسطر الخاطفون الحقيقة باسم إلههم المتخيل ويكرسونها بعنف ويجعلون كل المعاني الأخرى المحتملة والمضمرة غير قابلة للظهور ولا للكشف، فتتأسس مؤسسة مقابلة تستند لتلك الرمزية لغلق الباب أمام أي اجتهاد أو اختلاف في الرؤى واستراتيجيات التأويل والفهم والممارسة.

إن قصة مسجد ضرار في الإسلام والذي بني إلى جانب مسجد قباء كان محاولة للاحتيال على السلطة الرمزية التي شكلها الرسول الأكرم مع الصحابة في المدينة المنورة، وهي محاولة من المنافقين لمصادرتها بإنشاء مقابل لها ليشكلوا جبهة تصادم المؤسسة الرسمية ولتعم فوضى المؤمنين ثم يبدأ صراع المؤسسات والتأويلات. ولقد قاموا بعدها بمحاولة الاغتيال المشهورة للنبي الأكرم في غزوة تبوك.

أما اعتراض ذو الخويصرة التميمي المحسوب على توجه طائفة الخوارج المتطرفة على تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم؛ فقد كان محاولة لتفكيك رمزية الرسول في إحقاق مفاهيم كالعدل والمساواة والرحمة والأخوة، وإبداء الرجل اعتراضه كان ممارسة تأويلية متطرفة منه، قصد بها إحراج وإرباك مؤسسة الرسالة المحمدية وإفراغها من مضامينها الأساسية والتشكيك في صدق توجهها وموضوعيتها، باعتبارها هي التي تنشئ القيم وتتفرع عنها وتُشَرّع وتراقب السلوكات الاجتماعية الصادرة عن المؤمنين. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذاك الرجل وقيمه النَّزقة التي ستكون بؤرة مثالية وخصبة لنمو أهم فرقة خوارج في التاريخ السياسي والعقدي الإسلامي. والتي أسست للعنف وخاض مع المجتمع تجربة مريرة معها استمرت لعقود. ونتج عنها ولادة مدرسة عقدية مبنية على تأويلات خاصة واستراتيجية إصلاحية عنفية، ولا تزال تلك التجربة ترمي بظلالها على سياقنا المعرفي والسياسي إلى اليوم مع الفرق والحركات السلفية والجهادية المختلفة.


  •  
"القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه، لأن الإنسان قادر على تحوير وتحويل النصوص ولي أعناقها لتخدم مصالح طائفته ونفسية المؤمنين على وجه قبيح وغير مستحسن".

إن الصراع اليوم بين المتدينين المتطرفين والمعتدلين هو صراع قدرة على التأويل، ومن يمتلك المرجعية الفكرية والعقدية وينشئ مؤسسة مبنية على خلفية تاريخية توازي ما كان في عهد الصدر الأول في الإسلام، فسيتمكن من بناء طائفة قوية ومجتمع منسجم مع نتاج التأويلات الاجتماعية والدينية. وإن نجح المتطرفون في كسب معركة التأويل تنتهي الأنماط الإيمانية الأخرى والمدارس الإسلامية العقدية والفقهية التي لا تنسجم مع تطلعات وقراءات المتطرفين للمقدس، وستتحول المؤسسة الرسمية التي تحمي الخطاب الديني وتعيد بلورته وتجديده وتوجهه مستوعبة الزمان ومدركات المؤمنين وذهنياتهم وحاجتهم، لمؤسسة تستعيد التاريخ والأنماط الإيمانية غير المفككة والتي كانت تعاني من تشوهات عقدية ونفسية وعرقية وتاريخية مستعادة، والتي شكلت عائقا في تقدم العقل الإسلامي في لحظة من لحظاته الماضية ولا تزال. 

وما يحدث اليوم من عنف واصطدام بالعقل المنغلق إنما كان صورة تحديثية لهذه الصور المصغرة للمستعاد من تلك التشوهات ومزالقها، كما أن تحدياتها الخطيرة كامنة في كونها في حالة حركة ونشاط مع تنامي جغرافية الصراع الديني وسعة الاستقطاب لصالح هذه الحركات التي تنبعث بين الفينة والأخرى، وساعد على ذلك خصوبة الظروف الجيوسياسية وسعة القلاقل في المنطقة الممتدة على مدى الجغرافية العربية والإسلامية.
لقد فهم الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب مسألة الصراع بين دولته الفتية والمؤسسات التي يقوم على تدبيرها وبين طائفة الخوارج، فهم بأن الصراع قائم على أساس التأويل وأنه صراع على امتلاك المعنى وفهم المقدس، لذلك لما بعث ابن عباس لمحاججتهم قال له: لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، هذه الالتفاتة العجيبة والفطنة من الخليفة تظهر مدى إدراكه للحرب التي تشن عليه وقتها وأساليبها، لذلك استبق حيلة الخوارج بتضييق المعنى عليهم وهدم ملجئهم المتضمن في النص المقدس المفتوح على التأويل والمفعم بالحيوية والخصوبة.



  •  
تجاوز العنف يكون بتقديم منهجية معرفية متكاملة ومصدقة بما قدمه العقل البشري من معارف، لتخدم النص وتسعف العقل المسلم للاجتهاد والتجديد.

إنه في الأخير يعبر عن عنف التأويل وخطورته، وقد عبر كذلك حَبْر الأمة وعالمها عبد الله ابن عباس عن هذا المعنى بقوله: القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه، لأن الإنسان قادر على تحوير وتحويل النصوص ولي أعناقها لتخدم مصالح طائفته ونفسية المؤمنين على وجه قبيح وغير مستحسن. وللجهل والتأويل المذموم والانتحال مزالق تهدد المقدس وتحوله إلى غول أسطوري قاطع طريق أو إلى سيل من المعاني يجرف كل ما يجد في طريقه ويؤسس لدوامة عنف لا تنتهي، وقد حذر النبي الأكرم من هذه المخاطر بقوله: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

إن رهان المؤمنين اليوم هو إثبات قدرتهم على الإبقاء على صفاء المعنى في ظل تأويلاتهم لأنماط الإيمان في ظل التعدد، وتأسيس رؤية جديدة لفلسفة التعايش ومراجعة مبادئ تدبير الاختلاف وفق رؤية تستوعب المخالف ولا تصادر الآراء الإنسانية المغايرة، وتفكيك نزعة امتلاك الحقيقة المطلقة التي تعمي بصيرة المتطرفين وتغري عقولهم ببدء التحرك للحديث باسم الله وممارسة الحرب على غيرهم من المخالفين. 

وتجاوز العنف لا يتأتى بإغلاق النص المقدس ونزع إيمان الناس ومعتقداتهم والسخرية منها سواء من المؤمنين المتطرفين أو اللادينيين، وإنما يكون بأنسنة المفاهيم وجعل الدين في خدمة الإنسان، وتقديم منهجية معرفية متكاملة ومصدقة بما قدمه العقل البشري من معارف، لتخدم النص وتسعف العقل المسلم للاجتهاد والتجديد، وعدم نزع النفعية والفضيلة والشرعية عن المعرفة الإنسانية ومناهجها، والسعي الحثيث للسمو بالعقل وتفكيك كل الدوغمائيات والجزميات التي راكمها التاريخ على ضفاف الحضارة الإسلامية.


****
الرابط الخارجي 

الجمعة، 7 أبريل 2017

بنكيران والعثماني ونظرية الدوائر الثلاث في الممارسة السياسية المغربية

بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي.

*****

تتنازع دوائر النفوذ السياسي في الوطن العربي عدة قوى، هي العشيرة والزاوية والحزب ثم الدولة بأجهزتها، والمشهد المغربي ليس بدعاً مما تعرفه بقية الأقطار الأخرى. ولقد أمست الحركات الإسلامية منذ ظهورها تتقاسم مع الزاوية أدوارها بل بدأت تسحب منها الشرعية وقدرتها، ومن قادة الحركات من أسس لمشروعية خطابه من داخل الزاوية. ومن الأحزاب السياسية ما استند إلى العشيرة والقبيلة ليبني تجربته على أساس النزعة العصبية واللغوية. والدولة بمفهومها العصري يلفظها الواقع العربي عنه، بحيث إن الثقافة المجتمعية تشبعت بالممارسات التاريخية الكلاسيكية التي امتدت لأزيد من عشرة قرون. 
فمفهومها لايزال في الوطن العربي تتقاذفه الكثير من الممارسات التي لا تعبر عن خلفية تاريخية أو أيديولوجية مؤسسة وواضحة بشكل يحسم في طريقة الحكم وآليات تدبير الصراع السياسي داخل القطر الواحد. فالتجربة حديثة والنظرية السياسية العربية كانت مترددة بين القطب الشرقي والغربي وبعضها فضل أن يعتمد على التاريخ والآداب السلطانية أو يخلط بين النظريات السياسية المعاصرة وبعض ما بقي من ممارسات فقه السياسة الشرعية، والذي دون تحت إمارة الغلبة والسيف. 
والمملكة المغربية والسعودية وبعض الإمارات الخليجية نموذج حي لصور الدولة القادمة من التاريخ البعيد والمشبعة بالتقاليد والأعراف، مع اختلاف في الحدة والانجذاب لذلك بين كل دولة وأخرى، بحسب التجربة التاريخية والاحتكاكات الحضارية المحدودة مع ثقافات أخرى، وبحسب التموقع الجغرافي لكل واحدة على حدى أو بعض نفسيات القادة.
 

لم تفرز هذه النظريات السياسية كما ممارساتها ثقافة سياسية راشدة على أرض الواقع ولم تتمكن من صناعة زعماء ملهمين ومبدعين يثيرون الانتباه في الواقع السياسي العربي. وظهور الحركات الإسلامية بحدة واندماجها أو انخراطها في العمل السياسي المتأخر جعلها تستفيد من كثير من الأخطاء التاريخية التي وقعت فيها الأنظمة والحكام ومن بعض الثغرات المعرفية والتاريخية في النظرية السياسية الإسلامية، لتبدي قدرة متفوقة على المناورة ومرونة في التعامل مع المستجدات الثقافية والدينية التي تغري الشعوب وتجذبهم لنموذجها. 


قطباً سياسياً محافظاً ومقرباً من النظام السياسي المغربي يحاول الحافظ على مساحة فارغة بينه وبين الحزب الإسلامي، ويصادر أي ممارسات رمزية ويبدي تحفظاً من المشاريع الإصلاحية.
ومن المُغْرِيات، بحث الشعوب عن زعيم صالح أو مصلح محتمل لاعتقادهم بالمهدوية تاريخياً ونفسياً وروحياً، هذا المنتظر الذي سيقود الناس للتقدم كلما بدى أنهم بدأوا يفقدون الأمل من التغيير أو يملون الممارسات الفاسدة كما سوء أحوالهم. وقد كانت بعض الشعوب أكثر قدرة على إبداء معارضتها وثورتها على نمط الحكم الفاسد وكسر صورة الزعيم غير الوطني، فلم تنتظر وعد التاريخ ولا حتميته ولا وعوده البعيدة المنال، ونستحضر هنا ما وقع من ثورات عديدة خلال القرن الماضي ونمثل بدولة العراق ومصر وإيران.
 

ومرونة الحركات الإسلامية وقدرتها على المناورة في صراعها التاريخي مع الدولة لم يمكنها بدورها في لحظة الانتشاء بالانتصار من ممارسة نقد ذاتي لمسارها المعرفي والأخلاقي وصيرورة ممارساتها وسلوكيات أفرادها وقياداتها، مما ورطها بدورها في تكرار أخطاء زعماء وقادة بلدانهم، فاستنسخوا نفسياتهم. فالزعماء باقتناعهم أنهم يمثلون رأس الحكم ولا شيء دونهم، ويمثلون دائرة مطابقة لوجود فعلي للدولة ولأجهزتها. فخلقوا من أنفسهم طواغيتاً سياسية، واقتنعوا أنهم المهدي الموعود ليحتالوا على الأتباع بإنعاش مخيلتهم كل مرة بخطابات عاطفية تستجدي تعاطفهم وإيمانهم بقدراتهم العجيبة. 

مما يضعف دور المؤسسات ويلخص أدوارها في صورة الزعيم وينهي أي معنى لمؤسسات الدولة التي تنهار كلية بانهيار قدراتهم. فوجود الزعيم بين شعبه يشعرهم بالاطمئنان، وقدرته على الحركة وتحقيق المكاسب على غرمائه وغلبته لهم يظهر سلامة وقوة النظام بل في بعض الأحيان يعطي له شرعيته. وهذا كله توهم وسوء تقدير لذات الزعيم ولأساليب تدبير الحكم، فالتجربة المعاصرة ألغت هذا الوهم وكشفت زيف الادعاء، ابتداء بسقوط السوفيات إلى ما بعد انهيار النموذج التونسي والليبي والمصري، وتبقى الأنظمة العربية الأخرى في اضطراب وتوجس وترقب.
 

إن التجربة المغربية تعيش في ظل تحولات الربيع الديمقراطي مراناً صعباً، فالأحزاب السياسية فقدت قدرتها على القراءة الاستباقية للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي تطرأ على الواقع المغربي لضعف أصابها. ليجد النظام المغربي نفسه إما أمام أشخاص اكتسبوا مشروعيتهم من الحراك الديمقراطي أو من برنامجهم ووعودهم الانتخابية أو أمام منظمات حقوقية ومجتمع مدني يتابع بكثير من القلق والريبة حركات وسكنات الفاعلين السياسيين المغاربة، ونجد هؤلاء لديهم الكثير من التحسس تجاه مواقف بعض الرموز الموالية للنظام سواء كانوا أحزاباً أو أشخاصاً. ويعتقد الفاعل المدني كما الحقوقي أن أي سلوك لا يستند إلى الممارسة الديمقراطية أو روح الدستور يعتبر انتكاسة ومصدر تشويش على المكتسبات السياسية والحقوقية خصوصاً بعد التعاقد على دستور 2011م، ومضامينه التي تتعلق بتدبير الشأن العام واحترام دور المؤسسات وسلطها.


إن ما أفرزته انتخابات 7 أكتوبر 2016م من فوز مسموم لحزب العدالة والتنمية، المعبر عن خلفية المشروع الإسلامي، بعدم قدرته على تشكيل الحكومة مع فرقائه من الأحزاب السياسية المغربية، بعد إعفاء الأستاذ عبد الإله بنكيران وتكليف الدكتور سعد الدين العثماني، ليظهر شدة الصراع القائم بين دائرة المؤسسة الملكية والمقربين منها ودائرة المجتمع الحقوقي والمدني ودائرة الحزب الإسلامي الفائز والمعبر عن الإرادة الشعبية وطموحات الحراك الديمقراطي. 
إن فلسفة الدوائر الثلاث في علم النفس والتي أسسها البروفسور بيتر مارش أستاذ علم النفس بجامعة كامبريدج، تؤكد أن لكل إنسان مياه إقليمية وحدوداً مثل الدول، وأن أي إنسان يجلس في منتصف دوائر غير مرئية تحيط به لا تسمح باختراقها إلا لمن نحبهم فقط، وننزعج إذا اقتحم علينا حياتنا أو دوائرنا أشخاص غير مرغوب فيهم. وأي اقتحام لتلك الخصوصية يقتضي من الذات إيجاد حواجز وتعبيرات وتصرفات تظهر توترنا، والتصرف وفق ما يقتضيه الحفاظ على حدودنا للحد من اقتراب الخصم أو الغريب من ذواتنا. 
ولتجريب تنزيل هذه النظرية على الوضع السياسي المغربي نجد أن قطباً سياسياً محافظاً ومقرباً من النظام السياسي المغربي يحاول الحافظ على مساحة فارغة بينه وبين الحزب الإسلامي، ويصادر أي ممارسات رمزية ويبدي تحفظاً من المشاريع الإصلاحية التي يقدمها بله المواقف والسلوكيات السياسية التي يبديها القادة ومناضلو هذا الحزب، ويستند ذلك القطب على الآداب السلطانية والتقاليد والأعراف التاريخية المخزنة المتوارثة، التي تجعل من المخزن المسؤول الأول والأخير عن أي إصلاح والقادر على استيعاب حاجات وطموحات الشعب ولكن وفق نموذجه واستراتيجيته وبرنامجه. 
ووفق نظرية الدوائر الثلاث فالمخزن منظومة سياسية وأيديولوجية وكائن تاريخي بمفهوم العروي الذي يسمه بأنه التحرك بحسب المتاح للبشرية أي وفق الظروف الحتمية المتاحة للإنسان وليس خارج تلك الظروف. والمخزن بالمفهوم التاريخي البوبري، يعني كارل بوبر، هو القادر على إيجاد قوانين التغيير الاجتماعي. هذه القوانين زاحم فيها الحزب الإسلامي النظام السياسي أو المخزن فما كان عليه إلا أن يتخذ له استراتيجيات تدافع عن دائرة صناعة قراره وتوسيع خياراته بعيداً عن مناوشات الحزب وخلفية مجيئه للسلطة، مما ورط السيد بنكيران وبعده العثماني، في مشهد سياسي كاريكاتوري بحسب المتتبعين، وضخم غموض المشهد من شكوك المجتمع المدني وتوجسه من مآلات تدبير الفاعلين السياسيين للسلطة والشأن العام. وخلق هذا الجو توتراً داخل أروقة الحزب نفسه، لتبدأ الاتهامات بالخيانة والاستقطابات والموالاة والنزاع على المكاسب والأتباع والتنازع على المصداقية والشرعية بينهم، مما يضع المؤسسة الحزبية وأطرها في رجة وحيرة.

السبت، 4 مارس 2017

العقل الإسلامي والحداثة والعنف

العقل الإسلامي والحداثة والعنف 
****
حوار مع الأستاذ الدكتور محمد بوالروايح
الأستاذ متفرغ بجامعة بروفانس بمرسيليا – فرنسا

حاوره: د. يوسف محمد بناصر – باحث وكاتب مغربي

2/21/2017
هناك جدلية خاطئة يتداولها بعض دعاة الفكر الحداثي والفكر الديني على السواء، وهي الاعتقاد بأن هناك تنافرًا طبيعيًّا بين ما هو حداثي من نتاج العقل وبين ما هو ديني من نتاج الوحي، والحقيقة أنَّ الدين في مفهومه الشمولي يستغرق كل القيم العقلية التي قامت عليها الحداثة، وذلك قبل أن تلوِّثَها الأفكار الدخيلة التي أضيفت إليها وهي ليست من جنسها ولا من أسسها في شيء، وإذا أردنا تفصيل ذلك فإنه يمكن القول إن العقل وكل متعلقاته من حداثة وتقنية وتطور....


المحور الأول:
أسئلة عن العقل الإسلامي والنص الديني:
1. أصبح الحديث عن الأديان والحوار والتعايش بين الحضارات يفرض نفسه بقوة في الميديا العالمية، فكيف استطاعت فكرة الأديان فرض نفسها في المجتمع المعاصر، في مقابل مشروع الحداثة وقيم التقنية والعقل؟
ج- هناك جدلية خاطئة يتداولها بعض دعاة الفكر الحداثي والفكر الديني على السواء، وهي الاعتقاد بأن هناك تنافرًا طبيعيًّا بين ما هو حداثي من نتاج العقل وبين ما هو ديني من نتاج الوحي، والحقيقة أنَّ الدين في مفهومه الشمولي يستغرق كل القيم العقلية التي قامت عليها الحداثة، وذلك قبل أن تلوِّثَها الأفكار الدخيلة التي أضيفت إليها وهي ليست من جنسها ولا من أسسها في شيء، وإذا أردنا تفصيل ذلك فإنه يمكن القول إن العقل وكل متعلقاته من حداثة وتقنية وتطور، كل هذا الزخم العقلي متضمن في الدين، من حيث إن الدين في حقيقة أمره لا يجافي الحداثة والتقنية والتطور، وإلا تحول بالضرورة إلى ممارسة طقوسية بحتة ومحدودة في الزمان والمكان، وهنا تبدأ المفارقة، ذلك أنَّ الدين ليس صورة نمطية واحدة، بل هو مزيج من التصورات والاعتقادات بما أسميه الفسيفساء الدينية، التي تصبغ صورة العالم المتدين، وهنا يجب التفريق بين دين قادر على التحدي والثبات في الصراع الذي فرض عليه من دعاة الحداثة، وبين دين لا يملك مقومات هذا التحدي، فالإسلام الذي من خصائصه الشمول والعقلانية والعالمية= قادر لا محالة على مواكبة العصر ومواجهة أي حملات مضادة، تستهدف كيانه وقيمه ووجوده، وفي هذا السياق تحضرني مقولة ذهبية للعلامة يوسف القرضاري بقوله لأدعياء العلمانية إنه أحرى بكم قبل أن تسألوا الإسلام أن يتطور أن تسألوا أولًا التطور أن يسلم، وهذه حقيقة؛ لأنَّ الإسلام ليس في شريعته وأحكامه ما ينافي التطور أو يحجر على العقل وفي ذلك كلام طويل للأستاذ محمد عبده في كتابه القيم «الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية»، وهنا يجب القول إنَّ المسيحية وأخواتها: اليهودية والإحيائية والتطورية= قد قامت على معاداة كل دعوة إلى التجديد باعتبارها مساسًا بقداسة النص الديني، ومن هنا لم نجد لهذه الأديان مرتكزًا صحيحًا يمكن أن تتوكأ عليه أو تحتمي به ضد تيار الحداثة وغيرها من التيارات الحديثة المعادية في أغلبها للفكرة الدينية، وهنا أعود لسؤالك حول مسوغات عودة الفكرة الدينية لتفرض نفسها في المجتمع المعاصر أمام اتساع المد الحداثي، فالفكرة الدينية كما أسلفت تملك -إذا أخذنا على سبيل المثال النموذج الرباني الإسلامي- كلَّ مقومات البقاء والمواجهة، وذلك على الأقل من الناحية النظرية، ولو أنه ينبغي الالتفات إلى الناحية الواقعية؛ لأن الفكرة الدينية تعاني في هذا الجانب تقصيرًا لافتًا للنظر إما بسبب الاختلال أو الاختلاف الفكري السلبي الذي أصبح يميِّز العقل المسلم اليوم، ولذلك أعتقد أن بقاء العقل المسلم على هذا الوضع المهين، لا يحفز بتاتًا على حسم الصراع مع الحداثة أو غيرها، ومن ثم سيكون حصادنا في هذا الصراع هزيلًا ومهينًا تمامًا كوضعنا، ولذلك فإن المخرج من هذا الوضع المهين لا يكون إلا بعودة الدين إلى أهله، وأن يتحرر من سطو المتطفلين والمتفيقهين، الذين يدعون وصلًا به بلا هدى ولا كتاب منير، ثم يتبع هذه الخطوة بالضرورة تشكيل جبهة دينية مشتركة تعمل في إطار المشترك الديني المتاح بغض النظر عن الاختلافات القائمة، وهنا فأنا أدعو إلى تكوين تحالفات دينية على غرار التحالفات الاقتصادية للوقوف صفًّا واحدًا في مواجهة المد الحداثي، ولو بتقوية الحس الديني، في حالة كون النص الديني ليس مهيَّئًا للمواجهة العقلية والفكرية كما أشرت إلى ذلك آنفًا.
2. ما هو المشترك الإنساني الذي على أساسه يمكن لمعتنقي الأديان أن يعيشوا في سلام بالرغم من اختلاف عقيدتهم وإيمانهم؟
إنَّ المشترك الإنساني يتلخص في إقرار الحق في الحياة ومنع العدوان، وإذا رجعنا إلى التاريخ القديم والحديث، يمكننا أن نقف على نماذج للتعايش الإنساني في ظل الاختلاف الديني، وذلك أنَّ الدين ليس من وظيفته سن التشريعات ووضع الأحكام وحسب، وإنما تمتد وظيفته المقدسة إلى تنظيم الحياة وحمايتها، ومن حماية الحياة حماية النفس الإنسانية من كل ما يضرها أو يسطو على وجودها، ومن ثم كانت هناك مواثيق كثيرة للتعايش الإنساني بين أتباع الأديان المختلفة، ففي عصر النبوة الهادية، وقَّع الرسول –صلى الله عليه وسلم– تحالفات الدفاع المشترك مع بعض الأطياف الدينية، دفاعًا عن المشترك الإنساني، وهو الدفاع عن الحق في الحياة، لأن هذا الحق ليس له لون ديني معيَّن، بل هو من المقدسات الإنسانية التي يجب أن تذوب أمامها فوارق الدين، ولذلك لا نعجب حينما نرى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يضع ما سمي العهدة العمرية، يتعهد فيها باسم الضمير الجمعي للدولة الإسلامية في ذلك الوقت بحماية أهل الكتاب من كل عدوان على نفوسهم وممتلكاتهم، وعلى هذا النهج سار القادة المسلمون المحرِّرون والمجددون في القرون اللاحقة، على نحو ما فعل عبد الكريم الخطيب في المغرب، وعمر المختار في ليبيا، والأمير عبد القادر في الجزائر، وعلى ذكر هذا الأخير لا بُدَّ من الإشارة إلى التصرف الإنساني الرفيع الذي قام به، حينما تعهَّد بحماية نصارى الشام من عدوان كان يستهدف بيضتهم.
3. هل ما تم من مراجعة ونقد في الفكر الإسلامي، كان كافيًا لبناء انطلاقةٍ معرفية وحضارية جديدة للأمة؟
ج- لا مناصَ من تَثْمِين المراجعات الفكرية المختلفة لترشيد أو نقد الفكر الإسلامي، الذي ينبغي أن نقر بأنه شهد ارتكاسة خطيرة لا مجال لنكرانها، والحق أنه قد استطاعت هذه المراجعات أن تزيل كثيرًا من الغبش والطيش الذي التصق به، ويكفي دليلًا على ذلك الصحوة الفكرية التي بدأ يشهدها العقل المسلم، مقارنة بالقرون العجاف التي تميزت بالجدب الفكري والجمود العقلي اللذين ضربا بجيرانهما على كل جوانب الإبداع الفكري، ولكن تبقى هذه الجهود على أهميتها دون تحقيق الأمل المرتجى، في ظل استمرار سيطرة النزعة المذهبية الضيقة على حساب المجهود الفكري الجامع، وعدم وجود مرجعية فكرية، فالرهان الفكري المطلوب اليوم بإلحاح، هو البحث عن إيجاد مرجعية فكرية، قبل الاهتمام بمواصلة وتطوير المراجعات الفكرية.
4. ولماذا كل هذا الجمود بالرغم من أن حركة النهضة العربية مرَّ على بدايتها أكثر من قرن ونيف؟
ج- عالج الشيخ محمد الغزالي أسباب تأخر العرب والمسلمين في القرون المتأخرة، رغم أنهم احتلوا الصدارة في القرون الأولى، وأرجع ذلك في الأساس إلى تقهقر العقل المسلم، وميله إلى التقليد الأعمى، وبعده عن منابعه الحقيقية المستمدة من الشريعة الغراء، واجتهادات علماء الأمة في مختلف الأعصار والأمصار، ولذلك فإن المخرج الوحيد من حالة الجمود لتحقيق النهضة المرجوة، أو استعادة تألُّقنا النهضوي بالأحرى، يكون بدراسة واعية ومدركة ومستدركة لأسباب الجمود وبتحقيق شروط هذه النهضة ومنها إعطاء حرية المبادرة الفكرية ووضع حد للوصاية الفكرية، التي لا تخدم إلا نزعة الأنا الفكري.
5. هل فعلًا يمكن للأديان أن تتحاور وللعقائد أن تتعارف وتتقارب فيما بينها، رغم أنها مؤسسة على منطق الاختلاف الإيماني والعقدي والطقوسي؟
ج- أعتقد أنه يمكن أن يتحقق ذلك، ولكن ليس بصيغة الحوار المطلق؛ لأن الحوار بين الأديان ليس الغرض منه أن يتنازل أهل كل دين عن دينهم، وإيجاد مشترك ديني يأخذ من هذا الدين ومن الآخر ليشكل هجينًا دينيًّا تذوب أمامه خصائص كل دين، ولكن الغرض منه أن تعمل الأديان على التعاون في الإطار الذي تتقارب فيه الآراء، وتضيق حوله دائرة الخلاف، وأعتقد أنَّ هذا ينبغي أن يقتصر على الجوانب الأخلاقية، التي فيها مساحة كبيرة للتقارب الديني، وأن ينأى عن الخوض في الجوانب العقدية؛ دفعًا لغائلة الحساسية الدينية.
المحور الثاني:
أسئلة عن الحداثة والعنف الديني:
6. يُتَّهم الفكر الإسلامي -كما الإسلام- بأنه يمارس الإقصاء والعنف ضد الأديان الأخرى، بتخصيصه لمباحث في الجهاد وأهل الذمة ودار الكفر، التي لا تزال كما هي بدون تجديد!! فكيف يمكن أن نجدد هذه المباحث لتساهم في إثراء قيم الحوار والتقارب الإنسانيين؟
ج- هذه المباحث من حيث الأصل الشرعي الذي وضعت له لا تحتاج إلى تجديد؛ لأنها لا تزال تحقق مرادها الشرعي بعيدًا عن التأويلات التي أساءت تفسيرها، فالقرآن الكريم ميَّز في الجهاد بين المحارب، الذي تجب محاربته وبين غير المحارب الذي يجب تأمينه، ومن ثم فليس في شريعة الجهاد ما يثير الشبهة إلا ما ألصق به من فتاوى الدهماء، وأما الجزية فهي دليل على إنسانية الإسلام وتسامحه، فلم يؤثر عن تاريخ الإسلام أن الجزية كانت عقابًا لأهل الذمة، بل كانت وسيلة لحفظ ذممهم وأموالهم في مقابلة حمايتهم والدفاع عنهم، هذه هي حقيقة الجزية، وما خرج عن ذلك فإنما هو من حصاد الفكر المهزوز والمغشوش.
7. كثيرًا ما يختلط ويتداخل مفهوم الخطاب الإسلامي مع الخطاب الشرعي والخطاب الديني في الذهنية الإسلامية، فما هي محددات كل مفهوم والمنهج القويم للاشتغال به، حسب تصوركم؟
ج- لا بد من الإشارة إلى أننا -نحن العرب والمسلمين- في هذا العصر نعيش أزمة اصطلاحية، مع أننا كنا الرواد في وضع معاجم المصطلحات، ومن آثار هذه الأزمة الاصطلاحية الخلط بين مفهوم الخطاب الشرعي، والخطاب الديني والخطاب الإسلامي، مع أنَّ لكل واحد من هذه المصطلحات مؤداه ومراده.
فالخطاب الشرعي يقصد به تحديدًا: الخطاب الحكمي؛ أي الذي يتعلق بالأحكام الشرعية، وهو بذلك أَمْيَل إلى الخطاب الفقهي أو الخطاب العقدي، الذي تمثل الأدلة الشرعية مادته الأساسية، فمنها يبدأ وإليها يعود، ويسمي بعض أهل الاصطلاح هذا النوع من الخطاب الخطاب القانوني الإسلامي، ومن شروطه العلم بالأحكام، فلا ينبغي أن يتصدى له إلا من استجمع هذا الشرط، ويلائم هذا النوع من الخطاب المنهج التعليمي؛ لأن تبليغ الأحكام يحتاج إلى الصيغة التعليمية أكثر من احتياجه إلى الصيغ الأخرى، ولهذا كان الوحي الخطاب الشرعي للمكلفين، وهذا الوحي إنما سلك طريقه إلى حياة الناس عن طريق تعليم الرسل أحكامه للناس .
أما الخطاب الديني فمصطلح شَاعَ استعماله في الدراسات الاستشراقية والحداثية؛ لتمييزه عن الأنماط الأخرى من الخطابات الفلسفية والعلمية والاجتماعية وغيرها، ويسمي بعض الاصطلاحيِّين هذا النوع من الخطاب: الخطاب الأصولي أو النصي؛ لأنه يستند إلى حرفية النص الديني، ويلائم هذا النوع من الخطاب المنهج الحجاجي، لأن تأكيد صحة المرجعية الدينية يحتاج في الأساس إلى القدرة على المحاججة والمجادلة، أما الخطاب الإسلامي، فمصطلح يشيع استعماله في الإشارة إلى الخطاب الإعلامي، ويتخذ هذا الخطاب الإسلام مرجعية له في مقابل الخطابات الأخرى التي تتخذ مرجعيات دينية أخرى، ويلائم هذا النوع من الخطاب المنهج الإقناعي؛ لأن التأثير في الآخر يحتاج إلى قوة الإقناع بالدرجة الأولى.
8. تأسست في المشرق الإسلامي تاريخيًّا مذاهب متعددة وفرق عقدية متنوعة، مما شكل إضافة نوعية في ثقافة وحركة الاجتهاد المذهبي والمعرفي، كما كان مصدر إزعاج للمجتمع والسلطة، فما الذي منع حصول مثل ذلك التنوع الايجابي في المغرب الإسلامي؟
ج- ليس صحيحًا ما تذكره بعض المصادر الكلامية من أن الحركة المذهبية في المغرب الإسلامي كانت عديمة الإيجابية والفاعلية، ولو أنها عرفت بعض الرُّكُود بسبب الأوضاع الجديدة التي واجهتها، ويرجع في تفصيل هذا إلى كتاب (تاريخ المذاهب الإسلامية)، للشيخ: محمد أبو زهرة، وخلاصته أن امتداد المذاهب الإسلامية كان شرقًا وغربًا، وقد كان للمذاهب العقدية في المغرب الإسلامي دور كبير في إسماع صوتها وإحراج السلطان، كما حدث في المغرب الأقصى حيث حاول سلطان المغرب المولى محمد في القرن الثالث عشر القضاء على المذهب الكلامي بدعوى الابتداع والانحراف العقدي.
9. للطائفة الإباضية حضورٌ في المجتمع الجزائري بعقيدتها ومذهبها الفقهي، فكيف تنظر الغالبية المالكية في المجتمع لهذه الطائفة؟
ج- من المعلوم أن من خصائص المذهب المالكي أنه انتشر بطريقة سلمِيَّة حضارية، حقَّقَت له كثيرًا من الانسيابية في الأوساط الشعبية والرسمية، وقد بسط هذه المسألة الدكتور نذير حمادو في آخر دراسة له لأسباب انتشار المذهب المالكي في المغرب الإسلامي، والمذهب الإباضي في الجزائر لا يواجه أي نوع من أنواع التضييق التي يشهدها في بلاد عربية أخرى، وهو مذهب طائفة لا بأس من سكان وادي ميزاب، وبعض المناطق الأخرى، وهذا المذهب في الجزائر يمتاز بالرغبة في الانخراط في المجتمع وعدم الانزواء والانطواء، ولم تشهد الجزائر أيَّ دعوة من المذهب الإباضي إلى فرض نفسه بالقوة أو إعلان تبرُّمه من الأغلبية المالكية.
10. ما هي علاقة الطائفة الإباضية بغيرها على المستوى الفقهي والاجتهادي والمجتمعي في الجزائر، وهل هي علاقة تنوع وتشارك أم علاقة توتر وصدام؟
ج- هذا السؤال أجبت عنه آنفًا، ولكن أضيف باختصار أن علاقة الجماعة الإباضية بعموم المجتمع الجزائري الشعبي والرسمي علاقة تنوع وتشارك وليس علاقة توتر وصدام.
11. لم يربط العنف الديني والصراع الحضاري المعاصر بالأديان التوحيدية/ السماوية؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية؟
ج- دعوى العنف الديني ارتبطت بالأديان الثلاثة كما ارتبطت بغيرها من الأديان الوضعية، ولو لم تكن بنفس الحِدَّة، فالحركة السيخية في الهند مُتَّهمة من قِبَل خصومها بممارسة العنف الطائفي، وكذا بعض الحركات الدينية كحركة عبدة الشيطان تُتَّهَم بنفس الاتهام، ولكن أعتقد أن ما جعل هذه الحركات الدينية بعيدة عن شبهة ممارسة العنف الديني هو بُعدها عن الأضواء وقلة الانتشار والأهمية.
12. هل تظنون أن النص الإسلامي يضمر العنف فعلًا أكثر مما يتحدث أو يدعو للسلم والمشترك الإنساني؟
ج- لكم أن تتثبتوا من بُعد النص الديني الإسلامي عن الدعوة إلى العنف أو حتى مجرد الإيماء إليه من استعراض نصوص القرآن والسنة، التي يضيق المجال لتفصيلها، فهذه هي حقيقة النص الإسلامي، وما خالفها فهو مجرد تأويل خاطئ وهوًى مُتَّبَع.

                                             وشكرا لكم.
نشر بموقع مركز نماء :

http://nama-center.com/DialogueDatials.aspx?id=58