الثلاثاء، 17 يناير 2017

The Founding Myths of the American Political Right

الأساطير المؤسسة لليمين الأميركي

بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي
***
تتأسس بعض المجتمعات على الأساطير، وبعضها يغوص بعيداً في أوهام قومية أو دينية أو ثقافية لخلق هوية متميزة، ولا يتم إدراك خطورة هذه الأوهام إلا بعدما تتحول إلى خطاب سياسي قوي وحركي؛ لتخاض به المعارك الانتخابية، وبعدها الحروب المدمرة، سواء داخل التركيبة الاجتماعية الواحدة أو ضد مجتمعات أخرى، فتاريخ الإمبراطوريات الفارسية والرومانية والنابليونية والنازية واليابانية ثم الدولة الصهيونية وغيرها، يذكرنا كل مرة بأن الإنسان يضعف أمام الأساطير التي تنفخ فيها السياسة الروحَ وتجعلها بالوناً قادراً على حمل أحلام بعض الشعوب المتأثرة بها، كما قد يتحول إلى قنبلة متحركة تنفجر في أي سماء وفوق أي أرض، دون اعتبار لمدى التقدم أو التخلف الذي تعيشه المجتمعات التي تنمو على أرضها هذه الأفكار والأحلام.

فـ"و.م.أ" التي تأسست نواتها الأولى 1776م، كانت متأثرة بقادة حرب الاستقلال ضد بريطانيا، وكانت خلفيتهم الدينية بروتستانتية وأغلبهم من المهاجرين من دول الشمال الأوروبي بحمولاتهم السياسية والفلسفية والتنويرية، مما أثَّر بشكل أساسي على الإعلان الدستوري الذي أمسى محطة بارزة وحاسمة في التاريخ الأميركي إلى اليوم.

وما يسترجعه الرئيس المنتخب دونالد ترامب من رؤى سياسية في خطاباته ومواقفه إنما هو نابع من التاريخ الحقيقي لما تخفيه الثقافة السياسية الأميركية منذ بداياتها، تاريخ أسطوري نما على صيرورة انتصارات "الآباء المؤسسين" وما خلفوه من ثقافة ومواقف سياسية، تسيج الهوية الأميركية ضد مخاطر القوميات الجديدة الوافدة وتحديات ثقافاتها العابرة للحدود، التي قد تخلخل أي بنية سبق تعبئتها وإخضاعها لمنظومة قيم وتقاليد وروابط اجتماعية وعاطفية.

وفي هذا الصدد يقول صامويل هنتنغتون في مقال له نُشر في مجلة FP عدد مارس/آذار - أبريل/نيسان 2004م: في هذه الحقبة الجديدة، فإن التحدي الأكثر مباشرة وخطورة الذي يواجه الهوية التقليدية لـ"و.م.أ"، يتأتى من الهجرة الهائلة والمستمرة من أميركا اللاتينية، وثقافة "و.م.أ" الأنجلو بروتستانتية، والعقيدة التي أنجبتها، تعرضت في العقود الأخيرة من القرن الـ20 لهجومات شعبية لعقائد التعددية الثقافية والتنوع في الدوائر الفكرية والسياسية، ورافق ذلك سواد هويات الجماعات القائمة على الجنس أو الإثنية أو النوع على الهوية القومية، وتواجه الهوية القومية لـ"و.م"، تحديا قوى العولمة، كما تحدي الاحتياجات التي تطرحها العولمة بين الشعوب، والدم المعتقد، ويتم صامويل تفسيره ذاك بطرح سؤال أساسي على حد تعبيره: هل ستبقى "و.م" دولة واحدة بلغة قومية واحدة وثقافة أنجلو بروتستانتية أساسية؟ ليعزز سؤاله بتوجيه مرتبك للقارئ له وبتنبيه يعتبره مهماً لشعبه يقول فيه: إن الأميركيين، بتجاهلهم هذا السؤال، إنما يخاطرون بتحولهم في نهاية المطاف إلى شعبين مختلفين بثقافتين مختلفتين، ثقافة أنجلوساكسونية وأخرى لاتينية، ولغتين إنكليزية وإسبانية.
وحتى لا نؤسس مقالتنا هذه على مضامين فكر صاحب كتاب: "من نحن؟ تحديات الهوية القومية الأميركية"، نستند كذلك إلى الهواجس التي أقلقت الأستاذ آلان بلوم، أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة شيكاغو، والتي عبر عنها في مؤلفه:" عقم العقل الأميركي"، إذ تساءل فيه بدوره عن حالة الهشاشة التي يعرفها المجتمع والثقافة الأميركية بقوله: كيف يمكن إذاً تفسير السهولة التي تجذرت بها على أرضنا أفكار تتناقض مع المثال الأميركي؟ بعد أن تحدث بالخصوص عن الفلسفة الألمانية وكيف احتوت الثقافة الأميركية هذه الإشكالات والتساؤلات لم تكن لتظهر بهذا الشكل الصريح والمباشر في أطروحات كتبت بأنامل أساطين الفلسفة والسياسة الأميركية لولا أنها تشكل بؤرة توتر ومصدر قلق في المجتمع ووسط دوائر القرار والتفكير، وتحتضن مخاطر قد تؤدي إلى انهيار النموذج الأميركي المفعم بالكثير من المثالية.

إن الحديث عن بعث مجتمع متعدد الثقافات يتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق، وفي بوتقة يحتضنها العَلَم والحلم الأميركي يعد مسألة مشوشة في ذهن اليمينيين الذين يَكِدُّون من أجل الحفاظ على الخلفية التاريخية التي اجتمع قادة الاستقلال من أجلها، وهنتنغتون يؤكد على شيء من هذه الحقيقة بقوله: إن على الأميركيين أن لا يسمحوا لهذا التغير بأن يحدث، إلا إذا كانوا مقتنعين أن هذا البلد الجديد سيكون بلداً أفضل، وأنه ليس هناك حلم أميركي لاتيني إن هناك حلماً أميركياً خلقه المجتمع الأنجلوبروتستانتي، المكسيكيون الأميركيون سيشاركون هذا الحلم وذاك المجتمع إذا حلموا بالإنكليزية.

إن هذا الادعاء الذي يلخص الثقافة الأميركية فيما قدمه بعض المنتمين للمجتمع وحصر دور البقية في كونهم يشكلون تهديداً بما يحملونه من موروثات ثقافية أو يجب عليهم أن يتخلصوا من كينوناتهم، وكل تاريخهم المتعدد ليسمح لهم بالمشاركة في الحلم الأميركي، يعد هذا مسألة خطيرة، واليوم سنرى أنها لم تبق ضمن ترف الفكر وهواجس مفكري المعاهد بل أمست برنامجاً سياسياً يدافع عنه البعض وينتصر له بَلْهَ خطاباً مباشراً يتبناه الرئيس المنتخب بكل ثقة واعتقاد.

ولكي نفهم جزءاً من سياسة اليمين ضد المهاجرين خصوصاً منهم اللاتينيين لا بد من قراءة توقعات بعض خبراء الدراسات المستقبلية والسياسية، التي أشار إلى بعضها هنتنغتون إذ يورد مثلاً توقعات الأستاذ تشارلز تراكسيلو من جامعة نيومكسيكو؛ إذ يقول: إنه بحلول عام 2080م، فإن الجنوب الغربي لـ"و.م.أ"، والولايات الشمالية للمكسيك ستشكل جمهورية الشمال، وهناك العديد من الكُتاب ممن بدأوا يشيرون إلى الجنوب الغربي للولايات المتحدة بإضافة إلى شمال المكسيك بكلمة مكسيك أميركا أو أمكسيكا أو مكسفونيا.

ويستمر هنتنغتون بالقول إنه يمكن على سبيل المثال قراءة ما يحصل في ميامي أكبر مدينة ذات تجمع لاتيني في "و.م.أ" الخمسين، وإسقاطه على المدن التي ستصبح مثلها في المستقبل، فعلى مدى 30 سنة، أسس المتحدثون بالإسبانية سيطرتهم على كل منحى من مناحي الحياة في هذه المدينة، بحيث إنهم غيروا بصورة جذرية تشكيلها، إن لَتْنَنَة أو هسبنة ميامي هي ظاهرة لا سابق لها في تاريخ المدن الأميركية، وهذه الولاية أصبحت من بين أهم المدن المستقطبة لرجال الأعمال اللاتينيين والكوبيين بالخصوص الهاربين من حكم فيدل كاسترو، وحول المحرك الاقتصادي الكوبي ميامي إلى محرك اقتصادي دولي، وقد حول هذا البروز ميامي إلى مدينة لاتينية يقف الكوبيون في سدة قيادتها، تتمتع بثقافتها واقتصادها الخاص بها، وبحلول عام 2000م، لم تكن الإسبانية هي اللغة المحكية في غالبية منازل المدينة فحسب، بل أصبحت اللغة الرئيسية للتجارة والأعمال والسياسة، وأصبحت وسائل الإعلام والاتصال تتحول إلى اللغة الإسبانية بصورة متزايدة، وأسس الكوبيون كذلك سيطرتهم على السياسة، فبحلول عام 1999، كان رئيس بلدية المدينة ومحافظ ورئيس الشرطة، والمدعي العام للولاية في محافظة ميامي ديد، فضلاً عن ثلثي النواب الأميركيين المنتخبين عن ميامي ونحو نصف نوابها الولائيين من أصل كوبي.

وينظر هنتنغتون إلى الكثافة الديموغرافية لبعض الأقليات بأنها تشكل خطراً، فمثلاً السيطرة الكوبية واللاتينية على ميامي جعلت الأنجلوساكسونية -كما والسود كذلك- يشعرون بأنهم أقليات خارجية يمكن تجاهلها بصورة غالبة، وكان أمامهم واحد من ثلاثة خيارات: فبوسعهم قبول وضعهم كأقلية تابعة خارجية، أو بوسعهم تبني أخلاقيات وعادات اللاتينيين ولغتهم والانصهار في الجالية اللاتينية، والانصهار الثقافي المعكوس، كما وصفه الباحثان الخاندرو بوركيز وأليكس ستيبيك، أو ترك ميامي وهو ما اختار القيام به 140 ألفاً منهم في الفترة ما بين 1983 و1993م، وقد تم التعبير عن هذا الرحيل الهائل في أحد ملصقات السيارات الذي يقول: هل لآخر الأميركيين الذين يتركون ميامي أن يحضر معه العَلم الوطني؟

هذه التحولات الثقافية والديموغرافية هي المحفز الأهم للكثير من المقولات اليمينية التي يخاطب بها اليوم المواطن الأميركي، ويقف في مواجهتها في معركة تشهد مداً وجزراً.

***
نشر بموقع: هافينغتون بوست عربي
رابط المقال:
http://www.huffpostarabi.com/yosef-nasser/-_9333_b_13996428.html
مقالة في موقع الجزيرة 
http://blogs.aljazeera.net/BenYosuf

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2016

لاهوت التحرير الإسلامي في مواجهة العلمانية المتصلبة

بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي
*****

في نقاش هادئ بيني وبين بعض الأصدقاء حول علاقة الدين بالعلمانية، خلصت إلى أن من يتبنى الفكر التنويري اليوم من المثقفين في معزل عن متابعة النقاش الدائر في مجال الفكر الديني الإسلامي بمختلف مدارسه السنية والشيعية، وما أفرزه النقاش الداخلي في سياق الفكر الإسلامي من نظريات وأفكار ورؤى تجاوزت الكثير من المضايق المفاهيمية التاريخية التي كان أهل الفكر الإسلامي متقوقعين فيها ومتوقعين حولها، مثل مفهوم الدولة والمجتمع المدني والعلمانية والعولمة والحرية الفكرية والعقدية..، وكل المفاهيم الوافدة والتي تمت توطينها داخل السياق المعرفي الاسلامي، والتي جوبهت بكثير من النقاش والتحرير والمساءلة.
 
لايزال الكثير من الشباب اليوم لا يفرقون بين معنى الدين والتدين، وكذلك بين المعرفة الدينية وما تعلق بها من ثقافة وممارسة اجتماعية وتاريخية وبين النص الديني، ويعتبر الكثير ممن يسم نفسه بالعلماني بأن التدين صفة قدحية لا يجب أن يوصف بها أي مثقف متنور وأن لا معنى ولا رابطة تجمع بين التنويرية والتدين.
 
·   سوء الفهم الكبير الذي يقع فيه الذين يصنفون أنفسهم في خانة الفكر العلماني هو عدم اطلاعهم الكافي على مدى تجدد المدرسة الإسلامية وما صاغه بعض التنويرين والباحثين من مشاريع هامة

إن التدين سمة سوسيوثقافية وأنثروبولوجية إلى الآن تؤسس لتاريخها بناء على تنقيبها في المعابد الدينية وتتبع طقوس التضحية عند الإنسان في مختلف الجغرافيات والمجتمعات من خلال البحث الدؤوب والتنقيب والمعاشرة للقوميات والمجتمعات البدائية، مما ينبه على أهمية الدين وممارساته عبر التاريخ الإنساني. كما أن الحديث عن المعنى الوجودي للدين عند الإنسان يأتي للحد من الشعور بالفراغ، وحاجة هذا الكائن الفطرية الملحة تفرض عليه البحث عن مثال أعلى يستمد منه الحكمة والقوة والأمل والعدل والأخلاق وغيرها من الفضائل والمُثل العليا.

إن الفكر العلماني الذي يتحدث عنه بعض المثقفين العرب اليوم يبقى في بنيته الفلسفية ومرجعياته متعلقا بالفهم الأولي والمتعصب للعلاقة الحاكمة والناظمة بين المؤسسات والتصرفات الشخصية والمعتقدات الاجتماعية التي يتبناها الأفراد، وقد تجاوزت مباحث الفلسفة هذا النقاش الضيق للمفاهيم، كما تجاوزه الفكر السياسي في بعض البلدان التي طورت رؤيتها للمفاهيم الفلسفية المؤثرة على النقاش العام، وأنوه بهذا الصدد بمضامين كتاب "قوة الدين في المجال العام" الذي ساهم فيه هابرماس إلى جانب بعض الفلاسفة بقراءة جادة ومتوازنة تبين دور الدين ومحوريته في الفضاء العمومي، وبطبيعة الحال لا تخفى المدرسة النقدية التي ينتمي إليها هذا الفيلسوف الألماني الفذ، كما لا يفوتني أن أشيد بالفلسفة الألمانية ومدارسها النقدية على وجه الخصوص.

 
إن سوء الفهم الكبير الذي يقع فيه الكثير من الأصدقاء الذين يصنفون أنفسهم في خانة الفكر العلماني هو عدم اطلاعهم الكافي على مدى تجدد المدرسة الإسلامية وأطروحاتها النظرية وما صاغه بعض التنويرين والباحثين من مشاريع هامة ومثيرة مثلا في المغرب وتونس والسودان وسوريا وإيران وماليزيا وفرنسا. ربما ممارسات البعض لتنزيل الفكر الإسلامي الجديد المتسم بالتنوير اليوم يجعله متورطا في الكثير من المجازفات السيئة من طرف بعض حركات الإسلام السياسي التي يغلب عليها هاجس الممارسة السياسية، بناء على خلفية دينية معاصرة أغلبها تلفيقية، وتقع أفكار أخرى منه، ضحية قرصنة وتشويه وإعادة تأويل وتصويغ تاريخي من طرف الحركات الجهادية مثل داعش والقاعدة، ولكن هذا لا يعني أن يتحيز العلماني للفكر الجزمي ولدوغمائه ضد نِتَاج المدارس الإسلامية المعاصرة ويغمطه حقه وجدية مساهماته
·         والمنكر لضرورة الإصلاح الملح سيصطدم مع واقعه قبل عقله، باعتباره ضرورة وجودية وصيرورة لا يمكن نكرانها أو التملص منها.
·          
والذين يتورطون في تفسير مغلق لعلاقة وطبيعة الدين بالمؤسسات إنما هم الدوغمائيون الفرنسيون الذين لم يستوعبوا بعد التحولات الكبيرة التي طرأت على العالم من حولهم، فهم من يعيد نقاشات الدين دائما للدائرة الأولى وبشكل مستفز وبخلفية سلفية فجة ومفضوحة، كأنهم يرفعون من جديد شعار الثورة الفرنسية: اشنقوا آخر إقطاعي أو آخر ملك بأمعاء آخر قسيس. وأنا هنا مع استيعاب الاختلافات وايجاد أرضية واقعية ومشتركة لتدبير سياسي عقلاني وراشد لواقعنا المضطرب، بكل ما يحمله هذا من مضامين فلسفية تعزز حقوق الانسان وكرامته انطلاقا من اجتهاداتنا وسياقنا الحضاري المتسم بالانفتاح.
 
والمنكر لضرورة الإصلاح الملح سيصطدم مع واقعه قبل عقله، باعتباره ضرورة وجودية وصيرورة لا يمكن نكرانها أو التملص منها. ولا يعني الوقوع تحت الحاجة الملحة الإسراع بالعمل على إعطاء كل الإجابات النهائية لكل معضلة تقف أمام تقدمنا اليوم، فبذلك نكون خرقنا سنة التحول التاريخي وفق سنن وشروط وجودية وقواعد ذاتية وموضوعية، ومن يدعي غير ذلك فهو واقع في دوغمائية بغيضة سبق لنا انتقادها.
إن المخرج من مأزقنا الوجودي، الذي ربطنا بالتخلف وورطنا في استعادة كرنفاليه مثيرة لأوجه التاريخ البئيس لتظهر بؤر استعمارية في جغرافيتنا، ولنشهد عودة قوية لنفوذ دول استعمارية لأوطننا بعد حركة تحرير مريرة منه، هو العمل على المزيد من الإبداع والتفكير الاستراتيجي بعيدا عن الانطوائية أو التعصب، وكذا بتفكيك كل الأيديولوجيات التاريخية التي تسلطت على الإنسان المسلم والعربي، والتخلص أو التخفيف ما أمكن من ثقل خلفياتنا التاريخية النكدة والنكوصية وترويض نرجسيتنا الثقافية والدينية والاجتماعية.
 
·   لو نسمح للتسلط أن يتضخم في مقابل كبح حرية التفكير والإبداع وعزل الإنسان، ستخرج الأمة من التاريخ الإنساني بلا بصمة ولا إضافات، وهو ما يتعارض مع ما دعا إليه الله الذي استخلفنا في الأرض
·          
ومن عتبات الإصلاح اليوم الابتداء بـ:
1-
الفصل بين السلط التشريعية والتنفيذية والدينية والقضائية، والتي يجمعها الحاكم العربي في يد واحدة، مخالفا التجربة الإسلامية التاريخية وروح الشرع وتجربة المؤسسات الحديثة.

2-
اطلاق حرية التعبير وحرية الضمير، وحق الإنسان في اعتقاد ما يشاء، فلا يلزم الناس بما لا يعتقدون فهذا لم يقل به أي عاقل بله رب العالمي، لقوله "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍوقوله "إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُوقوله سبحانه "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْهذا الإله الحكيم دافع عن عقيدة الناس أجمعين، ولو كانت مخالفة لمقتضى الخلق وإبداعه سبحانه، ولكنه أسس للحرية الإنسانية وحرية الضمير في الاختيار، وربط العمل والاختيار العقدي بالحساب والجزاء الأخروي.
إن هذه المقالة وما تضمنته من محاولة لنقاش بعض الأفكار التي يتداولها بعض الأصدقاء في الفضاء الافتراضي وفي نقاشات الفضاء العام، لا تؤسس لنموذج معين مغلق، ولا تدعو لإعادة انتاج التجربة السياسية أو النقدية بناء على استعادة براديغم تاريخي بحد ذاته، كما أني لا أعتقد بصلاحية إعادة وضع نموذج مصاغ وتنزيله على واقعنا الإسلامي والعربي المعاصر، دون المرور بتجربة مستقلة وبناء ذواتنا وفقها ووفق سنن وشروط نهضوية تستجيب لقدراتنا وإبداعاتنا، لأن بقفزنا على الصيرورة التاريخية قد نجعل من سطوة انتصاراتنا الأسطورية، وتحيزاتنا لمخيلاتنا عن حضارتنا وأمجادها، وتعلقنا بنماذج تاريخية، والحنين الجارف للذاكرة الجماعية الشعبية كما العودة الصرامة للذاكرة العالمة لقيم السلف والتاريخ وانتعاشهما بكل تلك المخلفات والمتراكمات، نجعل منها إلها يعبد.
 
وكل هذه الأشياء، قد تجعلنا نتورط في عودة انتكاسية متكررة لنقط الصفر، فنسمح للتسلط بكل أنواعه ليتضخم في مقابل كبح حرية التفكير والإبداع وعزل الإنسان وتثبت الفوضى، لتخرج الأمة من التاريخ الإنساني بلا بصمة ولا إضافات، وهو ما يتعارض مع ما دعا إليه الله الذي استخلفنا في الأرض قبل أن تكرسه فلسفات الأنوار وقيمها. ويبقى النقاش ذو شجون، كما رؤيتنا للاهوت تحريرنا مفتوحة على احتمالات أخرى.




****
رابط المصدر، تدوينات يوسف محمد بناصر على موقع الجزيرة :
http://blogs.aljazeera.net/BenYosuf

الجمعة، 11 نوفمبر 2016

Will Trump Realize Huntington's Prophecy?

هل يحقق ترامب نبوءة هنتنغتون؟

***
بقلم : د.يوسف محمد بناصر 
باحث وكاتب مغربي
***

إن التحولات الكبيرة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة مدعاة للدراسة والكثير من التأمل في مصير الإنسانية وتاريخها، هذا التاريخ الذي يفرض الرجوع إليه دوما، لأنه في هذه اللحظة بالضبط عاد ليحدد ممرا واحدا ملزما في خضم احتمالات كثيرة متوهمة من طرف البعض.

والساسة يظنون بأنهم يستعينون بخبرتهم وأن نجاحاتهم تم تحقيقها بكثير من الدهاء السياسي والخطابي، ولكن مكر التاريخ تكون له الكلمة في الأخير، فيقلب التوقعات والفرضيات ويهيمن في كثير من الجزئيات، كأنه انبعث ليصحح مساره ويذكر بسطوته وقوانينه الثابتة.
الولايات المتحدة تجاوزت إلى حد ما الانقسام العرقي بين البيض والسود بتكافؤ الفرص بينهما في أغلب المجالات الحيوية، ليعوض بالانقسام الثقافي وهو الخطير.
صعود اليمين المتطرف اليوم في كثير من الجغرافيات الديمقراطية اعتبر سحابة صيف في كثير من الدراسات والتقارير، لكن أن يحصل الأمر في خضم تجربة متمتعة بكثير من المصداقية وينظر إليها بكونها أنموذجا ضمن نماذج عالمية رائدة، فالأمر يستدعي الكثير من التبصر والتأمل لقراءة هذه الظاهرة الجديدة والتي تحولت من مجرد حدث لحظي إلى شكل من أشكال الفعل السياسي والأيديولوجي الذي عبر ليؤثر في كل القرارات التي تهم مجالات الاقتصاد والسياسة الدولية وكذلك الثقافة.
فوز ترامب مؤخرا بالانتخابات الرئاسية بعد كل خطاباته المتوترة والمستفزة، وفي كثير من الأحيان المضطربة، هذا الفوز لا يعكس إلا صورة قاتمة لما ستؤول إليه قراراته بعد ولوجه للبيت الأبيض في مستقبل الأيام، وتضخم الخطاب اليميني الأمريكي سيعبر لمختلف الديمقراطيات الرئيسية، وسيكبح جماح تطور الديمقرطايت الناشئة إن لم يقض عليها، لكونها ستتورط في صراعات جزئية مرتبطة بالانتصار للقومية والأيديولوجيات المغلقة.

لقد اعتقدنا أن السيد هنتغتون خسر رهانه حول وقوع الصراع الحضاري، وأن العالم يتجه عكس ما كان يأمل أي نحو السلم وإرساء مبادئ المساواة والديمقراطية واحترام حقوق الانسان.
وقد سبق لهنتنغتون أن ألف كتاب بعنوان "من نحن؟ تحديات الهوية القومية الأميركية، تحدث فيه عن بعض الأراجيف التي أسس عليها هواجسه وتصوراته لمستقبل التعايش المشترك بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يبدو أن عودته للكتابة قبل وفاته حول تهديدات قادمة لم يكن محض صدفة أو مجازفة منه مرة أخرى بخوضه في قضايا ذات خطورة وتعقيد كالتي تهم المشتركات الإنسانية ومستقبلها.
وأعاد هتنغتون التذكير بمخاطر الهجرة والتنوع الثقافي في المجتمعات الليبرالية، فالتهديد في اعتقاده لم يكن من الحضارات المنافسة للحضارة الغربية أمريكا بالخصوص، التهديد هذه المرة والخطورة تكمن في الخط الداخلي، أي فيما تحتفظ به حدود  الولايات المتحدة ، وليس فيما يرد الى حدودها من الخارج.
إن ما يمس ثوابت ومستقبل إمبراطورية القرن الواحد والعشرين هو "التهديد اللاتيني" الذي هو نسق جديد رافض لمنظومة القيم الأنجلو بروتستنتية التي بنت الحلم الأمريكي الحالي، وتجاهل هذا التحدي من طرف أميركا يشكل مخاطرة بالنسبة إليها، خصوصا أن هذه الفئات القادمة إلى أمريكا تشكل نمطا لغويا هجينا وهو الإسبنجليزية (مزيج من الإنجليزية والإسبانية).
واستشهد الباحث على ما ادعاه بكون الرؤساء الأمريكان تعاملوا مع اللغة الإنجليزية بكونها من الثوابت الوطنية وخطا أحمر لا يجب المساس به، فالرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت عام 1917 قال " يجب أن يكون لدينا علم واحد، وأن تكون لنا لغة واحدة، وهذه ستكون لغة إعلان الاستقلال، ولغة خطاب الوداع الذي ألقاه واشنطن، وخطاب لنكولن في غيتسبرغ وحفل تنصيبه الثاني".
 لكن التغيرات الثقافية ومستجدات الهجرة قلبت الصورة والتصورات عن كون  الولايات المتحدة  ذات قومية واحدة، ونقل  الباحث عن الرئيس السابق بيل كلنتون في يونيو 2000 قوله" آمل كل الأمل أن أكون الرئيس الأخير في التاريخ الأمريكي الذي لا يستطيع التحدث بالإسبانية" وفي مايو 2001 احتفل الرئيس بوش الابن باليوم الوطني للمكسيك عن طريق تقليد بث خطابه الإذاعي يوم السبت الذي يوجهه إلى الأمريكيين باللغتين الإنجليزية والإسبانية.
وفي سبتمبر 2003 تم إجراء واحدة من تلك المناظرات بين المرشحين الديمقراطيين باللغتين الإنجليزية والإسبانية. وبتتبع سياسات الرؤساء الأمريكيين في تعاملهم مع ثنائية اللغة في بلدهم نرى تحولا نوعيا وجذريا، ففي أقل من تسعين سنة تغير كل شيء.
وما سبق جعل الكاتب يشعر بالخوف في الخلاصة بقوله " إن الإسبانية أخذت تنضم إلى لغة واشنطن وجيفرسون ولنكولن وروزفلت وكنيدي، على أنها لغة الولايات المتحدة، وإذا ما تواصل هذا الإتجاه، فإن الإنقسام الثقافي بين اللاتينيين والإنجلونيين، يمكن أن يحل محل الإنقسام العرقي بين البيض والسود، على أنه الشرخ الأكثر خطورة في المجتمع الأمريكي".
وأضاف أن خطورة هذا الأمر تتجلى في أن الولايات المتحدة  تجاوزت إلى حد ما الانقسام العرقي بين البيض والسود بتكافؤ الفرص بينهما في أغلب المجالات الحيوية، ليعوض بالانقسام الثقافي وهو الخطير، لأنه قادرعلى زعزعة المجتمع الأمريكي بل الأمن القومي الذي تعمل الدولة على توفيره بميزانيات خيالية.
وفي نظر هنتنغتون فقد أمست الهجرة اللاتينية الهائلة، تؤثر على الولايات المتحدة بطريقتين:
1. أصبحت أجزاء مهمة من البلاد يغلب عليها الطابع اللاتيني لغويا، وثقافيا.
2. كما أن البلاد بأسرها بدأت تصبح ثنائية اللغة والثقافة.
وتجاوز الكاتب مناقشة المشكلة وإيجاد الحلول لها في بعض الأحيان إلى إيراد أقوال تشجع على التطرف والعنصرية مثل قوله "هؤلاء الوطنيون البيض الجدد، لا ينادون بالتفوق العنصري للرجل الأبيض، ولكنهم يؤمنون بضرورة الحفاظ على الذات العنصرية ويؤكدون أن الثقافة نتاج العرق، ولتدعيم مقولته، ولزيادة حرقة البيض على مستقبلهم كان لابد من أن يتبع كل ذلك بإحصاءات لخبراء السكان الذين يتوقعون أنه بحلول عام 2040، يمكن أن يصبح البيض في غير اللاتينيين الأقلية من بين كل الأمريكيين الآخرين".
لنا أن نتوقع مستقبل أمريكا الذي هو على كف عفريت، لأن جميع الاحتمالات مفتوحة من حالة السلم إلى حالة اللاسلم.
وتعميقا للأزمة وتأكيدا لرؤيته، قام  هنتنغتون بمقارنة وضعية البوسنة والهرسك، بوضعية كاليفورنيا الأمريكية، ففي عام 1961 كان عدد سكان البوسنة والهرسك 43% صرب و26 بالمئة مسلمين وعام 1991 كانت هذه النسب هي 31% صرب و44 % مسلمين ، ورد الصرب على ذلك بالتطهير العرقي.
وبطبيعة الحال تذكير الباحث بتلك الصورة السيئة لانعدام التعايش مؤتر جدا ولا أتوقع أن أي أحد نسي ما ارتكبه الصرب ضد المسلمين من مجازر جماعية واغتصاب وقتل وتدمير.
وأسقط الكاتب نفس الوضعية على كاليفورنيا، ففي سنة 1990 كان سكان هذه الولاية 57% من البيض غير اللاتنيين و26% من اللاتنيين، ويتوقع أن ذلك سيتغير بحلول 2040 م، إذ ستصبح نسبة البيض غير اللاتينيين 31% واللاتينيين 48%.
 وقال إن فرصة أن يرد بيض كالفورنيا بالطريقة التي رد بها صرب البوسنة والهرسك هي صفر الآن، ولكن فرصة ألا يردوا بالمرة هي أيضا صفر.
ولنا أن نتوقع مستقبل أمريكا الذي هو على كف عفريت-حسب هذا الخبير- لأن جميع الاحتمالات مفتوحة من حالة السلم إلى حالة اللاسلم؛ من التناسق الثقافي والدمج الحضاري إلى التمزق والمفارقات بشتى أنواعها والسيد ترامب هو تلك النبوءة الموعودة.
***
رابط الموقع الأصلي:
http://blogs.aljazeera.net/BenYosuf

الأحد، 30 أكتوبر 2016

اللفياثان الانتخابي ومتاهات السياسة بالمغرب


بقلم: د. يوسف محمد بناصر
كاتب وباحث مغربي

***
تشتغل الأحزاب السياسية المغربية على غير عادتها على انتزاع مساحات القرب من المواطنين وانتزاع أصواتهم كذلك، ببرامجها المكررة وبآلياتها الكلاسيكية وبخطاباتها التي ألفها بسطاء المجتمع كما الطبقة المثقفة والعالمة، وتبقى الأحزاب المواكبة للتطورات التقنية والمجددة لنخبها والمتبنية لخطاب حداثي معدودة على رؤوس أصابع اليد الواحدة.
إن مقصد الأحزاب السياسية هو كسب أصوات كل الشرائح الاجتماعية، وجعلها منصتةً ومستوعبة لتفاصيل برامج سياسية يعرف الكل أن أغلبها يبقى حبراً على ورق بعد انتهاء العملية الانتخابية، بحيث لو سئل من سيتصدر الانتخابات بعد يوم من فرز الأصوات لقال إنه ينفذ برنامج الملك.
أما الجديد هذه المرة، أن الساسة أصبحوا يتموقعون بين طرفَي نقيض، بين الاستمرار في خط تكريس الآداب السلطانية وتكرار تجارب الأحزاب الإدارية والموالية للسلطة الحاكمة في البلاد، وبين التيار الإسلامي المحافظ والممانع أو اليساري المفعم بكثير من الطاقة والكثير من المثالية.
إن المواطن العادي لم يستوعب لعبة السياسة في المغرب بالشكل الذي يمكنه من فهم العلاقات المعقدة التي تجمع بين كل الأطراف التي تتنازع مناطق نفوذ ودوائر صنع القرار؛ لأنه إلى الآن يمارس مقارنات في جزئيات تخص كل فريق، ويحاسب الأحزاب على تلك التفاصيل اليومية، التي تتعلق بمعيشته وتمسّه مباشرة، أما ما راكمه المشهد السياسي المغربي من تجارب وما أصبح عرفاً سياسياً أو ثقافة تحدد كل تلك الحدود بين النظام السياسي والفاعلين وتأثير التراث السياسي التاريخي والفقهي على كيفيات تدبير المشهد عموماً ومن يتخذ القرارات المهمة والصعبة فلا ينتبه إليه.
إن الاحتكاك الحاصل اليوم بين التيارات المختلفة، وفي ظل دستور جديد دفع الثقافة السياسية وممارستها إلى أن تشهد ثنائية قطبية بين اتجاه يؤسس للإصلاح ويتبنى رؤية يختلط فيها الفكر السلفي مع تراث فكر النهضة والإصلاح وبعض تسربات الحداثة التي فرضت نفسها بشكل أو آخر مع مطامح سياسية واقتصادية واجتماعية لفئات واسعة من الشعب، وهذا مثاله حزب العدالة والتنمية، واتجاه لا يتخلف عن الأول إلا بكونه يشكل فرملة زائدة لصيرورة الإصلاح وبشروط ممنوحة ووفق رؤية لا تعبر عن مطامح الحراك الديمقراطي، وآمال الكثير من الشباب ومثاله حزب الأصالة والمعاصرة، إذن فكلاهما يرشف من عين واحدة يجمع رؤية توفيقية في تركيبة غامضة وهي السلفية والتحديثية، ويتمتع بقدرة هائلة على إنتاج خطاب تلفيقي يستغل نتائج الربيع الديمقراطي بالركوب على آمال شبابه.
إن الثنائية القطبية التي تتشكل في المملكة المغربية بين حزبين متصارعين هي متوهمة، ولا تعبر بصراحة عن نضوج الممارسة والفعل السياسي؛ لكونها لم تؤسس بعد لثقافة تدبير الاختلاف السياسي والأيديولوجي؛ حيث كشفت عن خطاب سيئ وممارسات مستهجنة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وما لم تضع بعد مختلف الأحزاب الأخرى قدمها في إحدى الجهتين بقناعة ووفق رؤية واضحة؛ ليتم تشكيل قوى ضغط وفق مشروع استراتيجي لا يرتبط بالحملة الانتخابية الظرفية، فلا يمكن الحديث عن استقطابات حقيقية، والمطلوب من الأحزاب الجدية التي تملك رصيداً نضالياً وتاريخياً وبرنامجاً سياسياً واقعياً هو وضع بوصلة تحدد تموقعها الفعلي ومدى فاعليتها في تدبير الشأن العام المغربي، ومشاركة المؤسسة الملكية في صنع خيارات واتخاذ القرارات الكبرى بدل الاكتفاء بإنجاز برنامج يومي أو تنفيذ برنامج معد مسبقاً لم يسطره الحزب، ولا يتوافق مع وعوده وحملاته الانتخابية.
اللفياثان الانتخابي هو أن يشكل المنافس السياسي من قدراته الرمزية وخطاباته سلطة معنوية تريح ضمائر الناس ويقنع ضعاف العقول بأنه يمتلك قدرات عجائبية تصلح حالهم، وتوقف بؤسهم، وتغير واقعهم اليومي للأفضل، فيقبلون التنازل عن حرياتهم وقدرتهم النقدية وملكتهم الإبداعية من أجل إتاحة الفرصة للحاكم الرمزي الذي يمثل دور المهدي المنتظر والرجل الخارق من أجل تحقيق الأحلام وفق رؤيته الخاصة وبرنامجه الإصلاحي المثالي الذي لا يقدر أحد على مواجهته أو نقده، فلا ينتبهون لتنازلاتهم ولخسارتهم إلا بعد فوات الأوان، وللأسف، هذا الاختيار يقع وفق الإرادة الجماعية المؤطرة بالأوهام وبكثير من المطامح الشخصية؛ ليستبد الزعيم بالسلطة وأثناء كل نقد أو مواجهة، يستند إلى ما راكمه من شعبية أو تاريخ نضالي، وينظر إلى محصلته الانتخابية النسبية، التي جعلته يتصدر المشهد بأنها تفويض مطلق من كافة الشعب، وأن الفئات الساكتة أو المغيبة أو المعارضة للعبة كلها، والتي لم تعبر عن صوتها، لا تملك إلا الانصياع للتي صوَّتت أو التي منحته كل هذه الشرعية التي أصبحت مشروعية.
في المغرب تلعب الطبقة المتوسطة دور سفينة الإنقاذ وتعمل الأحزاب على استمالة صوتها بأي كيفية وفقت إليها، وأما الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة الأخرى، فتلعب دوراً ثانوياً وهي غير ملتزمة سياسياً في الغالب، وكثيراً ما تقع ضحية الوعود الانتخابية لبعض الأحزاب السياسية، حتى أمست فاقدة للثقة وتنظر للوضع بترقب وتوجس، وإن شاركت فإنها تشارك باستحياء وبراغماتية لتستفيد من بعض الهبات والمكاسب الآنية.
عوداً على ذي بدء، إن الإيجابي في ظل كل الممارسات السياسية المغربية هو طول النفس الذي تتمتع به بعض الأحزاب الجديدة على غير العادة، وقدرة النظام السياسي على المناورة وعلى وضع خيارات متعددة تخدم مشروعه وتجعل سيرورة النظام مستقرة ووضعه آمناً، وترك هامش واسع للفرقاء السياسيين والفاعلين المدنيين للعمل من أجل بناء ثقافة وممارسة ديمقراطية محلية ترتبط بتاريخ الجغرافية المغربية وذاكرة الشعب وتراثه السياسي والديني.
وهذا المران يجعل التحولات السياسية الإيجابية التي يشهدها المغرب أنموذجية في ظل التعثرات والنكسات التي تعترض تجارب الأنظمة العربية الأخرى، ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أي مدى يقدر النظام المغربي على استباق الأحداث وفقه مآلاتها، ووضع الاستراتيجيات السياسية التي تخدم تطور البلد وتعزز تماسك بنية المجتمع والنظام ثم الانفتاح أكثر على الثقافات الديمقراطية العالمية بدل الاعتماد على الآداب السلطانية ونتاج المراكمة التاريخية؟
وهل تقدر الأحزاب السياسية المغربية على صناعة نخب سياسية تتبنى خطاباً مركباً يخدم أجندتها الأيديولوجية وتصوراتها الخاصة لتدبير الشأن العام وامتلاك زمام المبادرة واستقلالية قراراتها الحزبية بعيداً عن الارتهان إلى الغير؟ وكيف يمكن للنظام السياسي كما الأحزاب تعزيز ثقافة سياسية حديثة ودعم النخب الشبابية الصاعدة والسماح لها للتعبير والمشاركة الفاعلة، وتقوية قدرتها على صنع التغيير والمشاركة فيه بثقة وكرامة وحرية، وجعلها قادرة على المنافسة على مراكز القرار بعيداً عن الاستقطاب السلبي والاحتواء في مؤسسات صورية؟
وتبقى التجربة الديمقراطية المغربية ناشئة تتأثر بالأوضاع النفسية والأعراف التاريخية الاجتماعية والثقافية والسياسية للفاعلين السياسيين حتى في تفسير روح الدستور الجديد أكثر من تأثرها بمضامين الوثيقة الدستورية ذاتها، أو تأثرها بالثقافة السياسية المعاصرة ومدارسها الكبرى، مما يخلق عند الباحث والمتمعن في الخطاب والتفاعلات السياسية كثيراً من الارتباك والحيرة والترقب.
***
المصدر:
http://www.huffpostarabi.com/yosef-nasser/story_b_12684470.html

الأربعاء، 26 أكتوبر 2016

التطرف يرسم صورا كاريكاتيرية عن الله والنبي

التطرف يرسم صورا كاريكاتيرية عن الله والنبي

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) يوسف محمد بناصر:

فلسفة الاقصاء تقوم على أن المختلف أو المخالف لا مكان له في دائرة الوجود، لأن وجوده يسبب التشويش والتشكيك وسيكون صوتا مسموعا للكثيرين ومزعجا لغيره.

إن فلسفة الاغتيال عند المتطرفين تقوم على أسس أيديولوجية ونفسية لا يمكن التنبؤ بها، لأنها تبقى متوارية إلى أن تظهر مفاجئة المقربين والمتتبعين. إنها تتأسس على استراتيجية التخويف وافشاء الرعب على أوسع نطاق، وجعل أفراد المجتمع يعيدون التفكير في تفاصيل العلاقات التي تجمعهم بالكثير من أقربائهم وجيرانهم؛ لأن وباء التطرف فايروس عندما يصيب أحدهم ينمو في صمت بين الأقفاص الصدرية ويتناسل بين الأفكار السوداوية لأي كائن انساني. والذين يعانون من ثقل الدوغما المغلقة على ذاتها والمغلفة بكثير من المزايدات، مستعدون للقيام بأي شيء من أجل نصرة منطقهم ورسالتهم.
إن انتشار فلسفة الوثوقية عند المتطرفين والتزامهم بالحد الأقصى من التماهي مع مفهوم الواجب، سواء كان دينيا محضا أو أيديولوجيا صرفا، يجعل خروجهم كل لحظة بسلوكيات شاذة وبمواقف متطرفة قضية مبدئية ومسألة فيها الكثير من الاقتناع بكونهم يسطِّرون تاريخا مثاليا!

إنهم يؤمنون بكونهم يقودون الإنسانية نحو مسار يمحو كل بؤس وتيه وانحراف يمكن أن تشهده الأمم المعاصرة لسبب من الأسباب، وأنهم أمر السماء ويد القدر لتغيير كل هذه الانحرافات الطارئة على المجتمعات وتحقيق بشارة تطهير الأرض من الدنس ثم تحقيق الخلاص الفردي بالصعود إلى الجنة!

اغتيال ناهض حتّر، مثلا، مهما كانت دوافعه يبقى مأساة في قافلة المآسي التي تهب على هذه الأمة من مختلف البقاع. إن هذا الفعل الشنيع يسيء إلى الذات الإلهية أكثر مما ظن هؤلاء أن الكاتب الأردني ناهض أساء إليها. فهُم يغتالون الإنسانية والعقل ويُسخرون كل أدوات مجهوداتهم لقهر إرادة الانسان في أن يكون حرا متطلعا مستقلا ومبدعا. يوجهون رصاصاتهم لكل الضمائر الحية والقلوب المتوهجة بالإيمان المصدق بصفات الله العليا وأسمائه الحسنى.

عن الكاتب: يوسف محمد بناصر، باحث وكاتب مغربي، نشر له عدة بحوث وشارك في تأليف أكثر من كتاب. يعمل باحثا في مركز الدكتوراه جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال في المغرب.
***
مصدر خارجي للمقال:
http://www.irfaasawtak.com/archives/36078

السبت، 8 أكتوبر 2016

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج3.

البراديغم الداعشي… عندما يتحول الإيمان إلى أعلام للقراصنة ج3.
**
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي


أصبح الفكر المتطرف في السياق الحضاري الإسلامي “لاهوت تحرير” في نسخته الإسلامية بعد النسخة المسيحية، وإرهاصات هذا المشروع كانت بداياتها منذ حرب أفغانستان، رغم أنه كان موجها ضد التوسع السوفياتي إلا أنه كان يحمل بين طياته بذور الاستقلال بالقرار وفاعلية ذاتية تخرجه من دائرة التحكم إلى دائرة المبادرة والارتداد ليكون منزعه داخليا بعدما كان خارجيا/ هجوميا بعدما كان دفاعيا. وقد وقع الأمر فيما بعد في جمهوريات أسيا السوفياتية ثم بعدها بالصومال والبلقان فالعراق ثم سوريا..، وبقية الدول “الشرق-أوسطية” منتظرة على اللائحة.

إن استضافة المعسكرات والقواعد الأجنبية في مناطق جغرافية دينيا يمثل سببا تحفيزيا لنمو التطرف، وإذكاء الشعور بعودة الاستعمار للمنطقة خصوصا أنه لم يمر على استقلال أغلب دولها أقل من نصف قرن، والذاكرة لا تزال تنبض بمرارة الأحداث الماضية، مسترجعة صور الاستغلال والتدخل في مختلف شؤون المنطقة الداخلية، وما كرسته ثقافة المستعمر في المجتمع الذي كان مؤسسا على ثقافة القبيلة المتماسكة والممتدة في جغرافية غير محدودة، ليجد هذا المجتمع نفسه منكمشا، قد فتته المستعمر ليسهل فيما بعد هضمه أو توزيعه في دويلات متصارعة ليتم ابتزازها.



إن إشكالية العدل وكيفية تصريفه يمثل جزءا مهما في فلسفة الفكر السلفي الجهادي، لأن مقابله الظلم والمظلومية في بعض الأحيان، يدفع للعمل في الظلام وفي الدهاليز، ورفض كل أساليب تدبير قيمة العدالة، حتى لو كان المجتمع في قمة تمثله لقيمة العدل وتُصَرَّف فيه العدالة بمثالية، وكذا غيرها من القيم. فالوسيلة مهما ارتقت في نظرهم سواء كانت شورية أو ديمقراطية لا تحقق المقصود الذاتي للقيم المنشودة، لأنها منشودة لذاتها وفق تصور مثالي كامل، وأي وسيلة لتصريف هذه القيم إنما هي وسيلة تشويه وتحريف، فكأنهم يودون أن لا تكون هنالك وساطة بينهم وبين السماء، بل تتجلى قدرة ومشيئة السماء بذاتها وبإرادة مطلقة فلا تترك للناس خيارا للتفكير أو التدبير أو الخطأ. فهم يودون أن يروا تدخل “الله” مباشرة في الحياة الدنوية، كما تدخل في حياة أقوام لينزل عقابه أو ليوجههم بشكل مباشر[إنقاذ الأقوام السابقة وبعض معجزات الرسل أو إهلاك البعض الآخر..]، فلا وساطة بل هي حاكمية إلهية مطلقة لا حاكمية بشرية. أما القانون البشري النسبي فلا معنى له كما لا معنى للتنظيمات والتوصيفات التي يتوسلها المجتمع الإنساني للتنظيم وتحقيق القيم المتعاقد عليها فيما بينهم، فكل هذه المفاهيم ومعها المؤسسات هي طارئة تبعد المؤمن الحقيقي عن الفهم الصائب، بحسب تصورهم لمشيئة السماء التي يجب أن تتحقق. وحادثة ذو الخويصرة وقصته مع النبي الأكرم في التاريخ الإسلامي خير شاهد على أن هذه الفئة تبحث عن أفق يتجاوز التفسير الواقعي للنصوص والمفاهيم، كأنهم يقولون للنبي المرسل والمسدد بالوحي بأنهم أكثر تفسيرية للدين ومقاصده منه، متجاوزين تجربته ووساطته لينفتحوا مباشرة على مراد السماء والمعاني الذاتية للوحي. وما حدث فيما بعد من غيره من الخوارج من مناظرات وحروب ضد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب يفسر بوضوح تلك العلاقة المستشكلة بين من يستوعب الدين في جزئياته ويعقل مقاصده الكبرى وبين من يتدين بعاطفته ويرتبط بظاهرية النصوص وأحكامها فهما وتنزيلا، ويرفض التأويل وبحث مناطاتها. وهذه العلاقة المعقدة بين المفاهيم وتمثلاتها الواقعية شائكة، ولاتزال في حاجة إلى تحقيق لأنها تضع المعرفة الفقهية وأحكامها في مأزق ومساءلة دائمة.

إن تفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية الحديثة المتعلقة بالعنف الديني لا يتوقف على جمع ملخصات النشرات الإخبارية ولا تتبع ما تقدمه البرامج الحوارية من معلومات، بل الظاهرة أعقد من ذلك كله وتحتاج لمراكز بحثية تتصف بالدقة المنهجية والعلمية، لأن موضوع البحث يعد إشكالية بنيوية مركبة، يختلط فيها ما هو روحي/اجتماعي بما هو نفسي/تاريخي واقتصادي بما هو سياسي، والنفوس البشرية ليست في الأخير على طبيعة واحدة ولا على نمط معرفي مضبوط، لتتمكن المناهج والبحوث المخبرية من استيعابه، بل لابد أن تستحضر كافة المناهج وتتكامل الرؤى لتكون النتائج قريبة من رصد حقيقة هذه الظاهرة، وهذا الأمر يصعب عمل الباحثين ويجعلهم كل مرة يستأنفون عملهم لدراسة –ربما- نفس الحالة مرارا وتكرارا. وتبقى “الظاهرة الداعشية” ومثيلاتها، رغم ما سبق الإشارة إليه من صعوبات حول آلية دراستها، ظاهرة غير عصية على الفهم، فإمكانية استيعابها وفهم آلية عملها وتفكيك مرجعيتها الفكرية والعقدية ممكنة، لأنها في النهاية تبقى حركة تاريخية وتنظيما بشريا، يتقفى أثر السابقين وتبني طموحاتها وانجازاتها على سلسلة من الإخفاقات والمشاريع المعطلة تاريخيا. ويبدو أن هذه الحركات “امبريا-دينية” تبحث لها عن لحظة تغفل فيها الحداثة لتستعيد نهضتها وتقوم بإتمام مشروعها التاريخي. ليبقى إيمان الناس وسلامتهم الروحية عرضة للقرصنة كل مرة من طرفهم، فهم يجعلون شعاراتهم البراقة حول العدل والرخاء والسعادة الأبدية تعلو أعلامهم، ويعاد مصادرة الإيمان وتقديمه بصور “بئيسة” للعموم وفق رؤيتهم للوجود، وكيف لا تكون لمفهوم الإيمان كل هذه القيمة والبريق وهو يعتبر قنطرة الخلاص الأبدي ! من يستحوذ عليه يقطع الطريق على البقية الأخرى، ليقع بعض السذج ضحية إيمانهم وتتيه البقية في بحور القلق والريبة وغياب المعنى.
* كاتب وباحث مغربي
///

نشر المقال بمنبر الحرية:


http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9547

الأحد، 11 سبتمبر 2016

عالمنا المعاصر والتحولات الصعبة، “العنف المنظم أنموذجا”

عالمنا المعاصر والتحولات الصعبة، “العنف المنظم أنموذجا”

بقلم :د.يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

يقتضي مبدأ التعقل الإنساني في العصر الحاضر، أن ننظر إلى كافة الصراعات والنزاعات الدموية التي تظهر في بقع مختلفة من أنحاء العالم على أنها؛ صيرورة سلبية، ترافق الخلق الإنساني منذ بدء التاريخ، فرغم ما توصل إليه الإنسان من علوم وقوانين وما أبدعه وصاغه من أخلاقيات ومعارف، وما حققه من عمران بشري وصناعي وما مر به من تنوير ونهضة…، لم يستطع بعد هذا “الكائن البائس” أن يضع حدا لنزاعاته ونزواته البدائية، والحادة في كثير من الأحيان، فالعنف في عقيدته وفكره وسلوكه أمسى شيئا طبعيا  أكثر منه تطبعي، ربما لذلك لم يستطع التخلص منه، فهو يمارس العنف غالب نهاره في أنحاء مختلفة من المدن والحواضر والأمكنة والشوارع وحتى في عمله وداخل منزله، بل في كل يوم يتلذذ الناس بمشاهدة أفلام الرعب، والحركة”الأكشن”، والمصارعة في التلفزيون وهم يتناولون وجبة العشاء، ولهم معها موعد أسبوعي على شاشات السينما، فيغذون مخيالهم بها، مما يزيدهم مراكمة للسلوك العنفي، ويزيد غريزتهم تعطشا للبحث عن الإشباع السلوكي؛ فيقعون ضحية الاستدراج، ليمارسوا العنف في أي وقت وفي أي مكان عندما تسنح لهم الفرصة لذلك.
لقد كان النظام الإنساني الاجتماعي والأخلاقي، محصلة تراكم التجارب والتوافقات في التجمعات وبين الأفراد على مر العصور، فأغلب النظم التي تحكم عالمنا اليوم، إنما هي خلاصات التجارب الإنسانية في التاريخ، فتلك التجمعات قامت بصياغة تصورات مشتركة عن الأنظمة والأخلاق، لتحكمها وتحتكم إليها، وتربط بعضها ببعض بها على أساس التضامن والعدل، وتحفظ بها تجمعاتها من الفوضى واللانظام بكل تجلياتهما.
فنزوع الكائن الإنساني نحو تحقيق مشترك أخلاقي واجتماعي، كان الهدف منه تحقيق الإستقرار أولا، ثم التعايش بين مختلف أفراده، بله والتجمعات الأخرى، وتدبيره الخلافات والاختلافات، فوضعت أنظمة تحافظ على روح الوحدة والتكافل الأمني والروحي والاقتصادي والأخلاقي وغيرها، ولم تكن هذه الأهداف المسطرة، وليدة لحظة معينة في التاريخ أو طفرة وقعت، بل كانت نتيجة تراكمات لسنوات ولأجيال متعاقبة، وهي أيضا نتيجة إحساس بالنقص، والحاجة للانضباط لأخلاق الجماعة ولروحها، بعدما تم تأسيس أول مجتمع بشري، وكانت غايته تحقيق الدفء الجماعي وإشباع روح الفرد.
إن ما بني اليوم من ثقافة السلم والسلام في المجتمعات المعاصرة واعتبر مكسبا معرفيا وسياسيا واجتماعيا، كان نتيجة قوة إرادة الفرد والمجتمع الانساني في كبح جماح الانفلاتات الطارئة في السلوك الإنساني؛ والتي تستهدف حرية الإنسان ومكتسباته الثقافية والسياسية والاقتصادية. ولم يكن الفرد وحده هو الذي يهدد ذاك الاستقرار بل كان تغول الدولة ومؤسساتها والتنظيمات الأيديولوجية وانتشار الشطط في استعمال السلطة بسبب الفساد في النظام بقطاعاته الحيوية وتأفف المواطنين من المعاملات اليومية مع الإدارات العمومية، كل هذه العوامل ترسخ السخط في أوساط المواطنين من أجل الانتفاضة بدرجات متفاوتة وبتلقائية ضد كل أشكال القمع والتجاوزات، ولا يمكن أن تصبح انتفاضتهم ذات تأثير كبير إلا إذا كانت خارج بعض المؤسسات خصوصا منها النقابية، حينها يعبر الأفراد بحماسة ودون خلفيات تحد من إرادة ثورتهم؛ إنهم يعبرون عن مطالبهم في الحرية والعدالة والرخاء، وقد تكون هذه المطالب موجودة ولكن وقع عليها المصادرة أو الانتهاك بسبب انحراف في تأويل الدساتير المنظمة للمجتمع والعلاقات والسلط، وهي أنماط متسلسة ومتناسقة من التعاقدات الاجتماعية والسياسية الملزمة التي إذا فسدت فسد كل شيء. وقد تكون الثورة بسبب فشل في وضع القوانين أو سوء تدبير أو فشل في تدبير الحكم أو فساد وممارسة بيروقراطية للسلطة .
إن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المعاصر، يدفع بعجلة العلم نحو أفق أرحب لخدمة الناس، ويعدهم بتحقيق مزيد من الازدهار والرخاء والسلم، ولكن لابد من التذكير بأن التاريخ الإنساني عرف منحى مضطربا أيضا، فمع كل ازدياد للتطور والازدهار والرفاهية وحياة المتع والترف؛ تتوالد في أذهان بعض الساسة والمؤدلجين والبيروقراطيين مخططات معقدة لارتكاب مزيد من الجرائم في حق شعوبهم، فيستغلون منابرهم وعلاقاتهم وأحزابهم ومنظماتهم وإعلامهم..، وتظهر جماعات الفوضى واللااستقرار التي تنتعش من الفوضى وتغتني منها، ويتناسل العنف باعتباره تعبيرا مضادا ورد فعل طبيعي، ليتخذ أشكالا مختلفة، ينتظم في الأرياف والضواحي والأحياء المهمشة، لينمو متجسدا في أفكار يمينية ويسارية متطرفة، ويمتد هذا العنف زاحفا على المؤسسات في أجندة وبرامج سياسية حماسية “فاشيستية” غير معقلنة، وتستغل هذه الفئات المنافذ الديمقراطية والروح الليبرالية للمجتمع لتنشر عقائدها وعداءها لفكر التنوير والاختلاف، فتمتد شرعيتها وتكتسب المشروعية مما بقي من منافذ مؤسساتية، لتصبح اجماعا وطنيا نافذا وتكون “دوغما مغلقة” ليؤمن بها الجميع ويستعد الجميع لفدائها، وربما الوضع الأوربي وما يحدث من نقاشات مجتمعية وسياسية حول “الوحدة الأوربية” و”مسألة المهاجرين” و” تدبير الأزمة الاقتصادية” وغيرها كلها توحي بأن القادم صعب.
إن الترف والازدهار كما التخلف والجهل لهما ضريبتهما الأخلاقية والنفسية والأمنية، وما يحدث اليوم من ظهور لحركات النازية الجديدة وصعود اليمين المتطرف وتناسل الحركات الجهادية بمختلف مسمياتها، وتنامي الحس العنصري والانشغال بتعزيز الهويات الثقافية والعرقية والمذهبية في أنحاء أوربا وأمريكا، وفي مختلف مجتمعاتنا العربية، كل ذلك نذير شؤم على أن الاستقرار الإنساني مهدد، ولا يمكن وصفه إلا بكونه نوعا من الاضطراب الذي أمسى يزعج عالمنا اليوم، ويشكل تهديدا للسلم الاجتماعي والسياسي والأمن الروحي وحريات الأفراد والفكر لجميع المجتمعات. إنه في الأخير؛ ضوء أحمر على أن التنوع الإنساني في المجتمعات الإسلامية والغربية قد انتكس، وأن قبول الاختلافات ومحاولة تدبيرها مهما كانت صورتها أضحى ركنا منهارا وفلسفة باهتة، إنها صورة قاتمة -ويا للأسف- لما يشهده عالمنا من تحولات صعبة وعنيفة قد تنحو به إلى مزيد اضطراب على المستوى الاجتماعي والقيمي والاقتصادي، مما يجعل ما راكمته الإنسانية من فكر تنويري وتراث عقلاني وروح إبداع ومكاسب جمة على جرف هار.
*كاتب وباحث مغربي
منبر الحرية، 10 سبتمبر/أيلول 2016
رابط الموقع: http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/9533