الخميس، 27 أبريل 2017

التطرف الديني يرسم صوراً كاريكاتورية عن الله والنبي


بقلم : يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

****

فلسفة الإقصاء تقوم عند المتطرفين على أن المختلف أو المخالف كيفما كانت توجهاته ولو كان من أقرب الناس لك، لا مكان له في دائرة الوجود، لأن وجوده يسبب التشويش والتشكيك وسيكون صوتاً مسموعاً للكثيرين ومزعجاً لغيره.

إن فلسفة الاغتيال عند المتطرفين تقوم على أسس أيديولوجية ونفسية لا يمكن التنبأ بها، لأنها تبقى متوارية إلى أن تظهر مفاجئة المقربين والمتتبعين، إنها تتأسس على استراتيجية التخويف وإفشاء الرعب على أوسع نطاق، وجعل المجتمع المطمئن لسلامة أفراده يعيدون التفكير في تفاصيل العلاقات التي تجمعهم بالكثير من أقربائهم وجيرانهم وبقية المواطنين، لأن وباء التطرف فيروس عندما يصيب أحدهم ينمو في صمت بين الأقفاص الصدرية ويتناسل بين الأفكار السوداوية لأي كائن إنساني، والذين يعانون من ثقل الدوغما المغلقة على ذاتها والمغلفة بكثير من المزايدات مستعدون للقيام بأي شيء من أجل نصرة منطقهم ورسالتهم.
 

إن انتشار فلسفة الوثوقية عند المتطرفين والتزامهم بالحد الأقصى من التماهي مع مفهوم الواجب، سواء كان دينياً محضاً أو أيديولوجياً صرفاً، يجعل خروجهم كل لحظة بسلوكيات شاذة وبمواقف متطرفة، قضية مبدئية ومسألة فيها الكثير من الاقتناع بكونهم يسطِّرون تاريخاً مثالياً.

إنهم يؤمنون بكونهم يقودون الإنسانية نحو مسار يمحو كل بؤس وتيه وانحراف يمكن أن تشهده الأمم المعاصرة لسبب من الأسباب، وهم أمر السماء ويد القدر لتغيير كل هذه الانحرافات الطارئة على المجتمعات وتحقيق بشارة تطهير الأرض من الدنس ثم تحقيق الخلاص الفردي بالصعود إلى الجنة.
 
إن اغتيال المخالفين والمعارضين وأهل الملل الأخرى مما لهم العهد والأمن مهما كانت دوافعه، يبقى مأساة في قافلة المآسي التي تهب على هذه الأمة من مختلف البقاع، إن هذا الفعل الشنيع يسيء إلى الذات الإلهية أكثر مما يظن هؤلاء كون المخالفين والمعارضين يسيئون لمعتقداتهم المغلقة ولأيدولوجيتهم.
إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن والقتل لتلك النفوس هو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس.
فهُم يغتالون الإنسانية والعقل ويُسخرون كل أدواتهم ومجهوداتهم لقهر إرادة الإنسان المؤمن وغيره من المخالفين حتى لا يكون حراً مستقلاً ومبدعاً ومختلفاً، يوجهون رصاصاتهم وأحزمتهم الناسفة لكل الضمائر الحية والقلوب المتوهجة بالإيمان المصدق بالله القدير وأسمائه العليا الذي جعلنا اختلافنا في العقيدة واللون واللغة آية من آياته.

إن هؤلاء المتطرفين يوقعوننا في حيرة وذهول دائم بين أن نتقبل هذه الوقائع الدامية على أنها حوادث يوم عادي في سنة كبيسة؛ لنستسلم لخزعبلاتهم الفكرية وترهاتهم الأيديولوجية وبين ادعائهم بكون هذا العالم كله مختزل في مساوئه، ويجب تسريع نهايته حيث ستتحقق السعادة والعدالة والمجتمع المثالي، ويجب أن نصدق ذلك بدورنا وألا نقف منتظرين تحققه وفقط، بل نلتزم بخطتهم من أجل النهاية السعيدة!


إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن الذبح والقتل بالأحزمة الناسفة والدهس بالشاحنات لتلك النفوس إنما هو تحقيق لشعيرة من شعائر معتقده، وهو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس. وللأسف من ينظر في خريطة جرائم التنظيمات المتطرفة على شساعة خرائط تمكنها من الجغرافية العربية، لن يجد تفسيراً لكل هذا الاستخفاف بالدماء والأعراض غير كون بعض الثقافة الدينية التي يرتوي منها هؤلاء المتعطشون للدماء لا تقف عن حدود فسادها بل تعدته فأمست تلك الثقافة مميتة وقاتلة لمن يعتقدها. 


لقد أصبح هذا الشكل من التدين قاتلاً ومفزعاً، وتجفيف هذه المنابع ليس بالأمر الهين؛ لأنه يحتاج لتنظيف مضاد مبني على نقد ذاتي وهو ما لا يستطيع الكثير من الوعاظ والعلماء والمثقفين تقبله، لأن فيه مساً بطهرانية مشربهم ونرجسيتهم المعرفية، فلا يقبل الطعن في خلفيتهم الفكرية أو الدينية. 

لقد وصل الأمر ببعضهم إلى جعل كل النِّتاج الفقهي والفكري البشري المتصل بالنصوص المقدسة بمستوى المقدس نفسه، وهنا ولدت أيديولوجيا الدين المتطرف وتمكنت وبدأت تخوض الحروب باسم الإله الذي رسموه في حالة غضب دائمة، يرفع أعلاماً لحرب لا تضع أوزارها أبداً، وصادرت هذه الفئة كل التفسيرات والتأويلات لصالحها، سواء الدنيوية أو الأخروية. 

إنهم نموذج مستعاد لذي الخويصرة حرقوص بن زهير التميمي ت 37هـ الذي قال للرسول الأكرم اعدل يا محمد! ليرد عليه الرسول عليه الصلاة والسلام بالقول: ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. هذا النموذج المتنطع قادر على هتك كل المحارم وانتهاك كل المحرمات، وادعاء أنه الأقدر على ايصال الناس للجنة بأمان أو ردهم عن النار بالترهيب.

هؤلاء لا يحفظون أو يؤولون بشكل سيء قول الرسول يوم حجة الوداع: فإنَّ دماءَكم، وأموالكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا، هل بلَّغتُ؟ وقد يشهدون بعد ذلك بأن نبيهم لم يبلغ شيئاً! هؤلاء يمسحون عن كتبهم قوله عليه الصلاة والسلام: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ويغلقون أعينهم عن قوله تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (سورة المائدة).  إنهم مستاؤون جداً من كل هذه النصوص وغيرها، لذلك فهم من يرسم رسومات كاريكاتورية ساخرة عن الإله والنبي والدين بأفعالهم الإجرامية، وبتفسيراتهم المختلة، واغتيالاتهم وحوادث الدهس وتفجيراتهم دليل على انهيار أطروحاتهم، وارتباك منطقهم وخسة مقصدهم.

///
المصدر:

الأربعاء، 12 أبريل 2017

تأويلية العنف المقدس بين قراصنة الدين وإرادة السماء


بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي

******
يعتبر العنف لعنة تلاحق الإنسانية منذ بداية التاريخ، منذ أن قال ابن آدم لأخيه: لأقتلنك، ولا يمكن التعامل مع هذه الإشكالية بمزيد عنف على مستوى التأويل أثناء محاول التفكيك والفهم أو بتوجيه أصبع الاتهام للمقدس بكل بساطة، لأن النصوص المقدسة تقترح تعاملا لاعنفيا بالمقابل في سياق نفس الحادثة التاريخية لرد رعونة الأخ القاتل، بذلك يرد المقدس التهم عن نفسه، ويحاول توريط الإرادة الإنسانية في أسباب وقوع كل هذا العنف، الذي أمسى عنصرا مكونا للطبيعة البشرية، فقد قال هابيل لأخيه حينها: "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".
إن بعض الذين يمارسون العنف اليوم يؤثثون سلعتهم بالنصوص المقدسة، ولهم إمكانات وقدرات لا محدودة من التأويل تستقوي بالتاريخ والممارسات الدوغمائية، التي لا تنتهي بفهم مؤسس للتعايش بل العكس، فرسالتهم لا تهدف لتحقيق الاستقرار بقدر سعيها لتحقيق اللاتوازن من أجل التعجيل بخروج المصلح المُبَشَّر به في آخر الزمان والفوز بالموعود، إذ إن الفوضى إذا امتدت تقرب نهاية العالم حسب المعتقد الإسلامي، خروج المهدي المنتظر المسلم أو اليهودي أو المسيحي، ووقوع معركة الهرمجدون، وهذا يمثل عتبة حتمية أولى للعمل لتحقيق المبتغى من إسراع الاصلاح الجذري والتخلص من المدنس والفساد الذي يسود العالم.


من يمتلك المرجعية الفكرية والعقدية وينشئ مؤسسة مبنية على خلفية تاريخية توازي ما كان في عهد الصدر الأول في الإسلام، فسيتمكن من بناء طائفة قوية ومجتمع منسجم.
إن تخفيف العنف وفق تصور الأديان التوحيدية لا يكون إلا بالأضحية الحيوانية، كالكبش الذي أمسى رمزا من رموز الفداء مع قصة إسماعيل الذبيح، كأن الأديان التوحيدية تقوم بتحويل العنف وتلطيف ممارساته وما يرتبط به من تأويلات، وتقطع مع طقس التضحية بالإنسان على المذبح، والذي انتشر في معابد الأديان الطوطمية القديمة. ثم تأتي بعدها بعض العبادات والطقوس الأخرى؛ كالصلاة والصوم والوضوء لقوله عليه السلام: فإذا غضب أحدكم فليغتسل.

أبدت عدة جهات إسلامية فقهية وفكرية تخوفها من أن يخطف معنى الدين بتوظيف التأويل المذموم، ويسطر الخاطفون الحقيقة باسم إلههم المتخيل ويكرسونها بعنف ويجعلون كل المعاني الأخرى المحتملة والمضمرة غير قابلة للظهور ولا للكشف، فتتأسس مؤسسة مقابلة تستند لتلك الرمزية لغلق الباب أمام أي اجتهاد أو اختلاف في الرؤى واستراتيجيات التأويل والفهم والممارسة.

إن قصة مسجد ضرار في الإسلام والذي بني إلى جانب مسجد قباء كان محاولة للاحتيال على السلطة الرمزية التي شكلها الرسول الأكرم مع الصحابة في المدينة المنورة، وهي محاولة من المنافقين لمصادرتها بإنشاء مقابل لها ليشكلوا جبهة تصادم المؤسسة الرسمية ولتعم فوضى المؤمنين ثم يبدأ صراع المؤسسات والتأويلات. ولقد قاموا بعدها بمحاولة الاغتيال المشهورة للنبي الأكرم في غزوة تبوك.

أما اعتراض ذو الخويصرة التميمي المحسوب على توجه طائفة الخوارج المتطرفة على تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم؛ فقد كان محاولة لتفكيك رمزية الرسول في إحقاق مفاهيم كالعدل والمساواة والرحمة والأخوة، وإبداء الرجل اعتراضه كان ممارسة تأويلية متطرفة منه، قصد بها إحراج وإرباك مؤسسة الرسالة المحمدية وإفراغها من مضامينها الأساسية والتشكيك في صدق توجهها وموضوعيتها، باعتبارها هي التي تنشئ القيم وتتفرع عنها وتُشَرّع وتراقب السلوكات الاجتماعية الصادرة عن المؤمنين. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذاك الرجل وقيمه النَّزقة التي ستكون بؤرة مثالية وخصبة لنمو أهم فرقة خوارج في التاريخ السياسي والعقدي الإسلامي. والتي أسست للعنف وخاض مع المجتمع تجربة مريرة معها استمرت لعقود. ونتج عنها ولادة مدرسة عقدية مبنية على تأويلات خاصة واستراتيجية إصلاحية عنفية، ولا تزال تلك التجربة ترمي بظلالها على سياقنا المعرفي والسياسي إلى اليوم مع الفرق والحركات السلفية والجهادية المختلفة.


  •  
"القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه، لأن الإنسان قادر على تحوير وتحويل النصوص ولي أعناقها لتخدم مصالح طائفته ونفسية المؤمنين على وجه قبيح وغير مستحسن".

إن الصراع اليوم بين المتدينين المتطرفين والمعتدلين هو صراع قدرة على التأويل، ومن يمتلك المرجعية الفكرية والعقدية وينشئ مؤسسة مبنية على خلفية تاريخية توازي ما كان في عهد الصدر الأول في الإسلام، فسيتمكن من بناء طائفة قوية ومجتمع منسجم مع نتاج التأويلات الاجتماعية والدينية. وإن نجح المتطرفون في كسب معركة التأويل تنتهي الأنماط الإيمانية الأخرى والمدارس الإسلامية العقدية والفقهية التي لا تنسجم مع تطلعات وقراءات المتطرفين للمقدس، وستتحول المؤسسة الرسمية التي تحمي الخطاب الديني وتعيد بلورته وتجديده وتوجهه مستوعبة الزمان ومدركات المؤمنين وذهنياتهم وحاجتهم، لمؤسسة تستعيد التاريخ والأنماط الإيمانية غير المفككة والتي كانت تعاني من تشوهات عقدية ونفسية وعرقية وتاريخية مستعادة، والتي شكلت عائقا في تقدم العقل الإسلامي في لحظة من لحظاته الماضية ولا تزال. 

وما يحدث اليوم من عنف واصطدام بالعقل المنغلق إنما كان صورة تحديثية لهذه الصور المصغرة للمستعاد من تلك التشوهات ومزالقها، كما أن تحدياتها الخطيرة كامنة في كونها في حالة حركة ونشاط مع تنامي جغرافية الصراع الديني وسعة الاستقطاب لصالح هذه الحركات التي تنبعث بين الفينة والأخرى، وساعد على ذلك خصوبة الظروف الجيوسياسية وسعة القلاقل في المنطقة الممتدة على مدى الجغرافية العربية والإسلامية.
لقد فهم الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب مسألة الصراع بين دولته الفتية والمؤسسات التي يقوم على تدبيرها وبين طائفة الخوارج، فهم بأن الصراع قائم على أساس التأويل وأنه صراع على امتلاك المعنى وفهم المقدس، لذلك لما بعث ابن عباس لمحاججتهم قال له: لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، هذه الالتفاتة العجيبة والفطنة من الخليفة تظهر مدى إدراكه للحرب التي تشن عليه وقتها وأساليبها، لذلك استبق حيلة الخوارج بتضييق المعنى عليهم وهدم ملجئهم المتضمن في النص المقدس المفتوح على التأويل والمفعم بالحيوية والخصوبة.



  •  
تجاوز العنف يكون بتقديم منهجية معرفية متكاملة ومصدقة بما قدمه العقل البشري من معارف، لتخدم النص وتسعف العقل المسلم للاجتهاد والتجديد.

إنه في الأخير يعبر عن عنف التأويل وخطورته، وقد عبر كذلك حَبْر الأمة وعالمها عبد الله ابن عباس عن هذا المعنى بقوله: القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه، لأن الإنسان قادر على تحوير وتحويل النصوص ولي أعناقها لتخدم مصالح طائفته ونفسية المؤمنين على وجه قبيح وغير مستحسن. وللجهل والتأويل المذموم والانتحال مزالق تهدد المقدس وتحوله إلى غول أسطوري قاطع طريق أو إلى سيل من المعاني يجرف كل ما يجد في طريقه ويؤسس لدوامة عنف لا تنتهي، وقد حذر النبي الأكرم من هذه المخاطر بقوله: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

إن رهان المؤمنين اليوم هو إثبات قدرتهم على الإبقاء على صفاء المعنى في ظل تأويلاتهم لأنماط الإيمان في ظل التعدد، وتأسيس رؤية جديدة لفلسفة التعايش ومراجعة مبادئ تدبير الاختلاف وفق رؤية تستوعب المخالف ولا تصادر الآراء الإنسانية المغايرة، وتفكيك نزعة امتلاك الحقيقة المطلقة التي تعمي بصيرة المتطرفين وتغري عقولهم ببدء التحرك للحديث باسم الله وممارسة الحرب على غيرهم من المخالفين. 

وتجاوز العنف لا يتأتى بإغلاق النص المقدس ونزع إيمان الناس ومعتقداتهم والسخرية منها سواء من المؤمنين المتطرفين أو اللادينيين، وإنما يكون بأنسنة المفاهيم وجعل الدين في خدمة الإنسان، وتقديم منهجية معرفية متكاملة ومصدقة بما قدمه العقل البشري من معارف، لتخدم النص وتسعف العقل المسلم للاجتهاد والتجديد، وعدم نزع النفعية والفضيلة والشرعية عن المعرفة الإنسانية ومناهجها، والسعي الحثيث للسمو بالعقل وتفكيك كل الدوغمائيات والجزميات التي راكمها التاريخ على ضفاف الحضارة الإسلامية.


****
الرابط الخارجي 

الجمعة، 7 أبريل 2017

بنكيران والعثماني ونظرية الدوائر الثلاث في الممارسة السياسية المغربية

بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي.

*****

تتنازع دوائر النفوذ السياسي في الوطن العربي عدة قوى، هي العشيرة والزاوية والحزب ثم الدولة بأجهزتها، والمشهد المغربي ليس بدعاً مما تعرفه بقية الأقطار الأخرى. ولقد أمست الحركات الإسلامية منذ ظهورها تتقاسم مع الزاوية أدوارها بل بدأت تسحب منها الشرعية وقدرتها، ومن قادة الحركات من أسس لمشروعية خطابه من داخل الزاوية. ومن الأحزاب السياسية ما استند إلى العشيرة والقبيلة ليبني تجربته على أساس النزعة العصبية واللغوية. والدولة بمفهومها العصري يلفظها الواقع العربي عنه، بحيث إن الثقافة المجتمعية تشبعت بالممارسات التاريخية الكلاسيكية التي امتدت لأزيد من عشرة قرون. 
فمفهومها لايزال في الوطن العربي تتقاذفه الكثير من الممارسات التي لا تعبر عن خلفية تاريخية أو أيديولوجية مؤسسة وواضحة بشكل يحسم في طريقة الحكم وآليات تدبير الصراع السياسي داخل القطر الواحد. فالتجربة حديثة والنظرية السياسية العربية كانت مترددة بين القطب الشرقي والغربي وبعضها فضل أن يعتمد على التاريخ والآداب السلطانية أو يخلط بين النظريات السياسية المعاصرة وبعض ما بقي من ممارسات فقه السياسة الشرعية، والذي دون تحت إمارة الغلبة والسيف. 
والمملكة المغربية والسعودية وبعض الإمارات الخليجية نموذج حي لصور الدولة القادمة من التاريخ البعيد والمشبعة بالتقاليد والأعراف، مع اختلاف في الحدة والانجذاب لذلك بين كل دولة وأخرى، بحسب التجربة التاريخية والاحتكاكات الحضارية المحدودة مع ثقافات أخرى، وبحسب التموقع الجغرافي لكل واحدة على حدى أو بعض نفسيات القادة.
 

لم تفرز هذه النظريات السياسية كما ممارساتها ثقافة سياسية راشدة على أرض الواقع ولم تتمكن من صناعة زعماء ملهمين ومبدعين يثيرون الانتباه في الواقع السياسي العربي. وظهور الحركات الإسلامية بحدة واندماجها أو انخراطها في العمل السياسي المتأخر جعلها تستفيد من كثير من الأخطاء التاريخية التي وقعت فيها الأنظمة والحكام ومن بعض الثغرات المعرفية والتاريخية في النظرية السياسية الإسلامية، لتبدي قدرة متفوقة على المناورة ومرونة في التعامل مع المستجدات الثقافية والدينية التي تغري الشعوب وتجذبهم لنموذجها. 


قطباً سياسياً محافظاً ومقرباً من النظام السياسي المغربي يحاول الحافظ على مساحة فارغة بينه وبين الحزب الإسلامي، ويصادر أي ممارسات رمزية ويبدي تحفظاً من المشاريع الإصلاحية.
ومن المُغْرِيات، بحث الشعوب عن زعيم صالح أو مصلح محتمل لاعتقادهم بالمهدوية تاريخياً ونفسياً وروحياً، هذا المنتظر الذي سيقود الناس للتقدم كلما بدى أنهم بدأوا يفقدون الأمل من التغيير أو يملون الممارسات الفاسدة كما سوء أحوالهم. وقد كانت بعض الشعوب أكثر قدرة على إبداء معارضتها وثورتها على نمط الحكم الفاسد وكسر صورة الزعيم غير الوطني، فلم تنتظر وعد التاريخ ولا حتميته ولا وعوده البعيدة المنال، ونستحضر هنا ما وقع من ثورات عديدة خلال القرن الماضي ونمثل بدولة العراق ومصر وإيران.
 

ومرونة الحركات الإسلامية وقدرتها على المناورة في صراعها التاريخي مع الدولة لم يمكنها بدورها في لحظة الانتشاء بالانتصار من ممارسة نقد ذاتي لمسارها المعرفي والأخلاقي وصيرورة ممارساتها وسلوكيات أفرادها وقياداتها، مما ورطها بدورها في تكرار أخطاء زعماء وقادة بلدانهم، فاستنسخوا نفسياتهم. فالزعماء باقتناعهم أنهم يمثلون رأس الحكم ولا شيء دونهم، ويمثلون دائرة مطابقة لوجود فعلي للدولة ولأجهزتها. فخلقوا من أنفسهم طواغيتاً سياسية، واقتنعوا أنهم المهدي الموعود ليحتالوا على الأتباع بإنعاش مخيلتهم كل مرة بخطابات عاطفية تستجدي تعاطفهم وإيمانهم بقدراتهم العجيبة. 

مما يضعف دور المؤسسات ويلخص أدوارها في صورة الزعيم وينهي أي معنى لمؤسسات الدولة التي تنهار كلية بانهيار قدراتهم. فوجود الزعيم بين شعبه يشعرهم بالاطمئنان، وقدرته على الحركة وتحقيق المكاسب على غرمائه وغلبته لهم يظهر سلامة وقوة النظام بل في بعض الأحيان يعطي له شرعيته. وهذا كله توهم وسوء تقدير لذات الزعيم ولأساليب تدبير الحكم، فالتجربة المعاصرة ألغت هذا الوهم وكشفت زيف الادعاء، ابتداء بسقوط السوفيات إلى ما بعد انهيار النموذج التونسي والليبي والمصري، وتبقى الأنظمة العربية الأخرى في اضطراب وتوجس وترقب.
 

إن التجربة المغربية تعيش في ظل تحولات الربيع الديمقراطي مراناً صعباً، فالأحزاب السياسية فقدت قدرتها على القراءة الاستباقية للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي تطرأ على الواقع المغربي لضعف أصابها. ليجد النظام المغربي نفسه إما أمام أشخاص اكتسبوا مشروعيتهم من الحراك الديمقراطي أو من برنامجهم ووعودهم الانتخابية أو أمام منظمات حقوقية ومجتمع مدني يتابع بكثير من القلق والريبة حركات وسكنات الفاعلين السياسيين المغاربة، ونجد هؤلاء لديهم الكثير من التحسس تجاه مواقف بعض الرموز الموالية للنظام سواء كانوا أحزاباً أو أشخاصاً. ويعتقد الفاعل المدني كما الحقوقي أن أي سلوك لا يستند إلى الممارسة الديمقراطية أو روح الدستور يعتبر انتكاسة ومصدر تشويش على المكتسبات السياسية والحقوقية خصوصاً بعد التعاقد على دستور 2011م، ومضامينه التي تتعلق بتدبير الشأن العام واحترام دور المؤسسات وسلطها.


إن ما أفرزته انتخابات 7 أكتوبر 2016م من فوز مسموم لحزب العدالة والتنمية، المعبر عن خلفية المشروع الإسلامي، بعدم قدرته على تشكيل الحكومة مع فرقائه من الأحزاب السياسية المغربية، بعد إعفاء الأستاذ عبد الإله بنكيران وتكليف الدكتور سعد الدين العثماني، ليظهر شدة الصراع القائم بين دائرة المؤسسة الملكية والمقربين منها ودائرة المجتمع الحقوقي والمدني ودائرة الحزب الإسلامي الفائز والمعبر عن الإرادة الشعبية وطموحات الحراك الديمقراطي. 
إن فلسفة الدوائر الثلاث في علم النفس والتي أسسها البروفسور بيتر مارش أستاذ علم النفس بجامعة كامبريدج، تؤكد أن لكل إنسان مياه إقليمية وحدوداً مثل الدول، وأن أي إنسان يجلس في منتصف دوائر غير مرئية تحيط به لا تسمح باختراقها إلا لمن نحبهم فقط، وننزعج إذا اقتحم علينا حياتنا أو دوائرنا أشخاص غير مرغوب فيهم. وأي اقتحام لتلك الخصوصية يقتضي من الذات إيجاد حواجز وتعبيرات وتصرفات تظهر توترنا، والتصرف وفق ما يقتضيه الحفاظ على حدودنا للحد من اقتراب الخصم أو الغريب من ذواتنا. 
ولتجريب تنزيل هذه النظرية على الوضع السياسي المغربي نجد أن قطباً سياسياً محافظاً ومقرباً من النظام السياسي المغربي يحاول الحافظ على مساحة فارغة بينه وبين الحزب الإسلامي، ويصادر أي ممارسات رمزية ويبدي تحفظاً من المشاريع الإصلاحية التي يقدمها بله المواقف والسلوكيات السياسية التي يبديها القادة ومناضلو هذا الحزب، ويستند ذلك القطب على الآداب السلطانية والتقاليد والأعراف التاريخية المخزنة المتوارثة، التي تجعل من المخزن المسؤول الأول والأخير عن أي إصلاح والقادر على استيعاب حاجات وطموحات الشعب ولكن وفق نموذجه واستراتيجيته وبرنامجه. 
ووفق نظرية الدوائر الثلاث فالمخزن منظومة سياسية وأيديولوجية وكائن تاريخي بمفهوم العروي الذي يسمه بأنه التحرك بحسب المتاح للبشرية أي وفق الظروف الحتمية المتاحة للإنسان وليس خارج تلك الظروف. والمخزن بالمفهوم التاريخي البوبري، يعني كارل بوبر، هو القادر على إيجاد قوانين التغيير الاجتماعي. هذه القوانين زاحم فيها الحزب الإسلامي النظام السياسي أو المخزن فما كان عليه إلا أن يتخذ له استراتيجيات تدافع عن دائرة صناعة قراره وتوسيع خياراته بعيداً عن مناوشات الحزب وخلفية مجيئه للسلطة، مما ورط السيد بنكيران وبعده العثماني، في مشهد سياسي كاريكاتوري بحسب المتتبعين، وضخم غموض المشهد من شكوك المجتمع المدني وتوجسه من مآلات تدبير الفاعلين السياسيين للسلطة والشأن العام. وخلق هذا الجو توتراً داخل أروقة الحزب نفسه، لتبدأ الاتهامات بالخيانة والاستقطابات والموالاة والنزاع على المكاسب والأتباع والتنازع على المصداقية والشرعية بينهم، مما يضع المؤسسة الحزبية وأطرها في رجة وحيرة.

السبت، 4 مارس 2017

العقل الإسلامي والحداثة والعنف

العقل الإسلامي والحداثة والعنف 
****
حوار مع الأستاذ الدكتور محمد بوالروايح
الأستاذ متفرغ بجامعة بروفانس بمرسيليا – فرنسا

حاوره: د. يوسف محمد بناصر – باحث وكاتب مغربي

2/21/2017
هناك جدلية خاطئة يتداولها بعض دعاة الفكر الحداثي والفكر الديني على السواء، وهي الاعتقاد بأن هناك تنافرًا طبيعيًّا بين ما هو حداثي من نتاج العقل وبين ما هو ديني من نتاج الوحي، والحقيقة أنَّ الدين في مفهومه الشمولي يستغرق كل القيم العقلية التي قامت عليها الحداثة، وذلك قبل أن تلوِّثَها الأفكار الدخيلة التي أضيفت إليها وهي ليست من جنسها ولا من أسسها في شيء، وإذا أردنا تفصيل ذلك فإنه يمكن القول إن العقل وكل متعلقاته من حداثة وتقنية وتطور....


المحور الأول:
أسئلة عن العقل الإسلامي والنص الديني:
1. أصبح الحديث عن الأديان والحوار والتعايش بين الحضارات يفرض نفسه بقوة في الميديا العالمية، فكيف استطاعت فكرة الأديان فرض نفسها في المجتمع المعاصر، في مقابل مشروع الحداثة وقيم التقنية والعقل؟
ج- هناك جدلية خاطئة يتداولها بعض دعاة الفكر الحداثي والفكر الديني على السواء، وهي الاعتقاد بأن هناك تنافرًا طبيعيًّا بين ما هو حداثي من نتاج العقل وبين ما هو ديني من نتاج الوحي، والحقيقة أنَّ الدين في مفهومه الشمولي يستغرق كل القيم العقلية التي قامت عليها الحداثة، وذلك قبل أن تلوِّثَها الأفكار الدخيلة التي أضيفت إليها وهي ليست من جنسها ولا من أسسها في شيء، وإذا أردنا تفصيل ذلك فإنه يمكن القول إن العقل وكل متعلقاته من حداثة وتقنية وتطور، كل هذا الزخم العقلي متضمن في الدين، من حيث إن الدين في حقيقة أمره لا يجافي الحداثة والتقنية والتطور، وإلا تحول بالضرورة إلى ممارسة طقوسية بحتة ومحدودة في الزمان والمكان، وهنا تبدأ المفارقة، ذلك أنَّ الدين ليس صورة نمطية واحدة، بل هو مزيج من التصورات والاعتقادات بما أسميه الفسيفساء الدينية، التي تصبغ صورة العالم المتدين، وهنا يجب التفريق بين دين قادر على التحدي والثبات في الصراع الذي فرض عليه من دعاة الحداثة، وبين دين لا يملك مقومات هذا التحدي، فالإسلام الذي من خصائصه الشمول والعقلانية والعالمية= قادر لا محالة على مواكبة العصر ومواجهة أي حملات مضادة، تستهدف كيانه وقيمه ووجوده، وفي هذا السياق تحضرني مقولة ذهبية للعلامة يوسف القرضاري بقوله لأدعياء العلمانية إنه أحرى بكم قبل أن تسألوا الإسلام أن يتطور أن تسألوا أولًا التطور أن يسلم، وهذه حقيقة؛ لأنَّ الإسلام ليس في شريعته وأحكامه ما ينافي التطور أو يحجر على العقل وفي ذلك كلام طويل للأستاذ محمد عبده في كتابه القيم «الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية»، وهنا يجب القول إنَّ المسيحية وأخواتها: اليهودية والإحيائية والتطورية= قد قامت على معاداة كل دعوة إلى التجديد باعتبارها مساسًا بقداسة النص الديني، ومن هنا لم نجد لهذه الأديان مرتكزًا صحيحًا يمكن أن تتوكأ عليه أو تحتمي به ضد تيار الحداثة وغيرها من التيارات الحديثة المعادية في أغلبها للفكرة الدينية، وهنا أعود لسؤالك حول مسوغات عودة الفكرة الدينية لتفرض نفسها في المجتمع المعاصر أمام اتساع المد الحداثي، فالفكرة الدينية كما أسلفت تملك -إذا أخذنا على سبيل المثال النموذج الرباني الإسلامي- كلَّ مقومات البقاء والمواجهة، وذلك على الأقل من الناحية النظرية، ولو أنه ينبغي الالتفات إلى الناحية الواقعية؛ لأن الفكرة الدينية تعاني في هذا الجانب تقصيرًا لافتًا للنظر إما بسبب الاختلال أو الاختلاف الفكري السلبي الذي أصبح يميِّز العقل المسلم اليوم، ولذلك أعتقد أن بقاء العقل المسلم على هذا الوضع المهين، لا يحفز بتاتًا على حسم الصراع مع الحداثة أو غيرها، ومن ثم سيكون حصادنا في هذا الصراع هزيلًا ومهينًا تمامًا كوضعنا، ولذلك فإن المخرج من هذا الوضع المهين لا يكون إلا بعودة الدين إلى أهله، وأن يتحرر من سطو المتطفلين والمتفيقهين، الذين يدعون وصلًا به بلا هدى ولا كتاب منير، ثم يتبع هذه الخطوة بالضرورة تشكيل جبهة دينية مشتركة تعمل في إطار المشترك الديني المتاح بغض النظر عن الاختلافات القائمة، وهنا فأنا أدعو إلى تكوين تحالفات دينية على غرار التحالفات الاقتصادية للوقوف صفًّا واحدًا في مواجهة المد الحداثي، ولو بتقوية الحس الديني، في حالة كون النص الديني ليس مهيَّئًا للمواجهة العقلية والفكرية كما أشرت إلى ذلك آنفًا.
2. ما هو المشترك الإنساني الذي على أساسه يمكن لمعتنقي الأديان أن يعيشوا في سلام بالرغم من اختلاف عقيدتهم وإيمانهم؟
إنَّ المشترك الإنساني يتلخص في إقرار الحق في الحياة ومنع العدوان، وإذا رجعنا إلى التاريخ القديم والحديث، يمكننا أن نقف على نماذج للتعايش الإنساني في ظل الاختلاف الديني، وذلك أنَّ الدين ليس من وظيفته سن التشريعات ووضع الأحكام وحسب، وإنما تمتد وظيفته المقدسة إلى تنظيم الحياة وحمايتها، ومن حماية الحياة حماية النفس الإنسانية من كل ما يضرها أو يسطو على وجودها، ومن ثم كانت هناك مواثيق كثيرة للتعايش الإنساني بين أتباع الأديان المختلفة، ففي عصر النبوة الهادية، وقَّع الرسول –صلى الله عليه وسلم– تحالفات الدفاع المشترك مع بعض الأطياف الدينية، دفاعًا عن المشترك الإنساني، وهو الدفاع عن الحق في الحياة، لأن هذا الحق ليس له لون ديني معيَّن، بل هو من المقدسات الإنسانية التي يجب أن تذوب أمامها فوارق الدين، ولذلك لا نعجب حينما نرى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يضع ما سمي العهدة العمرية، يتعهد فيها باسم الضمير الجمعي للدولة الإسلامية في ذلك الوقت بحماية أهل الكتاب من كل عدوان على نفوسهم وممتلكاتهم، وعلى هذا النهج سار القادة المسلمون المحرِّرون والمجددون في القرون اللاحقة، على نحو ما فعل عبد الكريم الخطيب في المغرب، وعمر المختار في ليبيا، والأمير عبد القادر في الجزائر، وعلى ذكر هذا الأخير لا بُدَّ من الإشارة إلى التصرف الإنساني الرفيع الذي قام به، حينما تعهَّد بحماية نصارى الشام من عدوان كان يستهدف بيضتهم.
3. هل ما تم من مراجعة ونقد في الفكر الإسلامي، كان كافيًا لبناء انطلاقةٍ معرفية وحضارية جديدة للأمة؟
ج- لا مناصَ من تَثْمِين المراجعات الفكرية المختلفة لترشيد أو نقد الفكر الإسلامي، الذي ينبغي أن نقر بأنه شهد ارتكاسة خطيرة لا مجال لنكرانها، والحق أنه قد استطاعت هذه المراجعات أن تزيل كثيرًا من الغبش والطيش الذي التصق به، ويكفي دليلًا على ذلك الصحوة الفكرية التي بدأ يشهدها العقل المسلم، مقارنة بالقرون العجاف التي تميزت بالجدب الفكري والجمود العقلي اللذين ضربا بجيرانهما على كل جوانب الإبداع الفكري، ولكن تبقى هذه الجهود على أهميتها دون تحقيق الأمل المرتجى، في ظل استمرار سيطرة النزعة المذهبية الضيقة على حساب المجهود الفكري الجامع، وعدم وجود مرجعية فكرية، فالرهان الفكري المطلوب اليوم بإلحاح، هو البحث عن إيجاد مرجعية فكرية، قبل الاهتمام بمواصلة وتطوير المراجعات الفكرية.
4. ولماذا كل هذا الجمود بالرغم من أن حركة النهضة العربية مرَّ على بدايتها أكثر من قرن ونيف؟
ج- عالج الشيخ محمد الغزالي أسباب تأخر العرب والمسلمين في القرون المتأخرة، رغم أنهم احتلوا الصدارة في القرون الأولى، وأرجع ذلك في الأساس إلى تقهقر العقل المسلم، وميله إلى التقليد الأعمى، وبعده عن منابعه الحقيقية المستمدة من الشريعة الغراء، واجتهادات علماء الأمة في مختلف الأعصار والأمصار، ولذلك فإن المخرج الوحيد من حالة الجمود لتحقيق النهضة المرجوة، أو استعادة تألُّقنا النهضوي بالأحرى، يكون بدراسة واعية ومدركة ومستدركة لأسباب الجمود وبتحقيق شروط هذه النهضة ومنها إعطاء حرية المبادرة الفكرية ووضع حد للوصاية الفكرية، التي لا تخدم إلا نزعة الأنا الفكري.
5. هل فعلًا يمكن للأديان أن تتحاور وللعقائد أن تتعارف وتتقارب فيما بينها، رغم أنها مؤسسة على منطق الاختلاف الإيماني والعقدي والطقوسي؟
ج- أعتقد أنه يمكن أن يتحقق ذلك، ولكن ليس بصيغة الحوار المطلق؛ لأن الحوار بين الأديان ليس الغرض منه أن يتنازل أهل كل دين عن دينهم، وإيجاد مشترك ديني يأخذ من هذا الدين ومن الآخر ليشكل هجينًا دينيًّا تذوب أمامه خصائص كل دين، ولكن الغرض منه أن تعمل الأديان على التعاون في الإطار الذي تتقارب فيه الآراء، وتضيق حوله دائرة الخلاف، وأعتقد أنَّ هذا ينبغي أن يقتصر على الجوانب الأخلاقية، التي فيها مساحة كبيرة للتقارب الديني، وأن ينأى عن الخوض في الجوانب العقدية؛ دفعًا لغائلة الحساسية الدينية.
المحور الثاني:
أسئلة عن الحداثة والعنف الديني:
6. يُتَّهم الفكر الإسلامي -كما الإسلام- بأنه يمارس الإقصاء والعنف ضد الأديان الأخرى، بتخصيصه لمباحث في الجهاد وأهل الذمة ودار الكفر، التي لا تزال كما هي بدون تجديد!! فكيف يمكن أن نجدد هذه المباحث لتساهم في إثراء قيم الحوار والتقارب الإنسانيين؟
ج- هذه المباحث من حيث الأصل الشرعي الذي وضعت له لا تحتاج إلى تجديد؛ لأنها لا تزال تحقق مرادها الشرعي بعيدًا عن التأويلات التي أساءت تفسيرها، فالقرآن الكريم ميَّز في الجهاد بين المحارب، الذي تجب محاربته وبين غير المحارب الذي يجب تأمينه، ومن ثم فليس في شريعة الجهاد ما يثير الشبهة إلا ما ألصق به من فتاوى الدهماء، وأما الجزية فهي دليل على إنسانية الإسلام وتسامحه، فلم يؤثر عن تاريخ الإسلام أن الجزية كانت عقابًا لأهل الذمة، بل كانت وسيلة لحفظ ذممهم وأموالهم في مقابلة حمايتهم والدفاع عنهم، هذه هي حقيقة الجزية، وما خرج عن ذلك فإنما هو من حصاد الفكر المهزوز والمغشوش.
7. كثيرًا ما يختلط ويتداخل مفهوم الخطاب الإسلامي مع الخطاب الشرعي والخطاب الديني في الذهنية الإسلامية، فما هي محددات كل مفهوم والمنهج القويم للاشتغال به، حسب تصوركم؟
ج- لا بد من الإشارة إلى أننا -نحن العرب والمسلمين- في هذا العصر نعيش أزمة اصطلاحية، مع أننا كنا الرواد في وضع معاجم المصطلحات، ومن آثار هذه الأزمة الاصطلاحية الخلط بين مفهوم الخطاب الشرعي، والخطاب الديني والخطاب الإسلامي، مع أنَّ لكل واحد من هذه المصطلحات مؤداه ومراده.
فالخطاب الشرعي يقصد به تحديدًا: الخطاب الحكمي؛ أي الذي يتعلق بالأحكام الشرعية، وهو بذلك أَمْيَل إلى الخطاب الفقهي أو الخطاب العقدي، الذي تمثل الأدلة الشرعية مادته الأساسية، فمنها يبدأ وإليها يعود، ويسمي بعض أهل الاصطلاح هذا النوع من الخطاب الخطاب القانوني الإسلامي، ومن شروطه العلم بالأحكام، فلا ينبغي أن يتصدى له إلا من استجمع هذا الشرط، ويلائم هذا النوع من الخطاب المنهج التعليمي؛ لأن تبليغ الأحكام يحتاج إلى الصيغة التعليمية أكثر من احتياجه إلى الصيغ الأخرى، ولهذا كان الوحي الخطاب الشرعي للمكلفين، وهذا الوحي إنما سلك طريقه إلى حياة الناس عن طريق تعليم الرسل أحكامه للناس .
أما الخطاب الديني فمصطلح شَاعَ استعماله في الدراسات الاستشراقية والحداثية؛ لتمييزه عن الأنماط الأخرى من الخطابات الفلسفية والعلمية والاجتماعية وغيرها، ويسمي بعض الاصطلاحيِّين هذا النوع من الخطاب: الخطاب الأصولي أو النصي؛ لأنه يستند إلى حرفية النص الديني، ويلائم هذا النوع من الخطاب المنهج الحجاجي، لأن تأكيد صحة المرجعية الدينية يحتاج في الأساس إلى القدرة على المحاججة والمجادلة، أما الخطاب الإسلامي، فمصطلح يشيع استعماله في الإشارة إلى الخطاب الإعلامي، ويتخذ هذا الخطاب الإسلام مرجعية له في مقابل الخطابات الأخرى التي تتخذ مرجعيات دينية أخرى، ويلائم هذا النوع من الخطاب المنهج الإقناعي؛ لأن التأثير في الآخر يحتاج إلى قوة الإقناع بالدرجة الأولى.
8. تأسست في المشرق الإسلامي تاريخيًّا مذاهب متعددة وفرق عقدية متنوعة، مما شكل إضافة نوعية في ثقافة وحركة الاجتهاد المذهبي والمعرفي، كما كان مصدر إزعاج للمجتمع والسلطة، فما الذي منع حصول مثل ذلك التنوع الايجابي في المغرب الإسلامي؟
ج- ليس صحيحًا ما تذكره بعض المصادر الكلامية من أن الحركة المذهبية في المغرب الإسلامي كانت عديمة الإيجابية والفاعلية، ولو أنها عرفت بعض الرُّكُود بسبب الأوضاع الجديدة التي واجهتها، ويرجع في تفصيل هذا إلى كتاب (تاريخ المذاهب الإسلامية)، للشيخ: محمد أبو زهرة، وخلاصته أن امتداد المذاهب الإسلامية كان شرقًا وغربًا، وقد كان للمذاهب العقدية في المغرب الإسلامي دور كبير في إسماع صوتها وإحراج السلطان، كما حدث في المغرب الأقصى حيث حاول سلطان المغرب المولى محمد في القرن الثالث عشر القضاء على المذهب الكلامي بدعوى الابتداع والانحراف العقدي.
9. للطائفة الإباضية حضورٌ في المجتمع الجزائري بعقيدتها ومذهبها الفقهي، فكيف تنظر الغالبية المالكية في المجتمع لهذه الطائفة؟
ج- من المعلوم أن من خصائص المذهب المالكي أنه انتشر بطريقة سلمِيَّة حضارية، حقَّقَت له كثيرًا من الانسيابية في الأوساط الشعبية والرسمية، وقد بسط هذه المسألة الدكتور نذير حمادو في آخر دراسة له لأسباب انتشار المذهب المالكي في المغرب الإسلامي، والمذهب الإباضي في الجزائر لا يواجه أي نوع من أنواع التضييق التي يشهدها في بلاد عربية أخرى، وهو مذهب طائفة لا بأس من سكان وادي ميزاب، وبعض المناطق الأخرى، وهذا المذهب في الجزائر يمتاز بالرغبة في الانخراط في المجتمع وعدم الانزواء والانطواء، ولم تشهد الجزائر أيَّ دعوة من المذهب الإباضي إلى فرض نفسه بالقوة أو إعلان تبرُّمه من الأغلبية المالكية.
10. ما هي علاقة الطائفة الإباضية بغيرها على المستوى الفقهي والاجتهادي والمجتمعي في الجزائر، وهل هي علاقة تنوع وتشارك أم علاقة توتر وصدام؟
ج- هذا السؤال أجبت عنه آنفًا، ولكن أضيف باختصار أن علاقة الجماعة الإباضية بعموم المجتمع الجزائري الشعبي والرسمي علاقة تنوع وتشارك وليس علاقة توتر وصدام.
11. لم يربط العنف الديني والصراع الحضاري المعاصر بالأديان التوحيدية/ السماوية؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية؟
ج- دعوى العنف الديني ارتبطت بالأديان الثلاثة كما ارتبطت بغيرها من الأديان الوضعية، ولو لم تكن بنفس الحِدَّة، فالحركة السيخية في الهند مُتَّهمة من قِبَل خصومها بممارسة العنف الطائفي، وكذا بعض الحركات الدينية كحركة عبدة الشيطان تُتَّهَم بنفس الاتهام، ولكن أعتقد أن ما جعل هذه الحركات الدينية بعيدة عن شبهة ممارسة العنف الديني هو بُعدها عن الأضواء وقلة الانتشار والأهمية.
12. هل تظنون أن النص الإسلامي يضمر العنف فعلًا أكثر مما يتحدث أو يدعو للسلم والمشترك الإنساني؟
ج- لكم أن تتثبتوا من بُعد النص الديني الإسلامي عن الدعوة إلى العنف أو حتى مجرد الإيماء إليه من استعراض نصوص القرآن والسنة، التي يضيق المجال لتفصيلها، فهذه هي حقيقة النص الإسلامي، وما خالفها فهو مجرد تأويل خاطئ وهوًى مُتَّبَع.

                                             وشكرا لكم.
نشر بموقع مركز نماء :

http://nama-center.com/DialogueDatials.aspx?id=58

الثلاثاء، 17 يناير 2017

The Founding Myths of the American Political Right

الأساطير المؤسسة لليمين الأميركي

بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي
***
تتأسس بعض المجتمعات على الأساطير، وبعضها يغوص بعيداً في أوهام قومية أو دينية أو ثقافية لخلق هوية متميزة، ولا يتم إدراك خطورة هذه الأوهام إلا بعدما تتحول إلى خطاب سياسي قوي وحركي؛ لتخاض به المعارك الانتخابية، وبعدها الحروب المدمرة، سواء داخل التركيبة الاجتماعية الواحدة أو ضد مجتمعات أخرى، فتاريخ الإمبراطوريات الفارسية والرومانية والنابليونية والنازية واليابانية ثم الدولة الصهيونية وغيرها، يذكرنا كل مرة بأن الإنسان يضعف أمام الأساطير التي تنفخ فيها السياسة الروحَ وتجعلها بالوناً قادراً على حمل أحلام بعض الشعوب المتأثرة بها، كما قد يتحول إلى قنبلة متحركة تنفجر في أي سماء وفوق أي أرض، دون اعتبار لمدى التقدم أو التخلف الذي تعيشه المجتمعات التي تنمو على أرضها هذه الأفكار والأحلام.

فـ"و.م.أ" التي تأسست نواتها الأولى 1776م، كانت متأثرة بقادة حرب الاستقلال ضد بريطانيا، وكانت خلفيتهم الدينية بروتستانتية وأغلبهم من المهاجرين من دول الشمال الأوروبي بحمولاتهم السياسية والفلسفية والتنويرية، مما أثَّر بشكل أساسي على الإعلان الدستوري الذي أمسى محطة بارزة وحاسمة في التاريخ الأميركي إلى اليوم.

وما يسترجعه الرئيس المنتخب دونالد ترامب من رؤى سياسية في خطاباته ومواقفه إنما هو نابع من التاريخ الحقيقي لما تخفيه الثقافة السياسية الأميركية منذ بداياتها، تاريخ أسطوري نما على صيرورة انتصارات "الآباء المؤسسين" وما خلفوه من ثقافة ومواقف سياسية، تسيج الهوية الأميركية ضد مخاطر القوميات الجديدة الوافدة وتحديات ثقافاتها العابرة للحدود، التي قد تخلخل أي بنية سبق تعبئتها وإخضاعها لمنظومة قيم وتقاليد وروابط اجتماعية وعاطفية.

وفي هذا الصدد يقول صامويل هنتنغتون في مقال له نُشر في مجلة FP عدد مارس/آذار - أبريل/نيسان 2004م: في هذه الحقبة الجديدة، فإن التحدي الأكثر مباشرة وخطورة الذي يواجه الهوية التقليدية لـ"و.م.أ"، يتأتى من الهجرة الهائلة والمستمرة من أميركا اللاتينية، وثقافة "و.م.أ" الأنجلو بروتستانتية، والعقيدة التي أنجبتها، تعرضت في العقود الأخيرة من القرن الـ20 لهجومات شعبية لعقائد التعددية الثقافية والتنوع في الدوائر الفكرية والسياسية، ورافق ذلك سواد هويات الجماعات القائمة على الجنس أو الإثنية أو النوع على الهوية القومية، وتواجه الهوية القومية لـ"و.م"، تحديا قوى العولمة، كما تحدي الاحتياجات التي تطرحها العولمة بين الشعوب، والدم المعتقد، ويتم صامويل تفسيره ذاك بطرح سؤال أساسي على حد تعبيره: هل ستبقى "و.م" دولة واحدة بلغة قومية واحدة وثقافة أنجلو بروتستانتية أساسية؟ ليعزز سؤاله بتوجيه مرتبك للقارئ له وبتنبيه يعتبره مهماً لشعبه يقول فيه: إن الأميركيين، بتجاهلهم هذا السؤال، إنما يخاطرون بتحولهم في نهاية المطاف إلى شعبين مختلفين بثقافتين مختلفتين، ثقافة أنجلوساكسونية وأخرى لاتينية، ولغتين إنكليزية وإسبانية.
وحتى لا نؤسس مقالتنا هذه على مضامين فكر صاحب كتاب: "من نحن؟ تحديات الهوية القومية الأميركية"، نستند كذلك إلى الهواجس التي أقلقت الأستاذ آلان بلوم، أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة شيكاغو، والتي عبر عنها في مؤلفه:" عقم العقل الأميركي"، إذ تساءل فيه بدوره عن حالة الهشاشة التي يعرفها المجتمع والثقافة الأميركية بقوله: كيف يمكن إذاً تفسير السهولة التي تجذرت بها على أرضنا أفكار تتناقض مع المثال الأميركي؟ بعد أن تحدث بالخصوص عن الفلسفة الألمانية وكيف احتوت الثقافة الأميركية هذه الإشكالات والتساؤلات لم تكن لتظهر بهذا الشكل الصريح والمباشر في أطروحات كتبت بأنامل أساطين الفلسفة والسياسة الأميركية لولا أنها تشكل بؤرة توتر ومصدر قلق في المجتمع ووسط دوائر القرار والتفكير، وتحتضن مخاطر قد تؤدي إلى انهيار النموذج الأميركي المفعم بالكثير من المثالية.

إن الحديث عن بعث مجتمع متعدد الثقافات يتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق، وفي بوتقة يحتضنها العَلَم والحلم الأميركي يعد مسألة مشوشة في ذهن اليمينيين الذين يَكِدُّون من أجل الحفاظ على الخلفية التاريخية التي اجتمع قادة الاستقلال من أجلها، وهنتنغتون يؤكد على شيء من هذه الحقيقة بقوله: إن على الأميركيين أن لا يسمحوا لهذا التغير بأن يحدث، إلا إذا كانوا مقتنعين أن هذا البلد الجديد سيكون بلداً أفضل، وأنه ليس هناك حلم أميركي لاتيني إن هناك حلماً أميركياً خلقه المجتمع الأنجلوبروتستانتي، المكسيكيون الأميركيون سيشاركون هذا الحلم وذاك المجتمع إذا حلموا بالإنكليزية.

إن هذا الادعاء الذي يلخص الثقافة الأميركية فيما قدمه بعض المنتمين للمجتمع وحصر دور البقية في كونهم يشكلون تهديداً بما يحملونه من موروثات ثقافية أو يجب عليهم أن يتخلصوا من كينوناتهم، وكل تاريخهم المتعدد ليسمح لهم بالمشاركة في الحلم الأميركي، يعد هذا مسألة خطيرة، واليوم سنرى أنها لم تبق ضمن ترف الفكر وهواجس مفكري المعاهد بل أمست برنامجاً سياسياً يدافع عنه البعض وينتصر له بَلْهَ خطاباً مباشراً يتبناه الرئيس المنتخب بكل ثقة واعتقاد.

ولكي نفهم جزءاً من سياسة اليمين ضد المهاجرين خصوصاً منهم اللاتينيين لا بد من قراءة توقعات بعض خبراء الدراسات المستقبلية والسياسية، التي أشار إلى بعضها هنتنغتون إذ يورد مثلاً توقعات الأستاذ تشارلز تراكسيلو من جامعة نيومكسيكو؛ إذ يقول: إنه بحلول عام 2080م، فإن الجنوب الغربي لـ"و.م.أ"، والولايات الشمالية للمكسيك ستشكل جمهورية الشمال، وهناك العديد من الكُتاب ممن بدأوا يشيرون إلى الجنوب الغربي للولايات المتحدة بإضافة إلى شمال المكسيك بكلمة مكسيك أميركا أو أمكسيكا أو مكسفونيا.

ويستمر هنتنغتون بالقول إنه يمكن على سبيل المثال قراءة ما يحصل في ميامي أكبر مدينة ذات تجمع لاتيني في "و.م.أ" الخمسين، وإسقاطه على المدن التي ستصبح مثلها في المستقبل، فعلى مدى 30 سنة، أسس المتحدثون بالإسبانية سيطرتهم على كل منحى من مناحي الحياة في هذه المدينة، بحيث إنهم غيروا بصورة جذرية تشكيلها، إن لَتْنَنَة أو هسبنة ميامي هي ظاهرة لا سابق لها في تاريخ المدن الأميركية، وهذه الولاية أصبحت من بين أهم المدن المستقطبة لرجال الأعمال اللاتينيين والكوبيين بالخصوص الهاربين من حكم فيدل كاسترو، وحول المحرك الاقتصادي الكوبي ميامي إلى محرك اقتصادي دولي، وقد حول هذا البروز ميامي إلى مدينة لاتينية يقف الكوبيون في سدة قيادتها، تتمتع بثقافتها واقتصادها الخاص بها، وبحلول عام 2000م، لم تكن الإسبانية هي اللغة المحكية في غالبية منازل المدينة فحسب، بل أصبحت اللغة الرئيسية للتجارة والأعمال والسياسة، وأصبحت وسائل الإعلام والاتصال تتحول إلى اللغة الإسبانية بصورة متزايدة، وأسس الكوبيون كذلك سيطرتهم على السياسة، فبحلول عام 1999، كان رئيس بلدية المدينة ومحافظ ورئيس الشرطة، والمدعي العام للولاية في محافظة ميامي ديد، فضلاً عن ثلثي النواب الأميركيين المنتخبين عن ميامي ونحو نصف نوابها الولائيين من أصل كوبي.

وينظر هنتنغتون إلى الكثافة الديموغرافية لبعض الأقليات بأنها تشكل خطراً، فمثلاً السيطرة الكوبية واللاتينية على ميامي جعلت الأنجلوساكسونية -كما والسود كذلك- يشعرون بأنهم أقليات خارجية يمكن تجاهلها بصورة غالبة، وكان أمامهم واحد من ثلاثة خيارات: فبوسعهم قبول وضعهم كأقلية تابعة خارجية، أو بوسعهم تبني أخلاقيات وعادات اللاتينيين ولغتهم والانصهار في الجالية اللاتينية، والانصهار الثقافي المعكوس، كما وصفه الباحثان الخاندرو بوركيز وأليكس ستيبيك، أو ترك ميامي وهو ما اختار القيام به 140 ألفاً منهم في الفترة ما بين 1983 و1993م، وقد تم التعبير عن هذا الرحيل الهائل في أحد ملصقات السيارات الذي يقول: هل لآخر الأميركيين الذين يتركون ميامي أن يحضر معه العَلم الوطني؟

هذه التحولات الثقافية والديموغرافية هي المحفز الأهم للكثير من المقولات اليمينية التي يخاطب بها اليوم المواطن الأميركي، ويقف في مواجهتها في معركة تشهد مداً وجزراً.

***
نشر بموقع: هافينغتون بوست عربي
رابط المقال:
http://www.huffpostarabi.com/yosef-nasser/-_9333_b_13996428.html
مقالة في موقع الجزيرة 
http://blogs.aljazeera.net/BenYosuf

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2016

لاهوت التحرير الإسلامي في مواجهة العلمانية المتصلبة

بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي
*****

في نقاش هادئ بيني وبين بعض الأصدقاء حول علاقة الدين بالعلمانية، خلصت إلى أن من يتبنى الفكر التنويري اليوم من المثقفين في معزل عن متابعة النقاش الدائر في مجال الفكر الديني الإسلامي بمختلف مدارسه السنية والشيعية، وما أفرزه النقاش الداخلي في سياق الفكر الإسلامي من نظريات وأفكار ورؤى تجاوزت الكثير من المضايق المفاهيمية التاريخية التي كان أهل الفكر الإسلامي متقوقعين فيها ومتوقعين حولها، مثل مفهوم الدولة والمجتمع المدني والعلمانية والعولمة والحرية الفكرية والعقدية..، وكل المفاهيم الوافدة والتي تمت توطينها داخل السياق المعرفي الاسلامي، والتي جوبهت بكثير من النقاش والتحرير والمساءلة.
 
لايزال الكثير من الشباب اليوم لا يفرقون بين معنى الدين والتدين، وكذلك بين المعرفة الدينية وما تعلق بها من ثقافة وممارسة اجتماعية وتاريخية وبين النص الديني، ويعتبر الكثير ممن يسم نفسه بالعلماني بأن التدين صفة قدحية لا يجب أن يوصف بها أي مثقف متنور وأن لا معنى ولا رابطة تجمع بين التنويرية والتدين.
 
·   سوء الفهم الكبير الذي يقع فيه الذين يصنفون أنفسهم في خانة الفكر العلماني هو عدم اطلاعهم الكافي على مدى تجدد المدرسة الإسلامية وما صاغه بعض التنويرين والباحثين من مشاريع هامة

إن التدين سمة سوسيوثقافية وأنثروبولوجية إلى الآن تؤسس لتاريخها بناء على تنقيبها في المعابد الدينية وتتبع طقوس التضحية عند الإنسان في مختلف الجغرافيات والمجتمعات من خلال البحث الدؤوب والتنقيب والمعاشرة للقوميات والمجتمعات البدائية، مما ينبه على أهمية الدين وممارساته عبر التاريخ الإنساني. كما أن الحديث عن المعنى الوجودي للدين عند الإنسان يأتي للحد من الشعور بالفراغ، وحاجة هذا الكائن الفطرية الملحة تفرض عليه البحث عن مثال أعلى يستمد منه الحكمة والقوة والأمل والعدل والأخلاق وغيرها من الفضائل والمُثل العليا.

إن الفكر العلماني الذي يتحدث عنه بعض المثقفين العرب اليوم يبقى في بنيته الفلسفية ومرجعياته متعلقا بالفهم الأولي والمتعصب للعلاقة الحاكمة والناظمة بين المؤسسات والتصرفات الشخصية والمعتقدات الاجتماعية التي يتبناها الأفراد، وقد تجاوزت مباحث الفلسفة هذا النقاش الضيق للمفاهيم، كما تجاوزه الفكر السياسي في بعض البلدان التي طورت رؤيتها للمفاهيم الفلسفية المؤثرة على النقاش العام، وأنوه بهذا الصدد بمضامين كتاب "قوة الدين في المجال العام" الذي ساهم فيه هابرماس إلى جانب بعض الفلاسفة بقراءة جادة ومتوازنة تبين دور الدين ومحوريته في الفضاء العمومي، وبطبيعة الحال لا تخفى المدرسة النقدية التي ينتمي إليها هذا الفيلسوف الألماني الفذ، كما لا يفوتني أن أشيد بالفلسفة الألمانية ومدارسها النقدية على وجه الخصوص.

 
إن سوء الفهم الكبير الذي يقع فيه الكثير من الأصدقاء الذين يصنفون أنفسهم في خانة الفكر العلماني هو عدم اطلاعهم الكافي على مدى تجدد المدرسة الإسلامية وأطروحاتها النظرية وما صاغه بعض التنويرين والباحثين من مشاريع هامة ومثيرة مثلا في المغرب وتونس والسودان وسوريا وإيران وماليزيا وفرنسا. ربما ممارسات البعض لتنزيل الفكر الإسلامي الجديد المتسم بالتنوير اليوم يجعله متورطا في الكثير من المجازفات السيئة من طرف بعض حركات الإسلام السياسي التي يغلب عليها هاجس الممارسة السياسية، بناء على خلفية دينية معاصرة أغلبها تلفيقية، وتقع أفكار أخرى منه، ضحية قرصنة وتشويه وإعادة تأويل وتصويغ تاريخي من طرف الحركات الجهادية مثل داعش والقاعدة، ولكن هذا لا يعني أن يتحيز العلماني للفكر الجزمي ولدوغمائه ضد نِتَاج المدارس الإسلامية المعاصرة ويغمطه حقه وجدية مساهماته
·         والمنكر لضرورة الإصلاح الملح سيصطدم مع واقعه قبل عقله، باعتباره ضرورة وجودية وصيرورة لا يمكن نكرانها أو التملص منها.
·          
والذين يتورطون في تفسير مغلق لعلاقة وطبيعة الدين بالمؤسسات إنما هم الدوغمائيون الفرنسيون الذين لم يستوعبوا بعد التحولات الكبيرة التي طرأت على العالم من حولهم، فهم من يعيد نقاشات الدين دائما للدائرة الأولى وبشكل مستفز وبخلفية سلفية فجة ومفضوحة، كأنهم يرفعون من جديد شعار الثورة الفرنسية: اشنقوا آخر إقطاعي أو آخر ملك بأمعاء آخر قسيس. وأنا هنا مع استيعاب الاختلافات وايجاد أرضية واقعية ومشتركة لتدبير سياسي عقلاني وراشد لواقعنا المضطرب، بكل ما يحمله هذا من مضامين فلسفية تعزز حقوق الانسان وكرامته انطلاقا من اجتهاداتنا وسياقنا الحضاري المتسم بالانفتاح.
 
والمنكر لضرورة الإصلاح الملح سيصطدم مع واقعه قبل عقله، باعتباره ضرورة وجودية وصيرورة لا يمكن نكرانها أو التملص منها. ولا يعني الوقوع تحت الحاجة الملحة الإسراع بالعمل على إعطاء كل الإجابات النهائية لكل معضلة تقف أمام تقدمنا اليوم، فبذلك نكون خرقنا سنة التحول التاريخي وفق سنن وشروط وجودية وقواعد ذاتية وموضوعية، ومن يدعي غير ذلك فهو واقع في دوغمائية بغيضة سبق لنا انتقادها.
إن المخرج من مأزقنا الوجودي، الذي ربطنا بالتخلف وورطنا في استعادة كرنفاليه مثيرة لأوجه التاريخ البئيس لتظهر بؤر استعمارية في جغرافيتنا، ولنشهد عودة قوية لنفوذ دول استعمارية لأوطننا بعد حركة تحرير مريرة منه، هو العمل على المزيد من الإبداع والتفكير الاستراتيجي بعيدا عن الانطوائية أو التعصب، وكذا بتفكيك كل الأيديولوجيات التاريخية التي تسلطت على الإنسان المسلم والعربي، والتخلص أو التخفيف ما أمكن من ثقل خلفياتنا التاريخية النكدة والنكوصية وترويض نرجسيتنا الثقافية والدينية والاجتماعية.
 
·   لو نسمح للتسلط أن يتضخم في مقابل كبح حرية التفكير والإبداع وعزل الإنسان، ستخرج الأمة من التاريخ الإنساني بلا بصمة ولا إضافات، وهو ما يتعارض مع ما دعا إليه الله الذي استخلفنا في الأرض
·          
ومن عتبات الإصلاح اليوم الابتداء بـ:
1-
الفصل بين السلط التشريعية والتنفيذية والدينية والقضائية، والتي يجمعها الحاكم العربي في يد واحدة، مخالفا التجربة الإسلامية التاريخية وروح الشرع وتجربة المؤسسات الحديثة.

2-
اطلاق حرية التعبير وحرية الضمير، وحق الإنسان في اعتقاد ما يشاء، فلا يلزم الناس بما لا يعتقدون فهذا لم يقل به أي عاقل بله رب العالمي، لقوله "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍوقوله "إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُوقوله سبحانه "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْهذا الإله الحكيم دافع عن عقيدة الناس أجمعين، ولو كانت مخالفة لمقتضى الخلق وإبداعه سبحانه، ولكنه أسس للحرية الإنسانية وحرية الضمير في الاختيار، وربط العمل والاختيار العقدي بالحساب والجزاء الأخروي.
إن هذه المقالة وما تضمنته من محاولة لنقاش بعض الأفكار التي يتداولها بعض الأصدقاء في الفضاء الافتراضي وفي نقاشات الفضاء العام، لا تؤسس لنموذج معين مغلق، ولا تدعو لإعادة انتاج التجربة السياسية أو النقدية بناء على استعادة براديغم تاريخي بحد ذاته، كما أني لا أعتقد بصلاحية إعادة وضع نموذج مصاغ وتنزيله على واقعنا الإسلامي والعربي المعاصر، دون المرور بتجربة مستقلة وبناء ذواتنا وفقها ووفق سنن وشروط نهضوية تستجيب لقدراتنا وإبداعاتنا، لأن بقفزنا على الصيرورة التاريخية قد نجعل من سطوة انتصاراتنا الأسطورية، وتحيزاتنا لمخيلاتنا عن حضارتنا وأمجادها، وتعلقنا بنماذج تاريخية، والحنين الجارف للذاكرة الجماعية الشعبية كما العودة الصرامة للذاكرة العالمة لقيم السلف والتاريخ وانتعاشهما بكل تلك المخلفات والمتراكمات، نجعل منها إلها يعبد.
 
وكل هذه الأشياء، قد تجعلنا نتورط في عودة انتكاسية متكررة لنقط الصفر، فنسمح للتسلط بكل أنواعه ليتضخم في مقابل كبح حرية التفكير والإبداع وعزل الإنسان وتثبت الفوضى، لتخرج الأمة من التاريخ الإنساني بلا بصمة ولا إضافات، وهو ما يتعارض مع ما دعا إليه الله الذي استخلفنا في الأرض قبل أن تكرسه فلسفات الأنوار وقيمها. ويبقى النقاش ذو شجون، كما رؤيتنا للاهوت تحريرنا مفتوحة على احتمالات أخرى.




****
رابط المصدر، تدوينات يوسف محمد بناصر على موقع الجزيرة :
http://blogs.aljazeera.net/BenYosuf