السبت، 10 يونيو 2017

أزمة قطر وتحولات الخليج بين برجنسكي وكيسنجر



بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث مغربي
****

تعيش المنطقة العربية مخاضا عسيرا من أجل انبثاق وعي جديد يرتبط بممارسة الحكم وتدبيره وفق قواعد حداثية وديمقراطية لم تكن العقلية القبلية قادرة على أن تستوعب روحها ولا أن تساير آلياتها، والربيع الديمقراطي الذي انفجر بلا موعد سابق وامتد من غرب الجغرافية العربية للشرق لا تزال رجاته تظهر بين الفينة والأخرى، وبعض الساسة في ذهول يمنع عنهم إدراك المستجدات والمتغيرات الطارئة لسرعتها وضراوتها، فالبنية الثقافية والسياسية متكلسة وصلبة لا تقبل التفتيت ولا التفكيك، ولا بد لنا أن نعترف بأن مثل هذه الأزمات؛ التي لا تفاجئ إلا من ذهل عن الواقع العربي الراهن، تفعل فعلها بقوة وبفوضوية وتمتلك من الإصرار ما يوقع كل من يتخفى وراء فهومات كلاسيكية في حيرة ومأزق تناقضي بتعبير كلود ليفي ستراوش. 
إن عصر التحديث العربي ليس بالقديم جدا، ولكن رفض توابعه وآلياته قديم بقدم العقلية العربية التي تأسست على روح العصبية والرضوخ لعصر الأمجاد الأبوية. وإن كانت عتبات التحديث مختلفة في العصر الراهن، فكل تلك العتبات العربية تؤدي لجرف ينهي التجربة ولا يفتح بابا للدخول لعصر الأنوار ولا لاستيعاب روح الحداثة ومنطقها التاريخي، وقرارات كما شروط بعض الدول تجاه قطر اليوم مظهر من مظاهر التسلط الأبوي الذي يضرب بجذوره متجاوزا نظرية ميكيافيلي وابن خلدون وصولا للارتماء في أحضان الآداب السلطانية الفارسية كما عبر عنها الجابري في دراسته عن: العقل السياسي العربي.

يجب ألا نغفل عما كان من صراعات تاريخية وسياسية بين الأسر الحاكمة بعضها مع بعض، خصوصا ما ارتبط منها بالدفاع عن مناطق نفوذ تاريخية، وقد خفت جزء من تلك الصراعات بإعلان إنشاء مجلس تعاون خليجي.
لقد بدأت تجربة قناة الجزيرة مثلا في الجغرافية الإعلامية العربية في بث التنوير وتثبيت مبادئ المحاورة والمناظرة وتفكيك الرعب الذي أحاط بالمعلومة والآراء الشخصية، وهي تبث في أغلب برامجها السياسية تبرها المسبوك في نصيحة الملوك كما يرد عند الغزالي، أو آراء المثقفين والمعارضين في بعض المرات بشكل حاد ومزاجي ومرات بشكل لبق وخافت كما يرد في رسالة الصحابة لابن المقفع، هذه التجربة التي ولدت بعد فشل القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية الذي كان تأسيسه بشراكة سعودية، نجحت بإخراج تجربة إعلامية متميزة تستوعب الاختلاف وتنمي تدبير الآراء وحرية التعبير واعتناق الآراء السياسية والمذهبية، وفتحت أعين الناس عن مغاليق السياسة ومجاهيلها، فهاجر أولئك الصحفيون لقطر وبدأوا تجربتهم مع قناة الجزيرة، وتزامنت التجربة الإعلامية الوليدة مع الرؤية السياسية التي تبنتها قطر بُعَيْد تغير طارئ شهده نظام الحكم القطري. 
السياسة في قطر تنحو منحى الانفتاح بشكل واسع على التجارب الديمقراطية وتستدرج كافة الحساسيات السياسية والفكرية والمذهبية المعارضة وغيرها، سواء آمنت بخاطبها وصوابية آرائها أو دون ذلك، لتشكل محورا أساسيا في بناء القرار السياسي والثقافي العربي، على عكس ما عليه بقية الأنظمة في منطقتها، رغم أوجه الشبه التي بينها كالروابط العائلية والقبلية والتاريخية، لكن التصورات السياسية لها أوجه متحولة لا تثبت على حال، وجلب المصالح عند الساسة لا يقوم عادة على فعل سياسي أخلاقي صرف. 

وهنا يجب ألا نغفل عما كان من صراعات تاريخية وسياسية بين الأسر الحاكمة بعضها مع بعض، خصوصا ما ارتبط منها بالدفاع عن مناطق نفوذ تاريخية، وقد خفت جزء من تلك الصراعات بإعلان إنشاء مجلس تعاون خليجي. 

الساسة في دول الخليج يتجهون نحو فتح أفق بقعة الزيت الحارقة والبركان المشتعل في العراق والشام ليسيل بلهيبه جنوبا، وكل شروط انفجار الوضع ممكنة، ومن بينها: اشتعال جبهة اليمن، سعة الحدود بين مناطق الصراع والتي تنشط فيه المنظمات الإرهابية في الشمال.
اليوم بدأت دوائر القرار السياسي تفرز نفسها بنفسها بسبب أوضاع المنطقة كلها، ويبدو أن الربيع الديمقراطي وتحولاته كشف بعضها، ولم تسر سفنه بالاتجاه المرغوب خصوصا في مصر واليمن وسوريا وليبيا وتونس، ونظرية أثر الفراشة تقول بأن التأثير حاصل ولو بعدت المسافات، واليوم كافة الأنظمة تحس بأن تسييج الأزمة وإعادة تصحيح الوضع من أوجب الواجبات التي ستجعل ميزان العقل السياسي التقليدي الذي يحكم المنطقة يستعيد زمام المبادرة بتوجيه دفة التحولات، وإبعاد الأنظمة الحاكمة من منطقة العواصف الطارئة. 

ودولة قطر قد انخرطت تلقائيا على المستوى السياسي والإعلامي والثقافي في دائرة خاصة فحددت موقعا لها يخالف مواقع بقية الدول، رغم أن المصالح المشتركة بينها تفرض التعاون في قضايا الإرهاب وعمليات التدخل في سوريا واليمن ولبنان والعراق وليبيا، إلا أن كل طرف من هؤلاء أغلق مع حليفه إمكانية إيجاد دائرة مشتركة، فتعززت مصالح كل طرف بجذب اهتمام فاعلين خارجيين، فقطر تميل لتلطيف لغتها مع إيران وأمضت اتفاقيات استباقية مع تركيا وضمت إليها كل المعارضين من تيار الإخوان المسلمين الهاربين من دولهم، ودعمت تيارات سياسية وعسكرية إخوانية في مناطق النزاع.

وأما بقية دول مجلس التعاون فقد شكل حلفا خاصا به يضم دائرة تتكون من فاعلين سياسيين تقليديين ينظرون للتحولات على أساس درء مفسدة أولى من جلب مصلحة، وانضم إليهم الحلف الأمريكي الذي يغلب البراغماتية الدائمة، والتحقت بقية الأنظمة التي استفادت من تشوهات ونكوصات أصابت الربيع الديمقراطي كالسودان ومصر وموريتانيا، هذه الدول التي تقبل على نفسها الإملاءات مقابل تحقق مصالح آنية محدودة. والغريب أن كافة هذه القوى لعبت أدوارا دموية على أرض العراق وسوريا وليبيا، بشكل خفي وكان الصراع محتدما ودعم الحركات المتصارعة واضحا، ولما فشلت خطة لي الذراع خارج حدودهم تم نقل الصراع ليكون بشكل مباشر وعلى الحدود. 

إن المنطقة لم تكن لتستحمل بقاء الصراع في شمال الجزيرة العربية في دول كبيرة كالعراق وسوريا طيلة هذه المدة الذي كان صراعا وحربا تم خوضها بالوكالة، اليوم وبإعلان وقوع الأزمة والسرعة التي اتخذت بها قرارات المقاطعة لدولة قطر تم الانتقال من مرحلة الاعتراف بعجز سياسة النوايا الطيبة إلى ممارسة سياسة الفزع والتورط الذاتي المباشر. وهنا اقتبس تعبير من تعبيرات زيغنيو برجنسكي الذي وصف الإدارة الأمريكية بالكارثية في كتابه: الفرصة الثانية، ثلاثة رؤساء وأزمة القوة العظمى الأميركية، فكذلك قادة المنطقة جعلوا أنفسهم في مأزق خطير، ونتائجه كارثية في ظل هذا السياق الدولي. 

من يطالع تقرير الثابت والمتحول 2017، الصادر عن مركز الخليج لسياسة التنمية، يستوعب الكثير الأنشطة الدبلوماسية السابقة والتوقيع على اتفاقيات بين دول الخليج والدول الغربية قبل وقوع هذه الأزمة في مجال الأسلحة واستيراد الغاز.
إذن الساسة في دول الخليج يتجهون نحو فتح أفق بقعة الزيت الحارقة والبركان الهائل المشتعل بالعراق والشام ليسيل بلهيبه جنوبا، وكل شروط انفجار الوضع ممكنة وجد واقعية، ومن بينها: اشتعال جبهة اليمن، سعة الحدود بين مناطق الصراع والتي تنشط فيه المنظمات الإرهابية في الشمال، وجود تركيبة مذهبية حانقة على الأنظمة مثال شيعة السعودية والبحرين والحوثيين باليمن، وجود صراع على الحكم وتداول السلطة داخل الاسر الحاكمة، انتشار الثقافة السياسية القبلية والتحشيد على أساس العشيرة والطائفة كمثال العراق، عدم توزيع عادل للثروات والمقدرات الوطنية، الصراع والتدخل الإيراني المتزايد في المنطقة، ونشوء حركات سياسية متطرفة وسلفية جهادية وخلايا نائمة متعددة الانتماء بين داعش والقاعدة وحزب الله، صعود اليمين المتطرف في الغرب وخصوصا في أمريكا مع ترمب الذي يسعى للتدخل المباشر في المنطقة، والطموحات المباشرة وغير المباشرة للأتراك بالمنطقة، بالإضافة إلى التحولات الجيو-سياسية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة عموما.

إن زيغنيو برجنسكي يتحدث عن فشل ذريع لبوش الأب على إضفاء أي معنى ملموس على شعار النظام العالمي الجديد الذي تمثله و.م.أ، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وينعته بسياسة الخطيئة الأصلية، ولكن مع ترمب الذي يمثل تيارا من المحافظين الجدد فقد تمكن من بلورت تصور جديد لما سيكون عليه عالم العرب ويتجلى ذلك في زيارته الأخيرة وتصريحاته المتضاربة، أما هنري كيسنجر الأب الروحي للمحافظين الجدد فصرح بضرور التدخل في سياسة العالم العربي خصوصا الدول المنتجة للبترول لمنع سياسة الابتزاز التي تقوم بها، تجاه الدول الصناعية، والحل هو تفكيكها منظومتها السياسية.

ومن يطالع تقرير الثابت والمتحول 2017م، الصادر عن مركز الخليج لسياسة التنمية، يستوعب الكثير الأنشطة الدبلوماسية السابقة والتوقيع على اتفاقيات بين دول الخليج والدول الغربية قبل وقوع هذه الأزمة في مجال الأسلحة واستيراد الغاز.
******

الاثنين، 29 مايو 2017

المغرب الكبير والموجة الثالثة للحراك الديمقراطي


بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

******
الحراك الشعبي العفوي يحتاج في النهاية إلى فرش ثقافي ومعرفي مركب، فلا يجب أن ينساق ببراءة ثورية إلى أهداف مثالية بعيدة كل البعد عن التطلعات الحقيقية للشعوب. والأنظمة السياسية تحتاج لكي تحقق الاستقرار إلى توسعة الحقل الدلالي الحقوقي بعيدا عن الآداب السلطانية وما تراكم في مباحثها تاريخيا من فلسفة سياسية مؤطرة بالغلبة والقبول بالمستبد العادل وحكم الرعايا بالسيف، هذه المراجعة الملحة ستمكن المواطنين في الوطن العربي/ وليس الرعايا من الإحساس بانتمائهم إلى هذا العصر، بعيدا عن التيه في طرق أخرى وفلسفات أغلبها اصطنعت لتكريس نفسية الاستعباد والتبعية.
وهي كلها طرق وفلسفات تثبت فشلها وانسداد أفقها مع كل لحظة ثورية تنبعث فيها الإرادة الانسانية لتشكل وعيها مجددا، فتشرق معها الحاجة للحرية والكرامة والعدالة. هذه الخلاصة حفزتنا مرة أخرى للعودة للكتابة عن نفس الموضوع من زاوية أخرى، بعدما تنامت الموجة الجديدة من الحراك أو بحسب قول هنتنغتون في كتابه: الموجة الثالثة، التحول الديمقراطي في أواخر القرن 20.
إن الحراك الاجتماعي يبقى نابضا، لأنه لا يزال هنالك الكثير من العمل يجب القيام به، وما بقي من زمن الذلقراطيات العربية بعد الحراك الديمقراطي في أمس الحاجة أن تبقى هذه الظاهرة السليمة في يفعانها وعنفوانها، والربيع الديمقراطي يظن أنه انتقل إلى فصل من فصوله السيئة في كثير من البلدان، ونسي معظم الباحثين أن التطهر من الخوف والقلق من عنف السلطة والفزع من أفكار الديمقراطية والاختلاف، وفوبيا وقوع التداول على الحكم وتقسيم الثروة، كل هذه الأمور تبقى صعبة تحتاج إلى صبر وموجات أخرى من انتفاضات متلاحقة تنسي كل موجة الناس في سابقتها. إنه الحل السحري الذي اكتشفه الضعفاء والفئات المهمشة والكثير من الشعوب التي أحاط بها الطغيان وانسدت الآفاق أمامها، ولم يبق لها غير ذاك أو الاستعداد لتحطيم كل شيء وتدمير الذات مقابل جرعة من الكرامة بدل المهانة والذل.
السلطة الكلاسيكية عليها أن تخاف مما قد يطرأ في أي زمان أو مكان في جغرافية تحكمها، ولم تعد هذه التركيبة المهترئة وغير المنسجمة من الدول التقليدية وفلسفة الحكم قادرة على حصار أو استيعاب الحراك بحكم عجزها المطبق.
في لقاء جمع بين ماريوسواريز وزير خارجية الحكومة المؤقتة وزعيم الحزب الاشتراكي البرتغالي إثر الثورة البرتغالية أواسط سبعينيات القرن الماضي ووزير خارجية و.م.أ هنري كيسنجر في واشطن، قام كيسنجر بتوبيخ سواريز وغيره من العناصر المعتدلة لعدم اتخاذ موقف حاسم لاستئصال شأفة الدكتاتورية الماركسية اللينينية، فقال كيسنجر لسواريز: "أنا أدرك مدى إخلاصك، لكنك ساذج مثل كيرينسكي"؛ رئيس الحكومة الانتقالية بعد الثورة البلشفية 1917م، وأطاح به زميله لينين، فرد عليه سواريز قائلا: "بالطبع أنا لا أود أن أكون مخلصا وساذجا مثل كيرينسكي". فقال له كيسنجر: "ولا كيرينسكي كان يود ذلك أيضا".
نورد هذه القصة لتوضيح كون السلطة السياسية العربية التي تقتنع بأن الحراك انتهى؛ تجمع بين السذاجة السياسية والاستراتيجية ومعهما عماء الإخلاص لسلطتها التاريخية ولأمجادها المزيفة، مما يوقعها كل مرة في الارتباك وسوء تدبير اللحظة، والتخلف عن الموعد مع التاريخ الذي تخطه الشعوب بعيدا عن قادتها. مما يجعل هؤلاء القادة يعتقدون أن الفعل المدني والحراك الاجتماعي عدو يجب التخلص منه في أقرب فرصة تتيحها شروط التاريخ، بتعبير الباحث المغربي عبد الرحيم العطري. 
والسياسي المحنك يتحين تلك الفرص التي قد يأتي بها القدر في كثير من الأحوال لكي يقتنصها، ولكن في حالة العقل السياسي العربي لا شيء يداوي عُنْجُهِيَّتَه، لأن أخطاءه تؤدي إلى تصعيد موجة التعارض بتمييز دائرته عن دائرة الحراك فيكشفه موقفه الرجعي، مما يوقعه في الحرج والمواجهة والصدام مع الشعب ثم الاجتثاث. ولا أحد منهم يكلف نفسه ليفهم أو يفسر أو يتساءل مع توماس فريدمان: لماذا يثور الناس؟
إن لوينز فون شتاين الباحث الألماني قد أشار بأن وزر الحراك يقع على الحركة العمالية وقد آن لهذا الرأي أن يتغير أو يخفف منه، ليتحمل الشباب بكل انتماءاتهم أو بدونها وزر تأجج الحركات الاجتماعية وخوض المعركة التاريخية، لتنتفي جرعة الصراع سواء بالمنطق الهيغلي أو الماركسي، مقابل نشوء آليات ومظاهر جديدة تبلور الحراك وتؤسس لواقع جديد يحتاج لمزيد دراسة وفهم. ولتبقى كذلك، آراء آلان تورين صامدة في إظهار السمات التي تحكم أي ظاهرة احتجاجية والتي لخصها في مبدأ الهوية وهي دائرة الحراك ومبدأ التعارض دائرة الخصوم ومبدأ الكلية بوتقة تعكس وعيا جمعيا.
ويمكن هنا أن ندعم نظرية تورين بموقف غوستاف لوبون الأرستقراطي الذي يظهر الفقراء وهم يخرجون للشوارع لإظهار تطلعاتهم الشخصية وبعض رغباتهم الوحشية والشيطانية؛ لأن هذا الفيلسوف ينظر إليها بكونها تعكس العقل الباطني وعواطف الجمهور، مع تحفظنا على ترجيحاته وتفسيراته التفصيلية التي تحتاج إلى ومراجعة.
إن السلطة الكلاسيكية عليها أن تخاف مما قد يطرأ في أي زمان أو مكان في جغرافية تحكمها، ولم تعد هذه التركيبة المهترئة وغير المنسجمة من الدول التقليدية وفلسفة الحكم قادرة على حصار أو استيعاب الحراك بحكم عجزها المطبق أمام الحداثة والتقنية ونفحات الحرية ونزعة التحرر والخلاص الفردي والجماعي. إنها تشعر بالعجز والشيخوخة ويشعر القائمون عليها بالعته عندما يفشلون في فهم الظاهرة التي تمتد بتدوينة حرة على موقع اجتماعي أو بسبب رد فعل على تصرف أحمق من شرطي ضد مواطن أو بسبب سوء معاملة موظف رسمي أثناء دوامه أوفي بعض الأحيان دون أي سبب.
موجة الاحتجاجات الجديدة اليوم في مختلف الدول العربية، تأتي في سياق سوء الفهم من تقدير الموقف من الربيع الديمقراطي، وعجز دوائر القرار من امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه الحالة الرخوة جدا والمستجدة على بلدان المنطقة.
إن مسارات الحراك الزيتية وغير المتوقعة وأمام الأمثلة الكثيرة والممتدة بين اليمن وليبيا وسوريا والعراق وغيرها، تجعل القدرة على دراسة الاحتمالات وتفسير أنماط الفهم وخطاب وسلوك هؤلاء الناس غير واضحة وإن كانت لها نتائج فهي غير موضوعية ولا تبني موقفا استشرافيا.
موجة الاحتجاجات الجديدة اليوم في مختلف الدول العربية، تأتي في سياق سوء الفهم من تقدير الموقف من الربيع الديمقراطي، وعجز دوائر القرار من امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه الحالة الرخوة جدا والمستجدة على بلدان المنطقة. ويزيد الأمر تعقيدا فشل هؤلاء في تدبير الاختلاف السياسي وضبابية في أنماط الحكم، وتشوهات في التدبير الاقتصادي وتغييب الكفاءات السياسية والوطنية، وتقزيم لدور الهيئات السياسية وترويض بعضها وإفقادها المصداقية، مقابل توظيف للتقنوقراطيين الانتهازيين الذين لا يمتلكون الجرأة ولا الرؤية السياسية ولا ثقة الجمهور.

كما أن لتقهقر دور الدولة وأجهزتها القمعية دورا أساسيا، وكان المعول الذي هدم آخر صنم لها، نكوص ما أسسته من مقولات حول الهيبة والشرعية التاريخية والاجتماعية والدينية وما استمدته من مرجعيات تقليدانية وتاريخية كانت تستند عليها.

كل هذا في مقابل تنامي مجتمع مدني وهيئات حقوقية وإعلام بديل واجتماعي قوي واحترافي. وليس للحكام اليوم غير الانصياع لجرأة هؤلاء الشباب والتطلع معهم لمستقبل مشترك في ظل تحديث لرؤيتهم السياسية ولمؤسساتهم الحاكمة وبناء عقد اجتماعي وسياسي حديث، وإلا فإن عواصف الصحراء الخريفية أو عنفوان الربيع المخضر ينمو غير بعيد عن خيامهم، التي لن تستقر على حالها ولن تتقوى بوتدها، بعد الشعور بطعم الحرية والانفتاح على أجواء الديمقراطية والتطلع لمجتمع المعرفة والرخاء الاقتصادي، ولن تنفع مع الموجة الجديدة من الحراك لا المزيد من الريع والمنح ولا الإصلاحات التلفيقية ولا الخطابات الدينية التي تلعن الفتن النائمة.
نشر على منصة الجزيرة:

الثلاثاء، 16 مايو 2017

صناعة الزعيم في فكر الحركات الإسلامية



****


إن الزعامة في الحركات الإسلامية هي نتاج نضال وتضحية في كثير من تنظيماتها، وهذا شيء إيجابي لا ينكره أحد، وصناعة الزعيم يعد من أهم الأدبيات التي ورثت مع تنظيم الإخوان المسلمون الذين أسسوا لكثير من الممارسات والتصورات من خلال تجربتهم التاريخية الممتدة.
 
ويبدو أن الحركات الإسلامية المعاصرة عاجزة عن الخروج من جلباب القادة الكلاسكيين الذين قعدوا للممارسات السياسية والأخلاقية والتنظيمية، هذا الإرث التاريخي والعاطفي والأخلاقي الذي قد يكون ابتدأ مع حركة الإصلاح الديني والنهضة العربية، ووجد له تنظيما مستوعبا مع الأستاذ حسن البنا ليستوعب التصورات ويفعل المفاهيم المبتوتة في الكتب والرسائل والممارسة في الجلسات، والتي تكفلت كذلك المقررات التنظيمية والخطب الوعظية على تمريرها للمنتظمين منهم.

يقف اليوم هذا الإرث حاجزا عن رؤية المستقبل، ويرمي بثقله على الحاضر، ويوقع هذه التنظيمات في مأزق الجذب العاطفي والروحي الذي يغرق المنخرطين في هذا العمل في كثير من الأوهام السياسية والاجتماعية والدينية، وقد تفطن البعض من القادة والمفكرين داخل هذه التنظيمات لهذه الفجوة في التفكير، فقاموا بمراجعات قيمة ونقد ذاتي صارم، في المغرب ومصر والكويت والسودان وتونس ولبنان. وقد اقتنع البعض منهم بأن التنظيمات الحركية قد ضاقت بأهلها كما ضاق صدر بعض زعمائها بانتقادات أولئك، ليكون الجزاء هو الفصل والطرد، لينخرط هؤلاء في مشاريع أخرى علمية ومراكز دراسات أو حتى في أحزاب سياسية تقدر على استيعاب تجاربهم وسعة أفقهم، ولا تمارس الوصاية الفكرية والروحية عليهم.
 

كما أن هذه الهيئات كان أساسها المدني غير المتسم بسمة دينية شكل مركز جاذبية للكثير من الذين قاموا بتلك المراجعات، لكونها لا تتدعي نهاية أنماط التدين عندها ولا واحديتها التي لا تقبل بالتعدد والحرية، ولا تقبل إطلاقية فلسفاتها في التغيير الاجتماعي والسياسي ولا حتمية مشروعها النظري.إن هذه السمات البارزة وما تختزنه من قيم إنما كانت من نعم الحداثة والفكر التنويري النقدي الذي أبدعه الإنسان.
 

الصراع على قيادة أي حركة من الحركات الاجتماعية يرجع إلى مسألة القوانين الداخلية للتنظيم وطبيعة التنظيم ذاته، وكذا نفسيات القادة والمنتظمين من الأعضاء وعلاقاتهم الروحية والاجتماعية.

إن الذي حفزني لكتابة هذه المقالة يرجع أساسا إلى ما اطلعت عليه من كلمات مقالة الأستاذ عمر عبيدة حسنة حول مراجعاته الشخصية والعميقة لفكر تنظيم الإخوان المسلمون، والمعنون بـ: من إصابات العمل الإسلامي، والتي اختصرها في: العجز عن انتاج قيادات فكرية، انقلاب الوسائل إلى غايات، سيادة العقلية الذرائعية، فكر المواجهة، عدم تمثل المعاني المفقودة في الأمة، عدم تقدير قيمة التخصص، العجز عن استنبات قيادات متجددة.
 

وأجدني قبل أيام أعيش تجربة كتابة مقالة عن صناعة الزعيم ومطالعا لكثير من المقالات التي تبحث في سيكولوجية الجماهير والسلطة والزعماء، وأنا أنظر إلى تجربة الحركات الإسلامية المغربية، بعد أن تم تعيين الدكتور سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة المغربية وإعفاء الأستاذ عبد الإله بنكيران، وقبلها ما أصاب جماعة العدل والاحسان من انكماش بعد وفاة الزعيم الروحي والتاريخي الأستاذ عبد السلام ياسين، وما يقع لحركة من أجل الأمة وكذا البديل الحضاري وغيرها من الحركات السلفية من اضطراب بسبب إما الوفاة أو التعرض للاعتقال والمتابعة القضائية أو الحصار السياسي أو السقوط في حبال المؤامرة والابتزاز السياسي أو القبول بالتقرب إلى دوائر القرار السياسي والحزبي للاستفادة من الغنائم مقابل تقديم تنازلات معينة.
 

والملاحظ أن الصراع على قيادة أي حركة من الحركات الاجتماعية يرجع إلى مسألة القوانين الداخلية للتنظيم وطبيعة التنظيم ذاته، وكذا نفسيات القادة والمنتظمين من الأعضاء وعلاقاتهم الروحية والاجتماعية، ولا ننسى كاريزما من يكون في الواجهة، وقد يكون تدخل بعض دوائر القرار في ترتيب أوراق بعض التنظيمات والأحزاب مؤثرا وواردا في كثير من التنظيمات إما لنيل البركة والرضا والتزكية أو لتسهيل العمل وشرعنته.
 

وقد حدث في المغرب مؤخرا أن تقاذف بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية البارزين فيما بينهم الكثير من الكلام الذي يشعر بكون تنظيمهم السياسي يعيش حالة ارتباك بسبب الرجة التي أحدثها إعفاء الأمين العام الأستاذ بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة 2017م، ليتم تكليف عضو آخر في الحزب لتلك المهمة، فبعض الأعضاء اتهموا غيرهم من إخوانهم بالخيانة والخنوع ودافع الآخرون بكون التجربة تقتضي الانحناء للعواصف وتفادي حالة الاصطدام مع القصر وبعض دوائر صنع القرار السياسي المغربي المتهمة بإرادة التحكم وبالاصطفاف في جبهة الدولة العميقة.
 

هذا الحدث أفرز لنا وضعا جديدا لم يكن مخططا له، ولم يكن ليدركه الكثير من المناضلين في صفوف الحركات الإسلامية وهو إشكالية تفكيك رمزية الزعيم السياسي من طرف النظام السياسي التاريخي والقوي وإعادة تركيبها بشكل مستفز، ليهدم الصورة التي كونها الزعيم عن نفسه أو التي رسمها عنه مريدوه وليتم التعريض به بأنه شخصية غير محتملة، وبه نزق وطيش ويصعب التنبأ بردود أفعاله، وبكونه غير مرن ولا لبق ولا يرقى ليكون رجل دولة يحفظ لسانه ويكتم الأسرار ويرسم حدود علاقاته ومآلات سلوكاته، ويرسم حدودا لنفسه ويتحكم في ردود أفعاله السياسية والخطابية.
 
ونؤكد مرة أخرى على مثال التجربة المغربية، فقد تم اختيار بديل شخصيته تخالف صورة الزعيم بنكيران، ولا يعكس أي تفصيل منها، وفي كل الأحوال له مميزات قد تكون تقنع دوائر صنع القرار ولكنها لا ترقى لترضي المناضلين المتعطشين لشخصية زعيم منفلت لا يُتوقع سقف خطابه ولا يتحكم في ردود أفعاله، شخصية زعيم يخلق الفرجة مع كل ظهور له لتعلو نسب تتبع أخباره ومقابلاته وتزيد شعبيته على شعبية النظام نفسه ليكسب مساحة واسعة من النفوذ والهيبة، ويوثق علاقته السياسية بحميمية مع نفوس الجماهير. فينافس بل يزايد بشكل أو آخر على أقرانه من الساسة وغيرهم.

الحركات الإسلامية حركة بشرية واجتهاد نسبي في حاجة دائمة للمراجعة، والمجتمع لا يجب أن ينظر إليها بكونها أنموذجا مثاليا لإقامة نمط الدين النهائي بل هي تجربة تاريخية مباركة.
لا يتوقف الأمر على ما تحمله شخصية هذا الزعيم من قدرات إدارية أو كفاءة سياسية بقدر ما يكنه له المريدون من طاعة وثقة ورابطة عاطفية تجعله أنموذجا صعب الاستنساخ، وغيابه في لحظة عن المشهد الحزبي والسياسي يشكل صدمة، بحيث يتصور مع غيبته أن المؤسسة الحزبية ستنهار أو أن بقية القادة من حزبه والمنافسين له على كرسي الزعامة لن يقدروا على القيام بمهام المفاوضة وتدبير الشأن السياسي اليومي والتحكم في قرار الحزب، ولا حتى النجاة بالمؤسسة الحزبية من التحديات والمؤامرات التي تحاك ضدها.
فالكل يتلخص في الزعيم والزعيم هو الكل، فهذا الدفيء العلائقي يتوغل على مستوى الوجدان وفي المواقف السياسية والأخلاقية، ليرفض أي مقترح للزعامة ولا تقبل أي محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للصورة الرمزية للزعيم الأوحد، ومن يدعي بديلا له أو مقترحا آخر عنه فهو متآمر وخائن وأفكاره هدامة. فيتوقف تجديد النخب وتحديث مواقع القرار وقادته ويعاد انتاج خطاب المظلومية والتبرير والوعظ، فتنمو المؤامرات بينهم وتوغل صدور بعضهم على البعض، وتكرر العثرات وتكثر القناعات المبنية على الأوهام بدل الحقائق والأفكار وتخفت النزعة النقدية والإبداعية بين الأعضاء وتظهر الآفات الأخلاقية والتنظيمية والأيديولوجية والصراع على المصالح الفردية وتحصيل الغنائم الآنية، مما ينبئ بالتصدع والترهل والانهيار.
إن الحركات الإسلامية حركة بشرية واجتهاد نسبي في حاجة دائمة للمراجعة والتقويم لكون النفوس الإنسانية فاعلة فيها والظروف التاريخية والاجتماعية، والمجتمع لا يجب أن ينظر إليها بكونها أنموذجا مثاليا لإقامة نمط الدين النهائي في الحياة والمجتمع بل هي تجربة تاريخية مباركة.

****

الخميس، 27 أبريل 2017

التطرف الديني يرسم صوراً كاريكاتورية عن الله والنبي


بقلم : يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

****

فلسفة الإقصاء تقوم عند المتطرفين على أن المختلف أو المخالف كيفما كانت توجهاته ولو كان من أقرب الناس لك، لا مكان له في دائرة الوجود، لأن وجوده يسبب التشويش والتشكيك وسيكون صوتاً مسموعاً للكثيرين ومزعجاً لغيره.

إن فلسفة الاغتيال عند المتطرفين تقوم على أسس أيديولوجية ونفسية لا يمكن التنبأ بها، لأنها تبقى متوارية إلى أن تظهر مفاجئة المقربين والمتتبعين، إنها تتأسس على استراتيجية التخويف وإفشاء الرعب على أوسع نطاق، وجعل المجتمع المطمئن لسلامة أفراده يعيدون التفكير في تفاصيل العلاقات التي تجمعهم بالكثير من أقربائهم وجيرانهم وبقية المواطنين، لأن وباء التطرف فيروس عندما يصيب أحدهم ينمو في صمت بين الأقفاص الصدرية ويتناسل بين الأفكار السوداوية لأي كائن إنساني، والذين يعانون من ثقل الدوغما المغلقة على ذاتها والمغلفة بكثير من المزايدات مستعدون للقيام بأي شيء من أجل نصرة منطقهم ورسالتهم.
 

إن انتشار فلسفة الوثوقية عند المتطرفين والتزامهم بالحد الأقصى من التماهي مع مفهوم الواجب، سواء كان دينياً محضاً أو أيديولوجياً صرفاً، يجعل خروجهم كل لحظة بسلوكيات شاذة وبمواقف متطرفة، قضية مبدئية ومسألة فيها الكثير من الاقتناع بكونهم يسطِّرون تاريخاً مثالياً.

إنهم يؤمنون بكونهم يقودون الإنسانية نحو مسار يمحو كل بؤس وتيه وانحراف يمكن أن تشهده الأمم المعاصرة لسبب من الأسباب، وهم أمر السماء ويد القدر لتغيير كل هذه الانحرافات الطارئة على المجتمعات وتحقيق بشارة تطهير الأرض من الدنس ثم تحقيق الخلاص الفردي بالصعود إلى الجنة.
 
إن اغتيال المخالفين والمعارضين وأهل الملل الأخرى مما لهم العهد والأمن مهما كانت دوافعه، يبقى مأساة في قافلة المآسي التي تهب على هذه الأمة من مختلف البقاع، إن هذا الفعل الشنيع يسيء إلى الذات الإلهية أكثر مما يظن هؤلاء كون المخالفين والمعارضين يسيئون لمعتقداتهم المغلقة ولأيدولوجيتهم.
إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن والقتل لتلك النفوس هو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس.
فهُم يغتالون الإنسانية والعقل ويُسخرون كل أدواتهم ومجهوداتهم لقهر إرادة الإنسان المؤمن وغيره من المخالفين حتى لا يكون حراً مستقلاً ومبدعاً ومختلفاً، يوجهون رصاصاتهم وأحزمتهم الناسفة لكل الضمائر الحية والقلوب المتوهجة بالإيمان المصدق بالله القدير وأسمائه العليا الذي جعلنا اختلافنا في العقيدة واللون واللغة آية من آياته.

إن هؤلاء المتطرفين يوقعوننا في حيرة وذهول دائم بين أن نتقبل هذه الوقائع الدامية على أنها حوادث يوم عادي في سنة كبيسة؛ لنستسلم لخزعبلاتهم الفكرية وترهاتهم الأيديولوجية وبين ادعائهم بكون هذا العالم كله مختزل في مساوئه، ويجب تسريع نهايته حيث ستتحقق السعادة والعدالة والمجتمع المثالي، ويجب أن نصدق ذلك بدورنا وألا نقف منتظرين تحققه وفقط، بل نلتزم بخطتهم من أجل النهاية السعيدة!


إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن الذبح والقتل بالأحزمة الناسفة والدهس بالشاحنات لتلك النفوس إنما هو تحقيق لشعيرة من شعائر معتقده، وهو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس. وللأسف من ينظر في خريطة جرائم التنظيمات المتطرفة على شساعة خرائط تمكنها من الجغرافية العربية، لن يجد تفسيراً لكل هذا الاستخفاف بالدماء والأعراض غير كون بعض الثقافة الدينية التي يرتوي منها هؤلاء المتعطشون للدماء لا تقف عن حدود فسادها بل تعدته فأمست تلك الثقافة مميتة وقاتلة لمن يعتقدها. 


لقد أصبح هذا الشكل من التدين قاتلاً ومفزعاً، وتجفيف هذه المنابع ليس بالأمر الهين؛ لأنه يحتاج لتنظيف مضاد مبني على نقد ذاتي وهو ما لا يستطيع الكثير من الوعاظ والعلماء والمثقفين تقبله، لأن فيه مساً بطهرانية مشربهم ونرجسيتهم المعرفية، فلا يقبل الطعن في خلفيتهم الفكرية أو الدينية. 

لقد وصل الأمر ببعضهم إلى جعل كل النِّتاج الفقهي والفكري البشري المتصل بالنصوص المقدسة بمستوى المقدس نفسه، وهنا ولدت أيديولوجيا الدين المتطرف وتمكنت وبدأت تخوض الحروب باسم الإله الذي رسموه في حالة غضب دائمة، يرفع أعلاماً لحرب لا تضع أوزارها أبداً، وصادرت هذه الفئة كل التفسيرات والتأويلات لصالحها، سواء الدنيوية أو الأخروية. 

إنهم نموذج مستعاد لذي الخويصرة حرقوص بن زهير التميمي ت 37هـ الذي قال للرسول الأكرم اعدل يا محمد! ليرد عليه الرسول عليه الصلاة والسلام بالقول: ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. هذا النموذج المتنطع قادر على هتك كل المحارم وانتهاك كل المحرمات، وادعاء أنه الأقدر على ايصال الناس للجنة بأمان أو ردهم عن النار بالترهيب.

هؤلاء لا يحفظون أو يؤولون بشكل سيء قول الرسول يوم حجة الوداع: فإنَّ دماءَكم، وأموالكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا، هل بلَّغتُ؟ وقد يشهدون بعد ذلك بأن نبيهم لم يبلغ شيئاً! هؤلاء يمسحون عن كتبهم قوله عليه الصلاة والسلام: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ويغلقون أعينهم عن قوله تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (سورة المائدة).  إنهم مستاؤون جداً من كل هذه النصوص وغيرها، لذلك فهم من يرسم رسومات كاريكاتورية ساخرة عن الإله والنبي والدين بأفعالهم الإجرامية، وبتفسيراتهم المختلة، واغتيالاتهم وحوادث الدهس وتفجيراتهم دليل على انهيار أطروحاتهم، وارتباك منطقهم وخسة مقصدهم.

///
المصدر:

الأربعاء، 12 أبريل 2017

تأويلية العنف المقدس بين قراصنة الدين وإرادة السماء


بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث وكاتب مغربي

******
يعتبر العنف لعنة تلاحق الإنسانية منذ بداية التاريخ، منذ أن قال ابن آدم لأخيه: لأقتلنك، ولا يمكن التعامل مع هذه الإشكالية بمزيد عنف على مستوى التأويل أثناء محاول التفكيك والفهم أو بتوجيه أصبع الاتهام للمقدس بكل بساطة، لأن النصوص المقدسة تقترح تعاملا لاعنفيا بالمقابل في سياق نفس الحادثة التاريخية لرد رعونة الأخ القاتل، بذلك يرد المقدس التهم عن نفسه، ويحاول توريط الإرادة الإنسانية في أسباب وقوع كل هذا العنف، الذي أمسى عنصرا مكونا للطبيعة البشرية، فقد قال هابيل لأخيه حينها: "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".
إن بعض الذين يمارسون العنف اليوم يؤثثون سلعتهم بالنصوص المقدسة، ولهم إمكانات وقدرات لا محدودة من التأويل تستقوي بالتاريخ والممارسات الدوغمائية، التي لا تنتهي بفهم مؤسس للتعايش بل العكس، فرسالتهم لا تهدف لتحقيق الاستقرار بقدر سعيها لتحقيق اللاتوازن من أجل التعجيل بخروج المصلح المُبَشَّر به في آخر الزمان والفوز بالموعود، إذ إن الفوضى إذا امتدت تقرب نهاية العالم حسب المعتقد الإسلامي، خروج المهدي المنتظر المسلم أو اليهودي أو المسيحي، ووقوع معركة الهرمجدون، وهذا يمثل عتبة حتمية أولى للعمل لتحقيق المبتغى من إسراع الاصلاح الجذري والتخلص من المدنس والفساد الذي يسود العالم.


من يمتلك المرجعية الفكرية والعقدية وينشئ مؤسسة مبنية على خلفية تاريخية توازي ما كان في عهد الصدر الأول في الإسلام، فسيتمكن من بناء طائفة قوية ومجتمع منسجم.
إن تخفيف العنف وفق تصور الأديان التوحيدية لا يكون إلا بالأضحية الحيوانية، كالكبش الذي أمسى رمزا من رموز الفداء مع قصة إسماعيل الذبيح، كأن الأديان التوحيدية تقوم بتحويل العنف وتلطيف ممارساته وما يرتبط به من تأويلات، وتقطع مع طقس التضحية بالإنسان على المذبح، والذي انتشر في معابد الأديان الطوطمية القديمة. ثم تأتي بعدها بعض العبادات والطقوس الأخرى؛ كالصلاة والصوم والوضوء لقوله عليه السلام: فإذا غضب أحدكم فليغتسل.

أبدت عدة جهات إسلامية فقهية وفكرية تخوفها من أن يخطف معنى الدين بتوظيف التأويل المذموم، ويسطر الخاطفون الحقيقة باسم إلههم المتخيل ويكرسونها بعنف ويجعلون كل المعاني الأخرى المحتملة والمضمرة غير قابلة للظهور ولا للكشف، فتتأسس مؤسسة مقابلة تستند لتلك الرمزية لغلق الباب أمام أي اجتهاد أو اختلاف في الرؤى واستراتيجيات التأويل والفهم والممارسة.

إن قصة مسجد ضرار في الإسلام والذي بني إلى جانب مسجد قباء كان محاولة للاحتيال على السلطة الرمزية التي شكلها الرسول الأكرم مع الصحابة في المدينة المنورة، وهي محاولة من المنافقين لمصادرتها بإنشاء مقابل لها ليشكلوا جبهة تصادم المؤسسة الرسمية ولتعم فوضى المؤمنين ثم يبدأ صراع المؤسسات والتأويلات. ولقد قاموا بعدها بمحاولة الاغتيال المشهورة للنبي الأكرم في غزوة تبوك.

أما اعتراض ذو الخويصرة التميمي المحسوب على توجه طائفة الخوارج المتطرفة على تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم؛ فقد كان محاولة لتفكيك رمزية الرسول في إحقاق مفاهيم كالعدل والمساواة والرحمة والأخوة، وإبداء الرجل اعتراضه كان ممارسة تأويلية متطرفة منه، قصد بها إحراج وإرباك مؤسسة الرسالة المحمدية وإفراغها من مضامينها الأساسية والتشكيك في صدق توجهها وموضوعيتها، باعتبارها هي التي تنشئ القيم وتتفرع عنها وتُشَرّع وتراقب السلوكات الاجتماعية الصادرة عن المؤمنين. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذاك الرجل وقيمه النَّزقة التي ستكون بؤرة مثالية وخصبة لنمو أهم فرقة خوارج في التاريخ السياسي والعقدي الإسلامي. والتي أسست للعنف وخاض مع المجتمع تجربة مريرة معها استمرت لعقود. ونتج عنها ولادة مدرسة عقدية مبنية على تأويلات خاصة واستراتيجية إصلاحية عنفية، ولا تزال تلك التجربة ترمي بظلالها على سياقنا المعرفي والسياسي إلى اليوم مع الفرق والحركات السلفية والجهادية المختلفة.


  •  
"القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه، لأن الإنسان قادر على تحوير وتحويل النصوص ولي أعناقها لتخدم مصالح طائفته ونفسية المؤمنين على وجه قبيح وغير مستحسن".

إن الصراع اليوم بين المتدينين المتطرفين والمعتدلين هو صراع قدرة على التأويل، ومن يمتلك المرجعية الفكرية والعقدية وينشئ مؤسسة مبنية على خلفية تاريخية توازي ما كان في عهد الصدر الأول في الإسلام، فسيتمكن من بناء طائفة قوية ومجتمع منسجم مع نتاج التأويلات الاجتماعية والدينية. وإن نجح المتطرفون في كسب معركة التأويل تنتهي الأنماط الإيمانية الأخرى والمدارس الإسلامية العقدية والفقهية التي لا تنسجم مع تطلعات وقراءات المتطرفين للمقدس، وستتحول المؤسسة الرسمية التي تحمي الخطاب الديني وتعيد بلورته وتجديده وتوجهه مستوعبة الزمان ومدركات المؤمنين وذهنياتهم وحاجتهم، لمؤسسة تستعيد التاريخ والأنماط الإيمانية غير المفككة والتي كانت تعاني من تشوهات عقدية ونفسية وعرقية وتاريخية مستعادة، والتي شكلت عائقا في تقدم العقل الإسلامي في لحظة من لحظاته الماضية ولا تزال. 

وما يحدث اليوم من عنف واصطدام بالعقل المنغلق إنما كان صورة تحديثية لهذه الصور المصغرة للمستعاد من تلك التشوهات ومزالقها، كما أن تحدياتها الخطيرة كامنة في كونها في حالة حركة ونشاط مع تنامي جغرافية الصراع الديني وسعة الاستقطاب لصالح هذه الحركات التي تنبعث بين الفينة والأخرى، وساعد على ذلك خصوبة الظروف الجيوسياسية وسعة القلاقل في المنطقة الممتدة على مدى الجغرافية العربية والإسلامية.
لقد فهم الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب مسألة الصراع بين دولته الفتية والمؤسسات التي يقوم على تدبيرها وبين طائفة الخوارج، فهم بأن الصراع قائم على أساس التأويل وأنه صراع على امتلاك المعنى وفهم المقدس، لذلك لما بعث ابن عباس لمحاججتهم قال له: لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، هذه الالتفاتة العجيبة والفطنة من الخليفة تظهر مدى إدراكه للحرب التي تشن عليه وقتها وأساليبها، لذلك استبق حيلة الخوارج بتضييق المعنى عليهم وهدم ملجئهم المتضمن في النص المقدس المفتوح على التأويل والمفعم بالحيوية والخصوبة.



  •  
تجاوز العنف يكون بتقديم منهجية معرفية متكاملة ومصدقة بما قدمه العقل البشري من معارف، لتخدم النص وتسعف العقل المسلم للاجتهاد والتجديد.

إنه في الأخير يعبر عن عنف التأويل وخطورته، وقد عبر كذلك حَبْر الأمة وعالمها عبد الله ابن عباس عن هذا المعنى بقوله: القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه، لأن الإنسان قادر على تحوير وتحويل النصوص ولي أعناقها لتخدم مصالح طائفته ونفسية المؤمنين على وجه قبيح وغير مستحسن. وللجهل والتأويل المذموم والانتحال مزالق تهدد المقدس وتحوله إلى غول أسطوري قاطع طريق أو إلى سيل من المعاني يجرف كل ما يجد في طريقه ويؤسس لدوامة عنف لا تنتهي، وقد حذر النبي الأكرم من هذه المخاطر بقوله: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

إن رهان المؤمنين اليوم هو إثبات قدرتهم على الإبقاء على صفاء المعنى في ظل تأويلاتهم لأنماط الإيمان في ظل التعدد، وتأسيس رؤية جديدة لفلسفة التعايش ومراجعة مبادئ تدبير الاختلاف وفق رؤية تستوعب المخالف ولا تصادر الآراء الإنسانية المغايرة، وتفكيك نزعة امتلاك الحقيقة المطلقة التي تعمي بصيرة المتطرفين وتغري عقولهم ببدء التحرك للحديث باسم الله وممارسة الحرب على غيرهم من المخالفين. 

وتجاوز العنف لا يتأتى بإغلاق النص المقدس ونزع إيمان الناس ومعتقداتهم والسخرية منها سواء من المؤمنين المتطرفين أو اللادينيين، وإنما يكون بأنسنة المفاهيم وجعل الدين في خدمة الإنسان، وتقديم منهجية معرفية متكاملة ومصدقة بما قدمه العقل البشري من معارف، لتخدم النص وتسعف العقل المسلم للاجتهاد والتجديد، وعدم نزع النفعية والفضيلة والشرعية عن المعرفة الإنسانية ومناهجها، والسعي الحثيث للسمو بالعقل وتفكيك كل الدوغمائيات والجزميات التي راكمها التاريخ على ضفاف الحضارة الإسلامية.


****
الرابط الخارجي