أي رؤية تجديدية لسياق معرفي متأزم؟
يوسف محمد بناصر *
بدأت الحضارة الإسلامية مسيرتها في خدمة الإنسانية فكرا وروحا وبناء، انطلاقا من رؤية شمولية تنسجم مع المطالب والطموحات الإنسانية، فكان النص المنزل «القرآن» يشهد حركية متفاعلة استجابة لأسئلة الصدر الأول من الصحابة والتابعين المرتبطة أساسا بالحياة الجديدة التي بشر بها القرآن والدين الإسلامي، فنتج عن ذلك إنشاء جيل متعطش للمعارف القرآنية، يسترشد بها للإجابة عن تحديات الجاهلية الأولى ويهيمن بها على مشاكله العقدية والفكرية التي يعايشها أو التي تنحدر من الحضارات المجاورة له [فارسية، بيزنطية، يونانية..]، فجددوا للحضارة الإنسانية نفسها، وصححوا أصلها، لترتقي لقرون عدة، هذا قبل أن تعرف انتكاسة وتدخل في تحديات الانحصار والأزمة والجمود.إن مقاصد العيش الإنساني تتجدد يوما بعد يوم لمستجدات تظهر كل لحظة في الحياة المعاصرة، والدين الإسلامي معني بشكل أو آخر بمواكبة كافة المستجدات التي تقع، لأن المسلمين يتوجب عليهم النهوض بمسؤولية الشهود الحضاري خدمة لدينهم وانسجاما مع مبادئهم العقدية والأخلاقية ومساهمة منهم في الفكر الإنساني.. فقد وجب على ضوء هذه التحديات والمتغيرات المعاصرة أن تواكب مقاصد الرسالة الإسلامية كل جديد وتصدق بما هو مشترك إنساني يخدم روح الرؤية القرآنية، وتهيمن على انحرافات الحضارة المعاصرة فتصححها ثم ترشدها بناء على مبدأ قرآني توجيهي واضح: «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه».
من جهة أخرى، فالسؤال المنهجي والمعرفي المتعلق بمواقع الأزمة ومداخل الإصلاح أصبح متجاوزا، ولزم معه أن يتجاوز العقل المسلم محنته وأزمته الذاتية، سواء تعلقت تلك الأزمة بالموضوعات التي يشتغل عليها أو حتى بنوعية الأسئلة التي يطرحها.. فسؤال التجديد في كل مجال أمسى ملحا ويطرح نفسه كل حين، ويدق كل باب من أبواب حياة المسلم المعاصر، ولا أظن أن الانشغال عنه بموضوعات وقضايا هامشية ينجي كل واقف على حصن من حصون الفكر والثقافة والفقه الإسلامي من أن يتهم بالهروب والانغلاق على نفسه ورفض التعامل مع التحديات المعاصرة، وهذا أقل شيء، وهنالك طائفة أخرى لها أسئلة وجهود، ولكنها غير معفية من محاولة الخروج من السؤال القلق إلى السؤال الناضج، لأن الحاجة الذاتية الآنية تقتضي الترفع والنضج، والمطالب الفقهية والفكرية والمعرفية اليومية للأمة ملحة، تتطلب توقفا ونظرة فاحصة، ومنهجا واجتهادا تجديديا والنهوض به من المسؤوليات التعبدية والتاريخية..
إن المأزق الحضاري الإسلامي الذي يتحدث عنه الكثير من المفكرين لا يتعلق بأزمة فكر أو تاريخ، بل الأمر يكاد يلخص بأزمة منهج العقل المسلم في تعاطيه مع معطيات حضارية سواء أكانت من تراثه أم غيره، وضيق أفق تعامله مع المناهج الإنسانية المختلفة، ثم انحصار شجاعته عندما يتعلق الأمر بإعلانه عن أسئلته المتراكمة وربما المتناقضة والمستشكلة.. بله إجاباته الأخيرة.
يكاد العقل الفقهي والمعرفي الإسلامي يفقد القدرة على رسم طريق بيّن وواضح، لأنه لم يحسم بعد في مسارات الإصلاح وحاجته إليه، بل وصلت أزمته إلى حد التيه عن أسئلته الحقيقية، وابتعد -بوعي أو بدونه لمدة من الزمن- عن التعاطي لمستجدات واقعه فهما وتفقها، حتى نسي أو كاد يطمس قدراته الذاتية في صنع حراك فكري، أو بث نفس جديد ومتجدد في خيارات النهوض والتجديد بالنظر إلى التحديات المتلاحقة التي تحيط به والتي يلاحظ كل يوم امتداداتها من خلال مسيرة الغير المتجاوِز، ذلك الابتعاد جعله يفقده ثقته في نفسه، ويسد لديه أفق التجديد والاجتهاد والإبداع، خصوصا مع وجود فجوة حضارية مع الغير، فتوهم معها أنه من المحال مقارنة إمكاناته بما لدى الآخر ولا مجال للالتحاق بالركب الحضاري، ثم بتكريس -الغرب المتفوق- لقدراته من جانبه لتوسيع فوارق بينية تعقد الأمر، الدخول ضمن دائرته يوجب التقيد بالتزامات معنوية ومادية ثقيلة، قد يصل بعضها إلى القبول بالانفصال عن كل موروث أو التنازل عن كل خصوصية ثقافية أو دينية، وفي حالة الرفض والممانعة فقد يتهم الطرف الضعيف والممانع بالتخلف والمتصارع والمنحرف والمنغلق والماضوي.. وغيرها من النعوت، وطبعا لا مكان للحلول الوسطى فهي مسخ.
إن أفق التجديد في الفكر الإسلامي في ضوء مقاصد الرسالة يتلخص في إعادة تفكيك رؤيتنا لما حولنا من القضايا التي تتطلب من العقل المسلم التدخل بشكل مباشر، لأنها لا تتحمل حالة الانتظار، وأن يتجاوز «عقدته المتوهمة» بأنه غير معني بمشاكل العالم والإنسانية المعاصرة.
ثانيا: إن الفكر الإسلامي بحاجة إلى أسئلة حقيقية تلامس أهم مداخل الأزمة المعيشة -هذا بداية- وأن تلامس تلك الأسئلة ذلك التناقض المعيش جراء الفجوة الرقمية والمعرفية التي خلفها الغرب، فوجب على هذا العقل المجدد للسؤال والواعد أن يفك ارتهانه بالغير، فلا يعيد طرح أسئلة تبسيطية تجعله في مقابل التبع لتابعه، من مثل: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ وماذا خسر الغرب بانحطاط المسلمين..؟ وأكاد أجزم أنه لو تغيرت صيغ السؤال لتلامس جوانب من حياتنا ومن أفكارنا لتغير الشيء الكثير في واقعنا، ولوجود علاقة سببية فلابد أن تتغير الأجوبة بذلك لتواكب الأسئلة وتجيب عنها بحسب معطيات حضارية وإنسانية معينة..
فالفكر يلزمه أن ينفتح على مجالات واسعة لتتبلور في ظلها الأسئلة وتتلاحق الإجابات وتتراكم، وعلى الفقه بدوره -باعتباره يشكل شقا وركنا أساسيا في الفكر الإسلامي- أن يبدأ باستنطاق المراجع المؤسسة للأحكام فيبين على ضوئها وانطلاقا من مقاصدها الكبرى الأحكام العملية والتعبدية التي يمكن أن تخلفها تلك الأسئلة، فيراكم إجابات، ويعزز ويدعم مسارات الإصلاح باستخراجه لتصورات يؤطرها -على الأقل- النص المؤسس، ويحقق انفتاحا على النص من جهة أولى وعلى المشاكل والتحديات الحيوية من جهة ثانية، فلا يكون قد ألغى مشاركته في الترشيد والتوجيه والبناء الحضاري، أو يكون قد طمس ملكة السؤال لديه أو حتى همش النص بصفته مرجعا.
فالفكر والفقه الإسلاميان يشتركان في أنهما نتاجان للعقل المسلم، هذا الأخير أساسهما ومنطلقهما للوجود، فإذا تخلف هذا العقل عن ممارسة دوره واكتفى بأسئلة وأجوبة مستهلكة وجاهزة فلن يتغير شيء ولن يكون له إلا دور المشاهد، فلا أفق أمام أي فكر حر ولا حياة لأي إبداع إنساني ولا مستقبل لأي تحرر في عالمنا العربي والإسلامي.
إن المشاريع الفكرية الإسلامية المعاصرة تبشر بشيء واحد، ألا وهو أن أفق التجديد بدأ فجره يسطع ولو بخفوت وخجل وتثاقل واضح، فمنذ سؤال محمد إقبال ومرورا بأسئلة وبمشاريع مماثلة التي قد تصل في تنوعها حد التباين في الأسس والنهايات -منذ ذلك إلى الآن بقي العقل المسلم في خطوة يتيمة ومترنحة تحسب على أنها بداية فقط لاستعادة عافيته ونشاطه، ولعل هذا الأمر -المريب- يبرهن على وجود اختلال بنيوي صامد لا يقبل إلا صدمة قوية تكسر غفوة العقل، وتزلزل صمود الجدران الواقية لوعي آسن، قد تشكل ذاتيا أو بشكل مفتعل كي يحمي فقط نفسه وبقوة، ولكن الأمر الإيجابي أن تكون تلك المبادرات الفكرية مساهمة في الدفع برسالة الأمة الإسلامية من جديد من أجل الشهود الحضاري الموعود، والاستيعاب الإيجابي للمشترك الإنساني والمواكبة المساهمة في البناء الحضاري.
* باحث أكاديمي
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=6662&issueNo=76&secId=23#
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق