الجمعة، 27 يونيو 2025

مآلات الحرب الإيرانية - الإسرائيلية...الطريق لـ بكين يمر عبر أصفهان! بقلم د. يوسف محمد بناصر.

 مآلات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية ...الطريق لـ بكين يمر عبر أصفهان!

د.يوسف محمد بناصر- باحث مغربي.

________

بالرغم أن بعض أصدقائي يصنفونني ضمن انتماء يتخندق في إطار حركة السلم و اللاعنف المدنية، حيث كنت أنزع لمفاهيمها في مواجهة كثير من المواقف الفوضوية التي يعيشها العالم، ولست أنكر ذلك من جهة أخرى، حيث كان انتمائي في فترة من تاريخي الطلابي لمدارس فكرية عربية وغربية تدفع بهذا التوجه وترافع من أجله، إلا أن ما يقع اليوم من صراع مرير في منطقة الشرق الأوسط من الصعب الابقاء على النفس في خندق رومنسي أو التعلق شطحة نوستالجيا تاريخية، بعيدا عن واقعية الحال وبراغماتية السياسة وحيادية المعرفة، فالحرب الشرق أوسطية اليوم تعيد ترتيب أوراق نصف الكرة الأرضية ان لم يكن كلها..، ومن المعلوم في السياسة العسكرية والفكر الدبلوماسي أن قليلا من السلم يتطلب حربا كبيرة، فما يقع اليوم بين دولة إيران واسرائيل يتجاوز صراع ايديولوجي او خطابات شعبوية بين المعسكرين العقديين المحافظين "الشيعي" و "الصهيوني"، اللذين لهما نفس الخلفية والرغية في الامتداد ولهما روح متشردة تتقمص القوة والفتوة والغلبة..، ولا تحيا هذه الأرواح إلا في سماء الصراع والتحدي منذ بذرتهما الأولى وإعلان تاسيس الكيانيين والدولتين.

إن ما  طرأ من أحداث منذ أيام في المنطقة ليس ضربا من هتك "عرض" عسكري وسياسي وتاريخي وايديولوجي لجغرافية بحد ذاتها وأعني إيران؛ بل يتجاوزها لما خلف الجدار الفارسي..، فبعد هيمنة الطيران الإسرائيلي على سماء لبنان وفلسطين وسوريا والعراق الذي تطلب عمل دؤوب لسنوات.. من أجل الوصول لاصفهان اليوم، والتي  تمثل الظهر والحامي لطريق الحرير،  ومؤشر لسلامة قلب موسكو  وأجوائها الخلفية من اي التفاف، وهي جدار وقاية لترسانة إسلام آباد .. ، إذن الصراع اليوم انهاء أو انهاك لمشاربع  في المنطقة الشاسعة لم تستطع تطوير نفسها في بيئة غربية، هذه الأخيرة تشهد تغيرات كبيرة في سياساتها واستراتيجياتها الاقتصادية والسياسية و التكنولوجية وتتملكها مخاوف عظيمة من مشاريع ناشئة تنمو بعيدا عن المركزية الغربية باضطراب.

 إننا اليوم نشهد صراعا يمتد في ظاهره من تل أبيب لأصفهان.. ونغفل على أن إيران قوة استعراضية عبر التاريخ ومدفوعة بقوى إقليمية، و" تحييد" مسانديها أو ما يسمى معسكر المقاومة أو الممانعة هو كشف لمجالها الجوي أولا ثم لدول أخرى أبعد.

إن الفتح المباشر للمجال الجوي الإيراني أمام الطيران الاسرائيلي كان مؤشرا  ودليلا على تغير في سياسة التعاطي مع هذه الدولة ولما هو أبعد منها، وكشف لمدى ترهل النظام بشكل عام رغم ما يبديه من مظاهر القوة، والنتيجة الأولية هي اغتيال قادة جيشها في غرف نومهم، واختراق الدولة بزرع جواسيس في نظام الحكم باعتراف أحمد نجاد الرئيس الأسبق في تصريح له، كما تم زرع طائرات انتحارية وسط البلد دون علم لأجهزة النظام المختلفة، مما يعني انهيار نظامهم الأمني المزعوم رغم تنوع الاجهزة الامنية والاستخباراتية التي تميز هذا البلد، وهو نفس المخطط أثناء الهجوم الاوكراني على روسيا منذ أيام، ولا وجود للصدف في الأمر.

 إن اعلان "الكيان الاسرائيلي" تخلية سماء إيران  وتحييد الدفاعات الجوية من اي تهديد لها،  لتمارس استعراضها داخل بلاد "ولاية الفقيه" ثم تقصف بشكل دقيق، أسماء مهمة من أهل التربة الحسينية من علماء وقادة، وبطائرات ركبت بجانب قباب الملالي، ليفضح الشعارات والتظاهرات العسكرية والسبق الاستخباراتي وخطب الجمعة المليونية التي تستحضر فيها لوحات بخلفية الموت للتوأمين "الإسرائيلي_والامريكي". كما لابد لنا من استحضار أن جولة ترامب المكوكية لدول خليجية بعينها دون عاصمة إسرائيل ليست بريئة وتطرح أكثر من علامة استفهام، لأن ما تظهره التصريحات أهون مما يدار في الكواليس التي تخفي وراءها مخططات نسجت مسبقا، وسيناريوهات للمنطقة تفكر لما بعد نظام الملالي وما أبعد منها، ولا نغفل عن مسرحية المفاوضات الامريكية  التي تجمع بين سياسة الجزرة في مسقط وأزيز العصا من الكيان، لكونها مرحلة تبرئة ذمة ظاهريا وتورط للاذنين حقيقة، وترك مساحة أمان للتدخل ولعب دول الوسيط المحايد فيما بعد، وينطبق عليهم صورة المثال الذي يقول فيه الاخوة في مصر:" يقتل القتيل ويمشي في جنازته".

إن اخضاع ايران في النهاية وتفكيك منظومتها المتهالكة، ابتداء باغتيال قادتها من بينهم الرئيس السابق رئيسي (تطرح أسئلة شائكة عن وفاته المشبوهة)، والذي تحدثوا عن وفاته بسبب حادثة سقوط طائرة، ثم جس نبضهم مرة أخرى باغتيال إسماعيل هنية وسط عاصمتهم..، كل هذه الأحداث كانت  ترسم طريقا مباشرا نحو العودة لطهران وغيرها من المدن الحقا، ثم هي نفسها الطريق  المختصر للوصول نحو أبواب موسكو وبكين واسلام اباد..، وسيصدق فيهم المثل العربي إنما اكلت يوم أكل الثور الأبيض.

المشهد السيريالي في المنطقة هو حالة إعادة تدوير الانظمة التي لا تسطيع تفكيك ايديولوجيتها ولا الدخول الذاتي في محلة بيريسترويكا، فالانظمة النيوليبرالية ذات الخلفية الإمبريالية من الكيان الوظيفي إلى الغرب المتوحش، هي وحدة متكاملة ومجعية فلسفية متابطة، ومرونتها تتجلى في القدرة على تطوير أدائها "غريزيا" كأنها حيوان خرافي نابض بالأبدية، ويرجع ذاك لكونها أنظمة منسجمة مع تاريخها السياسي والفلسفي والوظيفي..، وهي خلاصة لتاريخ حروبها الدموية، ويستحيل أن تتشرنق كل مرة دون إحداث فوضى، تعرض ما حولها من الأنظمة العتيقة لمخاطر أو تعمل على تفكيكها تماما، وتزيل ما يعيق تحولاتها الذاتية كزهرة النرجس الاسطورية، عكس الانظمة العتيقة فمهما أبدته من حداثة كالصين وروسيا وما يدور في مدارهما، تبقى كلها أنظمة عالقة في التاريخ عكس ما تفرضه روح ما بعد الحداثة الغربية من براغماتية ومن شراسة وممارسة دموية لا تعرف الرحمة.

ان الطريق لبكين وبيونغ يونغ وإسلام اباد وموسكو.. يمر عبر أصفهان، والشعب الأمريكي بوعيه الاجتماعي والسياسي التقط هذه الرسالة بوضوح منذ انتخاب ترامب ولتتجدد هذه الرسالة مع احتفالية يوم استقلال أمريكا السبت14 يونيو بالاستعراض العسكري الضخم الذي يصادف عيد ميلاد السيد ترامب، حيث خاطب الرئيس شعبه خطاب الملوك الفاتحين، وهو ما لا ينسجم مع مزاج الآباء المؤسسين ولا ذكرى ثورة واشنطن التاريخية ..، ومظاهرات لونس انجلوس وإعلان شعار" لا ملوك" كشف لهذه المؤامرة واستعادة لثورة تأسيس الجمهورية من جديد ، حتى لا تتماهى شخصية "الزعيم" ترامب مع النظام و روح الدستور الأمريكي ..، وربما هو كبح لجماح ثور وول ستريت الهائج المهوس بالمال حتى لا ينخرط بحماسة في تفكيك خرائط هذا العالم والبحث عن مكاسب مالية دون النظر لشيء آخر، كما سبق وفعل في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي من جهة أخرى صورة لما ينمو في الخفاء وبتسارع من تغيرات للنظام العالمي بشرقه وغربه، ومن بينه نظام الأب واشنطن وحلم الغرب الأمريكي. 

يتبع..



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق