السبت، 19 فبراير 2011
في مدح الشعب…إذا أراد الحياة
استمرت لحظات انتفاض الشعب التونسي في تصاعد غير مسبوق وبنفس غير متوقع إلى أن أطاحت برأس النظام المستبد بالسلطة زين العابدين بن علي، فر الرئيس هاربا تاركا كل شيء خلفه في مهب الريح، بعدما فقد السيطرة على زمام ما كان يظن ،إلى وقت قريب، أنه تحت عينه وسلطته التي لا تقهر. إنه "الشعب المنتفض"، لتصبح تلك اللحظة التي أذيع فيها الخبر تاريخية بامتياز، نعم فتونس تحركت كبقعة زيت متوهجة أوقد نارها ونورها "المرحوم البوعزيزي"، ثورة عصفت بالسنين العجاف التي أحاطت جمهورية الزيتونة بقبضة من كهنوت سياسي وبوليسي مترع بالفساد المالي، فانهارت شعارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع صرخات الجسد المحترق، لقد وصلت درجة اختناق الحرية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية في ظل النظام التونسي حتى صار مضرب الأمثال وسنة للاقتداء العربي، لقد اختنقت أنفاس الشباب الذين خرجوا يرددون "لاءات" كثيرة ولكنها عميقة، لا للاستعباد، لا للقمع ، لا تكميم الأفواه، ولا للنهب والاختلاس، نعم للحريات نعم للتعددية، بكل عفوية انتفضوا على ثقافة الانبطاح والاستبداد والخوف، لقد احترقت شرعية النظام التونسي في رمشة عين كما ستحترق غيرها من الأنظمة، صارت لحظة الثورة ناضجة بعد طول انتظار، وحان موسم عربي جديد، انطلق من بلاد الزيتونة، تجتث فيه أشجار علقمية المذاق ثمارها قهر واستبداد لتنفى بعيدا وتستبدل بأشجار تثمر في موسم ربيعي نظام الحريات والتعددية والكرامة ودولة الالتزام بالقانون والحقوق والمساواة. اعتمد النظام التونسي البائد على تسويق صورة مزيفة عن نفسه وعن نموذجه القوي، القادر على التحكم والرقابة، فقد خرب الأحزاب - يسارية كانت أو إسلامية- وجعلها غير قادرة على الحركة والعمل السياسي، وحاصر حراك المجتمع المدني، واعتمد بسط السيطرة بشكل شمولي على كل القطاعات الحيوية، اقتصادية ومالية وإعلامية وسياسية، دجن بعض المثقفين، كما صنع نخبا أخرى لتدور في فلكه وتلمع نموذجه المتقدم زورا، وعذب وسجن المعارضين أو طرد أغلبهم خارج البلاد، ثم خلق اقتصاد الريع ليستفيد أزلامه ليكونوا حماة النظام أو ليتحكم في بقايا المحرومين من الذين قد يحقدون على الوضع أو ينفلتون في لحظة غضب، فيخربون وينهبون ويقتلون ببشاعة كما قد يحصل عند سقوط أي مستبد. عندما أحكم النظام التونسي الخناق على ميادين التنفيس الشعبي وعلى المنظمات والأحزاب والهيئات ونمطها لصالحه، فقد في ذات الوقت السيطرة على الحراك الطبقي والاجتماعي، لتتوسع الطبقة الوسطى المثقفة، كما ترسخ الوعي السياسي فيها مع ارتفاع نسبة التمدرس وتوسع خريجي التعليم العالي، ليكون هذا التحول البنيوي الدقيق هو النقطة التي ستفيض الكأس، لأنها ساهمت في تسريع خطى انهيار النموذج البوليسي المترهل، فانتفض الشعب في لحظة حاسمة تحدوه الحماسة لصنع نموذج ديمقراطي صاعد، يتناسق مع طموحاته ويستجيب لحاجاته الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.إن الشعب التونسي اليوم بانتفاضته الشعبية الشبابية يعد مثالا صادما للمجتمعات التي تعيش في نفس الوضعية لزمن ممتد، لذلك فأمواج الانتفاض ستكون متلاحقة شيئا فشيئا لتعم غالبية الأنظمة الشمولية، التي رزحت بتخلفها الفكري والسياسي على الشعوب، وكل المؤشرات تشير إلى النظام المصري المتهالك الذي أمسى هو التالي في قائمة الأنظمة العربية التي سيخضعها موج "تسونامي التفكيك الشعبي" لقانونه. والإشكالية المطروحة الآن أن الشعوب ستتحرك بدون قيادات ملتزمة بمشروع إصلاحي أو أيديولوجي يحفظ القيم التي انتفض الناس من أجلها في برنامج عملي، ليصبح حراكهم عفويا تعبيريا وفي غالب الأحيان فوضويا، غير مؤطر بمنهجية سياسية واعية وفاعلة، وهذا ما سيتجلى في الانتفاضة المصرية إذا لم يتدارك الأمر في وقته، إنها حماسة الخروج من التيه السياسي العربي، حماسة اكتشاف الذات خارج سلطة القمع وخارج النظام المستبد، لقد تولدت لديهم الرغبة في التحدي، ولو تعلق الأمر باكتساح جحافلهم لشرطة القمع بصدر عار أو الوقوف بتحد أمام طلقات الرصاص، تلك الرغبة والتحدي لم تكن لتظهر لولا الإشباع الذي وصلته النفوس والضمائر من كرهها لثقافة الاستبداد والترهيب التي لا ينتهي لهيبها، فطربت النفوس بقوة لجاذبية التحرر وإرادة التخلص من الضيق الاقتصادي، فحان لزوما الوقت للانتفاض من أجل أن تؤسس ثقافة جديدة مبنية على هذه الحاجات، ولا منة لأحد من "الأحزاب السياسوية" المتخمة بالشعارات الجوفاء والموضوعة تحت تصرف قيادات الفكر القروسطوية أو التاريخ العجائبي، لا منة لأحد من هؤلاء ولا من أولئك على الشعبين التونسي ولا المصري إلى الآن، ولا منة لزعيم سياسي عليهم قد يتسمى مستقبلا بقائدهم الملهم أو الثوري، ولا منة لبرنامج أيديولوجي أو حركة ثورية أو تنظيم سري عليهم..، هم أنفسهم يمنون ويمتنون شبابا وشيبا، نساء ورجالا، على أن انتفاضتهم عملية سلمية شعبية لاعنفية شهد لها العالم ولا يزال، فهم أقاموها بعرق جبينهم وبأيديهم وبدمائهم وبعفويتهم السياسية، وقد جوبهت برصاص أنظمتهم المتمرس للقمع، لكن كانت إرادتهم أقوى وصدورهم أمتن وصفوفهم متراصة، فالعنف لا يولد إلا العنف والكراهية والانتقام، ولا أحد من مصلحته أن تتأجج مشاعر الانتقام، لأنها ستحرق في طريقها الأخضر واليابس، والشعب الذي يتبنى الفعل السلمي بشكل عفوي ذكي سياسيا وثقافيا، لأنه يرفض الوقوع في هفوة العنف والصراع المسلح أو على الأقل يؤجله كخيار صلب بعيد يمكن اللجوء إليه كآخر حل عند سقوط الحلول المرنة، وهو ما قد لا تفطن له بقية الشعوب وحتى الأنظمة التي تطمح لاستنساخ هذه التجربة أو تلك هنا أو هناك، فالظروف المختلفة والوضع الجيوسياسي والثقافي والإثني والديني كلها تحكم استعمال العنف عند الإنسان، وبطبيعة الحال فالعنف هو شيطان قابع في الجنس الإنساني يتقنه منذ حادثة ذبح هابيل مرورا بثقافة الحروب والانتصارات الدموية التاريخية التي كرست منطق الإلغاء والسيطرة، أفعال مستهترة بالأنفس والعقول كتبت على أنها بطولات وفضائل، لتمتد إلى الحاضر تخرس مواقف السلم وتربك مجتمعات التعايش لتجعلها محبة للدماء ومتعطشة للفوضى والانقسام، وأبرز مثال على ذلك العراق والسودان، والله أعلم من في القائمة أيضا. إن تجربة الشعب المصري اليوم في انتفاضته لا تختلف كثيرا عن الانتفاضات التي ستقع في بلدان عربية كثيرة خصوصا ذات الأنظمة الجمهورية، فهذه الأخيرة، لم تعد لها أي شرعية تاريخية أو سياسية أو أخلاقية، خصوصا بعدما طالت سنوات حكم المستبدين بها فتأكد أنها ولدت ميتة بلا معنى، حتى ولو كانت أسماؤها تقدمية تنهل من ثقافة التنوير السياسي الأوربي زورا، فكثير من الأوصاف السلبية مشتركة بينها والتي منها انفراد الحزب الواحد بالمواقع والسلطات والقمع البوليسي للشعب والإبقاء على حالة الطوارئ التي لا تنتهي، وانفراد القائد بكرسي الرئاسة، وإصدار دستور مقدس يصب في مصلحة توالي سنوات حكم الحاكم المستبد أو لنقل ملكية الجمهورية والقصر الرئاسي لابن الحاكم أو زوجته بعد عمر برزخي.سئمت الشعوب نفسها وسفهت أحلامها تحت حكام الجور والاستبداد، الذين انفرد العالم العربي لوحده بهم دون سائر البلدان، التي سارعت للتخلص مما علق بها من أيديولوجية الأنظمة الشمولية البائدة، والتي انهارت منذ أزيد من عقدين وبالأحرى توالى انهيارها منذ واقعة سقوط جدار برلين التاريخية، واليوم لم يعد من السهل إقناع الشعوب العربية بالعودة للخلف، فخطابات التبشير ولى زمانها، كما أن ترقيع ما بقي من الحياة السياسية والاقتصادية مرفوض تماما، و"منح" دساتير وحريات وحقوق صورية أو إطلاق إصلاحات مجتزأة وغير واضحة غير مقبول، لأن كل هذه الشعوب الآن امتزجت عندها مشاعر الإصرار على التغيير الجذري بمشاعر الوجود في الحياة، كأنها اللحظة فقط اكتشفت جمال الطريق السوي نحو عالم الديمقراطية ومتعة العيش في النور بعيدا عن الظل والظلام.
© منبر الحرية،9 فبراير/شباط 2011
http://www.minbaralhurriyya.org/content/view/1209/703
الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010
مؤتمر دولي حول القراءات المعاصرة للقرآن الكريم
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين.
(سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ـ سورة البقرة : الآية32 ـ
ينظم مختبر الدراسات و الأبحاث الحضارية بتعاون مع : شعبة الدراسات الإسلامية مؤتمرا دوليا و ذلك منتصف شهر أبريل 2011م بكلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة شعيب الدكالي، الجديدة ، المغرب .في موضوع :
القراءات المعاصرة للقرآن الكريم .
تعرف الساحة الثقافية ـ خاصة بعد رحيل أقطاب الدراسات المعاصرة للقرآن الكريم ـ جدلا كبيرا حول ما يسمى بـ القراءات المعاصرة للقرآن الكريم ـ هناك من ينعتها بالجديدة، والحداثية، والعلمانية ـ التي تتدثر بمناهج لسانية، وسوسيولوجية، وتاريخية، وإنتروبولوجية، أدت ـ في أغلب الأحيان بقصد أو بغير قصد ـ إلى تحريف المعاني القرآنية، وإخراج النصوص عما هو مجمع عليه، فضلا عن تناقضها مع الحقائق الشرعية، وتعارضها مع مقاصد الشريعة الإسلامية. ومرد ذلك لعدم احترامها لخصوصيات القرآن الكريم، ومعاملته كسائر النصوص البشرية .وليس معنى ذلك أننا نريد حجب هذه المناهج عن مقاربة الخطاب القرآني، بقدر ما نريد بيان حقيقة أساسية تتعلق بالقراءة الإيجابية للقرآن الكريم، وهي القراءة المقاصدية، التي تحفظ للقرآن الكريم خصوصياته، وتحقق مقاصده، ككتاب هداية، يبين للناس ما يحقق صلاحهم في الحال والفلاح في المآل . إن كل منهج من المناهج المذكورة آنفا يمكنه أن يسهم في بلورة هذه القراءة المقاصدية، بحيث تمكن الإنسان من الوقوف على مراد الله تعالى من الخطاب القرآني بحسب القدرة البشرية، أي إنها قراءة ذات أبعاد ثلاث : أ. التلاوة .ب. التدبر .ت. التطبيق .والله تعالى تعبدنا كمسلمين بهذه المستويات الثلاث، ومن ثم فإن القراءة في تصور المسلمين ليست قراءة حرة، بقدر ما هي قراءة مقاصدية.
ومن هنا نفهم أننا أمام موقفين:
1- موقف يؤمن بأن القرآن كلام الله، المقدس والمعجز، والمتضمن للحق والحقيقة، ومن ثم يتخذه مرجعية له في الحياة.
2- وموقف آخر ينظر إلى القرآن كنص بشري ليست له أية خصوصية، وأن هالة القداسة مصطنعة، ومن ثم دعت إلى القطيعة المعرفية مع القراءات الإسلامية التراثية، وحذفت عبارات التعظيم، واستعملت مصطلحات غير المصطلحات الشرعية. فبدل نزول القرآن استعملوا الواقعة القرآنية، وبدل القرآن استعملوا المدونة الكبرى، وبدل الآية استعملوا العبارة. وتعمدت الاستشهاد بالقرآن والنص البشري بدون أدنى تمييز بينهما، مع الدعوة إلى عقلنة النص القرآني برمته، ورفع عائق الغيبية. واعتبار كل ما يعارض العقل شواهد تاريخية، وربط الآيات القرآنية بالظروف والسياقات الزمنية، بما يعني أن القرآن الكريم ليس إلا نصا تاريخيا. والتذرع بالمناهج الحديثة بدعوى أنسنة القرآن الكريم، لنزع القداسة عنه، والتشكيك في تواتره. مما يخفي وراءه مواقف المستكبرين في الأرض من جهة، وأهدافهم، ومشاريعهم التي بدأنا نرصد بعض آثارها على الواقع، واختيارات أيديولوجية من جهة أخرى.
والواقع أن الدراسات المعاصرة للقرآن الكريم ما هي إلا امتداد للدراسات الاستشراقية التي يمثلها نولدكه في دراسته عن تاريخ القرآن الكريم، حيث انتهى إلى أن نبوة محمد ما هي إلا امتداد لنبوات العهد القديم، وأن القرآن الكريم مأخوذ عن المأثورات اليهودية والمسيحية.
وقد تطورت هذه الدراسات حول القرآن الكريم في الستينات من القرن الماضي، على أيدي التفكيكيين كجون واسنبرو، وكوك، وكرون الذين يمثلون الاتجاه التفكيكي الداخلي، ولينغ ولوكسنبورج اللذين يمثلان الاتجاه التفكيكي الخارجي. وعن هؤلاء أخذ أصحاب القراءات المعاصرة للقرآن الكريم، من العرب والمسلمين، كمحمد أركون، ونصر حامد أبي زيد، والمنصف بن عبد الجليل، وعبده الفيلالي الأنصاري، ويوسف صديق، ومحمد الشريف فرجاني، وعبد المجيد الشرفي، وطيب تيزيني، وحسن حنفي، وأخيرا محمد عابد الجابري.
إننا نعقد هذا المؤتمر الدولي لدراسة المناهج الموظفة في القراءات المعاصرة للتفسير، وتطبيق هذه المناهج من قبل الباحثين والدارسين المشار إليهم آنفا، وعيا منا بأن المنهج ليس بالضرورة هو التطبيق، ذلك أن الخلفيات الأيديولوجية والسياسية هي التي توجه هذه المناهج ـ في الغالب ـ ، لنصبح أمام إسقاطات تنتهي إلى نتائج مرسومة سلفا. كما أننا نروم الكشف عن إمكانية الإفادة من المناهج الحديثة واستعمالها استعمالا علميا، يراعي خصوصيات القرآن الكريم، دون خلفيات مسبقة، وبهدف الوصول إلى الحقيقة، علما أن الدين لله، وأن معارف البشر نسبية، فاجتهاداتهم محدودة في الزمان والمكان، ولا يمكن بأي حال الادعاء بأنها مراد الله النهائي. كما أن تبني هذه المناهج وفق شروط علمية وموضوعية يمكن المسلمين من فهم تراثهم التفسيري، ومن ثم القدرة على استيعابه واستبطانه وصولا إلى الإبداع، حيث الإضافة العلمية للمجال، واكتشاف نواح جديدة من الإعجاز.
محاور الندوة :
1- الأسس المعرفية والخلفيات العقدية والسياسية للقراءات المعاصرة للقرآن الكريم.
2- الضوابط و الشروط العلمية و المنهجية لقراءة القرآن الكريم.
3- نقد علمي و موضوعي للقراءات المعاصرة و روادها .
4- الخطاب الديني والخطاب البشري أية علاقة ؟
اللجنة المنظمة :
1- الأستاذة الدكتورة : خديجة إيكر، رئيسة مختبر الدراسات والأبحاث الحضارية، تخصص لسانيات .
2 - الأستاذ الدكتور : إبراهيم عقيلي ،رئيس شعبة الدراسات الإسلامية ، تخصص الفكر الإسلامي .
3- الأستاذ الدكتور: أحمد بزوي ،رئيس مجموعة البحث في تراث و ثقافة دول الخليج، تخصص علوم القرآن و التفسير.
4- الأستاذ الدكتور : علي بيهي ،عضو مختبر البحث ، تخصص أدب عربي .
5ـ الأستاذ الدكتور : عبد الرحيم الراوي ،عضو مختبر البحث ، تخصص أدب عربي.
6- الأستاذ الدكتور : ميلود الضعيف ، عضو مختبر البحث ،تخصص علوم القرآن والتفسير.
7- الأستاذ الدكتور : محمد الرقاق ،عضو مختبر البحث ، تخصص لسانيات .
8- الأستاذ الدكتور : أحمد العمراني ،رئيس المجلس العلمي بسيدي بنور،وعضو مكتب الشعبة، تخصص علوم القرآن والتفسير.
9- الأستاذ الدكتور : عبد الهادي دحاني : ،عضو مكتب الشعبة، تخصص علوم القرآن والتفسير.
10 ـ أحمد زحاف ، شعبة اللغة الفرنسية، تخصص لسانيات.
آخر أجل لقبول الملخصات : 09/01/2011م.
آخر أجل لقبول البحوث كاملة : 13/03/2011م.
سينعقد المؤتمر بإذن الله أيام : 19 ـ 20 ـ 21/ 04/ 2011م.
للتواصل مع اللجنة المنظمة يرجى الاتصال بـ:
د. أحمد بزوي الضاوي
ahmedbezoui@yahoo.fr هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
الأحد، 28 نوفمبر 2010
رهانات الفلسفة العربية المعاصرة
ندوة دولية بعنوان:
"رهانات الفلسفة العربية المعاصرة"
كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس أكدال، بالرباط
متابعة: يوسف محمد بناصر
الرباط ـ المغرب

نظمت وحدة :"فلسفة الحق السياسي والأخلاقي"، {شعبة الفلسفة} بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس أكدال، بالرباط بالتعاون مع مؤسسة كونراد ادينارو، ندوة دولية بعنوان"رهانات الفلسفة العربية المعاصرة"، وذلك يومي الجمعة و السبت: 20 و 21 نوفمبر 2009م، وقد ساهم في تنشيط محاور الندوة 25 باحثا في مختلف المجالات الفلسفية من الجامعات المغربية والأقطار العربية، كالأردن و لبنان ومصر وتونس والجزائر.
وجاء في الورقة التقديمية للندوة بأن الغرض الأساسي منها ليس، كما كان الحال في الندوات السابقة، تقييم تاريخي لانجازات الفلسفة العربية المعاصرة، وفرز تياراتها وتحقيب مراحلها عن أصالتها وقيمتها بالنسبة للفلسفات الغربية، إنما الغرض هو التفلسف في موضوعات حيوية وآنية تمثل تحديات بالنسبة للزمن الحاضر عربيا ودوليا، موضوعات تتصل بالمشاكل السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والبيئية، وأكد المنظمون على رغبتهم في الانخراط في عملية تجاوز الثنائيات، والتفاعل مع التفكير البشري العالمي للكشف عن جذور المشاكل الجديدة التي يعيشها الإنسان الناطق بالعربية، ومحاولة وضع الأسئلة المناسبة، بحثا عن عناصر للتحليل والمعالجة.
فقد أكد الباحث الجزائري عبد الرحمن بوقاف في مداخلته المعنونة:"الفلسفة ومجاوزة التبرير..." على أن الخطاب الفلسفي العربي الراهن يعاني من أزمة التلقي وغياب الجرأة على تناول المحظور، لعدم وجود "النص الغائب" الذي قد يكون نصا حاسما على غرار الفلسفة الغربية، التي أنتجت نصوصا غيرت مجريات العالم بكامله، كما شكل غياب الوظيفة النقدية في الدرس الفلسفي العربي استمرارا لمعاناتها، والحل حسب الباحث يكمن في انفتاح الفلسفة على النسيج الاجتماعي والثقافي واعتمادها على ما اسماه:"الإعلام الفلسفي" وأن تكتسب أصدقاء ينتمون إلى التخصصات المجاورة كعلم الاجتماع وعلم النفس..، وقد أثارت مداخلة الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي إشكالية الترجمة من اللغة الفرنسية ليطرح العديد من الأسئلة التي من بينها: هل للفلسفة رهانات أم هي مراهنة في حد ذاتها؟ إذا كانت الفلسفة تعتبر رهانا، فهل يمكن اعتبار الراهن رهانها الأساسي؟ أم العكس؟ أو بشكل أدق هل ثمة من فلسفة في العالم العربي يمكن أن تنعت بأنها عربية؟ وهل أنجب العالم العربي فيلسوفا أم فلاسفة...؟ وقد عنونت المداخلة بـ:"الفلسفة والترجمة في العالم العربي"، حيث حاول فيها الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي الإجابة عن بعض الأسئلة المطروحة على الفلسفة، واستقصاء الأسباب الكامنة وراء تراجعها، ليخلص إلى كون الجمع بين الترجمة والفلسفة شيء ضروري، حيث يقول إنه لا مفر من ترجمة النصوص الفلسفية؛ إذا كانت الفلسفة ترغب في تجاوز عيوبها، ثم إذا كان المشتغل في حقل الفلسفة يرغب في الإلمام بتيارات الفلسفة العالمية وأسئلتها ورهاناتها..، فالترجمة عنده لا تتم بعيدا عن السجال الفلسفي إذ:"الترجمة الفلسفية مثل الفلسفة هم فكري لا يمكن أن يتم خارج مختبر الفكر أو قاعات الدرس الفسلفي". ويذهب الأستاذ محمد وقيدي إلى ضرورة الانتقال من مستوى القراءة الفلسفية إلى الإبداع الفلسفي، أي الانتقال من دراسة المذاهب الفلسفية إلى التفكير في المشكلات الفلسفية، ففي نظره؛ يقتضي هذا الرهان في مرحلة أولى؛ الاتصال بالنصوص الفلسفية من اجل قراءتها وفهمها وتأويلها، وفي مرحلة ثانية؛ إبداع نص فلسفي جديد، وقد درس الأستاذ وقيدي ثلاث تجارب للاستدلال على الانتقال من المذهب إلى المشكلات: كتجربة عبد السلام بنعبد العالي في متابعته للحياة الفسلفية ومراجعته لمختلف التجارب الفلسفية والتراث الفلسفي،فتجربة محمد المصباحي في تناوله للفكر الرشدي باعتباره حداثة في عصره، ثم تجربة وقيدي الشخصية في تطبيق مفاهيم "باشلار"على سياقات فكرية وفلسفية لم يتناولها هذا الفيلسوف نفسه.
ثم شكل مفهوم الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحداثي محور مداخلة المفكر اللبناني ناصف نصار؛ إذ جعل مفهوم العلمانية احد الرهانات الفلسفية، التي ينبغي أن يخوض فيها الفلاسفة والمفكرون العرب اليوم، وهذا الرهان يستدعي حسب نصار؛ مقدمتين رئيستين: تفيد المقدمة الأولى؛ أن العلمانية لا يمكن تجنبها لأنها تيار كوني يخاطب جميع المجتمعات والأديان، وأما المقدمة الثانية، فتقول: أن العلمانية تشكل سؤالا عميقا يطرحه المجتمع على جميع الأديان في إطار تنامي الوعي السياسي، ويعتبر الباحث المغربي إدريس كثير أن المغرب شهد ميلاد فلسفة مغربية تطورت منذ ابن رشد إلى اليوم، وركز الباحث الأردني احمد ماضي على الإجابة عن أسئلة تتناول الأنموذج الفلسفي العربي المعاصر، والذي من أبرز أعلامه ناصيف نصار ومحمد عابد الجابري وأبو يعرب المرزوقي ومحمود نجيب زكي وطيب تيزيني وطه عبد الرحمن..، حيث يتردد البعض من هذه الأعلام بين القول الإنشائي الفوقي وبين احتلال موقع في الفلسفة القومية أو العالمية، وطرح المفكر المصري حسن حنفي في مداخلته:"الفلسفة والموقف الحضاري" مجموعة من الأسئلة حول رهان الفلسفة والتي من بينها؛ هل لدى العرب رهان معلن؟ أم لكل رهانه| رهاناته؟ ليجيب بان الفلسفة لا توجد خارج لحظتها التاريخية، حيث يقسم لحظات الفلسفة إلى ثلاث عصور: عصر التأسيس وعصر الشروح والتفسيرات، ثم عصر النهضة والإصلاح، وخلص إلى أن الفلسفة العربية تهم في الدخول في عصرها الثالث، الذي يقتضي التخلص من الأشعرية التي تقابل الكنسية في أوربا، ليختم في الأخير بتساؤل حول إمكانية الجيل الجديد في أن يكون له رهان فلسفي في ظل عودة الأشكال الاستعمارية الجديدة؟ سؤال سيجيب عنه جيل الفلاسفة القادم حسب قوله.
وفي نفس السياق، حاول ثلة من الباحثين الإجابة عن أسئلة أخرى تواجه الفلسفة؛ والمتعلقة خصوصا بتحديات التكنولوجيا المعاصرة، فحسب الباحث عبد العزيز الداودي وعمر بوفتاس وعبد العلي معزوز، فان تحديات الحضارة المعاصرة المطروحة على الفلسفة العربية بحدة، والتي من قبيلها: تحديات مجتمع المعرفة، والتنوع الثقافي، والأزمة البيئية، ومآزق العقل التكنولوجي المعاصر..، مما يجب معه إعادة النظر في الإنسان بمقولات جديدة، وبدوره طرح الباحث محمد الشيح سؤالا حول فلسفة الدين، وإمكانية التعدد والتنوع في العالم العربي..، ليبقى هذا السؤال عالقا وحيويا؛ ينتعش في بيئة ثقافية عربية قلقة ومفتوحة على احتمالات مختلفة.
في الأخير، أكد المشاركون على أن تنظيم الندوة ليس الغرض منه تقييم وضع الفلسفة العربية منذ بداياتها الحديثة، ولا فرز تياراتها وتحقيب مراحها، أو التساؤل عن أصلتها وقيمها بالنسبة للواقع أو بالقياس إلى الفلسفة الغربية، وإنما الغرض منه هو رصد تفاعل القول الفلسفي العربي {الأكاديمي وغير الأكاديمي} مع الهموم والرهانات التي يطرحها العالم المعاصر محليا ودوليا، بكل تجليات الإنسانية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والبيئية والثقافية، كما أن الندوة ليست مناسبة للكلام عن صدمة الحداثة أو عن النهضة الأولى والثانية، أو عن تقابلات التراث والمعاصرة وبين الشريعة والحكمة، الذات والآخر، أو حتى عن الدور الذي لعبته الفلسفة العربية الحديثة في تأويل العالم أو تعييره، وإنما تريد أن تتكلم عن الفلسفة العربية هنا والآن، عن كيفية تعاطيها مع الواقع ومواجهتها للأسئلة الجديدة التي تهم الإنسان الناطق بالعربية من حيث هو مرٍٍِآة للإنسان العالمي.
كما عبر المشاركون على أن تنظيم مثل هذا النشاط الفلسفي ينطلق من الإيمان بأن الفلسفة العربية لاتزال موجودة، وأنها حققت في الأزمنة الأخيرة تراكما لا يستهان به على مستوى الكم والكيف معا، هذا التراكم الذي لم يتم الانتباه إليه بعد، ربما لأنه لم يكسب بعد قوة التأثير في المجال العام، فالإنتاج الفلسفي العربي في تزايد مطرد، والمجالات التي يرتادها الفلاسفة العرب بأجيالهم المختلفة في تجدد وتنوع في علاقة مع تجدد تحديات وآفاق الفكر والواقع العربي والعالمي، والنشاط الفلسفي هو كذلك فرصة لمعاينة التحديات الخطيرة التي تواجهها الفلسفة العربية المعاصرة؛ فاستفحال الشك في العقل ولواحقه النظرية والعلمية، من علم وفلسفة وحرية وديمقراطية وحقوق الإنسان، وطغيان ثقافة اليأس والإحباط والعدمية والانغلاق على الهويات الضيقة غير القابلة للحياة أبدا، جراء شعور مرير بالفشل والعجز على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كل هذا افقد الإنسان ثقته في نفسه، وفي قدرته على التحدي والإبداع والاندفاع إلى الإمام، فإذا أضفنا إلى ذلك التحديات الخارجية، المتمثلة، من جهة، في المواجهات الساخنة الفكرية والعلمية بين الذات والآخر {الغرب}، والتي تركت جروحا كبيرة في الضفتين معا في العقود الأخيرة، ومن جهة ثانية، في التدفق الهائل لسيل من الأسئلة والمفاهيم والمعارف والتقنيات والعلمية الجديدة والرؤى الفلسفية غير القابلة للإحاطة.. لأدركنا مدى اللبس الذي يتخبط فيه الإنسان العربي اليوم.
وفي ظل هذا الجو المشحون بالأسئلة والتحديات والعوائق داخليا وخارجيا، اجمع كل الفاعلين العموميين والخصوصيين على أن لا مناص من الفلسفة لإعادة بناء الإنسان وترتيب البيت الداخلي للمجتمعات العربية بروح من النقد و العقلانية والحرية والحوار والتسامح.
الخميس، 12 أغسطس 2010
المنهج النقدي في القرآن والمراجعات الفكرية للتراث الإسلامي
ندوة دولية حول المنهج النقدي في القرآن والمراجعات الفكرية للتراث الإسلامي
2008-07-18
الجمعة، 16 يوليو 2010
صامويل هنتغتون
[التهديد اللاتيني]
بين وهم الأمة المتماسكة ومأزق الهوية الضائعةبقلم: يوسف محمد بناصر*
إن استمرارية أي مجتمع إنساني في انغلاقه على نفسه، وصنعه لجدارات وهمية تحميه من زحف الأخر عليه، يعني ذلك أن هذا المجتمع غير قادر على حماية نفسه من الأخر أو انه غير قادر على التماسك داخليا والحوار والتعايش والإغناء في علاقته مع الأخر المختلف خارجيا، إن عدم القدرة على التواصل نقص في ملكة مهمة تتمثل في الاقتناع بسنة "الاختلاف الكوني" يعني في النهاية الضعف الذي هو أساس قابلية الاحتواء.
إنها السنة الكونية المطلقة التي لا تقبل التحيز ولا تحابي أي مجتمع كيفما كانت مدارجه الإيمانية والمعرفية وتكويناته التقنية والاجتماعية والنفسية ، والمجتمع الأمريكي بكل ما يمكن أن يوصف به من خصائص التطور وميزة الفسيفساء الثقافي والديني والإثني … الجذاب والجميل خاضع لكل تلك السنن ، فهذه البنية الاجتماعية والثقافية… التي تحقق فيها حلم بعض الحالمين "بالمدينة الفاضلة" و" اليوتبية الذهبية" ، بدأت تعيش على واقع مشكلة خطيرة كما وصفها بذلك الخبير السياسي الأمريكي هنتغتون في عنوان مقاله الجديد:"التهديد اللاتيني" . إذن مقال : "التهديد اللاتيني"، ليس مقالا عاديا ولا عنوانا يمكن أن يغض الطرف عنه فما يكتبه الأستاذ المتخصص في الدراسات الإسترا تيجية في جامعة هارفارد وما ترتب عنه من ردود مختلفة، يجعلني أتساءل حقيقة عما يمكن أن يكونه هذا التهديد ؟ وإلى ماذا يريد أن يصل إليه في بحوثه التي غالبا ما تجعل العالم يهتز لوقعها ؟ فبعد مقاله الذي نشر في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية سنة 1993 تحت عنوان « صدام الحضارات »، والذي انبرى له مختلف الفاعلين في الساحة السياسية والدينية والثقافية … للرد والتعقيب عليه والدفاع عن أهمية الحوار الحضاري، يدفعني هذا إلى القول بأن المجتمع كبنية معقدة ومركبة في نفس الوقت، هي أشبه بالإنسان، الذي يعيش مخاوف المستقبل القادم وفي انتظار المجهول ، بل الإنتقال من حالة الخوف الطبيعي إلى حالة الخوف المرضي، " الفوبيا"، فيتخيل أوهاما ووساوس مفزعة، ببساطة يمكن تفسير كل ذلك إما أن هذا الإنسان مريض فعليا، ويجب عليه أن يبحث عن الإستشفاء ، أو أنه يعيش في حلقة الفراغ القاتل فتدفع به حاجته تلك إلى إثبات وجوده وملء فراغه، للتواصل مع الغير بأن يصنع لنفسه عدوا أو صديقا، المهم هو التواصل بشكل إيجابي أو سلبي، ومقال »صراع الحضارات"، الذي حاول فيه الكاتب أن يفسر به العلاقات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة على أساس افتراض مؤاده أن » المصدر الرئيسي للصراع في هذا العالم الجديد لن يكون في المقام الأول أيديولوجيا ولا اقتصاديا، وأن التقسيمات الكبرى بين أبناء البشر وكذلك المصادر الأساسية للصراع ستكون حضارية « ! كما لخصه فريتش شتيبات المستشرق الألماني في كتابه الإسلام شريكا، وللأسف الشديد كانت الحضارة الإسلامية هي كبش الفداء ومركز تجاذب لمبدأ الصراع والمصالح بين مختلف القوى العالمية ، وخاصة منها الغربية ، وذلك بعد أحداث 11 سبتمبر، وحملت ألوية الحرب ضد الإسلام بعد اتهامه بأنه دين » يفرخ الإرهابيين« ، وساعدت ظروف العالم الإسلامي في تزكية تلك المقولة أو الإدعاء إلى حد ما - ، إذا علمنا حالات اللا سلم التي تعيش فيه مخلف هذه البلدان، بتعدد الإنفجارات الإرهابية والصدامات الدامية بين بعض القوى التي تدعي فهم النص الديني الإسلامي على الحقيقة المقصودة ، ومحاولة منها أيضا لتطبيقه بكل ما أوتيته من قوة ، وانتشرت العدوى إلى البلاد المختلفة، فلم تحده الجغرافية الإسلامية التقليدية ، بحيث عرفت بلدان غربية يوجد بها شريحة واسعة من المهاجرين المسلمين نفس الحالة.
من الصدام الحضاري إلى التهديد اللاتيني للفكرة الأمريكية … !بعدما كانت الحضارة الصينية والإسلامية … تختلف عن البنية التي تأسست عليها الحضارة الغربية عموما ، والأمريكية على وجه الخصوص ، فقد شكلت هذه الحضارات غير الغربية خطرا محذقا ، وفزاعة للفكر والسلطة الغربية ظنا منهم أن بمحاصرة الغير المجسد لها ، وتشكيل جدار أو حزام ثقافي ونفسي منيع ضد » الغير الخطر «، ستنجو الحضارة الغربية من التعرف أو الصراع أو الحوار أو حتى من المساءلة … - لما لا ! - من هذا المجهول ، وإذا سلمنا جدلا أن تلك النظرية حققت ما كان في نفس يعقوب ، وجعلت العالم يصدق بالخطر المهول على الإنسان الغربي من الإنسان الشرقي ، بثقافته وديانته وحضارته…
بل وجعل الإنسان المعاصر يعيش في قلق نفسي وفكري، ببحثه عن أسباب عدم التفاهم والتحاور بين مختلف الأعراق والثقافات، ببحثه عن الجذور المشتركة بين جميع الإنسانية، ببحثه عن وسائل التفاهم والتعايش بين مختلف المكونات المتحضرة في هذا العالم الصغير، مع ذلك الأسف، ومع كل الجهود المبذولة من طرف خدام الإنسانية فقد تحقق الكابوس المنتظر، وتزايدت القلاقل الثقافية والحضارية، وتأزمت » مدا خيل الحوار «، وتعمقت المشاكل النفسية والإجتماعية … التي هي أساسا نتاج طبيعي للأزمة التي نعيشها حتى الآن، ومن بين مظاهرها، كثرة الإسترسال في تحليل أحداث 11 سبتمبر، وتوابعها العسكرية، النفسية، الإقتصادية، السياسية، والحضارية … ثم توابعها من حيث التأريخ (للأزمة العالمية المشتركة) ، بالأيام السود، فلا تكاد تسمع عن أحد أيام الأسبوع عادية إلا إدا أضيف إليها لون السواد، [ الثلاثاء الأسود، الخميس الأسود … ]، والمقالة النهائية هي أن السيد هنتغتون قد فاز وخسر كل دعاة الوئام والسلم العالميين، وكان الرجل على صواب وكان اغلبنا على خطأ، واليوم يعيد نفس الشخص الكرة على موضوع جديد وحساس للغاية ،لأنه بكل بساطة يمس ثوا بت ومستقبل…إمبراطورية القرن الواحد والعشرين؛ الولايات المتحدة الأمريكية ،إنه » التهديد اللاتيني «، الذي هو نسق جديد رفضوي » لمنظومة القيم الأنجلو بروتستنتية التي بنت الحلم الأمريكي الحالي «، وتجاهل هذا التحدي من طرف أل و. م .أ يشكل مخاطرة بالنسبة إليها.
وقد قسم الأستاذ الباحث مقاله إلى عدة عناوين مرتبة حسب ما يلي:
عالم من الفروقفالهجرة المكسيكية ، واللاتينية بصورة أعم، المعاصرة هي هجرة لا سابق لها في التاريخ الأمريكي، فهي تختلف عن الهجرات السابقة وغيرها من الهجرات الأخرى المعاصرة لستة أسباب رئيسية وهي: التواصل الجغرافي، الحجم، اللاقانونية، التركز المناطقي، الإستمرارية والحضور التاريخي .
الإسبنجليزية: [مزيج من الإنجليزية والإسبانية]إن المهاجرين المكسيكيين يعتبرون مختلفين تماما عن بقية المهاجرين، وهذه الإختلافات كلها تتجمع لجعل عملية الإنصهار للمكسيكيين في الثقافة والمجتمع الأمريكيين علمية اكثر صعوبة مما كان عليه الحال لبقية المهاجرين الأخرين، ثم إن القادة اللاتينيون، الذين يشعرون بالقوة إزاء تزايد أعداد اللاتينيين ونفوذهم ، يسعون بنشاط إلى تحويل الولايات المتحدة إلى مجتمع ثنائي اللغة… وتعليم اللغتين يجعل الإسبانية ندا للإنجليزية في هذا البلد، وتوجه الشركات الأمريكية للزبائن اللاتينيين تجعلهم يحتاجون بصورة متزايدة لأشخاص يتقنون اللغتين، وعليه فإن ثنائية اللغة تؤثر في الكسب المادي ، وإذا ما تواصل انتشار الإسبانية كلغة ثانية للولاية المتحدة الأمريكية فإن ذلك ومع الوقت ستكون له تبعات مهمة على السياسة والحكومة، واستشهد على ما قاله بالكيفية التي تعامل بها الرؤساء الأمريكان مع اللغة ، فالرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت عام 1917 م قال : ) علينا أن يكون لنا علم واحد، وعلينا أن تكون لنا لغة واحدة، وهذه ستكون لغة إعلان الإستقلال، ولغة خطاب الوداع الذي ألقاه واشنطن، وخطاب لنكولن في غيتسبرغ وحفل تنصيبه الثاني( وطبعا فهذه الكلمات كانت قبل أن تعرف و. م .أ تعددا لغويا، وحسا بالإنتماء إلى بلدين مختلفين ثقافيا وإثنيا وحضاريا … بالمقابل كان الأمريكيون مع أن الجغرافيا والمصالح تجمعهم- يحسبون أنهم )مع الاختلاف الكامن في ذواتهم( يمثلون قومية واحدة ، وحضارة واحدة، ولحمة واحدة ، ولكن بعد تغيير الظروف، فقد ظهر شيء أخر، حيث نقل عن الرئيس السابق بيل كلنتون في يونيو 2000 قوله: » آمل كل الأمل أن أ كون الرئيس الأخير في التاريخ الأمريكي الذي لا يستطيع التحدث بالإسبانية « ، وفي مايو 2001، احتفل الرئيس بوش الإبن باليوم الوطني للمكسيك عن طريق…… تقليد بث خطابه الإذاعي يوم السبت الذي يوجهه إلى الأمريكيين باللغتين الإنجليزية والإسبانية، وفي سبتمبر 2003، تم إجراء واحدة من تلك المناظرات بين المرشحين الديمقراطيين باللغتين الإنجليزية والإسبانية، طبعا بتتبع سياسات الرؤساء الأمريكيين في تعاملهم مع ثنائية اللغة في بلدهم نرى تحولا نوعيا وجذريا، ففي أقل من تسعين سنة تغير كل شيء، وهذا ما جعل الكاتب يشعر بالخوف في خلاصته بقوله:
"إن الإسبانية أخذت تنضم الى لغة واشنطن وجيفرسون ولنكولن وروزفلت وكنيدي ، على أنها لغة الولايات المتحدة، وإذا ما تواصل هذا الإتجاه [ فان الإنقسام الثقافي بين اللاتينيين والإنجلونيين، يمكن أن يحل محل الإنقسام العرقي بين البيض والسود، على أنه الشرخ الأكثر خطورة في المجتمع الأمريكي ]. وخطورة هذا الأمر تتجلى في أن الولايات المتحدة الأمريكية، تجاوزت إلى حد ما، الإنقسام العرقي بين البيض والسود، بتكافؤ الفرص بينهما في أغلب المجالات الحيوية وليعوض الانقسام الثقافي وهو الخطر لأنه قادر على زعزعة المجتمع الأمريكي بل الأمن القومي الذي تعمل الدولة على توفيره بميزا نيات خيالية .
الدم أكثر كثافة من الحدودالهجرة اللاتينية الهائلة ، تؤثر على الولايات المتحدة بطريقتين:
1. أصبحت أجزاء مهمة من البلاد يغلب عليها الطابع اللاتيني لغويا، وثقافيا.
2. كما أن البلاد بأسها تصبح ثنائية اللغة والثقافة.
وتجاوز الكاتب مناقشة المشكلة وإيجاد الحلول لها في بعض الأحيان الى إيراد أقوال تشجع على التطرف والعنصرية مثل قوله : » هؤلاء الوطنيون البيض الجدد، لا ينادون بالتفوق العنصري للرجل الأبيض [ ولكنهم يؤمنون بضرورة الحفاظ على الذات العنصرية ويؤكدون أن الثقافة نتاج العرق] «و لتدعيم مقولته، ولزيادة حرقة البيض على مستقبلهم كان لابد من أن يتبع كل ذلك بإحصاءات لخبراء السكان الذين يتوقعون أنه بحلول عام 2040 يمكن أن يصبح البيض في غير اللاتينيين الأقلية من بين كل الأمريكيين الأخرين، وتعميقا للأزمة قام بمقارنة وضعية البوسنة والهرسك، بوضعية كاليفورنيا الأمريكية، ففي عام 1961 كان عدد سكان البوسنة والهرسك 43 بالمائة صرب و26 بالمائة مسلمين وعام 1991 كانت هذه النسب هي 31 % صرب و44 % مسلمين ، ورد الصرب على ذلك بالتطهير العرقي ، [ ولا أتوقع أن أحدا نسي ما ارتكبه الصرب ضد المسلمين من مجازر جماعية وإغتصاب وقتل وتدمير ]، ولإسقاط نفس الوضعية على كاليفورنيا، ففي سنة 1990 م كان سكان هذه الولاية 57 بالمائة من البيض غير اللاتنيين و26 بالمائة من اللاتنيين، ويتوقع أن ذلك سيتغير بحلول 2040 م، إذ ستصبح نسبة البيض غير اللاتينيين 31% واللاتينيين 48% ، مستأنفا دعم مقولته بان[ فرصة أن يرد بيض كالفورنيا بالطريقة التي رد بها صرب البوسنة والهرسك هي صفر الآن ولكن فرصة ألا يردوا بالمرة هي أيضا صفر] وتوقعوا معي مستقبل أمريكا الذي هو على كف عفريت حسب توقعات هذا الخبير، لأن جميع الاحتمالات مفتوحة من حالة السلم إلى حالة اللاسلم من التناسق الثقافي والدمج الحضاري إلى التمزق والمفارقات بشتى أنواعها ) الثقافية، السياسية والإقتصادية(، ويتوقع الأستاذ شارلز تراكسيلو من جامعة نيومكسيكو بأنه بحلول عام 2080 م، فإن الجنوب الغربي للولايات المتحدة، والولايات الشمالية للمكسيك ستشكل جمهورية الشمال … وهناك العديد من الكتاب ممن بدأوا يشيرون إلى الجنوب الغربي للولايات المتحدة بإضافة إلى شمال المكسيك بكلمة " مكسيك أمريكا" أو " أمكسيكا " أو " مكسفونيا " …
كما يمكن على سبيل المثال قراءة ما يحصل في ميامي أكبر مدينة ذات تجمع لاتني في و.م.أ الخمسين، واسقاطه على المدن التي ستصبح مثلها في المستقبل، فعلى مدى 30 سنة، أسس المتحدثون بالإسبانية - وغالبيتهم كوبيون - سيطرتهم على كل منحى من مناحي الحياة في هذه المدينة، بحيث[ انهم غيروا بصورة جذرية تشكيلها الإثني والثقافي والسياسي واللغوى إن لثنتة أو هسبنة ميامي هي ظاهرة لا سابق لها في تاريخ المدن الأمريكية] ، وهذه الولاية أصبحت من بين أهم المدن المستقطبة لرجال الأعمال اللاتنيين والكوبيين بالخصوص الهاربين من حكم فيديل كاسترو، وحول المحرك الاقتصادي الكوبي ميامي إلى محرك اقتصادي دولي، وروجوا للسياحة الدولية، فكانت المركز الرائد لصناعة الرحلات البحرية السياحية، ونقلت كبريات الشركات الأمريكية في ميادين الصناعة والاتصالات والمنتجات الاستهلاكية مراكز عملياتها من دول أمريكا اللاتينية إلى ميامي من مدن امريكية ولاتينية أخرى [ وجعلوا اقتصادها أكبر من اقتصادات دول أمريكية لاتينية بأكملها] وقد حول هذا البروز ميامي إلى مدينة لاتينية يقف الكوبيون في سدة قيادتها، تتمتع بثقافتها واقتصادها الخاص بها، [ مدينة لم تكن الحاجة فيها إلى الانصهار والتأمرك]، بحلول عام 2000 م، لم تكن الإسبانية هي اللغة المحكية في غالبية منازل المدينة فحسب، بل أصبحت اللغة الرئيسية للتجارة والأعمال والسياسة، وأصبحت وسائل الإعلام والاتصال تتحول إلى اللغة الإسبانية بصورة متزايدة، وفي عام 1998 أصبحت محطة تلفيزيونية تبث بالإسبانية هي المحطة رقم واحد للمشاهدين في ميامي وهي المرة الأولى التي تحقق فيها محطة تبث بلغة أجنبية ذلك النوع من المكانة في مدينة أمريكية رئيسية … وأسس الكوبيون،كذلك سيطرتهم على السياسة؛ فبحلول عام 1999، كان رئيس بلدية المدينة ومحافظ ورئيس الشرطة، والمدعي العام للولاية في محافظة ميامي ديد، فضلا عن ثلثي النواب الأمريكيين المنتخبين عن ميامي ونحو نصف نوابها الولائيين من أصل كوبي.
فكانت [ السيطرة الكوبية واللاتينية على ميامي هي التي جعلت الأنجلو سكسونية ) كما والسود ( يشعرون بأنهم أقليات خارجية يمكن تجاهلها بصورة غالبة]، وكان امامهم واحد من ثلاثة خيارات : فبوسعهم قبول وضعهم كأقلية تابعة خارجية. أو بوسعهم تبني أخلاقيات وعادات اللاتينيين ولغتهم والإنصهار في الجالية اللاتينية، "الانصهار الثقافي المعكوس" كما وصفه الباحثان الخاندرو بوركيز وأليكس ستيبيك. أو ترك ميامي وهو ما اختار القيام به 000 140 منهم في الفترة ما بين 1983 و1993؟! وقد تم التعبير عن هذا الرحيل الهائل في أحد ملصقات السيارات الذي يقول" هل لآخر الأمريكيين الذين يتركون ميامي ان يحضر معه العلم) الوطني( " ! طبعا يتبين أن النموذج الأمريكي المفضل عند أغلب الباحثين الإجتماعيين والإقتصاديين وحتى المثقف والسياسي … حيث إنه أفضل نسق متكامل،) اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا …( ولأنه يعرف أرقى مستويات التعايش الداخلي المثالي في نظر الحداثيين والديمقراطيين البسطاء - الذي هو نتاج تراكم المكتسبات التي طالبت بها جميع شرائح ذلك الشعب باختلاف تلاونيه الطبقية والاديولوجية والاثنية، والثقافية، ودافعوا عنها عبر القرن الماضي، واليوم يبدو أن الحالة تشهد تغيرا سلسا وهادئا ومتطورا، فما تحدث عنه الأستاذ صامويل هنتغتون، من تغيرات جذرية على المشهد الإجتماعي والسياسي والثقافي والإعلامي … وما خرج به من استنتاجات من خلال تحليلاته والتي سقنا أهمها- يجعل المرء يعيد النظر، بل يركز النظر وبقوة على ما يحدث بالفعل ويعيد قراءته للمشهد وللفكرة الأمريكية بكل مكوناتها، لربما يخرج بأكثر مما خرج به الكاتب، وإلا فقط يصحح بعض مفاهيمه واعتقاداته السابقة حول نفس الموضوع، الذي قد تكون من البديهيات أو المسلمات الراسخة في الأذهان من فرط الإعجاب بها بحكم الشعور بالتخلف والضعف وبحكم التداول الوظيفي والإديولوجي لها أو حتى بحكم التطبيع اليومي غير المقبول؛ لأنه يسبب نوعا من الإنهيار النفسي عند الفرد أو المجتمع لأن تلك المعلومات تستخدم في الحرب الإعلامية والنفسية ضد نفسيته كمغلوب.
إزدراء الثقافة
كتاب صراع الحضارات
هل تمثل ميامي المستقبل الذي ينتظر لوس انجلس والجنوب الغربي للولايات المتحدة؟ في نهاية المطاف، قد يكون الوضع مماثلا، إلا أن لتننة أو هسبنة ميامي كان سريعا وبدافع اقتصادي ولتننة او هسبنة الجنوب الغربي للولايات المتحدة كانت أبطأ ومتواصلة، ومدفوعة بدافع سياسي، فالحكومة المكسيكية مثلا منذ الثمانينات، بدأت تسعى إلى زيادة أعداد وثروة الجالية المكسيكية ونفوذها السياسي في الجنوب الغربي للولايات المتحدة ودمج هؤلاء السكان في المكسيك، وقال الرئيس المكسيكي إرنستو زيديللو في التسعينات إن " الأمة المكسيكية تتجاوز الأراضي التي تحددها الحدود "خليفته فنسنت فوكس وصف المهاجرين المكسيكيين بأنهم" أبطال " ووصف نفسه بأنه رئيس 123 مليون مكسيكي، 100 مليون في المكسيك و23 في الولايات المتحدة الأمريكية، وبتزايد أعدادهم، فإن المكسيكيين الأمريكيين سيشعرون بصورة متزايدة بالارتياح تجاه ثقافتهم، ويشعرون في العادة بالإزدراء للثقافة الأمريكية، بالإضافة إلى الافتخار بتراثهم الحضاري والسياسي، فإن أحد المؤشرات تكهن بالمستقبل، إذ جاء في قراءة لواحد من هذه أنه عام 1998، احتل اسم " خوسيه " محل اسم " مايكل " كالإسم الأكثر شعبية للمواليد الذكور الجدد في كل من كاليفورنيا وتكساس..؟
صموئيل هتنتونغ
خلافات لا يمكن حسرهاإن التوسع العددي المتزايد يشجع على الترسيخ الثقافي ويدفع المكسيكيين الأمريكيين لا إلى تقليل بل إلى تمجيد الخلافات بين ثقافتهم والثقافة الأمريكية، وكما قال رئيس المجلس القومي للارازا عام 1985 م فإن " المشكلة الأكبر التي نواجهها الآن هي الصراع الثقافي، الصراع بين قيمنا وقيم المجتمع الأمريكي " ويواصل الخبير الأمريكي ليحذر من عواقب تواصل الهجرة الهائلة) من دون حدوث عملية انصهار (التي من شأنها أن تقسم الولايات المتحدة إلى بلد بلغتين وثقافتين مثل شكل كندا وبلجيكا ولتكون هذه الوضعية الأخيرة حسب اعتقاده [ نهاية أمريكا كما عرفناها على مدى ثلاثة قرون، إن على الأمريكيين ألا يسمحو لهذا التغيير بأن يحدث، إلا إذا كانوا مقتنعين بان هذا البلد الجديد سيكون بلدا أفضل ]، وللأسف مع ليونته في بعض الأحيان وتسامحه مع التغيير الذي تشهده بلاده إذا كان هذا التغيير بإرادة وعن اقتناع أبناء هذا البلد، إلا انه ختم مقاله بكلمات تحمل نزعته - التي لا أريد وصفها بالشوفينية - العاطفية المؤطرة لخلقياته الفكرية والسياسية وهذا يخرجه من باحث يحترم البحث الموضوعي الى باحث يمزج بين العاطفة وبعض الموضوعية، إن لم أقل يغلب العاطفة أكثر، وهاك ما قاله واحكم:"ليس هناك حلم أمريكي لاتيني، إن هناك حلما أمريكيا خلفه المجتمع الأنجلو- بوتيستنتي، المكسيكيون الأمريكيون سيشاركون هذا الحلم وذاك المجتمع فقط إذا حلموا بالإنجليزية" … ! ! !
وجهة نظر … !يشكل البحث عن الهوية عن الذات عن التاريخ عن الأثر … أهم مطلب إنساني ثقافي وجودي مع بداية القرن 21، مع الاعتراف أن الإحساس بالغربة في الوطن أو حتى بعدم الجدوائية وبالهامشية شكل شعورا يتراكم مع السنين، فانطلقت أسئلة في البداية كانت مجرد حوار داخلي بسيط وبريء نتاج البحث عن الذات الحقيقية، لكن مع تعمق الإحساس بنوع من الإنفصامية الداخلية والكبت الكثير خرجت الأسئلة معبرة عن مطلب وجودي يثبث للأنا الثقافي المعرفي - الإثني … جوابا إما أنني موجود أو غير موجود!؟
فكانت الأرضية السياسية والإجتماعية والثقافية مشجعة على أن يتخذ الحوار المحجوب وغير المعترف به وغير العلني نوعا من الإنعراج نحو " أ شكلة الذات " وجعلها موضوعا مستفزا للبحث والتنقيب، وكانت العلوم الإنسانية قد ساهمت بشكل أو آخر بالدفع بذلك خاصة منها علم الاجتماع وعلم الآثار … [ السوسيولوجيا، الأنثروبولوجيا، الإبستيمولوجيا … ]، والعالم اليوم يعرف نوعا من الحركية نحو هذا الإتجاه، بالعودة بالثقافات التي نسيها الإنسان أو تناساها بحسن النية أو عن سابق إصرار إلى منبعها الأصيل، ولربما لعبت العولمة كمفهوم وواقع دورا أساسيا للوقوف مع الذات الثقافية والحضارية وقفة حقيقية لاستعراض مكامن القوة والضعف، ولطرح أسئلة محرجة عن مستقبل هذه الذات ، لما لا .. وعن إمكانياتها في الاستمرار في ظل دعوات لتوحيد القيم، بل في ظل هيمنة معرفية وثقافية وإعلامية وحضارية وعسكرية للأخر لمجرد أنه قوي وقادر على حماية نفسه ضد أشكال أخرى غريبة عنه - بحسب اعتقاده - ، وهذا منطق الإستئصال إن لم أقل منطق الإحتواء الممنهج ، لأنه بكل بساطة غير قادر على التعارف والتحاور الحضاري بله التشارك من أجل صنع وبناء مستقبل للإنسانية، بما أن الكل يعترف بالمشترك الإنساني الذي هو أساسا قاعدة للإنطلاق نحو غد أفضل بترقية أنفسنا، بإشاعة منطق التسامح والسلام والتحاور في المختلف فيه والترفع أيضا عن الخلافات والصدمات المتكررة للأسف في مختلف نقاط العالم التي تنعت " بالمناطق الساخنة " و" منطق التوتر" …
إن احلال منطق الصراع والتصادم محل منطق التعايش والحوار هو تزكية للجانب الحيواني والعدواني في النفس البشرية، من أجل استفراغ كل مظاهر العنف من قلق وتوتر وغيره بشكل عدواني، تدميري، دموي ..، رغم امكانية تخفيف قوة ذلك الضغط بأشكال معينة تحمينا من تدمير ونفي أنفسنا بأنفسنا، فالحوار كمفهوم وممارسة هو الشكل الراقي، والميزة الوحيدة للإنسان ،عن غيره من الكائنات ، لان العقل يعمل كل ما بجهده لخدمة ذلك الهدف، والقارئ للتاريخ والمعتبر به، يخرج دائما بأن الدول والحضارات تقوم على التواصل والحوار وتنهار على واقع الصدام والصراع، ثم إن المتمعن في التاريخ المعاصر وخاصة مع بداية الإنهيار السوفياتي في أواخر الثمانينات، سيلاحظ أن الإنسان المعاصر يعيش تحت هواجس ضاغطة قد أجزم على أنها " هواجس إنسانية مشتركة ومعولمة " لأن اغلب الباحثين والمتخصصين في علم المستقبليات والإستراتيجيات قد ألفوا بشكل أو آخر في موضوع الصدام الحضاري منذ ذلك العهد متوقعين حدوثه ، وكأنهم ينبئوننا بأن مسقبل الإنسانية في خطر لما سيعرفه من قلاقل وحروب وصدامات، ثقافية وحضارية وعسكرية واقتصادية …، مثلا الباحث الإستراتيجي الفرنسي بيار لولوش وصف التفجيرات التي تعرفها مختلف قارات العالم بفوضى الأمم، ووصفها كتاب جامعة أكسفورد بالدول في عالم متقلب، وو صفها السياسي الأمريكي زبغينو برجنسكي في كتابه بالإنفلات أو الإضطراب العالمي عشية ق 21، ووصفها الدكتور المهدي المنجرة الخبير الإستراتيجي المغربي بالحرب الحضارية الأولى، ووصفها أستاذ العلوم السياسية صامويل هنتغتون بصدام الحضارات …، وهذا الموضوع الأخير، أعطيت له أهمية قصوى حيث بلغت الردود عليه بالنفي أو القبول أوجها، فأقيمت الندوات والمحاضرات واللقاءات وخاصة في البلدان الإسلامية، بتحمل بعض عواصمنا في العالم الإسلامي عبء استضافة هذه المناقشات والمناوشات الفكرية، فقط من أجل أن نبرهن على أن العالم الشرقي الإسلامي بالمنصوص، محب للحوار والتعايش وللأسف جاءت أحداث دموية وإرهابية لنعكس نتائج المجهودات المبذولة، لأن هذه البلدان وغيرها عرفت انفجارات واضطرابات عنيفة ومفجعة سبب أغلبها ديني عقدي وهذا ما جعل التهمة المشؤومة تكاد تثبت علينا، لأن الغرب عموما ينظر الينا نظرة سلبية وكلها شك وريبة نتاج ما إلتصق بأذهانه من صور ضحايا تفجيرات نيويورك ومدريد أكثر من صور ضحايا الرياض والدار البيضاء... أي أنه يعتقد أن العنف والإرهاب موجه ضد الغرب المسيحي من طرف " المرتبطين بالدين الإسلامي "، ولم يكن هذا الإعتقاد إلا أساس نظرية صدام الحضارات، لأن هذه الأخيرة لم تشر إلى أن العنف أو الصدام او حتى العقل الرفضوي يعلن علنا وبكل صراحة ان كل من لا ينضبط لصفه ولشروط تفكيره وللمنهج الذي يؤسس عليه اعتقاده فهو مرفوض خارج دائرته ونسقه الفكري، سواء كان مسلما أو ذميا أو كافرا... وكما يقول المستشرق الألماني الأستاذ فريتس شتيبات منتقدا المنطق الذي تعامل به هنتغتون مع الحضارة الإسلامية والإسلام في كتابه الإسلام شريكا حيت يقول : [ إنما يضع هنتغتون في الواقع إطارا نظريا لاستنفار كل من الإسلام والمسيحية تجاه الآخر. وهكذا نجده يتنبأ بنبوءة يتوقع لها ان تتحقق وذلك ببناء آرائه، بقصد أو بغير قصد، على افتراض مؤاده أن الأديان يواجه بعضها البعض بطريقة لابد أن تؤدي بالضرورة الى كل أنواع الصراع، بما في ذلك الصراعات العنيفة.] ص 68.
إن هنتغتون يعيد الكرة مرة أخرى لنفس الموضوع، لكن بصيغة أخرى، فالتهديد في اعتقاده لم يكن من الحضارات المنافسة للحضارة الغربية ) أمريكا بالخصوص ( التهديد هذه المرة والخطورة تكمن في الخط الداخلي، أي فيما تحتفظبه حدود و.م.أ وليس فيما يرد الى حدودها من الخارج، لقد وقع هذا السيد في" مأزق تناقضي" ) كما يتهم ماركس فيبر الإسلام ( بين أن يقول أن أمريكا سيدة العالم ومروضة الحضارات، وصانعة القيم المثلى ومعوملمتها على الدول لتواجها بها قيم العالم الثالث السفلي، بتقاليده البالية وثقافته المتوحشة وحضارته البدائية وأعراقه التي لم تصل الى العرق الراقي بعد… وبين أن يعترف أن" المعتقد المطلق " وقد سقط أو أنه مجرد وهم، حيث كشف على أن أمريكا لا تستطيع أن تحافظ على قيمها في الداخل وأنها مهدد في أساس بنيتها وعقيدتها … بقوله [ وفي هذه الحقبة الجديدة فإن التحدي الأكثر مباشرة وخطورة الذي يواجه الهوية التقليدية الأمريكية، يتأتى من الهجرة الهائلة والمستمرة من أمريكا اللاتينية ..] و[ ... ثقافة الولايات المتحدة الأمريكية الأنجلو بروتيستنية، والعقيدة التي أنجبتها، تعرضت في العقود الأخيرة من القرن ال 20 لهجوم شعبية عقائد التعددية الثقافية والتنوع في الدوائر الفكرية والسياسية، ورافق ذلك سواد هويات الجماعات القائمة على الجنس أو الإثنية أو النوع على الهوية القومية … وتواجه الهوية القومية للولايات المتحدة كما حال هويات الدول الأخرى لتحدي قوى العولمة، كما وتحدي الإحتياجات التى التي تطرحها العولمة بين الشعوب لهويات " الدم المعتقد " الأصغر والأكثر …] [ ويطرح هذا في الواقع سؤالا أساسيا : هل ستبقى الولايات المتحدة دولة واحدة بلغة قومية واحدة وثقافة أنجلو بروتيستنتية أساسية ؟ ] [ إن الأمريكيين، بتجاهلهم هذا السؤال إنما يخاطرون بتحولهم في نهاية المطاف إلى شعبين مختلفين بثقافتين مختلفين ) ثقافة أنجلولية وأخرى لاتينية ( ولغتين الإنجليزية والإسبانية …]، إنه ليس الوحيد الذي يكتشف أو يحس بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش في حالة من " التناقض المروع "، وليس الوحيد الذي يطرح السؤال من جديد على مستقبل الفكرة الأمريكية التي شكلت للبعض أيتوبية اجتماعية وحضارية ضاربة بالجدور، وللبعض الأخر شبحا يهدد كيان كل دولة، ومجتمع وحضارة، بل هناك أيضا الأستاذ ألان بلوم أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة شيكاغو الذي ألف كتاب "عقم العقل الأمريكي" وتساءل فيه بدوره عن حالة الهشاشة التي يعرفها المجتمع والثقافة الأمريكية بقوله " كيف يمكن إذا تفسير السهولة التي تجدرت بها على أرضنا أفكار تتناقض مع المثال الأمريكي؟." وبعد أن تحدث بالخصوص عن الفلسفة الألمانية وكيف احتوت الثقافة الأمريكية … ومن الملاحظ أن هنتغتون في مناقشته لموضوع [ التهديد اللاتيني] لا يدعو العقل الأمريكي وحده، بمختلف مكوناته بالعودة إلى الذات، لتعميق الإنزواء الداخلي، وتكريس نوع من الإنغلاق لإعادة البحث عن خلل كامن في الأسس الحضارية والسياسية والإجتماعية الأمريكية فقط، ولكنه يدعو لتركيز الإهتمام وإعادة النظر بشكل أو آخر إلى الفسيفساء الذي تعرفه معظم دول العالم، وأقول الفسيفساء بدل " المأزق التناقضي " ، لأن عموم الثقافات الوطنية وخاصة في البلدان الإسلامية العربية- المعترف بها والتي تحظى بأهمية قصوى، تسعى في غالب الأمر إما للإقصاء أو الاحتواء ولا تسعى بالضرورة للحوار والتعايش والإغناء، فمثلا المشكل العراقي أدى إلى بروز تجاذبات عرقية ودينية ولغوية لم تكن معروفة زمن "عار القومية العربية "، ) كرد- تركمان- أشوريين سنة-شيعة-مسيحيين … ( ، وبلدان الحوار الحضاري هو قضية وجودية اكثر من كونها قضية مشترك ومختلف فيه، والإعتراف بهذا المعطى يغنينا عن إضاعة الوقت في البحث والتنقيب عن بعض خلفيات وأبعاد الأفكار المطروحة عالميا ) الصراع الحضاري، التهديدات الإرهابية والعرقية … ( ، والتي كثيرا ما تكون مسببة للحرج والضيق للجميع، لأن توظيفها الإيديولوجي هو الذي جعلها تكون في حالة تسيب وفوضى وبعيدة كل البعد عن الأسئلة الحقيقية الكبرى ، حيث يتحاشى الغرب والشرق بأنظمتهما الفكرية والثقافية والسياسية … الإجابة عنها، فعلينا ك ) مثقفين، مفكرين، سياسيين، طلبة … (أن نتحرر مما يصنع في المختبرات غير المرئية ) إعلامية، فكرية، تقنية، وصناعية … ( من أوهام إما أنها تغدي فينا الجانب العدواني الغريزي أكثر فأكثر فنسير حسب المخطط له، أو أنهم بتلك الأوهام يسعون من ورائها إلى تنويمنا أكثر من سعيهم إلى إيقاظنا، واخطر شيء على الإنسان هو أن يعيش في الوهم، ويجمد وعيه الذي يدرك به حقيقة الأشياء، لأن ليس الوعي والإدراك وحدهما المجمدين ولكن أيضا قوة الفعل الإنساني في التحرر من " زمن الوهم"، فيصبح الإنسان تابعا آليا، لا حول له ولا قوة إلا الإستجابة لمتطلبات الغير والتحرك بحسب إرادته .. ! وللأسف فإن بعض المؤسسات الدولية وبعض الأنظمة تساهم في أن يبقى وعي وإدراك بعض الشعوب منوما غير يقظ في زمننا هذا "من الوهم المؤسس " .
أخيرا، وردت ردود على مقال السيد صامويل هنتغتون على مجلة *FP النسخة العربية لشهر مايو / يونيو 2004، معبرة إما عن حالة الإستياء من طروحاته ووصف بأنه "وطنجي تقليدي " أو بالغلو غير العلمي في الوطنية، كماوصفه فؤاد عجمي بروفيسور كرسي مجيد خدوري بجامعة جون هوبكنز بكلية الدراسات الدولية المتقدمة واشنطن مع أنه وافقه في بعض آرائه ( ووصفه بروس أي رأيت أستاذ فخري في العلوم السياسية جامعة كاليفورنيا فوليرتون كاليفورنيا " بأن المقال إهانة ليس فقط للاتينية والكاتوليك، ولكن أيضا لبقيتنا ممن لم تبلغ هويتهم من السطحية بحيث يشعرون بالتهديد من قبل غزو كبير من الآخرين بل أنهم المجلة ( FP ) بأنها هبطت إلى مستوى من الصحافة السياسية غير المسؤولة"… وغيرها من الردود في المجلة، وأنصح القارئ الكريم بالرجوع إلى العددين ) مارس- أبريل 2004 النسخة العربية ومايو- أبريل 2004 ( ، لقراءة المقال ولقراءة الردود ، تعميقا لفهم الأفكار المطروحة.