#تأملات_العقل_المدثر04:
سبق وتحدثنا في تدوينة سابقة عن أهمية الدولة كمرتكز يتأسس عليه العقد الاجتماعي، ونظرنا إليه من زاوية أخرى أنها وحش أبدعه البشر للسيطرة على البشر بما منح للدولة من آليات قمعية وسيطرة وهيمنة على على مختلف تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية والقانونية..، إنها نوع من الليفياثان بتعبير الفيلسوف هوبز، فكيف ياترى يمكن أن يتقبل المواطنون في الدول العريقة في الديمقراطية عودة كاسحة لدور الدولة لحياتهم الشخصية؟
اسرائيل مثلا امرت بالتتبع الالكتروني لمواطنيها لمعرفة المصابين بفيروس كورونا
الصين تمكنت من الحد من الفيروس عن طريق التتبع الالكتروني لكل مواطن وتم زرع اكثر من 300 مليون كاميرا في الشوارع بالاضافة الى عيون الالاف من رجال الامن والجيش..التي تراقب كل حركة، كما لاحظنا عسكرة المجال العام بشكل رهيب في بعض الدول والمدن ، نلاحظ مثلا المانيا وايطاليا واسبانيا والاردن وفرنسا ..واخرى قادمة.
ايطاليا منعت كل حركات المواطنين خصوصا في المدن التي اكتسحها الفيروس واصبح العجزة والموتى في رحمة يد الجيش الذي يحملهم بشاحناته للدفن او للمستشفى والدولة من يختار من يمرض اولا ومن يموت ؟؟
بريطانيا صرح رئيس وزرائها ان الموت قادم اليهم وان عليهم ان يودعوا أحباءهم واقرباءهم، وانه سيقوم بمحاصرة العجزة ومن لا تسمح صحته بالموت في بيته او في اقامات صحية وحجر حتى تمر الازمة والبقية يعرضون للعدوى باسم نظرية "مناعة القطيع"، والسؤال هو كيف ستقامر الدولة البريطانية بارواح ازيد من مليون شخص ليموتوا مقابل الابقاء على البقية جراء هذه النظرية، وكيف سيتم ترتيبهم في اللائحة؟
الرئيس الامريكي باسم الدولة الامريكية طلب من شركات خاصة المانية ان تسلمه اللقاح مقابل اموال طائلة لتستحوذ الدولة عليه وتتحكم فيمن يلقح من شعبها وتتحكم فيمن يستحق الدواء من شعوب ؟
البنك الدولي رفض منح قروض تتعلق باقتناء الادوية والمعدات الطبية لفنزويلا وايران وغيرها من دول محور الشر بتدخل من دول غربية ضاغطة ..
الجيوش تنزل لشوارع في الدول العربية لتقطع المدن عن بعضها وتفرض طوقا امنيا وكل مواطن يسأل عن ذهابه وإيابه ويجب ان يكون خروجه برخصة رسمية، ونسمع نبرة صوت متشنج من أعوان الجيش وتوتر حركتهم وطريقة تفاعلهم مع المواطنين وهي على غير العادة ، ويحكم على الجميع بالبقاء في البيت اجبارا .
رأينا دولا تتبرأ من مواطنيها ممن علقوا على حدودها او حدود دول اخرى وتتركهم لمصيرهم المجهول باسم حماية بقية الشعب .
اتحادات كنا نظن حقيقة انها متحدة وقوية وتتسم بالوحدة القانونية والمصلحة الاقتصادية والامنية ووحدة المصير في السراء والضراء تغلق حدودها بجرة قرار من حكومة دول منتمية لها، بدل ان يكون قرارا صيغ بتوافق ، مثال الاتحاد الاوربي وهو ما وقع بين فرنسا والمانيا والنماس وايطاليا ..وكل [ يلغي بلغاه بالمغربية].
دولة تستحوذ على الاحتياط المالي من أجل البحث العلمي والمخبري عن لقاح ، وارصدة خيالية ماكانت تتجرأ على التفكير في اقتراح التصرف فيها قبلا لصعوبة الاقتراب منها لانها خزائن مالية للطوارئ منها على وجه الخصوص الحرب، و اليوم تضع حكومة الدول عليها يدها بجرة قلم باسم الهجوم على كورنا مثلا المانيا بريطانيا امريكا وبعض البلدان العربية..ودون رقيب أو حسيب!
دول ديمقراطية عريقة جدا لم تعلن حالة الطورائ منذ الحرب العالمية الثانية اعلنت حالة الطوارئ كانها في حرب لتخضع البلاد والعباد لسيطرة فئة صغيرة تتجاوز الاجراءات والتدابير الروتينية ومجالس ومؤسسات التشريع في اتخاذ القرارات لتكون السيادة والهيمنة فيها لوزارات محدودة كالدفاع والجيش والداخلية والصحة ..؟
اليوم تتساوى الانظمة الشمولية والديمقراطية في فهي أنظمة كعملة بوجهين، وفيروس كورونا وضعها كلها في كفة واحدة ، وربما رفعنا غمتنا وعمي بصيرتنا عن حقائق جديدة واكتشفنا زيف بعض المقولات المتعلقة بالانظمة الصحية والممارسة الديمقراطية وجشع الشركات المالية ونفوذ انظمة التأمين وصلابة قرارات الحكومات الديمقراطية التي لا ترحم ضعيفا ولا هرما ولا طفلا ..وزيف المعاملات المالية الخيالية في البورصة الدولية وزيف الاتحادات الاقتصادية والمالية وهشاشة هذا العالم جميعا .
أيها الفضلاء إن فيروس كورنا يعيد صياغة أنظمة متوحشة باسم الدفاع عن المصلحة الجماعية ، ونحن نضع رقابنا على سكاكينها وحياتنا أمانة بين أيديهم خوفا من أن نصاب بأذى الفيروس، وننسى أن عودة الانظمة بهذه القوة وتغول الدول واجهزتها وتدخلها في حياتنا الشخصية كان موضوع نضال دموي في تاريخ الانسانية قد كسبناه ، وربما بدرجات متفاوتة، كما كان موضوع نظريات سياسية مختلفة تصل حد التناقض، وقد كان موضوع بحث أنطولوجي عن كرامة الانسان مقابل من يرجح هيبة الأنظمة والاجهزة القمعية على ذلك، فلنتأمل قليلا في وضع العالم اليوم ، لنرى هرولة الشعوب لأحضان الوحش الاسطوي"الدولة" باستسلام وخضوع وببراءة طفولية ، ودون شروط مقابل النجاة من عدو غير مرئي فيروس كورونا. سؤالي كيف ستكون العلاقة بينننا وبين دولنا وحكوماتنا بعد خصام تاريخي وألفة طارئة وماذا سيتغير فيما بعد؟، وهل ستعود علاقتنا بها كما كانت أم ان فرصة عودتها ستعيد صياغة رؤيتنا لها وتعيد تقليص المسافة بيننا وبينها بشكل نهابها هي لذاتها وننسى العقد الاجتماعي الذي يربطنا بها .؟
مجرد أسئلة للتأمل محدنا جالسين كنتفرجوا من ديورنا ، وهذا لايعني مطلقا ان نوقف عقلنا النقدي ونلغي قدرتنا على تقليب الافكار لرؤيتها من زوايا اخرى ولكم واسع النظر هههه
توقيعي،
يوسف محمد بناصر
باحث مغربي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق