قطاع التعليم بالمغرب من النضال المنقبض إلى النضال السائل.. اضرابات 2023م
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث مغربي
ـــــــــــــ
فليسمح لنا باومان زيغمونت في توظيف المفاهيم التي يشتغل بها، والتي من بينها توصيفه بالسيولة للحداثة والاخلاق ووو، وعلاقة بالموضوع أعلاه، أظن ان اشتغال نساء ورجال التعليم على نضالات الشارع خلال هذه الفترة الممتدة من الايام العصيبة والتي يمر بها قطاع التعليم بالمغرب، بأن أقل ما يمكن أن توصف بها أنها تعيش حالة سيولة، فقد انطلقت " الحركة الاحتجاجية" بشكل عفوي في بداياتها ليجد الحراك له بعد ذلك أحضانا وتنسيقيات ومتهافتين من من منظمات نقابية وحقوقية ومدنية..، وزادت وتيرة الاحتجاج بسبب بلاغات وخرجات غير موفقة لوزراء وساسة في الاغلبية الحكومية، وأصبحت بعض مطالب المناضلين تعلو مع ارتفاع صرخاتهم في الشارع، وأصبح الملف المطلبي يوما بعد يوما يقترب من المثالية الهيغلية، فمن مجرد اعدام النظام الاساسي المشؤوم الى المطالبة بالزيادة في الاجور وتقديم اعتذار واضح لرجال ونساء التعليم.
ومن يحضر بين الاساتذة في نقاشاتهم يجد نفسه مدفوعا بسبب دفء الحراك والواجب الاخلاقي والانتماء المهني للانخراط في الخط النضالي التصعيدي، وربما الانخراط في المزيادة في مطالب الشغيلة، وقد يقضي البعض ساعات من النقاش يوميا، وفي تكرار مطالبه وفي كل مرة يقوم بتجويدها وتحسينها، ردا على مطالب الحكومة بكونها على استعداد لتجويد النظام الاساسي بدل ابطاله، ومن المستغرب أن تبقى الوزارة الوصية صامتة صمت نبي الله زكرياء في محرابه، وحتى ان البعض يصف الوزير الوصي على القطاع بكون من شيمه الصمت والسكينة وانه يعتبر من خوارم المروءة كثرة الحديث للاعلام، اللهم ما كان من لقاءات يتيمة تمت سابقا ، ويكاد الجميع يجمع على أن الاسئلة مسربة له، وان خروجه كارثي، ولم يسمح للرد عليه في نفس البرامج تفاديا لتشويش محفوظاته او بياناته، بمعنى انه جاء لكي يملي وليس لكي يناقش ويحاجج (لذلك ربما كان يكرر قالو لي).
ومما يزيد الوضع سيولة وانجرافا لمزيد احتدام وغليان، هو ما يصرح به وزراء في قطاعات اخرى باسم التضامن الحكومي ، علما ان هؤلاء الوزراء دافعوا عن قطاعاتهم وحسنوا اداءها واقتطعوا لموظفيهم مكاسب جمة,,، فكيف يبخلون على قطاع التعليم بفلسات وهم أهل الجود مع أهل ربعهم، والاسوأ من ذلك كونهم يحشرون أنفهم في قطاع له وزير مشهود بكفاءته ويوصف بانه مهندس النموذج التنموي الجديد الذي يحتل فيه التعليم أولوية بارزة.
لقد كانت نضالات رجال التعليم بعد الربيع الديمقراطي منقبضة ومحتشمة ، ولم يعرف في قطاع التعليم هذا الخروج و"الحراك" منذ منتصف التسعينات مع انتشار الفكر اليساري المتشبع بالفكر النضالي من أجل الطبقات والمتحمس للبروليتاريا والطبقة المتوسطة، وهذه السيولة من الاحتجاجات التي عمت المغرب والمتحمسة والمتسمة كذلك بالاتزان والعقلانية لحد الان، يبدو أنها تسير نحو النضج واختراق أفق مطالب أخرى مع التحاق تنسيقيات واطراف عمالية مهمة بها، مما سيزيد في تاجيج الوضع المتسم بالاختناق الاجتماعي والاقتصادي ..، بمعنى نحن نسير نحو رفع سقف المطالب لتنتقل من اجتماعية واقتصادية الى سياسية، وامام سوء التصريحات وبطء التفكير في الحل من طرف الوزارة الوصية و تسويف رئيس الحكومة نكون أمام وضع (مستغلق).
وربما هؤلاء الساسة يلعبون على قاعدة من يقصر نفسه يخسر، فنكون أمام معادلة صعبة الخاسر فيها هي المدرسة العمومية واستمرار سوء تدبير قطاع عمومي مازوم، وتوقف مرفق من اهم المرافق العمومية عن تقديم خدمته، مما يدفع بالاسر الى الالتحاق بالحراك ليس فقط مطالبة بتدريس ابنائهم ولكن كذلك يطالبون بتجويد المرفق باعتباره اساسيا وانهم يدفعون ضرائب على اساس استمراره وجودته (وتفعيلا لشعارات المدبرين للقطاع الذين يطبعون لافتات مع كل دخول مدرسي تحمل هذه المضامين)، ثم قد ينتقل اولئك الاباء بفعل الغضب الى محاسبة من تقع مسؤولية تكدير صفو الدخول المدرسي عليه ونت يهدد ابناءهم بسنة بيضاء ، ويحرض على تمديد أمد الأزمة، فندخل بذلك من باب المحاسبة السياسية بممارسة الرقابة والنقد السياسي على المدبرين من الساسة، ولن يتوقف المحتجون على مطلب شعبي بريء في بدايته، لتنحرف الامور لتكون متسقة مع مطالب اخرى، لتتداخل مع اشكالات يعيشها المواطن البسيط لا يجد لها مبررا ولا حلا، والتي ترتبط بمعيشته اليومية وتضخم الاسعار... وسؤالي الاخير، من يملك الجرأة أكثر ليحافظ على مصلحة الوطن بدل العبث بمصير أبنائه بالتموقف في منطقة التعنت والمكابرة..؟
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
يوسف
تدوينة رقم 9
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق