الاثنين، 25 ديسمبر 2023

 البلوكاج النضالي وأثر الكوبرا..

 تنسيقيات التعليم تستفيد من دروس السيد رئيس الحكومة.


نشر بموقع لكم بتاريخ: الأحد 24 ديسمبر 2023م

لنرجع بالذاكرة قليلا لما مضى، فقد كنا نطالع في الجرائد ونتتبع الشأن السياسي، إثر انتخابات أكتوبر 2016 أحداثا مثيرة متعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة في احترام كامل لمقتضيات الدستور الجديد، حيث أفرزت صناديق الاقتراع فوزا شبيها بالاكتساح للإسلاميين (حزب العدالة والتنمية)، تقريبا حصدوا 125 مقعد مقابل 395 مقعد من مقاعد الغرفة الاولى من البرلمان، لتحصل بعد ذلك قصص غريبة وغير مألوفة، أهمها كون السيد أخنوش رئيس الحكومة الحالية رفض المشاركة في التحالف الحكومي مع العدالة والتنمية؛ إلا بشروط منها تنحية بعض الأحزاب السياسية العتيقة من ذلك التحالف، وإلا لن يكون هنالك حكومة بأغلبية مريحة، مما أوقع السيد بنكيران في مأزق، وحزبه في مخاض عسير، كما كان المجتمع يتأول الخطابات والسلوكات السياسية لقادة الأحزاب الأخرى، علما أن السيد رئيس الحكومة الحالية؛ كان قد شارك سابقا في حكومة بنكيران الأولى دون لون سياسي بعد أن قدم استقالته من الأحرار، ليرجع مرة أخرى بعد أن عوض الأستاذ صلاح الدين مزوار، وبعد تلك “المعارك الدنكشوطية“  بين مكونات المشهد السياسي، كان الحل الوسط وحفاظا على روح الدستور هو تعيين شخص آخر من الحزب الاول (للعدالة والتنمية)، ليبدأ مشاورات أخرى لتشكيل الحكومة، وهو الدكتور سعد الدين العثماني ليتم استبعاد الاستاذ بنكيران.

والسؤال  الذي يفرض نفسه الآن، ما علاقة الحدث بقصة الاضرابات في التربية والتعليم؟ الإجابة أظنها واضحة وبسيطة، وهي كيف لرجل سياسة مارس المراوغة وحرص على المكاسب لنفسه ولحزبه ومارس التفاوض بشراسة ، وتمكن من إيقاف لمدة أشهر الحياة السياسية بالمغرب، بسبب موقفه من الحزب الذي حصد أغلب الاصوات، فكيف إذن، لهذا الرجل أن ألا يكون أيقونة في الدرس النضالي المغربي !، وتستفيد منه التنسيقيات الميدانية للتعليم( لتقول إنا عكسناها) في علاقتها مع النقابات، هذه الأخيرة التي يفر بعض كتابها خفافا وثقالا كلما تمتمت الحكومة بقرار للتوقيع عليه، فيتهمون بالمولاة للحكومة، وربما يوافقون على أشياء لم يوافق عليها القواعد، والدليل بيانات بعض المكاتب الإقليمية لفروعهم النقابية!  بل مشاركة  بعض منضاليهم الأساسيين في الحراك الميداني.

إن التنسيقيات تمارس نفس الفعل النضالي التاريخي للسيد رئيس الحكومة، وتستفيد من خطواته النضالية الشيقة والمثيرة. فالبلوكاج النضالي اليوم من جهة أخرى، هو درس في “المساحة الحقوقية” المتاحة والتي تتمتع بها بلادنا تحت رئاسة حزب الاحرار، وهي قراءة في جانبها التفاؤلي، وهو ما نسجل أنه شيء يحسب للحكومة الحالية ! وهذه التجربة كذلك تقدم صورة إيجابية لما ترسخه من القيم في إطار الدرس النضالي لفترة المعارضة التي مارسها حزب الاحرار في المجتمع المغربي في فترة من فترات احتدام الصراع السياسي، وخصوصا أن الوسط  التعليمي اتعظ به، وهم الذين وعدوا ب 2500 درهم في الحملة الانتخابية بلسان السيد رئيس حزب الأحرار، حتى إن البعض ظنها  زلة لسان منه إلى أن أكدها تصريح السيد الطالبي العلمي، وتسجل من طرف نساء ورجال التربية والتعليم بلهفة وبمداد من ذهب، فإن كان البلوكاج السياسي مورس على المجتمع بجميع قطاعاته، فربما التنسيقيات تمارسه بشكل ديمقراطي في قطاع واحد يقدم خدمة عمومية، وتحت رئاسة السيد أخنوش. وما عليه إلا أن يتسم بسعة الصدر.

الآن ما تأثير الكوبرا على القطاع التعليمي، من المعلوم أن هنالك أسطورة تكاد تكون قصة واقعية، وهي أن سياسيا بريطانيا أراد ان يخفف من تجوال ثعابين الكوبرا في الهند، فأمر بمنحة مالية لمن يصطاد الثعابين ويسلمها للسلطات مساهمة في تخفيف أثرها على البيئة ومنع سمها عن أبناء المجتمع، فتحفز الناس لاصطيادها، ولكن بعض الاذكياء بلوروا فكرة جهنمية، وفكروا خارج الصندوق، فربوا الثعابين خفية،  وجعلوها تتوالد لكي يبيعوها للسلطات مقابل المنح المالية، بدل التعب في اصطيادها، فلما تفطنت السلطات لهذه الحيلة جمدت فورا قرارها، فلما لم يجد أصحاب مزارع الثعابين المنح المالية الموعودة لهم، أعادوا إطلاق الثعابين في الطبيعة؛ مما زاد في تكاثرها وتهديدها للسلامة المجتمعية، فكانت تلك القصة عبرة دالة على محاولة حل مشكلة بقرارات غير حكيمة ولا مدروسة، لتزيد هذه الحلول المتسرعة تلك المشكلة سوءاً وتفاقما.

وهكذا كانت قرارات رئاسة الحكومة المغربية والوزير الوصي على القطاع ، فلو أن قرارهم كان الغاء المرسوم أو على الاقل استضافة كل الاطراف على طاولة مفاوضات واحدة، قبل اطلاق النظام الأساسي، وعدم الإسراع في اخراجه إلا بعد عرضه على المجلس الأعلى للتعليم، لإبداء رأيه أو  على مؤسسة البرلمان،  لكان الأمر هينا وسلسا، ولأعتبر قرارهم حكيما وناضجا، ويكتسب شرعية أكبر ومستحسنا من فئات عريضة، ولكن الارتجالية وقلة التواصل والاعتباطية وعدم استشارة المجالس، ولا الرجوع لمن يهمهم الامر ممن يطبق عليهم، جعل الحكومة في ورطة والنقابات بين فكي الشغيلة والحكومة ، والجميع في وضع لا يحسدون عليه، وخصوصا أن التنسيقيات مندفعة لمزيد تعبئة للتصعيد، ولتحقيق مكاسب مع اكتساب نضالها زخما شعبيا وأفقا وحدويا منقطع النظير.

يبدو أن شهر أكتوبر له تأثير سيء على السيد أخنوش كالرقم 13 في متخيل بعض الناس، لذلك أنصح الأوصياء على القطاع والحكماء من أهل الرأي والتأثير والذين أيديهم في هذا الملف الشائك؛ أن يسرعوا في إيجاد أرضية مشتركة لتخفيف حدة الصراع والوصول إلى رأي وسط، تحقيقا للمصلحة العامة واستدراكا لما يمكن من السنة الدراسية ومصلحة المتمدرسين، أما قرار إخراج النظام الأساسي لرجال التعليم بهذا العور الظاهر( رغم أن الوزارة لها جيش من الخبراء والمستشارين..) على عكس بقية الأنظمة الأساسية الأخرى، فلا يزيد إلا في التأثير على السلم الاجتماعي، واندفاع نساء ورجال التربية والتعليم لمزيد نضال، خصوصا مع انعدام العدالة الأجرية وصعود التضخم والزيادة في الضريبة، والاقتطاعات لإصلاح صناديق التقاعد، ولأن الكثير من الهيئات والفئات داخل القطاع تحس بالغبن و(الحكرة) بسبب الحلول التجزيئية،  كأن الحكومة أو النقابات لا تتوفر على خبراء ولا اذان صاغية، بعد كل هذا المارتون من الحوارات والتوافقات التي انتهت بكل هذه المساوئ.


مدرس وباحث
عضو تنسيقية دكاترة قطاع التربية الوطنية.


رابط المقالة من مصدرها:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق