الأحد، 12 أبريل 2020

برلمان شعيب ماهو ؟ وماهي طريقة التصويت؟ يوسف بناصر المغرب



#صوت_لي_ورشحني_للمشاركة في المنافسة العربية لبرلمان الشباب:



(برلمان شعيب) هو برنامج تدريبي في القضايا السياسية وورشة لمعرفة كيفية اشتغال المؤسسة التشريعية ( يشرف عليه المنشط الاعلامي شعيب راشد الكويتي وقناة الجزيرة)، ويشارك في البرنامج شباب من كافة الدول العربية أرجو أصدقائي ترشيحي ودعمي
شكرا لكم على المسنادة
يوسف بناصر

أكادير_ المغرب


طريقة التصويت شرح في الفيديو:


رابط التصويت:




رابط البرنامج الانتخابي  الذي أقترحه بخصوص بهذه المنافسة :


إن ظهرت لكم هذه الصورة في المرحلة الاخيرة من التصويت فقد قمت به بطريقة صحيحة:


الأحد، 22 مارس 2020

كورونا..والمظلة الأخلاقية من أجل الابقاء على إنسانيتنا

#تأملات_العقل_المدثر 05

في فترة الكوارث تتماسك العلاقات الاجتماعية وتظهر مؤشرات التضامن، وقد أظهرت الجائحة التي تضرب العالم ( فيروس كورونا) أن القيم التي لزمت صيرورة الحركة التحديثية والقيم الصناعية والفردانية التي افرزتها الفلسفة الليبرالية...، انكمشت بشكل جعل الانسانية تنتبه في لحظة تحول مأساوي إلى مقصد من مقاصد وجودها الاخلاقي، فما نلاحظه من مساهمات مالية وكفالة للأسرة المعوزة واليتامى والارامل ودعم لكل من فقد عمله أو عطل عن لقمة عيشه، وتشوف الغرباء كما الاسر لشفاء الشيوخ والاجداد ممن وقع فيهم بين انياب الفيروس في الغرب أو في الشرق يعطينا الامل ويحفز نقدنا لذواتنا لنعيد قراءة أوضاعنا في ظل الازمة العالمية، وفق تصور أخلاقي يسمو فوق الحاجات المادية ونوازع الربح وأوهام الملكية والاستغلال الفاحش دون مرجعية أخلاقية.

فالفيروس لم يفرق بين أصفر ولا اسود ولا أبيض ولا بين صغير ولا كبير.، بالرغم أن تصريحات لبعض الرؤساء الغربيين وصفوه بالفيروس الصيني أو القادم من الشرق، ولكن الفيروس بحد ذاته لا يقف عن عتبة بيت أي انسان ليسأله عن جنسيته او ديانته او انتمائه الاديولوجي..، الفيروس أخرس الأغنياء والاقوياء والامم العظيمة التي كانت تبدو لنا باقتصادها ونظامها الصحي تعيش الرخاء، ولكن بالرغم من نظرتنا لهم بحكم أننا أمما مغلوبة ونظرتهم الاستيلابية والاستغلالية لمجتمعات الجنوب ، فلا نتشفى في مصابهم ولا من كثرة الجثت التي تحصى لهم وتذاع على شاشات التلفاز ومن طرف ادارات الصحة ، إننا ننظر إليهم بحزن وأعين مذهولة وقلوب داعية بأن تحد الجائحة وتظهر اللقاحات لها، فلا نستثنيهم لديانتهم أو عرقهم أو بعض ماكان بيننا وبينهم من خصومة تاريخية، فقط الجفاة والأجلاف من الساسة من يستغل الوضع لعقد الصفقات وضرب الخصوم تحت الحزام ، ومثاله ما وقع في ايطاليا بين رؤساء البلديات ، وبين بعض النواب البرلمانيين في البلدان الاخرى من جدال ورمي بالسب واتهام بالتقصير... من أجل بعض الاصوات الانتخابية.

اليوم أيها الفضلاء ،أخلاقـــنا يتم ترشيحها قيمة بقيمة وخلقا بخلق وفضيلة بفضيلة وعاطفة بعاطفة..، ولا يمكن أن نكون على غير طبيعتنا الآدمية التي كادت تصاب بالجفاف بسبب كثرة ما عرض عليها من آفات المجتمعات الصناعية وآليات المختبرات الاستهلاكية التي سعت بجهد جهيد لافراغ هذا الانسان من انسانيته وأبعاده الانطولوجية وربطه بالمادة بعد تشييئه، ومنع أي ارتواء له أو التجاء لماوراء الميتافيزيقيا، وربما توقف الصلوات في الكنائس والبيع والمساجد وفي أقدس الأماكن ( بيت لحم والكعبة والمسجد الاقصى والمدينة المنورة والفاتيكان..) واللجوء للصلاة في البيوت وعلى الاسطح والابداع في طرق الادعية الجماعية ، بوضعها في النت أو ارسالها في رسائل لمواقع التواصل الاجتماعي، كل هذا الحراك الروحاني في فضاء صناعي الكتروني لم يستطع اشباعنا لانه يبقى باردا لغياب الروح الجماعية وتلك الراحة النفسية التي تمنحها الأماكن المقدسة لذاتها.

إن ضياع صلواتنا الجماعية هو مأزق يقطع وجداننا ويحرق قلوبنا ويحرك مرة أخرى أسئلة ظننا أننا لا نأبه بها مثل ماحاجتنا لله ؟ وللصلاة ؟ وللايمان؟ وللحياة الروحية؟ ماحاجتنا للقيم الأخلاقية ؟

إن هذه الأزمة ستعيد صياغة إيماننا وتقوي اقبالنا على العرفانيات والروحانيات والالهيات ويحدد من جديد وجهتنا ويقوي مرجعيتنا ويصفي طبيعتنا الانسانية من جديد.
لطف الله بنا وبكم وحفظ الله البلد والعباد
توقيعي
يوسف

الجمعة، 20 مارس 2020

فيروس كورونا..يعيد الهيبة للأنظمة ولوحش الدولة

#تأملات_العقل_المدثر04: 

سبق وتحدثنا في تدوينة سابقة عن أهمية الدولة كمرتكز يتأسس عليه العقد الاجتماعي، ونظرنا إليه من زاوية أخرى أنها وحش أبدعه البشر للسيطرة على البشر بما منح للدولة من آليات قمعية وسيطرة وهيمنة على على مختلف تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية والقانونية..، إنها نوع من الليفياثان بتعبير الفيلسوف هوبز، فكيف ياترى يمكن أن يتقبل المواطنون في الدول العريقة في الديمقراطية عودة كاسحة لدور الدولة لحياتهم الشخصية؟

اسرائيل مثلا امرت بالتتبع الالكتروني لمواطنيها لمعرفة المصابين بفيروس كورونا
الصين تمكنت من الحد من الفيروس عن طريق التتبع الالكتروني لكل مواطن وتم زرع اكثر من 300 مليون كاميرا في الشوارع بالاضافة الى عيون الالاف من رجال الامن والجيش..التي تراقب كل حركة، كما لاحظنا عسكرة المجال العام بشكل رهيب في بعض الدول والمدن ، نلاحظ  مثلا المانيا وايطاليا واسبانيا والاردن وفرنسا ..واخرى قادمة.

ايطاليا منعت كل حركات المواطنين خصوصا في المدن التي اكتسحها الفيروس واصبح العجزة والموتى في رحمة يد الجيش الذي يحملهم بشاحناته للدفن او للمستشفى والدولة من يختار من يمرض اولا ومن يموت ؟؟

بريطانيا صرح رئيس وزرائها ان الموت قادم اليهم وان عليهم ان يودعوا أحباءهم واقرباءهم، وانه سيقوم بمحاصرة العجزة ومن لا تسمح صحته بالموت في بيته او في اقامات صحية وحجر حتى تمر الازمة والبقية يعرضون للعدوى باسم نظرية "مناعة القطيع"، والسؤال هو كيف ستقامر الدولة البريطانية بارواح ازيد من مليون شخص ليموتوا مقابل الابقاء على البقية جراء هذه النظرية، وكيف سيتم ترتيبهم في اللائحة؟ 

الرئيس الامريكي باسم الدولة الامريكية طلب من شركات خاصة المانية ان تسلمه اللقاح مقابل اموال طائلة لتستحوذ الدولة عليه وتتحكم فيمن يلقح من شعبها وتتحكم فيمن يستحق الدواء من شعوب ؟
البنك الدولي رفض منح قروض تتعلق باقتناء الادوية والمعدات الطبية لفنزويلا وايران وغيرها من دول محور الشر بتدخل من دول غربية ضاغطة ..
الجيوش تنزل لشوارع في الدول العربية لتقطع المدن عن بعضها وتفرض طوقا امنيا وكل مواطن يسأل عن ذهابه وإيابه ويجب ان يكون خروجه  برخصة  رسمية، ونسمع نبرة صوت متشنج من أعوان الجيش وتوتر حركتهم وطريقة تفاعلهم مع المواطنين وهي على غير العادة ، ويحكم على الجميع بالبقاء في البيت اجبارا .

رأينا دولا تتبرأ من مواطنيها  ممن علقوا على حدودها او حدود دول اخرى وتتركهم لمصيرهم المجهول باسم  حماية بقية الشعب .
اتحادات كنا نظن حقيقة انها متحدة وقوية  وتتسم بالوحدة القانونية والمصلحة الاقتصادية والامنية ووحدة المصير في السراء والضراء تغلق حدودها بجرة قرار من حكومة دول منتمية لها،  بدل ان يكون قرارا صيغ بتوافق ، مثال الاتحاد الاوربي وهو ما وقع بين فرنسا والمانيا والنماس وايطاليا ..وكل [ يلغي بلغاه بالمغربية].
دولة تستحوذ على الاحتياط المالي من أجل البحث العلمي والمخبري عن لقاح ، وارصدة خيالية ماكانت تتجرأ على التفكير في اقتراح التصرف فيها قبلا لصعوبة الاقتراب منها لانها خزائن مالية  للطوارئ  منها على وجه الخصوص الحرب، و اليوم تضع حكومة  الدول عليها يدها بجرة قلم باسم الهجوم على كورنا مثلا المانيا بريطانيا امريكا  وبعض البلدان العربية..ودون رقيب أو حسيب!
دول ديمقراطية عريقة جدا لم تعلن حالة الطورائ منذ الحرب العالمية الثانية اعلنت حالة الطوارئ كانها في حرب لتخضع البلاد والعباد لسيطرة فئة صغيرة تتجاوز الاجراءات والتدابير الروتينية  ومجالس ومؤسسات  التشريع في اتخاذ القرارات لتكون السيادة والهيمنة فيها  لوزارات محدودة كالدفاع والجيش والداخلية والصحة ..؟

اليوم تتساوى الانظمة الشمولية والديمقراطية  في فهي أنظمة كعملة بوجهين، وفيروس كورونا وضعها كلها في كفة واحدة ، وربما رفعنا غمتنا وعمي بصيرتنا عن حقائق جديدة واكتشفنا زيف بعض المقولات المتعلقة بالانظمة الصحية والممارسة الديمقراطية وجشع الشركات المالية ونفوذ انظمة التأمين وصلابة قرارات الحكومات الديمقراطية التي لا ترحم ضعيفا ولا هرما ولا طفلا ..وزيف المعاملات المالية الخيالية  في البورصة الدولية وزيف الاتحادات الاقتصادية والمالية وهشاشة هذا العالم جميعا .
أيها الفضلاء إن فيروس كورنا يعيد صياغة أنظمة متوحشة باسم الدفاع عن المصلحة الجماعية ، ونحن نضع رقابنا على سكاكينها وحياتنا أمانة بين أيديهم خوفا من أن نصاب بأذى الفيروس،  وننسى أن عودة الانظمة بهذه القوة وتغول الدول واجهزتها وتدخلها في حياتنا الشخصية كان موضوع نضال دموي في تاريخ الانسانية قد كسبناه ، وربما بدرجات متفاوتة، كما كان موضوع نظريات سياسية  مختلفة تصل حد التناقض، وقد كان موضوع بحث  أنطولوجي عن كرامة الانسان مقابل من يرجح هيبة الأنظمة والاجهزة القمعية على ذلك، فلنتأمل قليلا في وضع العالم اليوم ، لنرى هرولة الشعوب لأحضان الوحش الاسطوي"الدولة" باستسلام وخضوع وببراءة طفولية ، ودون شروط  مقابل النجاة من عدو غير مرئي فيروس كورونا. سؤالي كيف ستكون العلاقة بينننا وبين دولنا وحكوماتنا بعد خصام  تاريخي وألفة طارئة وماذا سيتغير فيما بعد؟، وهل ستعود علاقتنا بها كما كانت أم ان فرصة عودتها ستعيد صياغة رؤيتنا لها وتعيد تقليص المسافة بيننا وبينها بشكل نهابها هي لذاتها وننسى العقد الاجتماعي الذي يربطنا بها .؟

مجرد أسئلة للتأمل  محدنا جالسين كنتفرجوا من ديورنا ، وهذا لايعني مطلقا ان نوقف عقلنا النقدي ونلغي قدرتنا على تقليب الافكار لرؤيتها من زوايا اخرى ولكم واسع النظر هههه
توقيعي،

يوسف محمد بناصر 
باحث مغربي

الاثنين، 7 أكتوبر 2019

الأنظمة المهيبة..لا تكمم الأفواه ولا تصطاد الصحفيين بقلم: يوسف محمد بناصر

الأنظمة المهيبة..لا تكمم الأفواه ولا تصطاد الصحفيين
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث وكابت مغربي

b.yosuf@gmail.com



إن بناء دولة الحق والقانون لا ينسجم مع تكميم الأفواه وتسليط سيف القضاء على كل متحدث بتلفيق التهم للمخالفين والنقاد والمعارضين؛ والذين يعملون على كشف ملفات الفساد ويتتبعون الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي واختلالاته. لقد عرفت ساحة الصحافة بالمغرب في الآونة الاخيرة معضلة كبيرة، بحيث تم متابعة صحفيين شباب قضائيا وكما تم تغريم آخرين، مما يعد انتكاسة غير مسبوقة في هذا المجال، وخصوصا أن المتابعات القضائية، والتي أغلبها كان بتهم أقل ما يمكن القول عنها أنها ملفقة، كتهم بفساد أخلاقي أو قضايا تتعلق بالجنس والمتاجرة بالبشر أو كشف معلومات سرية تتعلق بتقارير حول فساد بعض المسؤولين. إن الدولة التي لا ترتكز على صحافة حرة تبقى دولة تنحو منحى الشمولية وتخفي تضعضعها ومدى الوهن الذي أمسى يستشري في مؤسساتها، والهواجس السيئة التي تطارد بعض المسؤولين الذين يتخفون وراء سلطهم المختلفة، فيستعين هؤلاء بمهامهم أو مسؤولياتهم للانتقام من أي متفوه بكلمة بحقهم.

إن مسؤولية الدولة والأنظمة في حفظ النظام وتقوية آليات الممارسة الديمقراطية لا يتم من مدخل قمع الحريات، خصوصا ما تعلق بحرية التعبير عن الرأي، والدولة التي تتصالح مع ماضيها الذي شهد انتهاكات لحقوق الإنسان، وسبق وإن اعترفت بأخطائها ومسؤوليتها حول هذه التجاوزات، لابد أن يعيد كل من تموقع في موقع مسؤولية التفكير في ممارساته السلطوية ويكبح بقوة القانون جماح قوته اللاأخلاقية وقراراته اللامسؤولة التي منبعها الانتقام والتكميم والتلفيق والمصادرة..، وينتبه للتجاوزات والخروقات التي تستمد قوتها من الشطط في استعمال المنصب والمسؤولية دون غيره.


محاكمة الصحفيين والتضييق على القلم الحر والجسم الصحفي يعد انتكاسة قانونية وحقوقية وديمقراطية خطيرة في بلدنا، وبعد متابعة لكل من الصحفي المهداوي وبوعشرين وأحداد وزاكي ولشكر وسخير
إن عالمنا العربي يعيش منذ فترة مخاضا عسيرا في كل ما يتعلق بحرية التعبير والصحافة، وقد سبق أن استبشرنا خيرا بالربيع الديمقراطي الذي واكبنا اخباره وتطوراته في كل مجال بشيء من الأمل والتفاؤل، إلا أننا اليوم، وبعد المتغيرات المتلاحقة في كل بلدان الربيع نشهد كثيرا من التجاوزات والاخفاقات والنكبات، بحيث أضحى المواطن في هذه الدول متشائما بما تجود به آفاق الحرية، ومتشككا من أي مشروع يتبنى التغيير أو يدعو اليه، ومؤشرات الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة، وهي القوة الديمقراطية الصاعدة بين هذه الدول التي تعرف تحولا جنينيا، تؤكد هذه المؤشرات أن المواطن اكتفى من الخطابات السياسية الغوغائية ومن المؤسسات الرسمية السياسية التي كان لها تراكم تاريخي في النضال، وهي تتطلع بشيء من الأمل الى طبقة من المثقفين المحايدين الذين ابتعدوا عن أي ممارسة سلطوية أو مسؤوليات حزبية أو سياسية رسمية، مما يعني أن المؤسسات عندما تمارس الالهاء والتزييف والتضييق لا تواجه من الشعب إلا بالكراهية والمعارضة والتصويت الانتقامي، ولا يمكن إلا أن نستشعر نفس الامتعاض والسخط في تصريحات وممارسات بقية الشعوب العربية والأقليات من المحيط إلى المحيط بسبب سوء التدبير السياسي وفداحة الأخطاء التنموية وسقوط الخطابات السياسية في الفراغ واللامعنى.

والمغرب جزء من هذا الامتداد التاريخي والعمق الاستراتيجي والجيوسياسي لبقية هذه الأطراف والبلدان، ويسود شعور بالسخط العام فئات عريضة من الشباب المغربي، فهم لا يتطلعون لأي انفراج في أفق الإصلاح السياسي أو الاقتصادي، وللأسف أصبح غالبية المثقفين يائسين من الوضع العام ولا يتطلعون لحدوث تغيير كبير، وأمسى الجميع يسخرون من مصطلحات مكررة في خطابات الساسة من مثل الانتقال الديمقراطي، والمجتمع الحداثي، والعهد الجديد، وحتى النموذج التنموي الذي تبناه المغرب أمسى في خبر كان باعتراف المؤسسات الرسمية نفسها، وهذه الاختلالات والقضايا تنشرها الصحافة المغربية الحرة، وتعالجها يوميا وتتابعها أقلامهم الحرة باهتمام، مما يحرج بعض الفاعلين السياسين.

إن محاكمة الصحفيين والتضييق على القلم الحر والجسم الصحفي يعد انتكاسة قانونية وحقوقية وديمقراطية خطيرة في بلدنا، وبعد متابعة لكل من الصحفي المهداوي وبوعشرين وأحداد وزاكي ولشكر وسخير..، اليوم تأتي قضية الصحفية هاجر الريسوني التي تم الحكم عليها بالسجن سنة في يومه: 30 شتنبر 2019م بتهمة "الاجهاض غير القانوني"، لتزيد هذه القضية تعقيدا، وتظهر منحى المتابعات الكوميدية الذي تنتهجه بعض الجهات، لكون الملف منذ انفجاره شهد خروقات تؤشر على أن القضية ملفقة، وأن تكميم الأفواه لا يكون إلا بربط الصحافة بالفساد الأخلاقي وبتشويه الجسم الصحفي بشتى السبل، حتى لو تعلق الأمر بتبخيس دورهم في الكشف عن اختلالات بعض المسؤولين وتجاوزاتهم. إن ترهيب الأقلام الحرة، والتضييق على الصحافة وتسييج حركات الباحثين عن الحقيقة بحدود نارية حارقة، القصد منه تغذية الفزع لديهم، ودفعهم لإعتزال المناطق الخطيرة المرتبطة بالتحقيقات والأسرار والحقائق التي تهم الرأي العام، للإبقاء على الأمية والجهل وليسهل التلاعب بعقل البسطاء.

إننا نرنو لبناء مجتمع ديمقراطي وعتبته الأولى لن تكون إلا بالإبداع وحرية الرأي، وأي مشروع سياسي أو نظام لا يقدر هذه الحقيقة ولا يسعى لتكريسها فإن ادعاءه العمل على الدفع بالانتقال الديمقراطي في نسقه وبين أفراد شعبه، سيعد تزييفا للوعي وتلاعبا بآمال عموم المتطلعين للحرية والانعتاق من أبناء الشعب. وإخفاق الأنظمة في تحقيق التطلعات الطبيعية للناس من تحقيق للكرامة والحرية والعدالة وإطلاق لحرية الفكر والرأي لن يعني إلا الدخول في مرحلة من مراحل الهشاشة السياسية، فالأنظمة المهيبة لا تخشى الحرية ولا تصطاد أبناءها بطرق مشبوهة، ولا تغطسهم في البرك الضحلة المتسخة لتشويههم أو تقطع أوصالهم في لحظة غفلة منهم وخصومة معهم، فهذه الممارسات تكون مَدعاة لها لفقدان التوازن ويورطها في سلسلة من الاضطرابات التي قد تعصف باستقرارها السياسي والاجتماعي، ومَدعاة لفقدان مؤسساتها لهيبتها وثقة المواطنين فيها. وحينما يتراكم الوعي الجمعي سينمو التساؤل الشعبي حول مشروعية الارتباط بمشروعات سياسية غير منتجة، تتسم بكثير من الارتباك وترفض أي انخراط في المفاهيم المعاصرة، وهي لا تبدي استعدادا لتطوير آليات اشتغالها، وتمعن في التراجع عن مكتسبات حقوقية وشعبية سابقة.

الثلاثاء، 25 يوليو 2017

النص والخطاب واللغة المقدسة بين الإسلام والمسيحية وعلاقتهما بالتجربة الإنسانية

النص والخطاب واللغة المقدسة
 بين الإسلام  والمسيحية وعلاقتهما بالتجربة الإنسانية

 يوسف محمد بناصر

باحث في النقد الثقافي وقضايا التجديد في الفكر الاسلامي- المغرب


*********
يتكشف المعنى في الخطاب الاسلامي من خلال مدافعته بالوقائع التي تقع خارج النص، وانتظام ذلك الكشف  يتطلب عقلا منفتحا يمتلك الجرأة والمنهج، عقلا مركزا على معطيات مختلفة، فيتتبع ويجمع كل المعاني الأصلية والتبعية؛ التي يغفل عنها الدارسون باعتبارها هامشية في علاقتها بالمعنى الكلي.
إن الخطاب القرآني تتزاحم فيه المعاني بين ثنايا آياته وسوره، وعندما يقع احتكاكه بالعقل تتكشف تلك المعاني شيئا فشيئا، لذلك فأغلب عمليات حصر المعنى لا تحصل بالقدر الذي يحصل به الارتواء الايماني، ربما لأن القلب الانساني  يهفو نحو الصفاء بدون كثير مقدمات عكس العقل.
إن آليات العقل ومناهجه لا تبقى صامدة أمام كثافة ما يحويه النص من مواضيع لاختلافها وتنوعها، إلا اذا كانت عملية التعقل  أو الفهم قد حددت مسبقا هدفا وموضوعا يتم في  ضوء النص وتوجيهه المقصدي للوصول اليه، فيستنطق النص ليستنبط الحكم أو على الأقل توضح رؤية النص الخاصة لموضوع البحث أو النازلة. ونجاح عملية الاجتهاد عموما تعني الوصول لفهم معين عن طريق النظر العقلي والمنهج النظري بطرق أصولية لغوية ومعرفية مركبة..، ثم إن عملية الاجتهاد والنظر في النص الإسلامي تتطلبان جرد النصوص وحصرها؛ ليحاصر المعنى ويحاصر معه الحكم المبحوث عنه والمحتمل تصديقه للنازلة، لتأتي بعد ذلك عملية الصياغة بعد الترجيح ليقوم الحكم مستقلا بذاته وقد يكون قاعدة أو قانونا مرجعيا ينظم عمليات أخرى متعلقة بنوازل مشابهة وربما يتجاوزها لغيرها.

تداخلات في مفهوم النص  وجب الإشارة إليها:

تبنى بعض العلماء هذا المصطلح "النص الشرعي"، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني والجويني، كذلك القاضي أبو بكر في أصل وضع اللغة، وقيل النص معناه الظهور[1]، وبعض العلماء  -كما الشافعي- فقد أطلقوا النص على خطاب القرآن الكريم أو السنة النبوية بالتحديد؛ إلا أن ثمة اتجاها آخر بدأ بالظهور عند الإمام  الغزالي حيث أطلق النص على ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا، وقد يطلق عنده على معان أخرى[2].

ورجحت الباحثة رقية طه جابر العلواني؛ أن تكون أول المراحل التي مر بها مصطلح النص قد ابتدأ مع الامام الشافعي رحمه الله، وحسب قولها فإنه استعمل مصطلح النص وأطلقه على نصوص القرآن الكريم والسنة، وجعله في مقابل الاستنباط حيث يقول:"ما أبانه الله لخلقه نصا، مثل جملة فرائض في أن عليهم صلاة وزكاة وحج وصوم، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم والخنزير وبين لهم كيف فرض الوضوء مع غير ذلك مما بين نصا"[3]. 

مفهوم النص والكلمة بين المسلمين والنصارى:
ينص الكتاب المقدس في المسيحية على مايلي:"كلمة الله انسانا كي يصير الانسان إلها"[4]، في البدء كان الكلمة والكلمة كانت من عند الله وكان الكلمة الله "[5]، والكلمة صارت جسدا وحل  بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الأب مملوء أنعمه وحقا"[6]، " وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا إليه فقال هو ذا حمل الله الذي يوقع خطية العالم"[7]، أما  الاسلام فكانت كلمة الله قرآنا يوحى، وهو آية محمد عليه الصلاة و السلام الوحيدة والفريدة، تحدى بها العرب ومعهم الانس والجن:"قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا"[8]،"وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين"[9].
لقد وقع نزاع قديم وعميق حول فهم الخطاب، خطاب الله للمكلفين، فكان التحدي الذي يطرح نفسه هو: هل يمتلك أي أحد – وخاصة في هذا الزمان-القدرة على فهم مراد الله الفعلي ومقصد النص..؟ ووقوع الخلاف كان حول الخطاب باعتباره  إنما يتأسس من فهم "الكلمة"  أو "الآية" فالله سبحانه وتعالى بعث إلى النصارى المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، واعتبره آية من آياته، ليخرجهم به من ظلمات  الضلال والمادية المتوحشة التي مردوا عليها، والتي أسسها السامري بديلا لشريعة موسى، وأيضا جاء المسيح عليه السلام ليخفف عنهم الاغلال والإصر ويحل بعض ماحرم عليهم كما سيكون الأمر مع الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام، فالذين اتبعوا المسيح عليه السلام جعلوا كل منطوق الله يتجسد في جسد انسان، وهو جسد يسوع المسيح، فجعلوه مطلقا بإطلاقية الاله، فبحسب فهمهم فقد تجلى في الجسد واحتضن كل آياته وأقواله وصفاته…فكان جسد المسيح جسد الإله، فكانت الكلمة عند الله وكانت الكلمة الله، بالتعبير الانجيلي، فلخص الاتباع كل معاني الرسالة المسيحية فيما تحمله الجسد الذي قدس لأن الإله حل به، فتم انزال الله قصرا من عليائه ليحضن في الناسوت البشري، فأصبح المعنى موحدا واللغة منطوقا واحدا والكلمة مجسدة في جسد انسان مؤله.
فاتصل الالهي بالبشري  في شخصية يسوع وألغي النص الانجيلي؛ أو على الأقل همش لأنه عرضي، لا يمثل حقيقة المقدس وجوهره كما نزل، ولا ينقل المعنى كما ينقله  الجسد المؤله الذي يمثله المسيح، وطبعا لا معنى للعرضي الذي هو  مظنون النص المكتوب أو المجموع أمام وجود الأصل الجوهري بينهم؛ الذي هو المسيح بعينه، ظاهرا غير متخفي، قادرا على التفسير والتأويل، متحدثا غير صامت عكس النص...الذي هو احتمالي وظني، ومن هذا المنطلق المعاكس للمنطلق الإسلامي، كان الفصل بين التجربة الإسلامية والتجربة المسيحية، فاختلف الفهم والتطبيق والتجربة الايمانية، ففي التجربة النبوية الأولى، كانت الكلمة آية وسورة ونصا قرآنيا لها مركزيتها، والنبي الإنسان والرسول كان مجرد مبلغ للنص "كان يبلغ كلام الله" واسطة غير ايجابية ولا سلبية غير موثرة في/على بينة النص، إنه ينقل "آيات الله"، ولكل الناس أن  يسمعوها ويعقلوها ويدخلوا في تجربة  معها؛ أي مع الكلام الالهي فيتدبروا الخطاب الملقى إليهم ويحسنوا فهمه، لأنه موجه إليهم بصفتهم ذوات مؤمنة أو حتى كافرة، ومعنيين – بشكل أو آخر- بقضية الايمان أو تفسير الوجود.
إن الذات النبوية هي ذات انسانية قد دخلت –أيضا- في تجربة مع النص ولها تلقياتها "كان خلقه القرآن"، والذات النبوية الشريفة ليست بدعا من الناس في مسألة التأثير والتأثر بالخطاب الإلهي، فمثلا كان خلقه القرآن كما يمكن أن يكون خلق أي أحد، أي أن علاقته بالقرآن وبالكلام الإلهي وصل إلى درجة في تفاعله معه، درجة  الشهادة؛"إنك على خلق عظيم"[10]، لأنه عليه السلام يتحرى خلق القرآن ويحسن تلقي الكلام الالهي لينزله، إنه يتدبر ويتلقى كما يحسن البلاغ والبيان للناس، وهذه خصوصيته كذات، إنه ذات متفاعلة مع ما ألقي إليه من ربه المتعالي، وذاته البشرية لا تجسد الإلهي ولا يتنزل الإلهي فيها، لأن الجسد الناسوتي لايحتمل أن يكون نقيض ما عليه، إنما يصلح فقط لأن يتفاعل مع الذات المتعالية بأن يستمد منها طاقتها وجمالها وصفاءها ومعانيها.
إن الذوات البشرية يمكن أن يكون خلقها القرآن، إن أحسنت التلقي؛ لأن الأصل في الخطاب القرآني أنه مستقل عن  الذوات الانسانية لذلك له إمتداده في الزمان، وله القدرة على أن ينور القدرات ويوجه الطاقات مهما كانت مشتتة أو ضعيفة،"وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"[11]،"واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا"[12]، فكما أن الذات الانسانية مركزية، كذلك النص مركزي مستقل له مقصدية مطلقة وممتدة، وهو غير متحيز لذات على أخرى حتى ولو كانت نبوية مبلغة، عكس ما في الثقافة النصية والدينية المسيحية التي اختلط فيها الجسد الإنساني بالذات الالهية ثم بالنص المقدس، فتتطورت تلك المعادلة لتسقط الرسالة المسيحية وتجعل النص المقدس في هامشية، ليبدأ بحث الانسان المسيحي/ الغربي عن موت الإله ليتحلل من كل ارتباط ديني ويفك علاقته المزعجة بالمتعالي المحضون بين طيات الإنساني، بل ليكتفي في الأخير بمركزية الإنسان المطلقة ويثبتها على رماد جسد الإله، ليبدأ البحث بعد ذلك عن تفسيرات لظواهر الغيب والطبيعة والإنسان في فضاءات أخرى، وقد تشكلت أغلب المعارف الغربية دون توجيهات من "الميتافيزيقي الأخرق" الذي يبتلع المعرفة الحقة والمنطقية، بحسب زعم بعضهم المتطرف، إنه يؤسس غالبا  للخرافة والكهنوت الاستغلالي، وهذا الموقف الحدي المتبنى له خلفية تاريخية ومعرفية وسوسيولوجية، ترجع إلى المعاناة التي شهدها المومنون كما الفلاسفة والتنويريون في القرون الوسطى.
اللغة وبعض حدود الفهم وآلياته:
يقول المستشرق جولد تسهير: كذلك يصدق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنسية الحديثة "بيير فير نفلس":" كل امرء يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس"[13]، وكل امرئ يجد عموما احتمالات  ومداخل للتأويل والفهم، وقد تتقاطع هذه الأخيرة – النصوص- مع الخلفيات الإدراكية لكل عقل يحاول التعامل مع الخطاب بفهمه أو حتى باسقاطه على خلفياته المعرفية والثقافية والأيديولوجية، فالنص  يعطي الشرعية  لكل تلك الخلفيات ويعطيها القوة ويمدها بروح وثوقية، لتقف بلغتها محاججة وداحضة لمنطق الخصوم ومواقفهم، كما أن "القرآن لا ينطق إنما ينطق به الرجال" وهي مقولة منسوبة للإمام علي؛ وجدت في التاريخ الاسلامي لتكاد تزكي بشكل أو آخر بأن منطوق "النص" إنما هو في الأخير مقالات وفهوم البشر، وإن كانت فيها جوانب من الصوابية أو الحقيقة فهذا لايعني أن هناك مساحة متغيرة بين ما يبتغي للعقل تأسيسه وبين ما يبرهن عليه أو بين ما  ينطق به النص، الذي يكون في الأخير "حمالا ذو أوجه" له مقصديته الذاتية هو الآخر ورؤيته التي تتعالى عن الخلفيات  والنزعات النسبية التي يتورط فيها العقل والنفس البشريين .
يمكن القول أن هنالك فرقا بين الخطاب وبين الطريقة الموظفة لفهمه، حسب ما يذهب إليه الكاتب والباحث يحيى محمد، فالطريقة لا تنقل الخطاب كما هو، بل  تتصور بحسب قواعد ومسلمات قبلية وتشكل محور النشاط في الفهم وإنتاج المعرفة، والفارق بين الخطاب وبين طريقة فهمه هو كالفارق بين الطبيعة وعلمها، فمثلها أن هذا العلم يتصور الطبيعة ضمن اعتبارات وقواعد تؤدي الى عدم المحاكاة والمطابقة بينها كذلك الحال في علاقة الطريقة المعرفية بالخطاب، حيث إن ما تحمله من اعتبارات قبلية من الممكن أن تجعل آلية الفهم التي تؤسسها لا تطابق حقيقة ما عليه الخطاب؛ لهذا فان اختلاف الطرق والقنوات المعرفية غالبا ما تفضي إلى تباين طبيعة الصورة المرسومة للخطاب والفهم المنتزع[14].
 ويمكن اعتبار انفتاح العقل على لغة "النص الشرعي" وكل ما ينتج عن ذلك من تفاعلات ومقالات واستنباطات معرفية أو فقهية أو لغوية، إنما هي من بعض الحقائق التي تكشفت بين ثنايا النص وتقبلها العقل بقبول حسن، فحاجتنا للحقيقة هي حاجة إنسانية وجودية، وقد التزم هذا الكائن المكرم منذ الأزل بالبحث عنها والتنقيب عن مصادرها وامتلاك الوسائل التي تودي إليها، ذلك الالتزام والحاجة تجعلنا كل يوم مطوقين بأسئلة تبحث معاني كل شيء، كما تورطنا في فضولية الاكتشاف والاختراع والمحاكاة.
وكل الحقائق كما هي قضية بحث ووجود فهي قضية نظام لغوي ومعرفي  مركب، فنستعير من فوكو قولته التي يعتبر فيها:"أن الحقيقة ليست خاصية خطاب أو نتيجة قضية واستدلالات بل إنها نظام وجود"[15]، فالنظام أساسي يساهم في ترتيب استنتاجاتنا وتركيب تحليلاتنا وأيضا فرز افتراضاتنا، فتشكل بذلك الوعي الإنساني، الذي هو في الأخير حافز سنني في الترتيب والبناء والخروج بخلاصات ثم الاكتشافات أو الاختراعات، وفي النهاية التأسيس للثقافة والمعرفة والفعل الحضاري المتجدد، فالتأريخ  الانساني لا يقوم  دون قيام العمران وتأسيس أخلاقيات جديدة، بحيث تنبثق منهما سيرورة حضارية تتراكم، لتستمر في بناء ثقافات جديدة، وامداد الانسان بما يساهم في تنمية وعيه وفعله الإبداعي والحضاري.

********************************************************************************

[1] - ينظر : البرهان في أصول الفقه، الجيويني، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، مطبعة الوفاء مصر، الطبعة4،سنة1418 هـ.

[2] - ينظر: المستصفى، الغزالي أبو حامد، الجزء2، الصفحة196 .

[3] - ينظر: أثر العرف في فهم النصوص ، قضايا المرأة أنموذجا رقية طه جابر العلواني، طبعة الفكر، 2003م،الصفحة 33، وينظر كذلك في "مسألة النص" كتاب: الرسالة ، الشافعي، تحقيق احمد شاكر، بدون تاريخ، دار الفكر الصفحة 32.

-          انجيل يوحنا، الاصحاح1/01[4]

[5] - الاصحاح الاول/14.

[6] - الاصحاح الأول /29.

[7] - الاصحاح الاول /29.

[8] -سورة الاسراء الاية:88

[9] -سورة البقرة الاية :24.

[10] -سورة القلم الآية:04.

[11] -سورة ال عمران الاية :144.

[12] -سورة ال عمران الآية :103.

[13] -ينظر: مذاهب التفسير الاسلامي، جولد تسهير، ترجمة:محمد يوسف وآخرون،دار الكتب الحديثة بمصر، الطبعة 2ص:03.

[14] -ينظر: مدخل إلى فهم الإسلام الفكر الاسلامي-نظمه ادواته أصوله، يحيى محمد-الانتشار العربي، الطبعة1، 1999.

[15] -الانفصال، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال،2007م، ص43.

***
رابط المقالة الى الموقع الاصلي:


السبت، 10 يونيو 2017

أزمة قطر وتحولات الخليج بين برجنسكي وكيسنجر



بقلم: د.يوسف محمد بناصر
باحث مغربي
****

تعيش المنطقة العربية مخاضا عسيرا من أجل انبثاق وعي جديد يرتبط بممارسة الحكم وتدبيره وفق قواعد حداثية وديمقراطية لم تكن العقلية القبلية قادرة على أن تستوعب روحها ولا أن تساير آلياتها، والربيع الديمقراطي الذي انفجر بلا موعد سابق وامتد من غرب الجغرافية العربية للشرق لا تزال رجاته تظهر بين الفينة والأخرى، وبعض الساسة في ذهول يمنع عنهم إدراك المستجدات والمتغيرات الطارئة لسرعتها وضراوتها، فالبنية الثقافية والسياسية متكلسة وصلبة لا تقبل التفتيت ولا التفكيك، ولا بد لنا أن نعترف بأن مثل هذه الأزمات؛ التي لا تفاجئ إلا من ذهل عن الواقع العربي الراهن، تفعل فعلها بقوة وبفوضوية وتمتلك من الإصرار ما يوقع كل من يتخفى وراء فهومات كلاسيكية في حيرة ومأزق تناقضي بتعبير كلود ليفي ستراوش. 
إن عصر التحديث العربي ليس بالقديم جدا، ولكن رفض توابعه وآلياته قديم بقدم العقلية العربية التي تأسست على روح العصبية والرضوخ لعصر الأمجاد الأبوية. وإن كانت عتبات التحديث مختلفة في العصر الراهن، فكل تلك العتبات العربية تؤدي لجرف ينهي التجربة ولا يفتح بابا للدخول لعصر الأنوار ولا لاستيعاب روح الحداثة ومنطقها التاريخي، وقرارات كما شروط بعض الدول تجاه قطر اليوم مظهر من مظاهر التسلط الأبوي الذي يضرب بجذوره متجاوزا نظرية ميكيافيلي وابن خلدون وصولا للارتماء في أحضان الآداب السلطانية الفارسية كما عبر عنها الجابري في دراسته عن: العقل السياسي العربي.

يجب ألا نغفل عما كان من صراعات تاريخية وسياسية بين الأسر الحاكمة بعضها مع بعض، خصوصا ما ارتبط منها بالدفاع عن مناطق نفوذ تاريخية، وقد خفت جزء من تلك الصراعات بإعلان إنشاء مجلس تعاون خليجي.
لقد بدأت تجربة قناة الجزيرة مثلا في الجغرافية الإعلامية العربية في بث التنوير وتثبيت مبادئ المحاورة والمناظرة وتفكيك الرعب الذي أحاط بالمعلومة والآراء الشخصية، وهي تبث في أغلب برامجها السياسية تبرها المسبوك في نصيحة الملوك كما يرد عند الغزالي، أو آراء المثقفين والمعارضين في بعض المرات بشكل حاد ومزاجي ومرات بشكل لبق وخافت كما يرد في رسالة الصحابة لابن المقفع، هذه التجربة التي ولدت بعد فشل القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية الذي كان تأسيسه بشراكة سعودية، نجحت بإخراج تجربة إعلامية متميزة تستوعب الاختلاف وتنمي تدبير الآراء وحرية التعبير واعتناق الآراء السياسية والمذهبية، وفتحت أعين الناس عن مغاليق السياسة ومجاهيلها، فهاجر أولئك الصحفيون لقطر وبدأوا تجربتهم مع قناة الجزيرة، وتزامنت التجربة الإعلامية الوليدة مع الرؤية السياسية التي تبنتها قطر بُعَيْد تغير طارئ شهده نظام الحكم القطري. 
السياسة في قطر تنحو منحى الانفتاح بشكل واسع على التجارب الديمقراطية وتستدرج كافة الحساسيات السياسية والفكرية والمذهبية المعارضة وغيرها، سواء آمنت بخاطبها وصوابية آرائها أو دون ذلك، لتشكل محورا أساسيا في بناء القرار السياسي والثقافي العربي، على عكس ما عليه بقية الأنظمة في منطقتها، رغم أوجه الشبه التي بينها كالروابط العائلية والقبلية والتاريخية، لكن التصورات السياسية لها أوجه متحولة لا تثبت على حال، وجلب المصالح عند الساسة لا يقوم عادة على فعل سياسي أخلاقي صرف. 

وهنا يجب ألا نغفل عما كان من صراعات تاريخية وسياسية بين الأسر الحاكمة بعضها مع بعض، خصوصا ما ارتبط منها بالدفاع عن مناطق نفوذ تاريخية، وقد خفت جزء من تلك الصراعات بإعلان إنشاء مجلس تعاون خليجي. 

الساسة في دول الخليج يتجهون نحو فتح أفق بقعة الزيت الحارقة والبركان المشتعل في العراق والشام ليسيل بلهيبه جنوبا، وكل شروط انفجار الوضع ممكنة، ومن بينها: اشتعال جبهة اليمن، سعة الحدود بين مناطق الصراع والتي تنشط فيه المنظمات الإرهابية في الشمال.
اليوم بدأت دوائر القرار السياسي تفرز نفسها بنفسها بسبب أوضاع المنطقة كلها، ويبدو أن الربيع الديمقراطي وتحولاته كشف بعضها، ولم تسر سفنه بالاتجاه المرغوب خصوصا في مصر واليمن وسوريا وليبيا وتونس، ونظرية أثر الفراشة تقول بأن التأثير حاصل ولو بعدت المسافات، واليوم كافة الأنظمة تحس بأن تسييج الأزمة وإعادة تصحيح الوضع من أوجب الواجبات التي ستجعل ميزان العقل السياسي التقليدي الذي يحكم المنطقة يستعيد زمام المبادرة بتوجيه دفة التحولات، وإبعاد الأنظمة الحاكمة من منطقة العواصف الطارئة. 

ودولة قطر قد انخرطت تلقائيا على المستوى السياسي والإعلامي والثقافي في دائرة خاصة فحددت موقعا لها يخالف مواقع بقية الدول، رغم أن المصالح المشتركة بينها تفرض التعاون في قضايا الإرهاب وعمليات التدخل في سوريا واليمن ولبنان والعراق وليبيا، إلا أن كل طرف من هؤلاء أغلق مع حليفه إمكانية إيجاد دائرة مشتركة، فتعززت مصالح كل طرف بجذب اهتمام فاعلين خارجيين، فقطر تميل لتلطيف لغتها مع إيران وأمضت اتفاقيات استباقية مع تركيا وضمت إليها كل المعارضين من تيار الإخوان المسلمين الهاربين من دولهم، ودعمت تيارات سياسية وعسكرية إخوانية في مناطق النزاع.

وأما بقية دول مجلس التعاون فقد شكل حلفا خاصا به يضم دائرة تتكون من فاعلين سياسيين تقليديين ينظرون للتحولات على أساس درء مفسدة أولى من جلب مصلحة، وانضم إليهم الحلف الأمريكي الذي يغلب البراغماتية الدائمة، والتحقت بقية الأنظمة التي استفادت من تشوهات ونكوصات أصابت الربيع الديمقراطي كالسودان ومصر وموريتانيا، هذه الدول التي تقبل على نفسها الإملاءات مقابل تحقق مصالح آنية محدودة. والغريب أن كافة هذه القوى لعبت أدوارا دموية على أرض العراق وسوريا وليبيا، بشكل خفي وكان الصراع محتدما ودعم الحركات المتصارعة واضحا، ولما فشلت خطة لي الذراع خارج حدودهم تم نقل الصراع ليكون بشكل مباشر وعلى الحدود. 

إن المنطقة لم تكن لتستحمل بقاء الصراع في شمال الجزيرة العربية في دول كبيرة كالعراق وسوريا طيلة هذه المدة الذي كان صراعا وحربا تم خوضها بالوكالة، اليوم وبإعلان وقوع الأزمة والسرعة التي اتخذت بها قرارات المقاطعة لدولة قطر تم الانتقال من مرحلة الاعتراف بعجز سياسة النوايا الطيبة إلى ممارسة سياسة الفزع والتورط الذاتي المباشر. وهنا اقتبس تعبير من تعبيرات زيغنيو برجنسكي الذي وصف الإدارة الأمريكية بالكارثية في كتابه: الفرصة الثانية، ثلاثة رؤساء وأزمة القوة العظمى الأميركية، فكذلك قادة المنطقة جعلوا أنفسهم في مأزق خطير، ونتائجه كارثية في ظل هذا السياق الدولي. 

من يطالع تقرير الثابت والمتحول 2017، الصادر عن مركز الخليج لسياسة التنمية، يستوعب الكثير الأنشطة الدبلوماسية السابقة والتوقيع على اتفاقيات بين دول الخليج والدول الغربية قبل وقوع هذه الأزمة في مجال الأسلحة واستيراد الغاز.
إذن الساسة في دول الخليج يتجهون نحو فتح أفق بقعة الزيت الحارقة والبركان الهائل المشتعل بالعراق والشام ليسيل بلهيبه جنوبا، وكل شروط انفجار الوضع ممكنة وجد واقعية، ومن بينها: اشتعال جبهة اليمن، سعة الحدود بين مناطق الصراع والتي تنشط فيه المنظمات الإرهابية في الشمال، وجود تركيبة مذهبية حانقة على الأنظمة مثال شيعة السعودية والبحرين والحوثيين باليمن، وجود صراع على الحكم وتداول السلطة داخل الاسر الحاكمة، انتشار الثقافة السياسية القبلية والتحشيد على أساس العشيرة والطائفة كمثال العراق، عدم توزيع عادل للثروات والمقدرات الوطنية، الصراع والتدخل الإيراني المتزايد في المنطقة، ونشوء حركات سياسية متطرفة وسلفية جهادية وخلايا نائمة متعددة الانتماء بين داعش والقاعدة وحزب الله، صعود اليمين المتطرف في الغرب وخصوصا في أمريكا مع ترمب الذي يسعى للتدخل المباشر في المنطقة، والطموحات المباشرة وغير المباشرة للأتراك بالمنطقة، بالإضافة إلى التحولات الجيو-سياسية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة عموما.

إن زيغنيو برجنسكي يتحدث عن فشل ذريع لبوش الأب على إضفاء أي معنى ملموس على شعار النظام العالمي الجديد الذي تمثله و.م.أ، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وينعته بسياسة الخطيئة الأصلية، ولكن مع ترمب الذي يمثل تيارا من المحافظين الجدد فقد تمكن من بلورت تصور جديد لما سيكون عليه عالم العرب ويتجلى ذلك في زيارته الأخيرة وتصريحاته المتضاربة، أما هنري كيسنجر الأب الروحي للمحافظين الجدد فصرح بضرور التدخل في سياسة العالم العربي خصوصا الدول المنتجة للبترول لمنع سياسة الابتزاز التي تقوم بها، تجاه الدول الصناعية، والحل هو تفكيكها منظومتها السياسية.

ومن يطالع تقرير الثابت والمتحول 2017م، الصادر عن مركز الخليج لسياسة التنمية، يستوعب الكثير الأنشطة الدبلوماسية السابقة والتوقيع على اتفاقيات بين دول الخليج والدول الغربية قبل وقوع هذه الأزمة في مجال الأسلحة واستيراد الغاز.
******

الاثنين، 29 مايو 2017

المغرب الكبير والموجة الثالثة للحراك الديمقراطي


بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث مغربي

******
الحراك الشعبي العفوي يحتاج في النهاية إلى فرش ثقافي ومعرفي مركب، فلا يجب أن ينساق ببراءة ثورية إلى أهداف مثالية بعيدة كل البعد عن التطلعات الحقيقية للشعوب. والأنظمة السياسية تحتاج لكي تحقق الاستقرار إلى توسعة الحقل الدلالي الحقوقي بعيدا عن الآداب السلطانية وما تراكم في مباحثها تاريخيا من فلسفة سياسية مؤطرة بالغلبة والقبول بالمستبد العادل وحكم الرعايا بالسيف، هذه المراجعة الملحة ستمكن المواطنين في الوطن العربي/ وليس الرعايا من الإحساس بانتمائهم إلى هذا العصر، بعيدا عن التيه في طرق أخرى وفلسفات أغلبها اصطنعت لتكريس نفسية الاستعباد والتبعية.
وهي كلها طرق وفلسفات تثبت فشلها وانسداد أفقها مع كل لحظة ثورية تنبعث فيها الإرادة الانسانية لتشكل وعيها مجددا، فتشرق معها الحاجة للحرية والكرامة والعدالة. هذه الخلاصة حفزتنا مرة أخرى للعودة للكتابة عن نفس الموضوع من زاوية أخرى، بعدما تنامت الموجة الجديدة من الحراك أو بحسب قول هنتنغتون في كتابه: الموجة الثالثة، التحول الديمقراطي في أواخر القرن 20.
إن الحراك الاجتماعي يبقى نابضا، لأنه لا يزال هنالك الكثير من العمل يجب القيام به، وما بقي من زمن الذلقراطيات العربية بعد الحراك الديمقراطي في أمس الحاجة أن تبقى هذه الظاهرة السليمة في يفعانها وعنفوانها، والربيع الديمقراطي يظن أنه انتقل إلى فصل من فصوله السيئة في كثير من البلدان، ونسي معظم الباحثين أن التطهر من الخوف والقلق من عنف السلطة والفزع من أفكار الديمقراطية والاختلاف، وفوبيا وقوع التداول على الحكم وتقسيم الثروة، كل هذه الأمور تبقى صعبة تحتاج إلى صبر وموجات أخرى من انتفاضات متلاحقة تنسي كل موجة الناس في سابقتها. إنه الحل السحري الذي اكتشفه الضعفاء والفئات المهمشة والكثير من الشعوب التي أحاط بها الطغيان وانسدت الآفاق أمامها، ولم يبق لها غير ذاك أو الاستعداد لتحطيم كل شيء وتدمير الذات مقابل جرعة من الكرامة بدل المهانة والذل.
السلطة الكلاسيكية عليها أن تخاف مما قد يطرأ في أي زمان أو مكان في جغرافية تحكمها، ولم تعد هذه التركيبة المهترئة وغير المنسجمة من الدول التقليدية وفلسفة الحكم قادرة على حصار أو استيعاب الحراك بحكم عجزها المطبق.
في لقاء جمع بين ماريوسواريز وزير خارجية الحكومة المؤقتة وزعيم الحزب الاشتراكي البرتغالي إثر الثورة البرتغالية أواسط سبعينيات القرن الماضي ووزير خارجية و.م.أ هنري كيسنجر في واشطن، قام كيسنجر بتوبيخ سواريز وغيره من العناصر المعتدلة لعدم اتخاذ موقف حاسم لاستئصال شأفة الدكتاتورية الماركسية اللينينية، فقال كيسنجر لسواريز: "أنا أدرك مدى إخلاصك، لكنك ساذج مثل كيرينسكي"؛ رئيس الحكومة الانتقالية بعد الثورة البلشفية 1917م، وأطاح به زميله لينين، فرد عليه سواريز قائلا: "بالطبع أنا لا أود أن أكون مخلصا وساذجا مثل كيرينسكي". فقال له كيسنجر: "ولا كيرينسكي كان يود ذلك أيضا".
نورد هذه القصة لتوضيح كون السلطة السياسية العربية التي تقتنع بأن الحراك انتهى؛ تجمع بين السذاجة السياسية والاستراتيجية ومعهما عماء الإخلاص لسلطتها التاريخية ولأمجادها المزيفة، مما يوقعها كل مرة في الارتباك وسوء تدبير اللحظة، والتخلف عن الموعد مع التاريخ الذي تخطه الشعوب بعيدا عن قادتها. مما يجعل هؤلاء القادة يعتقدون أن الفعل المدني والحراك الاجتماعي عدو يجب التخلص منه في أقرب فرصة تتيحها شروط التاريخ، بتعبير الباحث المغربي عبد الرحيم العطري. 
والسياسي المحنك يتحين تلك الفرص التي قد يأتي بها القدر في كثير من الأحوال لكي يقتنصها، ولكن في حالة العقل السياسي العربي لا شيء يداوي عُنْجُهِيَّتَه، لأن أخطاءه تؤدي إلى تصعيد موجة التعارض بتمييز دائرته عن دائرة الحراك فيكشفه موقفه الرجعي، مما يوقعه في الحرج والمواجهة والصدام مع الشعب ثم الاجتثاث. ولا أحد منهم يكلف نفسه ليفهم أو يفسر أو يتساءل مع توماس فريدمان: لماذا يثور الناس؟
إن لوينز فون شتاين الباحث الألماني قد أشار بأن وزر الحراك يقع على الحركة العمالية وقد آن لهذا الرأي أن يتغير أو يخفف منه، ليتحمل الشباب بكل انتماءاتهم أو بدونها وزر تأجج الحركات الاجتماعية وخوض المعركة التاريخية، لتنتفي جرعة الصراع سواء بالمنطق الهيغلي أو الماركسي، مقابل نشوء آليات ومظاهر جديدة تبلور الحراك وتؤسس لواقع جديد يحتاج لمزيد دراسة وفهم. ولتبقى كذلك، آراء آلان تورين صامدة في إظهار السمات التي تحكم أي ظاهرة احتجاجية والتي لخصها في مبدأ الهوية وهي دائرة الحراك ومبدأ التعارض دائرة الخصوم ومبدأ الكلية بوتقة تعكس وعيا جمعيا.
ويمكن هنا أن ندعم نظرية تورين بموقف غوستاف لوبون الأرستقراطي الذي يظهر الفقراء وهم يخرجون للشوارع لإظهار تطلعاتهم الشخصية وبعض رغباتهم الوحشية والشيطانية؛ لأن هذا الفيلسوف ينظر إليها بكونها تعكس العقل الباطني وعواطف الجمهور، مع تحفظنا على ترجيحاته وتفسيراته التفصيلية التي تحتاج إلى ومراجعة.
إن السلطة الكلاسيكية عليها أن تخاف مما قد يطرأ في أي زمان أو مكان في جغرافية تحكمها، ولم تعد هذه التركيبة المهترئة وغير المنسجمة من الدول التقليدية وفلسفة الحكم قادرة على حصار أو استيعاب الحراك بحكم عجزها المطبق أمام الحداثة والتقنية ونفحات الحرية ونزعة التحرر والخلاص الفردي والجماعي. إنها تشعر بالعجز والشيخوخة ويشعر القائمون عليها بالعته عندما يفشلون في فهم الظاهرة التي تمتد بتدوينة حرة على موقع اجتماعي أو بسبب رد فعل على تصرف أحمق من شرطي ضد مواطن أو بسبب سوء معاملة موظف رسمي أثناء دوامه أوفي بعض الأحيان دون أي سبب.
موجة الاحتجاجات الجديدة اليوم في مختلف الدول العربية، تأتي في سياق سوء الفهم من تقدير الموقف من الربيع الديمقراطي، وعجز دوائر القرار من امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه الحالة الرخوة جدا والمستجدة على بلدان المنطقة.
إن مسارات الحراك الزيتية وغير المتوقعة وأمام الأمثلة الكثيرة والممتدة بين اليمن وليبيا وسوريا والعراق وغيرها، تجعل القدرة على دراسة الاحتمالات وتفسير أنماط الفهم وخطاب وسلوك هؤلاء الناس غير واضحة وإن كانت لها نتائج فهي غير موضوعية ولا تبني موقفا استشرافيا.
موجة الاحتجاجات الجديدة اليوم في مختلف الدول العربية، تأتي في سياق سوء الفهم من تقدير الموقف من الربيع الديمقراطي، وعجز دوائر القرار من امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع هذه الحالة الرخوة جدا والمستجدة على بلدان المنطقة. ويزيد الأمر تعقيدا فشل هؤلاء في تدبير الاختلاف السياسي وضبابية في أنماط الحكم، وتشوهات في التدبير الاقتصادي وتغييب الكفاءات السياسية والوطنية، وتقزيم لدور الهيئات السياسية وترويض بعضها وإفقادها المصداقية، مقابل توظيف للتقنوقراطيين الانتهازيين الذين لا يمتلكون الجرأة ولا الرؤية السياسية ولا ثقة الجمهور.

كما أن لتقهقر دور الدولة وأجهزتها القمعية دورا أساسيا، وكان المعول الذي هدم آخر صنم لها، نكوص ما أسسته من مقولات حول الهيبة والشرعية التاريخية والاجتماعية والدينية وما استمدته من مرجعيات تقليدانية وتاريخية كانت تستند عليها.

كل هذا في مقابل تنامي مجتمع مدني وهيئات حقوقية وإعلام بديل واجتماعي قوي واحترافي. وليس للحكام اليوم غير الانصياع لجرأة هؤلاء الشباب والتطلع معهم لمستقبل مشترك في ظل تحديث لرؤيتهم السياسية ولمؤسساتهم الحاكمة وبناء عقد اجتماعي وسياسي حديث، وإلا فإن عواصف الصحراء الخريفية أو عنفوان الربيع المخضر ينمو غير بعيد عن خيامهم، التي لن تستقر على حالها ولن تتقوى بوتدها، بعد الشعور بطعم الحرية والانفتاح على أجواء الديمقراطية والتطلع لمجتمع المعرفة والرخاء الاقتصادي، ولن تنفع مع الموجة الجديدة من الحراك لا المزيد من الريع والمنح ولا الإصلاحات التلفيقية ولا الخطابات الدينية التي تلعن الفتن النائمة.
نشر على منصة الجزيرة: