الاثنين، 19 يناير 2026

مجرد رأي: كأس افريقيا 2025 بالمغرب..بين أخلاق الفرسان والنزعة "الترامبية"

 #كأس_افريقيا_2025_بالمغرب..بين أخلاق الفرسان والنزعة "الترامبية"


(كل الشكر والتقدير لموقع لكم الذي نشر المقالة)

بقلم: د. يوسف محمد بناصر

باحث مغربي


       ...مهما كان وحدث، نبارك للأخوة في السنغال الفوز بكأس افريقيا 2025م، والخير كله إلى الأمام للمنتخب المغربي. ولكن لابد من الحديث عن تفاصيل تظلل واقعنا القاري إلى اليوم. فللأسف انسحاب المنتخب السنغالي من الملعب وما وقع من أحداث بعد إعلان الحكم لضربة جزاء لصالح المغرب، يؤكد على أننا في افريقيا مشحونين ضد قيمنا وضد المؤسسات، ولم نصل بعد لدرجة إدراك وجوب تغيير نظرتنا لذواتنا، لقد انشرت في الآونة الأخيرة روح الكره والتشكيك والاشاعة والحديث عن المؤامرات بشكل غريب( حالة الجزائر ومصر وجنوب افريقيا ثم السنغال..)، كأننا أمام استعادة إرث الاستعمار الذي بث في الأمة الافريقية الشك وزرع روح الخيانة في تربتها، وهي نزعة تصر على جعلنا نستمر في توارث التفكير بـ"عقلية القطيع" التي استغلتها بعض الأنظمة التسلطية بعد الاستقلال، للتخلص من المعارضين المتهمين دائما بالخيانة والعمالة والتآمر، فأمست هذه الرؤية "نزعة شعبوية" تسربت لروح الجماهير وبسطاء الناس لتحطم بعض أحلامنا في التحول لجيل الحداثة وما بعدها.

 إن نظرة بعض الفاعلين لمن يتولى تدبير الشؤون الكروية والمؤسسات عموما، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية بكل هذا الارتياب يفصلنا عن صيرورة بناء مداركنا، ويحطم تاريخ نضال الأمم الافريقية من أجل اصلاح ذواتها وتغيير التفكير في وضعنا، فمثلا انسحاب السنغال من المباراة وتتبع الفريق المغربي وبعض الفاعلين الرياضيين لاستعادته، يعد نكسة أخلاقية وتنظيمية لمقابلة نهائيات كأس افريقيا، بعد كل الجهود المبذولة لتكون النسخة المغربية أنجح في تاريخ هذا الكاس، ولابد أن يكون لهذا الفعل المثير للجدل، عواقب قانونية على الفريق السنغالي.

المسألة الثانية: إن ترك ابراهيم دياز اللاعب المغربي ليكون من يسدد ركلة الجزاء كان مجازفة مكلفة، بالرغم من كوني لست خبيرا في الأمر ولا أعرف ماهي المعايير المعتمدة بالضبط في تعيين من يتولى ضربات الجزاء، لكن لابد أن أدلي برأيي كمشجع غاضب، فرغم تميز اللاعب في أدائه إلا إنه في مباراة السنغال كان غائبا ذهنيا وضعيفا في خلق الفرص، خلاف ما سبق  أن أظهره  من روح قتالية في مقابلات سابقة حتى أنني كنت أراه كمقاتلي "الكاميكاز" اليابانيين في اندفاعه، كما أرى أن اللاعب في طبعه وروحه كثير من البراءة الطفولية إن لم أقل "السذاجة"، وهذا واضح في ردود فعله وتفاعله مع الخصوم، وهي نقطة عبء تحجب العقل وتؤثر في النفس، وقد استغل الخصم الفرصة للضغط عليه وتشتيت انتباهه بعد انبرائه لضربة الجزاء، وربما كان سلوكه بإضاعة ركلة الجزاء تعبيرا عن التنفيس عن لحظة الارتباك التي شهدتها المقابلة أو حتى لا يقال أن ضربة الجزاء كانت مؤامرة، حتى يفوز المغرب بالكأس بعد غياب قارب 50 سنة، وضياعها ( أو تضييعها) هو تمكين للعدالة والوضوح على الشبهات، فيكون بذلك ابراهيم دياز استعاد أخلاق الفرسان وأنصت " لمونولوجيه" وأراح روحه الطفولية، التي ضغطت ضميره وحركت مشاعره المختلطة، ولا يجب هنا للمشاعر أن تقف أمام حلم أمة بكاملها وضد مصالح المغرب الرياضية، وقد كان الأولى بحسب رأيي، تولي الناصري أو حكيمي لتلك الضربة تفاديا لأي ارتباك، وهما أكثر تجربة واتزانا، علما أن دياز في جميع الحالات سيكون المستحق للتتويج كهداف لكأس أفريقيا2025م.

نعم، إن مباراة المغرب والسنغال انتهت، وقد كان المنتخب المغربي الأفضل في الفرص واللعب والاستعراض والدفاع ..، ولكن كانت تنقص اللاعبين "النزعة الترامبية" البراغماتية التي تتميز بالقول والفعل، دون النظر في أعين الخصوم أو التأثر بآهاتهم أو سماع جعجعة الضمير حتى يؤثر على قراراته فيستبعد خبث اللعب في لحظة تاريخية، لحظة المفروض أن يكون شعارها "نكون أو لا نكون"، إن كان هنالك حالات شك وشفقة أو استفاقة ضمير فليكن ذلك بعد صافرة النهاية، أما الآن، فلننظر إلى المستقبل، وليرتح الأبطال، فهنالك كؤوس أخرى وتحديات أخرى قادمة، وكل الشكر للاعبين المتميزين والمدرب والجامعة الملكية، ولبقية الفاعلين في الكواليس الذين رفعوا القميص الوطني واسم الوطن، ليسمع صداه في بقية القارات ويرفرف علمه بمجد وعزة، وعلى المدرب أن يفكر في تغيير الكثير من قناعاته المتعلقة باللاعبين أو خطط اللعب، هذا إن بقي لإتمام مسيرة المنتخب، فنحن نستحق الأفضل بهؤلاء اللاعبين النجوم، وجهودنا لا يجب أن تضيع كالسراب في لحظة انذهال.

توضيح:( نسبة النزعة الترامبية للرئيس ترامب الذي يتميز بالانخراط البرغماتي في قراراته دون النظر لكثير عواقب أو البحث عن التبريرات الأخلاقية لها..)

توقيعي/

الرابط للمقالة في موقع لكم:

https://lakome2.com/opinion/406070

الجمعة، 27 يونيو 2025

مآلات الحرب الإيرانية - الإسرائيلية...الطريق لـ بكين يمر عبر أصفهان! بقلم د. يوسف محمد بناصر.

 مآلات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية ...الطريق لـ بكين يمر عبر أصفهان!

د.يوسف محمد بناصر- باحث مغربي.

________

بالرغم أن بعض أصدقائي يصنفونني ضمن انتماء يتخندق في إطار حركة السلم و اللاعنف المدنية، حيث كنت أنزع لمفاهيمها في مواجهة كثير من المواقف الفوضوية التي يعيشها العالم، ولست أنكر ذلك من جهة أخرى، حيث كان انتمائي في فترة من تاريخي الطلابي لمدارس فكرية عربية وغربية تدفع بهذا التوجه وترافع من أجله، إلا أن ما يقع اليوم من صراع مرير في منطقة الشرق الأوسط من الصعب الابقاء على النفس في خندق رومنسي أو التعلق شطحة نوستالجيا تاريخية، بعيدا عن واقعية الحال وبراغماتية السياسة وحيادية المعرفة، فالحرب الشرق أوسطية اليوم تعيد ترتيب أوراق نصف الكرة الأرضية ان لم يكن كلها..، ومن المعلوم في السياسة العسكرية والفكر الدبلوماسي أن قليلا من السلم يتطلب حربا كبيرة، فما يقع اليوم بين دولة إيران واسرائيل يتجاوز صراع ايديولوجي او خطابات شعبوية بين المعسكرين العقديين المحافظين "الشيعي" و "الصهيوني"، اللذين لهما نفس الخلفية والرغية في الامتداد ولهما روح متشردة تتقمص القوة والفتوة والغلبة..، ولا تحيا هذه الأرواح إلا في سماء الصراع والتحدي منذ بذرتهما الأولى وإعلان تاسيس الكيانيين والدولتين.

إن ما  طرأ من أحداث منذ أيام في المنطقة ليس ضربا من هتك "عرض" عسكري وسياسي وتاريخي وايديولوجي لجغرافية بحد ذاتها وأعني إيران؛ بل يتجاوزها لما خلف الجدار الفارسي..، فبعد هيمنة الطيران الإسرائيلي على سماء لبنان وفلسطين وسوريا والعراق الذي تطلب عمل دؤوب لسنوات.. من أجل الوصول لاصفهان اليوم، والتي  تمثل الظهر والحامي لطريق الحرير،  ومؤشر لسلامة قلب موسكو  وأجوائها الخلفية من اي التفاف، وهي جدار وقاية لترسانة إسلام آباد .. ، إذن الصراع اليوم انهاء أو انهاك لمشاربع  في المنطقة الشاسعة لم تستطع تطوير نفسها في بيئة غربية، هذه الأخيرة تشهد تغيرات كبيرة في سياساتها واستراتيجياتها الاقتصادية والسياسية و التكنولوجية وتتملكها مخاوف عظيمة من مشاريع ناشئة تنمو بعيدا عن المركزية الغربية باضطراب.

 إننا اليوم نشهد صراعا يمتد في ظاهره من تل أبيب لأصفهان.. ونغفل على أن إيران قوة استعراضية عبر التاريخ ومدفوعة بقوى إقليمية، و" تحييد" مسانديها أو ما يسمى معسكر المقاومة أو الممانعة هو كشف لمجالها الجوي أولا ثم لدول أخرى أبعد.

إن الفتح المباشر للمجال الجوي الإيراني أمام الطيران الاسرائيلي كان مؤشرا  ودليلا على تغير في سياسة التعاطي مع هذه الدولة ولما هو أبعد منها، وكشف لمدى ترهل النظام بشكل عام رغم ما يبديه من مظاهر القوة، والنتيجة الأولية هي اغتيال قادة جيشها في غرف نومهم، واختراق الدولة بزرع جواسيس في نظام الحكم باعتراف أحمد نجاد الرئيس الأسبق في تصريح له، كما تم زرع طائرات انتحارية وسط البلد دون علم لأجهزة النظام المختلفة، مما يعني انهيار نظامهم الأمني المزعوم رغم تنوع الاجهزة الامنية والاستخباراتية التي تميز هذا البلد، وهو نفس المخطط أثناء الهجوم الاوكراني على روسيا منذ أيام، ولا وجود للصدف في الأمر.

 إن اعلان "الكيان الاسرائيلي" تخلية سماء إيران  وتحييد الدفاعات الجوية من اي تهديد لها،  لتمارس استعراضها داخل بلاد "ولاية الفقيه" ثم تقصف بشكل دقيق، أسماء مهمة من أهل التربة الحسينية من علماء وقادة، وبطائرات ركبت بجانب قباب الملالي، ليفضح الشعارات والتظاهرات العسكرية والسبق الاستخباراتي وخطب الجمعة المليونية التي تستحضر فيها لوحات بخلفية الموت للتوأمين "الإسرائيلي_والامريكي". كما لابد لنا من استحضار أن جولة ترامب المكوكية لدول خليجية بعينها دون عاصمة إسرائيل ليست بريئة وتطرح أكثر من علامة استفهام، لأن ما تظهره التصريحات أهون مما يدار في الكواليس التي تخفي وراءها مخططات نسجت مسبقا، وسيناريوهات للمنطقة تفكر لما بعد نظام الملالي وما أبعد منها، ولا نغفل عن مسرحية المفاوضات الامريكية  التي تجمع بين سياسة الجزرة في مسقط وأزيز العصا من الكيان، لكونها مرحلة تبرئة ذمة ظاهريا وتورط للاذنين حقيقة، وترك مساحة أمان للتدخل ولعب دول الوسيط المحايد فيما بعد، وينطبق عليهم صورة المثال الذي يقول فيه الاخوة في مصر:" يقتل القتيل ويمشي في جنازته".

إن اخضاع ايران في النهاية وتفكيك منظومتها المتهالكة، ابتداء باغتيال قادتها من بينهم الرئيس السابق رئيسي (تطرح أسئلة شائكة عن وفاته المشبوهة)، والذي تحدثوا عن وفاته بسبب حادثة سقوط طائرة، ثم جس نبضهم مرة أخرى باغتيال إسماعيل هنية وسط عاصمتهم..، كل هذه الأحداث كانت  ترسم طريقا مباشرا نحو العودة لطهران وغيرها من المدن الحقا، ثم هي نفسها الطريق  المختصر للوصول نحو أبواب موسكو وبكين واسلام اباد..، وسيصدق فيهم المثل العربي إنما اكلت يوم أكل الثور الأبيض.

المشهد السيريالي في المنطقة هو حالة إعادة تدوير الانظمة التي لا تسطيع تفكيك ايديولوجيتها ولا الدخول الذاتي في محلة بيريسترويكا، فالانظمة النيوليبرالية ذات الخلفية الإمبريالية من الكيان الوظيفي إلى الغرب المتوحش، هي وحدة متكاملة ومجعية فلسفية متابطة، ومرونتها تتجلى في القدرة على تطوير أدائها "غريزيا" كأنها حيوان خرافي نابض بالأبدية، ويرجع ذاك لكونها أنظمة منسجمة مع تاريخها السياسي والفلسفي والوظيفي..، وهي خلاصة لتاريخ حروبها الدموية، ويستحيل أن تتشرنق كل مرة دون إحداث فوضى، تعرض ما حولها من الأنظمة العتيقة لمخاطر أو تعمل على تفكيكها تماما، وتزيل ما يعيق تحولاتها الذاتية كزهرة النرجس الاسطورية، عكس الانظمة العتيقة فمهما أبدته من حداثة كالصين وروسيا وما يدور في مدارهما، تبقى كلها أنظمة عالقة في التاريخ عكس ما تفرضه روح ما بعد الحداثة الغربية من براغماتية ومن شراسة وممارسة دموية لا تعرف الرحمة.

ان الطريق لبكين وبيونغ يونغ وإسلام اباد وموسكو.. يمر عبر أصفهان، والشعب الأمريكي بوعيه الاجتماعي والسياسي التقط هذه الرسالة بوضوح منذ انتخاب ترامب ولتتجدد هذه الرسالة مع احتفالية يوم استقلال أمريكا السبت14 يونيو بالاستعراض العسكري الضخم الذي يصادف عيد ميلاد السيد ترامب، حيث خاطب الرئيس شعبه خطاب الملوك الفاتحين، وهو ما لا ينسجم مع مزاج الآباء المؤسسين ولا ذكرى ثورة واشنطن التاريخية ..، ومظاهرات لونس انجلوس وإعلان شعار" لا ملوك" كشف لهذه المؤامرة واستعادة لثورة تأسيس الجمهورية من جديد ، حتى لا تتماهى شخصية "الزعيم" ترامب مع النظام و روح الدستور الأمريكي ..، وربما هو كبح لجماح ثور وول ستريت الهائج المهوس بالمال حتى لا ينخرط بحماسة في تفكيك خرائط هذا العالم والبحث عن مكاسب مالية دون النظر لشيء آخر، كما سبق وفعل في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي من جهة أخرى صورة لما ينمو في الخفاء وبتسارع من تغيرات للنظام العالمي بشرقه وغربه، ومن بينه نظام الأب واشنطن وحلم الغرب الأمريكي. 

يتبع..



السبت، 7 ديسمبر 2024

الحراك العربي والشعبوية وآليات هيكلة الاستبداد بقلم: د.يوسف محمد بناصر باحث مغربي

 

الحراك العربي والشعبوية وآليات هيكلة الاستبداد                                     

                                


لقد عملت الأنظمة الشمولية في كثير من البلدان العربية على تأطير الأحزاب السياسية لتلعبَ دورًا ثانويًا في الحياة السياسية والتدافع مع النظام في تدبير الشأن العام، بل من الأنظمة ما وظّف المؤسّسات المدنية والسياسية لبناء نظام مستبد يتسم بالنعومة في التعاطي مع المجتمع لترويض المفاهيم التسلطية، ليتم له تزييف الوعي الجمعي، لتلقى تلك المفاهيم قبولًا لدى فئة واسعة من أبناء مجتمعاتهم.

إنّ قوى الرجعية المتحكّمة تستند لتقوية صفوفها على البراغماتيين من السياسيين، وفي ظلّ هذا الزواج النكد بين أطراف لا يبنون مشروعهم السياسي على استراتيجية ديمقراطية؛ ستُفاجئنا ممارسات سياسية تستحوذ على الفضاء العام، إمّا عن طريق إخراج المؤسّسة العسكرية لممارسة القمع والقتل والاعتقال للمواطنين أو بإخراج المؤسّسات الحزبية والهيئات المؤثّرة من إعلام وقوى مدنية ودينية لتعلب دور الأنبياء الكذبة من أجل إخضاع المجتمع لخطاباتهم المزيّفة، وخصوصًا بسطاء التفكير من أبنائه، وهذه الممارسات من الأنظمة الاستبدادية هي مسالك ذهنية للتسلّط كما يسميها المفكّر الأنتروبولوجي المغربي عبد الله حمودي، تثبّتها تدريجيًا في نسقنا الثقافي والسلوكي والاجتماعي لتكون لها القابلية، وآليات التقعيد له تمرّ عبر مؤسّسات مؤثرة يتم إخضاعها كذلك بالقوّة أو بالريع، ونلاحظ أنّ أغلب المؤسّسات الحزبية مثلا في البلدان التي ظهر فيها الحراك أو الثورة الشعبية خلال هذه السنة 2019، على سبيل المثال الجزائر والسودان..، تمّ إفراغ أحزابها السياسية والمنظمات المدنية من المعنى أو القدرة على التأطير والتوجيه والقيادة، فلم يكن لها أيّ دورٍ أساسي أو مؤثّر بل تمرّ في أسوأ حال شعبيًا لكونها ساهمت إلى جانب الأنظمة الاستبدادية المُصاحبة لها في القمع ونشر الفوضى والزيف والتلاعب بعقول المواطنين.

إنّ العقلاء من المفكرين يعرفون أنّ ذهنية الاستبداد لا تتعلّق استثناءً بحالةٍ مرضية طبيعية ملازمة لنسقنا الحضاري الإسلامي والعربي، بل هي ممارسات نزقة إنسانية عامة في ممارسة السلطة، تستند إلى إرثٍ ثقافي واجتماعي وسياسي مشوّه، يستطيبه بعض الحكام ومن يدور في فلكهم، وهؤلاء فقدوا بوصلة التنوير وفضيلة السياسة القائمة على العدل والحق والإنصاف والكرامة، فارتموا في دهاليز الاستبداد.

إنّ مؤسّسة الجيش لا تملك آليات التدبير السياسي للأوضاع في البلدان التي تستولي فيها على الحكم، ومرّت المنطقة بتجربةٍ مأساوية من حكم العسكر منذ الاستقلال، فهذه المؤسّسة تختار في غالب الأحيان أقصر الطرق لتدبير الاختلاف، إمّا بالقتل أو الاعتقال أو النفي أو السجن لتمارسَ الحكم بالغلبة والتغوّل، ولا تمتلك أيّ شرعية أو سلطة تعاقدية طبيعية لممارسة الحكم إلا دعم من تتقوّى بهم من سلطة بطريركية وخطاباتٍ شعبوية لتدافع بها عن اختياراتها المتناقضة والمأزومة أساسًا، ثم تفرضها على الشعوب المغلوب على أمرها، ولا تملك غير ذلك مُكرهة.

إنّ المؤسّسة العسكرية الحاكمة في البلدان العربية من سورية والسودان وليبيا وغيرها، تمارس تغوّلها على جميع المؤسّسات المدنية والشرعية، وتحاول أن تصادر الحق الشعبي في الاختيار، وتقيّد إرادة الشعب في هذه البلدان فتمنع صناعة وبناء نظام طموح يتأسّس على تصوّر ديمقراطي يستند إلى مفاهيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

إنّ ما يقع من مجازر في السودان في حقِّ المدنيين من طرف مليشيات الجيش ومن تجاوزات حقوقية في اليمن وليبيا وسورية..، وما يحصل من اضطهاد وقمع للحريات هو شيء مأساوي لشعوب المنطقة العربية، وممّا يزيد من سوء الوضع تلك البيانات التي تصدر على سبيل المثال عن المؤسّسة العسكرية السودانية، والتي تؤكّد أنّ الممارسة القمعية هي صورة حقيقية وواقعية للأنظمة الانتقالية بالمنطقة والتي تحاول أن تتجذّر وتقوّي نفوذها. وما تلك المناورات التي يخوضها سدنة القلاع العسكرية بالسودان ضدّ قوى الحرية والتغيير إلا صورة من صور رجوع الاستبداد بقوّة ليغتال بقايا الثورة السودانية والتجربة السياسية الحديثة التي نهض بها السودان بعد الاستقلال.

إنّ هذا التشويه الذي تمارسه المؤسسة العسكرية بالمنطقة عموما يعكس جانبا آخر بئيسًا تواجهه القوى الديمقراطية والمنظمات المدنية والمؤسّسات الشرعية، ولعلّ صورة الثورة المضادة في تونس، وفشل المؤسّسة التشريعية في كبح جماح الرئيس، تبيّن مدى عمق وهشاشة الفكر السياسي المدني في منطقتنا، وهي صورة بانورامية لأزمة المراحل الانتقالية للسلطة ببلدان الربيع الديمقراطي، لتمارس الأنظمة الجديدة والمستنبتة في واقع مشبع بالاستبداد آلية الإخضاع مجدّدا كالتي مارستها الأنظمة السلطوية القديمة، فهي تمارس إعادة إنتاج أنظمة متوحشة وقادرة على التكيّف والامتداد، وقد اشتغل خليفة حفتر وميلشياته بنفس الاستراتيجية في قتال قوى الحرية، وما بقي من فعاليات وشباب حراك 18 فبراير بليبيا وَوَأَدَ الثورة بأساليب مختلفة.

تحاول المؤسّسة العسكرية التي تخرج بسلاحها وبزتها إلى الفضاء العمومي في منطقة الحراك الديمقراطي، ممارسة الشطط في استعمال السلطة والعنف ضدّ المتظاهرين والمواطنين، ولتعيدَ إنتاج أطراف الصراع لتتمكن من استيعاب التناقضات الجديدة التي ظهرت بالمنطقة، وتستفيد من التناقضات التي تشهدها السياسة الدولية والمصالح المتناقضة للدول، هذه اللعبة الخبيثة ستُمكن قوى الاستبداد من تسييج الإرادة الشعبية وتأسيس توافقات بيوقراطية مبنية على المصالح، سواء مع القوى الداخلية أو الخارجية، وقد توظّف آليات الاستبداد الناعم باستقطاب بعض الوجهاء والساسة، ومن له عصبية قبيلة أو انتماء لمليشيات ليكونوا بوصلة الحراك وليلعبوا دور رجل الإطفاء مقابل مكاسب ريعية مؤقتة.

مهما احتالت المؤسّسة العسكرية على الحراك الديمقراطي أو مارست التسويف وسياسة العصا والجزرة، ستخسر في الأخير شرعيتها وقدرتها على المناورة والتفاوض 

إنّ الإرادة الشعبية في السودان وليبيا وسورية واليمن.. أبانت عن قوّة في التنظيم والتمسّك بالآمال في تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي وفق شروط المرحلة الجديدة، وبناء دولة وطنية بمؤسّسات قوية يعتمد عليها الشعب في تحقيق مبادئ، كانت ولا تزال شعارات كلّ المواطنين والمشاركين في الحراك، ومهما احتالت المؤسّسة العسكرية في هذه البلدان على الحراك الديمقراطي أو مارست التسويف وسياسة العصا والجزرة، وحتى الاعتقال والقتل والتعذيب، وقامت بتمطيط مدّة الفوضى في المنطقة، فستخسر في الأخير شرعيتها وقدرتها على المناورة والتفاوض وهي مهدّدة دائمًا بالانهيار، لأنّ أولوية الشعوب اليوم الإعلاء من شأن المفاهيم الديمقراطية كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومؤسّساتها الفاعلة، ولا شيء سيحول دون تحقيق هذه الأهداف لأنّ مبعثها ذاتي والحاجة إليها اجتماعية وثقافية وأنطولوجية إنسانية محضة مرتبطة بالحقِّ في الوجود.

وقد بدأ نسقنا الثقافي في جغرافيتنا في التحوّل والتفكّك؛ لأنّ التراكم والإرث السياسي والثقافي السابق، فَقَدا كلّ إمكانيّة البعث والحياة والاستمرار، ونحن بحاجة لممارسة تفكيكية دقيقة للقضاء على الداء وإعادة فضائنا السياسي وتشكيل وعينا ومفاهيمنا حول الدولة والمجتمع والتعاقدات الاجتماعية والسياسية. ليبقى بناء الأنساق السياسية الجديدة وفق الشروط والمتغيّرات العالمية الجديدة، ووفق نَفَس الحراك الديمقراطي وروح الإرادة الشعبية وحاجاتها، متوقفًا على تعاقدات جديدة تتأسّس على احترام الذات الإنسانية وآمالها غير المحدودة نحو التحرّر، وأيّ مشروع لا يتضمّن هذه المطالب أو لا يستجيب لتلك الشروط سيعدو مجرّد عثرة طريق في أفق بناء المستقبل، وتأجيلًا غير مبرّر للطموحات المشروعة لكلِّ شعوب المنطقة، وأيّ تأجيل للمشروع الديمقراطي إنما هو نفخ في النار وتأجيج لمزيد من الصراع ودفع لانْوِلاَدِ حراكات اجتماعية ترتبط بالمرجعيات الجهادية أو تجتمع حول الخطابات الشعبوية العرقية أو الطائفية أو القبلية.

نشر بموقع العربي الجديد بتاريخ 05.12.2024 م
الرابط:
https://edgs.co/8qkyi

السبت، 6 يناير 2024

كتاب جماعي يجدد التفكير النقدي في إرث الفيلسوف المغربي عابد الجابري اصدار 2024م


إذا أعطاك الله أبهرك..

صدر قبيل اختتام هذه السنة الميلادية 2023م كتاب: "محمد عابد الجابري  أسئلة المشروع وآفاق التجديد"، وهو كتاب جماعي ضم أوراقا بحثية لثلة من الباحثين المميزين حول أعمال المفكر المغربي المرحوم محمد عابد الجابري، كما تضمن المشروع ورقة بحثية لي عن التفكير في المقاصد الأخلاقية عند المفكر الجابري، فكل التقدير للساهرين على المشروع وخصوصا الأستاذ سلمان بونعمان الذي اقتطع من وقته وجهده لاخراج هذا المشروع، ومن نعم الله على المرء أن يبارك له في وقته وجهده ويقوي عزيمته، فله سبحانه المنة والشكر.


تدوينة يوسف محمد بناصر


متابعة من موقع هسبريس


كتاب جماعي يجدد التفكير النقدي في إرث الفيلسوف المغربي عابد الجابري

هسبريس - وائل بورشاشن

الجمعة 5 يناير 2024 - 03:00

بعد مرور 14 سنة على رحيل المفكر المغربي البارز محمد عابد الجابري، يستمر الاهتمام البحثي بمنجزه ومنهجه والأسئلة التي شغلته، في كتاب جماعي جديد، يطمح إلى تقديم “عمل تركيبي مستوعب لمشروعه العام، ومنهجه في التفكير والتحليل والنقد، وأفقه الإيديولوجي الملتزم بقضايا النهضة والإصلاح”، لخلق “المزيد من الحوار الجاد، والنقد البناء ضمن أفق حضاري جديد يفكر في سؤال المنهج وإصلاح أداة الفكر، والوعي بالشروط التاريخية والحضارية لاستئناف دورة جديدة تخرج العقل الإسلامي المعاصر من آفات الانحباس الفكري والجمود العقلي والإحباط الحضاري، وتسهم في تفكيك معضلة التطرف والطائفية والاستبداد.”


الكتاب المعنون بـ”محمد عابد الجابري: أسئلة المشروع وآفاق التجديد”، صدر عن “عقول للثقافة والنشر والتوزيع” بشراكة مع “مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات”، وجمع دراسات كل من محمد الشيخ، حسن طارق، سعيد شبار، سلمان بونعمان، عادل الطاهري، حسن فورات، إسماعيل الحسني، الحسان شهيد، مصطفى بوكرن، عبد الرحمان اليعقوبي، أيوب بوغضن، محمد علا، حكيم كرومي، مصطفى بنزروالة، يونس حباش، مصطفى فاتيحي، عز الدين جبار، ويوسف محمد بناصر.


يهتم الكتاب بأسئلة التراث والحداثة عند الجابري، وقراءته للتراث الفلسفي العربي، ولابن خلدون، وابن رشد، وتصوره للسياسة والدولة و”القطيعة” والنهضة وتفسير القرآن، وإصلاح التعليم، والثقافة، والمسألة العلمانية، والسؤال الديمقراطي، وعلاقته بمشروع عبد الله العروي.


وقد حكمت أعمالَه لجنة علمية ضمت أساتذة من مختلف الجامعات المغربية، هم: إسماعيل الحسني، محمد علا، الحسان شهيد، محمد بنجبور، سلمان بونعمان، محمد الشريف بنخي، خالد يايموت، محمد الصادقي، حفيظ يونسي، الحسن مصباح، خالد عاتق، عبد الرحيم الدقون، ومحمد الطويل.


هذا العمل المهدى إلى روح الباحث الشاب أيوب بوغضن، وأرواح “شهداء فلسطين، وكل شهداء التحرر في العالم”، يروم “تجديد التفكير في مشروع الجابري”، لا لإضفاء نوع من القداسة على “إرثه الفكري الملهم”، بل لـ”تفكيك أفكار الجابري واختبار قدراتها التفسيرية، وامتحان خلاصاته واستنتاجاته في علاقتها بما آل إليه الواقع العربي والمغربي من تحولات وتطورات.”


يسجل الكتاب الجماعي أن الجابري “يمثل مدرسة مغربية أصيلة ومتميزة لم تتنكر لجذورها ولم تنغلق على تراثها، بل اختارت الانتظام النقدي في التراث والاعتزاز به والانطلاق منه، أملا في بناء الذات الحضارية المنفتحة على روح العصر والتجارب الإنسانية في النهضة والإصلاح”، ويضيف أن “قطاعات واسعة من النخب الفكرية والمثقفة العربية والإسلامية والإنسانية” تقدر “إسهاماته وقيمة عطاءاته النوعية بوصفه مفكرا عربيا فريدا”، ذا مكانة “ملهمة في الحياة السياسية الوطنية والعربية، بصفته مناضلا صلبا احترق بأسئلة الواقع وانخرط في حركيته وتفاعلاته من موقع التحيز الواضح لمبادئ الدمَقرطة والوحدة والكرامة والعدالة الاجتماعية.”


وقال المشرف على العمل الجديد سلمان بونعمان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس رئيس مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات، إن “الفيلسوف الراحل محمد عابد الجابري” يظل “صاحب بصمة فارقة في تاريخ الفكر المغربي والعربي الإسلامي والإنساني المعاصر”، ويبقى مشروعه “واحدا من أبرز المشاريع الفكرية التي طبعت فضاء الفكر العربي والإسلامي بالجدية والجدة والإبداع”، وتشكل مساهماته “مرحلة هامة في تقييم الخطاب الفكري والنقاش السياسي الذي أطر أسئلة مرحلة ما بعد الاستقلال وهموم الدولة الوطنية، ورصد إشكالات التحديث السياسي والنهوض الحضاري والتجديد الفكري في العالم العربي والمغاربي.”


ونبه بونعمان إلى أن استعادة مشروع الجابري وتجديد النظر في نسقه الفكري بمنطلقاته وفرضياته وتحليلاته وخلاصاته، شرط ضروري “لاستئناف النظر التجديدي، وتقييم مسار تطور الوعي النهضوي العربي لجيل بكامله، بالنظر لما يمثله من امتداد فكري وحضاري للحركة الإصلاحية المغربية والعربية في أبعادها النهضوية والتاريخية”، فضلا عن “الأهمية النظرية والمنهجية لرؤيته في التواصل مع التراث الديني والحضاري للمسلمين وفي قراءة خريطة العقل العربي، ورفضه الواضح لخيار القطيعة الجذرية مع التراث أو استئصال الإسلام أو جعله مصدرا للإرهاب والتخلف”.


ويجاوز هذا الكتاب، وفق منسقه، “مقاربة الانبهار أو التقديس أو الاختزال في فهم مشروع الجابري”، ويختار “مقاربات مركبة ومتعددة الزوايا والآفاق، تنطلق من أرضية التقدير والاحتفاء والاعتراف بجهود الجابري الكبيرة، وغيرته الوطنية وأصالته العربية، وتطلعه للتبشير بمشروع نهضوي عربي جديد، يواكب تحولات الواقع ويستوعب متغيراته، ويقوم على فكرة التقريب بين التيارات الفكرية والسياسية المتصارعة داخله وحوله، عبر كتلة تاريخية جامعة قادرة على إنجاز الحلم الديمقراطي النهضوي.”


كما يسعى المنشور إلى “الخروج من أسر التبخيس”، بتجنب “الانخراط في حركة تشويه أفكار الرجل واتهامه ومحاكمة نواياه”، وعبر اختيار واع وحس علمي ومنهجي لـ”النقاش الهادئ والنقد البناء لِهَنات الجابري”، مع التنبيه إلى “المحاذير المنهجية والعلمية التي لحقت مشروعه في فهم القرآن الكريم وإعادة تفسيره وفق أسباب النزول.”


ويقول تقديم الكتاب إن أهم ما تركه الجابري لقرائه “اجتهاده في التفكير النقدي والتساؤل المعرفي حول العقل العربي بنية وتكوينا وسياسة وأخلاقا، وانشغاله بالتراث مدخلا لبناء الحداثة في العالم العربي ومحاولته فهم القرآن الكريم”، بعد مسار اتسم بـ”المصداقية الأخلاقية والنزاهة الفكرية”؛ لأنه “لم يكن مثقفا معزولا عن نبض المجتمع وتحولات الواقع، بل انخرط مبكرا في مقاومة الاستعمار ومواجهة امتداداته بعد الاستقلال، واعيا بهموم المجتمع وقضايا وطنه وأمته التي تنشد التحرر والديمقراطية والوحدة والتنمية، ولذلك سخر فكره وإنتاجه ليكون له تأثير في الواقع، محاولا تقديم إجابات فكرية على إشكالات الواقع العربي وتحديات غياب الديمقراطية، وتعثر مسيرة التنمية وفشل توطين الحداثة”.


ومن بين ما يحاول هذا الكتاب تصحيحه، عقودٌ من “الخصومات الإيديولوجية والخلافات السياسية” التي “شكلت عائقا نفسيا وفكريا حال دون الإفادة من جهود الجابري وأطروحاته المتقدمة، التي تجاوزت وارتقت فوق أشكال الصراعات الفكرية والإيديولوجية التي سادت في الخطاب القومي والإسلامي معا، واختزلته في صورة ضيقة وفي تصنيف مجحف بسبب الاختلاف مع انتمائه الحزبي أو اشتغاله القومي العروبي”؛ لأن هذه التصنيفات حرمت “جيلا بأكمله من إدراك أصالة اجتهادات الرجل، وصدق غايته الإصلاحية وغيرته على الديمقراطية والإسلام، وإيمانه العميق بدور الدين في التقدم والنهوض.”


المتابعة من موقع هسبريس





الاثنين، 25 ديسمبر 2023

 البلوكاج النضالي وأثر الكوبرا..

 تنسيقيات التعليم تستفيد من دروس السيد رئيس الحكومة.


نشر بموقع لكم بتاريخ: الأحد 24 ديسمبر 2023م

لنرجع بالذاكرة قليلا لما مضى، فقد كنا نطالع في الجرائد ونتتبع الشأن السياسي، إثر انتخابات أكتوبر 2016 أحداثا مثيرة متعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة في احترام كامل لمقتضيات الدستور الجديد، حيث أفرزت صناديق الاقتراع فوزا شبيها بالاكتساح للإسلاميين (حزب العدالة والتنمية)، تقريبا حصدوا 125 مقعد مقابل 395 مقعد من مقاعد الغرفة الاولى من البرلمان، لتحصل بعد ذلك قصص غريبة وغير مألوفة، أهمها كون السيد أخنوش رئيس الحكومة الحالية رفض المشاركة في التحالف الحكومي مع العدالة والتنمية؛ إلا بشروط منها تنحية بعض الأحزاب السياسية العتيقة من ذلك التحالف، وإلا لن يكون هنالك حكومة بأغلبية مريحة، مما أوقع السيد بنكيران في مأزق، وحزبه في مخاض عسير، كما كان المجتمع يتأول الخطابات والسلوكات السياسية لقادة الأحزاب الأخرى، علما أن السيد رئيس الحكومة الحالية؛ كان قد شارك سابقا في حكومة بنكيران الأولى دون لون سياسي بعد أن قدم استقالته من الأحرار، ليرجع مرة أخرى بعد أن عوض الأستاذ صلاح الدين مزوار، وبعد تلك “المعارك الدنكشوطية“  بين مكونات المشهد السياسي، كان الحل الوسط وحفاظا على روح الدستور هو تعيين شخص آخر من الحزب الاول (للعدالة والتنمية)، ليبدأ مشاورات أخرى لتشكيل الحكومة، وهو الدكتور سعد الدين العثماني ليتم استبعاد الاستاذ بنكيران.

والسؤال  الذي يفرض نفسه الآن، ما علاقة الحدث بقصة الاضرابات في التربية والتعليم؟ الإجابة أظنها واضحة وبسيطة، وهي كيف لرجل سياسة مارس المراوغة وحرص على المكاسب لنفسه ولحزبه ومارس التفاوض بشراسة ، وتمكن من إيقاف لمدة أشهر الحياة السياسية بالمغرب، بسبب موقفه من الحزب الذي حصد أغلب الاصوات، فكيف إذن، لهذا الرجل أن ألا يكون أيقونة في الدرس النضالي المغربي !، وتستفيد منه التنسيقيات الميدانية للتعليم( لتقول إنا عكسناها) في علاقتها مع النقابات، هذه الأخيرة التي يفر بعض كتابها خفافا وثقالا كلما تمتمت الحكومة بقرار للتوقيع عليه، فيتهمون بالمولاة للحكومة، وربما يوافقون على أشياء لم يوافق عليها القواعد، والدليل بيانات بعض المكاتب الإقليمية لفروعهم النقابية!  بل مشاركة  بعض منضاليهم الأساسيين في الحراك الميداني.

إن التنسيقيات تمارس نفس الفعل النضالي التاريخي للسيد رئيس الحكومة، وتستفيد من خطواته النضالية الشيقة والمثيرة. فالبلوكاج النضالي اليوم من جهة أخرى، هو درس في “المساحة الحقوقية” المتاحة والتي تتمتع بها بلادنا تحت رئاسة حزب الاحرار، وهي قراءة في جانبها التفاؤلي، وهو ما نسجل أنه شيء يحسب للحكومة الحالية ! وهذه التجربة كذلك تقدم صورة إيجابية لما ترسخه من القيم في إطار الدرس النضالي لفترة المعارضة التي مارسها حزب الاحرار في المجتمع المغربي في فترة من فترات احتدام الصراع السياسي، وخصوصا أن الوسط  التعليمي اتعظ به، وهم الذين وعدوا ب 2500 درهم في الحملة الانتخابية بلسان السيد رئيس حزب الأحرار، حتى إن البعض ظنها  زلة لسان منه إلى أن أكدها تصريح السيد الطالبي العلمي، وتسجل من طرف نساء ورجال التربية والتعليم بلهفة وبمداد من ذهب، فإن كان البلوكاج السياسي مورس على المجتمع بجميع قطاعاته، فربما التنسيقيات تمارسه بشكل ديمقراطي في قطاع واحد يقدم خدمة عمومية، وتحت رئاسة السيد أخنوش. وما عليه إلا أن يتسم بسعة الصدر.

الآن ما تأثير الكوبرا على القطاع التعليمي، من المعلوم أن هنالك أسطورة تكاد تكون قصة واقعية، وهي أن سياسيا بريطانيا أراد ان يخفف من تجوال ثعابين الكوبرا في الهند، فأمر بمنحة مالية لمن يصطاد الثعابين ويسلمها للسلطات مساهمة في تخفيف أثرها على البيئة ومنع سمها عن أبناء المجتمع، فتحفز الناس لاصطيادها، ولكن بعض الاذكياء بلوروا فكرة جهنمية، وفكروا خارج الصندوق، فربوا الثعابين خفية،  وجعلوها تتوالد لكي يبيعوها للسلطات مقابل المنح المالية، بدل التعب في اصطيادها، فلما تفطنت السلطات لهذه الحيلة جمدت فورا قرارها، فلما لم يجد أصحاب مزارع الثعابين المنح المالية الموعودة لهم، أعادوا إطلاق الثعابين في الطبيعة؛ مما زاد في تكاثرها وتهديدها للسلامة المجتمعية، فكانت تلك القصة عبرة دالة على محاولة حل مشكلة بقرارات غير حكيمة ولا مدروسة، لتزيد هذه الحلول المتسرعة تلك المشكلة سوءاً وتفاقما.

وهكذا كانت قرارات رئاسة الحكومة المغربية والوزير الوصي على القطاع ، فلو أن قرارهم كان الغاء المرسوم أو على الاقل استضافة كل الاطراف على طاولة مفاوضات واحدة، قبل اطلاق النظام الأساسي، وعدم الإسراع في اخراجه إلا بعد عرضه على المجلس الأعلى للتعليم، لإبداء رأيه أو  على مؤسسة البرلمان،  لكان الأمر هينا وسلسا، ولأعتبر قرارهم حكيما وناضجا، ويكتسب شرعية أكبر ومستحسنا من فئات عريضة، ولكن الارتجالية وقلة التواصل والاعتباطية وعدم استشارة المجالس، ولا الرجوع لمن يهمهم الامر ممن يطبق عليهم، جعل الحكومة في ورطة والنقابات بين فكي الشغيلة والحكومة ، والجميع في وضع لا يحسدون عليه، وخصوصا أن التنسيقيات مندفعة لمزيد تعبئة للتصعيد، ولتحقيق مكاسب مع اكتساب نضالها زخما شعبيا وأفقا وحدويا منقطع النظير.

يبدو أن شهر أكتوبر له تأثير سيء على السيد أخنوش كالرقم 13 في متخيل بعض الناس، لذلك أنصح الأوصياء على القطاع والحكماء من أهل الرأي والتأثير والذين أيديهم في هذا الملف الشائك؛ أن يسرعوا في إيجاد أرضية مشتركة لتخفيف حدة الصراع والوصول إلى رأي وسط، تحقيقا للمصلحة العامة واستدراكا لما يمكن من السنة الدراسية ومصلحة المتمدرسين، أما قرار إخراج النظام الأساسي لرجال التعليم بهذا العور الظاهر( رغم أن الوزارة لها جيش من الخبراء والمستشارين..) على عكس بقية الأنظمة الأساسية الأخرى، فلا يزيد إلا في التأثير على السلم الاجتماعي، واندفاع نساء ورجال التربية والتعليم لمزيد نضال، خصوصا مع انعدام العدالة الأجرية وصعود التضخم والزيادة في الضريبة، والاقتطاعات لإصلاح صناديق التقاعد، ولأن الكثير من الهيئات والفئات داخل القطاع تحس بالغبن و(الحكرة) بسبب الحلول التجزيئية،  كأن الحكومة أو النقابات لا تتوفر على خبراء ولا اذان صاغية، بعد كل هذا المارتون من الحوارات والتوافقات التي انتهت بكل هذه المساوئ.


مدرس وباحث
عضو تنسيقية دكاترة قطاع التربية الوطنية.


رابط المقالة من مصدرها:

الأربعاء، 22 نوفمبر 2023

قطاع التعليم بالمغرب من النضال المنقبض إلى النضال السائل.. اضرابات 2023م

 قطاع التعليم  بالمغرب من النضال المنقبض إلى النضال السائل.. اضرابات 2023م

بقلم: يوسف محمد بناصر

باحث مغربي

ـــــــــــــ

فليسمح لنا باومان زيغمونت في توظيف المفاهيم التي يشتغل بها، والتي من بينها توصيفه بالسيولة للحداثة والاخلاق ووو، وعلاقة بالموضوع أعلاه، أظن ان اشتغال نساء ورجال التعليم على نضالات الشارع خلال هذه الفترة الممتدة من الايام العصيبة والتي يمر بها قطاع التعليم بالمغرب، بأن أقل ما يمكن أن توصف بها أنها تعيش حالة سيولة، فقد انطلقت " الحركة الاحتجاجية" بشكل عفوي في بداياتها ليجد الحراك له بعد ذلك أحضانا وتنسيقيات ومتهافتين من من منظمات نقابية وحقوقية ومدنية..، وزادت وتيرة الاحتجاج بسبب بلاغات وخرجات غير موفقة لوزراء وساسة في الاغلبية الحكومية، وأصبحت بعض مطالب المناضلين تعلو مع  ارتفاع صرخاتهم في الشارع، وأصبح الملف المطلبي يوما بعد يوما يقترب من المثالية الهيغلية، فمن مجرد اعدام النظام الاساسي المشؤوم الى المطالبة بالزيادة في الاجور وتقديم اعتذار واضح لرجال ونساء التعليم.

ومن يحضر بين الاساتذة في نقاشاتهم يجد نفسه مدفوعا بسبب دفء الحراك والواجب الاخلاقي والانتماء المهني للانخراط في الخط النضالي التصعيدي، وربما الانخراط في المزيادة في مطالب الشغيلة، وقد يقضي البعض ساعات من النقاش يوميا، وفي تكرار مطالبه وفي كل مرة يقوم بتجويدها وتحسينها، ردا على مطالب الحكومة بكونها على استعداد لتجويد النظام الاساسي بدل ابطاله، ومن المستغرب أن تبقى الوزارة الوصية صامتة صمت نبي الله زكرياء في محرابه، وحتى ان البعض يصف الوزير الوصي على القطاع بكون من شيمه الصمت والسكينة وانه يعتبر من خوارم المروءة كثرة الحديث للاعلام، اللهم ما كان من لقاءات يتيمة تمت سابقا ، ويكاد الجميع يجمع على أن الاسئلة مسربة له، وان خروجه كارثي، ولم يسمح للرد عليه في نفس البرامج تفاديا لتشويش محفوظاته او بياناته، بمعنى انه جاء لكي يملي وليس لكي يناقش ويحاجج (لذلك ربما كان يكرر قالو لي). 

ومما يزيد الوضع سيولة وانجرافا لمزيد احتدام وغليان، هو ما يصرح به وزراء في قطاعات اخرى باسم التضامن الحكومي ، علما ان هؤلاء الوزراء دافعوا عن قطاعاتهم وحسنوا اداءها واقتطعوا لموظفيهم مكاسب جمة,,، فكيف يبخلون على قطاع التعليم  بفلسات وهم أهل الجود مع أهل ربعهم، والاسوأ من ذلك كونهم يحشرون أنفهم في قطاع له وزير  مشهود بكفاءته ويوصف بانه مهندس النموذج التنموي الجديد الذي يحتل فيه التعليم أولوية بارزة.

لقد كانت نضالات رجال التعليم بعد الربيع الديمقراطي منقبضة ومحتشمة ، ولم يعرف في قطاع التعليم هذا الخروج و"الحراك" منذ منتصف التسعينات مع انتشار الفكر اليساري المتشبع بالفكر النضالي من أجل الطبقات والمتحمس للبروليتاريا والطبقة المتوسطة، وهذه السيولة من الاحتجاجات التي عمت المغرب  والمتحمسة والمتسمة كذلك بالاتزان والعقلانية لحد الان، يبدو أنها تسير نحو النضج واختراق أفق مطالب أخرى مع التحاق تنسيقيات واطراف عمالية مهمة بها، مما سيزيد في تاجيج الوضع المتسم بالاختناق الاجتماعي والاقتصادي ..، بمعنى  نحن نسير نحو رفع سقف المطالب لتنتقل من اجتماعية واقتصادية الى سياسية، وامام سوء التصريحات وبطء التفكير في الحل من طرف الوزارة الوصية و تسويف رئيس الحكومة نكون أمام وضع (مستغلق).


 وربما هؤلاء  الساسة يلعبون على قاعدة من يقصر نفسه يخسر، فنكون أمام معادلة صعبة الخاسر فيها هي المدرسة العمومية واستمرار سوء تدبير قطاع  عمومي مازوم، وتوقف مرفق من اهم المرافق العمومية عن تقديم خدمته، مما يدفع بالاسر الى الالتحاق بالحراك ليس فقط مطالبة بتدريس ابنائهم ولكن كذلك يطالبون بتجويد المرفق باعتباره اساسيا وانهم يدفعون ضرائب على اساس استمراره وجودته (وتفعيلا لشعارات المدبرين للقطاع الذين يطبعون لافتات مع كل دخول مدرسي تحمل هذه المضامين)، ثم قد ينتقل اولئك الاباء بفعل الغضب الى محاسبة من تقع مسؤولية تكدير صفو الدخول المدرسي عليه  ونت يهدد ابناءهم بسنة بيضاء ، ويحرض على تمديد أمد الأزمة، فندخل بذلك من باب المحاسبة السياسية بممارسة الرقابة والنقد السياسي على المدبرين من الساسة، ولن يتوقف المحتجون على مطلب شعبي بريء في بدايته، لتنحرف الامور لتكون متسقة مع مطالب اخرى، لتتداخل مع اشكالات يعيشها المواطن البسيط لا يجد لها مبررا ولا حلا، والتي ترتبط بمعيشته اليومية وتضخم الاسعار...  وسؤالي الاخير، من يملك الجرأة أكثر ليحافظ على مصلحة الوطن بدل العبث بمصير أبنائه بالتموقف في منطقة  التعنت والمكابرة..؟

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

يوسف

تدوينة رقم 9



الأربعاء، 4 مايو 2022

 #أوربا_الفزاعة_العجوز__والدرس_الأوكراني..ما أشبه اليوم بالبارحة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم: يوسف محمد بناصر

باحث وكاتب مغربي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يبدو أن حلف الناتو الذي يجمع بعض الدول الاوربية مع بعض الدول خارج  القارة العجوز بدأ بالانهيار مبكرا، وقد سبق وان نبه الرئيس السابق للولايات المتحدة الامريكية لكون انهيار الحلف مسألة وقت فحسب، لذلك كان يبتزهم ويحرك كل مرة قواعد اللعب لما يخدم مصالح بلاده، كما صرح ماكرون الرئيس الفرنسي ان الحلف يعيش لحظة وفاة سريرية وان هَمَّ القائمين عليه وضع الميزانيات دون وضع خطط استراتيجية لحماية أعضاء الحلف. 

ان تاريخ اوربا للاسف يبدأ مرة اخرى من نقطة سفك الدم سواء ماكان سببا لاندلاع الحرب العالمية الاولى باغتيال ولي عهد النمسا  وصولا الى افتعال معركة حدودية من طرف هتلر بين المانيا مع بولندا ليدخل العالم حربه الثانية، وتسبب بذلك  الدكتاتوريات بعض تورط الديمقراطيات الهشة في خسارة ملايين من البشر لارواحهم وسفك الكثير من دماء الابرياء .


اوربا اليوم للاسف لم تستفد من ديمقراطيتها ولا تاريخ مؤسساتها واجهزة التفكير الاستراتيجي المدنية والعسكرية لتتوقع هذه الخسارة وهذا التهديد المتوحش لمنطقة نفوذ حلف الناتو، لتقع  في النهاية ضحية الغزو الروسي لحدودها بعد أن افتعل بوتين أزمة يتبعها بالتدخل العسكري تحت مبرر حماية مصالح الروس وحماية الاقلية الروسية ضد العدوان الغربي وتوسع حلف الناتو، وبعد أن أوهمت الولايات المتحدة الامريكية باستعدادها للدفاع عن مصالح الحلفاء.

يشبه رد فعل الولايات المتحدة الامريكية اليوم موقفها البارحة لكونها ستكون المستفيد الاكبر من صفقات السلاح ومن السخاء الاوربي لحماية الحدود وجعل اوكرانيا مستنقعا دمويا للروس فتضرب جهتين بحجر واحد، وبطبيعة الحال دولة  يفصلها الالاف من الكلومترات عن اوربا لن تخسر شيئا اذا اطلقت روسيا آلتها العسكرية وصلوا لجدار برلين التموقع السوفياتي.. فالحرب هي استعادة للأمجاد التاريخية، ربما تدخل دباباتها العاصمة باريس..، وافضل شيء سيقوم به الرؤساء الامريكيون هو اعداد خطة بميزانيات خيالية لاعداة اعمار اوربا المدمرة، كخطة وزير الخارجية الامريكي الجنرال جورج مارشال الذي ساهم في تقديم رؤية لاعداة بناء اوربا وسميت الخطة باسمه:"مشروع مارشال"، اما بلاد جلالة الملكة فانها اختارت منذ البداية وربما بالصدفة أو عن سابق قراءة وتوقع الانفصال عن مشاكل شقيقاتها من دول اوربا الغربية وما يستتبع ذلك من النأي عن اشكالاتها الاقتصادية والمالية ومجازفات اقتصادية وسياسية وعسكرية غير محسوبة، وربما ملامح سياستهم البرغماتية الحمائية بدات مع الانهيار  الاقتصادي لدولة اليونان منذ سنوات..


إن الرئيس بوتين من خلال تاريخه الطويل كرجل استخبارات متمرس وسياسي محنك جمع بين المعرفة العسكرية والاطلاع عن قرب على السياسات التاريخية للسوفيات وروسيا الفدرالية..، وعمل على بناء دولة روسيا وفق رؤية سياسية تحن لمجد القياصرة وممارسات ستالين الاستبدادية ومكنه وبنى حوله  طائفة من اوليغارشيا تعينه، استفادت منذ مدة من فوضى انهيار الدولة السوفياتية. وربما النزعة الدكتاتورية وقدرة بوتين على المناورة جعلته اليوم يحكم روسيا بامتدادها الجغرافي وتنوعها الاتني والسياسي بالنار والحديد، ليطمح الان لأن يلقن الغرب درسا تاريخيا يكلفهم الكثير من الدم والالم والمال، ربما منتقما لدولة السوفيات من الغرب وممارساته البراغماتية وسياسته التوسعية وتنصله من اتفاقاته مع الروس في لحظة ضعفهم وانهيار دولتهم، وعلى العكس من ذلك تبقى الحكومات الغربية الديمقراطية غير مستوعبة لحركة ومناورات بوتين وغير قادرة على فهم منحنيات تحولاته النفسية والسياسية وهو الذي يحمل معه ثقل الماضي ومآسي الانهيار الكبير الذي اصاب بلاده وحطم طموحاتهم القديمة، ولان ذاكرة الرؤساء الغربيين ربما تتوقف على تاريخ الغرب المنتشي بالانتصار ودون ذلك مصيره النسيان، وربما تولي بعض المنتخبين لرئاسة الدول في الغرب بشكل ديمقراطي يضعف ذاكرة انظمتهم كما يثقل من رد فعلهم ضد الدكتاتوريات المتوحشة ويجعل قدرتهم على اتخاذ القرارات الاستراتيجية  لاتمر بسلسلة بسبب الممارسات البيروقراطية السيئة،ثم إن حبهم ان يستميلوا المنتخبين والخوف من الاعلام والسنة بعض الصحفيين يضعف موقفهم وجراتهم على عكس سلطة الديكتاتور، وتاريخيا قد استوعب هتلر  تلك التجربة في حربه فقام بتعيين رجل مسرحي ليكون قائد الته الاعلامية والدعائية ويقطع السنة بقية الصحف غير الحكومية، واستعوب بوتين نفس الدرس ليقوم باستصدار قرار يكمم الافواه الروسية، ويحاسب كل صحفي على كل كلمة بعيد غزوه لأوكرانيا..، ويا ويل من احتج أو نطق بخلاف الخطاب الرسمي.

 إننا اليوم وفي سنة 2022 نستعيد مرة أخرى  تجربة نيفيل تشامبرلين الذي حاول استمالة هتلر واسترضائه ليحصل على اصوات المنتخبين البريطانيين في اجتماعات ماراتونية ليحسم هتلر تلك المفاوضات ويضرب كل ما تم مناقشته بعرض الحائط، ليقوم بتنزيل مخططه الدموي، وكذلك اليوم  حاول ماكرون استرضاء بوتين، ليحفظ ماء وجه اوربا، وذلك قبيل الحرب الاوكرانية نيابة عن اوربا، لينفذ الروس خطتهم دون الاهتمام بقرارات وعقوبات اوربا والعالم.. والكل يشاهد ويكتفي بالتنديد، فما أشبه اليوم بالبارحة !

إن شعب أوكرانيا اليوم يضع الغرب عموما  في مأزق سيء، ويضع حلف الناتو على وجه الخصوص في مساحة ضيقة وفي قفص اتهام مثقل بالعتاب حد الاشمئزاز، ويسائل قراراته وبياناته ومواقفه ويحاسب الديمقراطيات المجاورة لدولة اوكرانيا التي تحطم تبجحها  بالحلف والمصير المشترك في أول انفجار لصاروخ روسي داخل الحدود الاوكرانية ومقتل أول ضحية، ولم يعد موقف المساندة وبيانات التفهم والشجب  والدفاع عن الحكومة الشرعية وسلامة أراضي دولة مستقلة وذات سيادة حديثا مقبولا، وللأسف فقد أمست تلك الدول تبدي فقط استعدادها للدفاع عن حكومة كييف المنتخبة والموالية للغرب، وتكتفي   ببلاغات لغوية سواء في الجمعية العامة او مجلس الامن او أثناء اللقاءات الصحفية...حتى أنهم لم يتفقوا على كيفية دعم الدفاعات الاوكرانية التي انهارت أو تكاد الا بغض النظر عن الاف المتطوعين الاوربيين المسافرين من كل المدن للمشاركة في صفوف المقاومة الشعبية، فالروس التقموا تقريبا نصف دولة اوكرانيا وهجروا ازيد من مليون ونصف في الاسابيع الاولى من الغزو ودمروا البنية الاساسية للبلاد وحطموا اقتصاد البلاد كما كسروا قلوب نسائه..والسيد بوتين "الهادئء جدا" يتوعدهم بالمزيد.


اوربا  التي ورثت تاريخ اليونانيين والرومان يبدو انها منذ انهيار اثينا وصعود الدولة الرومانية فضلت قراءة التاريخ بعيون مغمضة بدل تفحصه بعيون ناقدة واستيعاب درس الحربين العالمتين على الاقل، وربما فضل العقل السياسي الاوربي اليوم التورط في حلبة مصارعة رومانية امتاعا لجمهور متعطش للدم وغوغاء السياسة الذين لهم اشتياق للملاحم الأسطورية، فأغلقوا للأبد ساحة الاغورا وفلسفتها، وربما يقضون على تراث العقل التنويري الذي اجتهد في القضاء على الغلبة بالدم وحد المقصلة وأسس للحجة و دافع عن الأنسنة والعمل السياسي  اللاعنفي وفق مفاهيم تظهر مدى تحضر الجنس الانساني وتقدمه..وربما تكون هذه التحولات الجيوسياسية هي مرحلة مشوهة للعودة بالانسان لما قبل التنوير.

الاثنين، 21 فبراير 2022

الإبداع والتفكير النقدي في المدن الهامشية. ..الحركة الفكرية بأكادير


الإبداع والتفكير النقدي في المدن الهامشية. ..الحركة الفكرية بأكادير

بقلم: د. يوسف محمد بناصر* باحث وكاتب مغربي


 ربما يكون العنوان عتبة أو مقدمة لدراسة اجتماعية وثقافية لما تفرزه الحركة الثقافية ببعض المدن المغربية غير المركزية أو التي تسعى الثقافة الرسمية أو بالأحرى المؤسسات الثقافية الرسمية لتسويقها بكونها مجرد هامش مظلم ومسيج بالجهالة، وعلى أن المدن المركزية والقريبة من القرار السياسي أيقونات الإبداع والثقافة ومنها تشرق شمس المعرفة والمبدعين. إن مدينة أكادير عاصمة سوس العالمة عبر مراحل تاريخية كانت مصدر مزاحمة ثقافية ومنافسة قوية لمدن شامخة كفاس ومراكش والرباط..، لما تقدمه هذه المدينة من عناوين وما تثيره من أسئلة وما تولده من قامات ومبدعين، ولكنها للأسف عاشت نوعا من الحصار الثقافي والتهميش الممنهج؛ الذي قدمها لأهلها وللغرباء على أنها مدينة السياحة وشجرة الأركان والشمس الدافئة..، وقد انطبق هذا الوصف عليها مكرهة، وصدق الكثير من أبناء المدينة وغيرهم هذا النعت والتمييز غير العادل، ومؤخرا بدأت المدينة تنتفض وتعيد الحياة لنبع المعرفة الذي كاد ينضب فيها وتنمو الانشطة الثقافية في فضاءاتها، كأنها طائر فنيق أصيل لا يرضى أن يموت في أرض الغرباء ، وبه كبرياء يمنعه من أن يعيد الحياة لنفسه ويغير من طبعه، ولا يقبل على نفسه الأوصاف التي لا تليق بتاريخه الأسطوري. لقد بدأ جيل من الشباب من أهل المدينة يقدم للمكتبة الوطنية والدولية عناوين مهمة من كتب نقدية وفلسفية وروايات وأوراق علمية جادة ومميزة.

وبرزت أسماء وصالونات ثقافية هنا وهنالك بالمدينة، وأضحت الروح الثقافية لأكادير المدينة تقف بنخوة ولو ببعض استحياء، كأنها تقول بأنها لاتزال الولود العنيد المعطاءة. وبهذه المناسبة وفي هذا السياق أصدر الاستاذ محمد همام كتابه المعنون :”أبو حيان التوحيدي المثقف العضوي في الثقافة العربية القديمة دراسة في السياق والخطاب” وهو كتاب كما وصفه بنفسه في تدوينة خاصة قائلا عنه: “الأقرب إلى وجداني وإلى شخصيتي، والأكثر تعبيرا عن أسلوبي في الكتابة” وهو مؤلف يقع في ازيد من 500 صفحة وهو مؤلف مهم ومميز، أما الكتاب الثاني فهو للأستاذ عبد السلام أقلمون بعنوان:” الدين والسياسة من السائلية الى المسؤولية، نقد الأطروحة الائتمانية لطه عبد الرحمن” وقد طبع بمكتبة قرطبة أكادير، أما الأستاذ عبد الله هداري فقد قدم للمكتبة العربية كتابه المعنون:” علم دلالة القران البنية المعرفية لنظام المفاهيم” عن الدار المتوسطية للنشر بتونس، وقدم الاستاذ عبد الله إدالكوس كتابه :”مدخل إلى الأنسنة الإسلامية” طبع ونشر بإفريقيا الشرق، كما أصدر الأستاذ مصطفى أيت خرواش كتابه “نظرية العلمانية عند عزمي بشارة..نقد السرديات الكبرى للعمنة والعلمانيات”، أما الأستاذ أحمد بوزيد فقد عنون مؤلفه:”بريد مريريدا” منشورات منظمة تاماينوت، كما أصدر الاستاذ سعيد جليل كتابه الذي عنونه بـ:”دراسات في التراث الشعري والغنائي الأمازيغي“، وقدمه الأستاذ إبراهيم أمهال، ونشر الكتاب بدعم من منتدى الأدب لمبدعي الجنوب فرع آيت ملول، أما الأستاذ مبارك أباعزي، الذي سبق له الفوز بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب في دورتها الحادية عشر عن روايته “أوتار العشق“، فأصدر مؤلفه الجديد الذي عنونه بـ: “أركيولوجيا الأدب الأمازيغي” عن أفريقيا الشرق، واختار الأستاذ محسن وكيلي لروايته عنوان: “أسير البرتغاليين، حكاية الناجي” وهي بالمناسبة مرشحة للقائمة الطويلة للبوكر العربية 2022م، وهي طبع ونشر دار ميم، وصدر للأستاذ الحبيب الواعي مؤلف بعنوان “أمريكا-أمريكا” أنطولوجيا شعرية جيل البِيْت”، عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة ، ولا ننسى أن نشير إلى ما ينشره أساتذة الجامعات وفقهاء المدارس الفقهية من مؤلفات ودراسات..، وكل ذلك بمبادرة منهم وبمجهوداتهم الذاتية مع ما يعرفه مجال النشر والطبع من تحديات واكراهات، والقائمة طويلة والابداع متواصل.

ومن الملاحظ أن أغلب الاصدارات التي أتابعها أو أطلع عليها صدرت بعواصم عربية مما يثير أسئلة مقلقة عن علاقة المثقف المغربي بدور النشر الوطنية ، والملاحظة الثانية قدرة بعض الابداعات على اقتحام مسابقات دولية ومنافسة ابداعات عربية، أما ما يقلقني أكثر فهو عدم منح هذه الأعمال وأسماء المبدعين فرصة في الفضاء الثقافي الرسمي للتعريف بمؤلفاتهم وعدم معرفة “عوام “القراء من أهل المدينة على وجه الخصوص بأبرز هذه الأسماء وعناوين مؤلفاتهم ..، وأعتذر للأصدقاء وللباحثين الاخرين، إن ضيقت قائمة الاصدارات فيما ذكر، فما القصد من ذلك إلا التنبيه على ما تعرفه المدينة من نشاط وإشعاع في مختلف المباحث والمجالات العلمية، والا فإن الابداع والعطاء لايزال مستمرا والمدينة يلزمها أن تفخر بكل هؤلاء لانهم منارات سامقة يشعون بضيائهم، ويحفرون في الذاكرة ويبصمون كما سبق وأن بصم العلامة محمد المختار السوسي وغيره ممن تقدمه، وأظن أن المؤسسات الرسمية والفاعل السياسي والمدبر للشأن الثقافي والأوصياء عليه؛ عليهم إعادة الاعتبار لأكادير وتقوية ودعم الفاعليين في المجال الابداعي والثقافي، وربما التفكير في اطلاق مبادرة يجتمع في ظلالها أهل الثقافة والابداع بأكادير ونواحيها..، ولا ننسى أن نشير إلى مجهودات المراكز البحثية التي تشتغل في صمت وأناة وعلى سيبل المثال “مركز أفكار للدراسات والأبحاث” الذي أصدر ثلاث مؤلفات بحثية جماعية (كتاب: المسألة الدينية ومسارات التحول السياسية والاجتماعية في البلدان المغاربية/ وكتاب: الأوبئة في الأزمنة المعاصرة: رؤى فلسفية ودينية/ وكتاب: مستقبل الدولة الوطنية في بلدان المغرب الكبير)، ومركز [مجد] جزولة للدراسات”.. وغيرها، لعله بتلك المجهودات وذلك التدافع الثقافي والنقدي نؤسس لمسار تنويري جديد يعلي من العقل وعطاءاته ويقدم المدينة للعالم بمظهر مختلف.

إن تجربة الابداع والكتابة والتفكير النقدي الذي يميز أبناء هذه المدينة، ولو كانوا من مختلف المشارب الفكرية والسياسية، ترتقي لأن تؤسس لـ”مدرسة نقدية” خالصة تميز أهلها عن غيرهم من مبدعي مدن المغرب كأصيلة مراكش..، وان كنت أجازف بقول ذلك، ولكن هذه التجربة الإبداعية تستحق العناية الكاملة؛ لأنها ولدت من رحم معاناة أبنائها ولهم تجارب مختلفة..، ولو لم تتضح بعض ملامحها أو تجتمع كل تفاصيلها..ولكن الأمل معقود ومعالم ظهورها في تبلور.

وختاما، نعلن أن ما أثار فينا حماسة تدوين هذه الكلمات على عجل؛ هو ما سطره كل من الأستاذ همام والأستاذ أقلمون في عنوان ومتن أطروحتهما التي سبق الإشارة إليها سابقا، وهذا شيء نابع من إهتمام شخصي وفكري بموضوعهما أولا، ثم لكونهما يتقاطعان في نسق نقدي مهم ودقيق لا يتجرأ عليه الكثير من المبدعين، خصوصا كون إصدارهما الأخير لامس أهم شخصيتين مبدعتين في التاريخ العربي والمغاربي القديم والحديث وهما أبو حيان التوحيدي وطه عبد الرحمن.

وأحب أن أبارك للفضلاء من الأصدقاء والأساتذة اصداراتهم، وأحيي كل من ينحت جداريات رائعة بالكلمات والحروف في سياق ثقافي متدهور تعلوه عواصف التفاهة ورذيلة ازدراء الثقافة وأهلها.

رابط المقالة كاملة:

https://afkaar.center/2022/02/18/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%b9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%af%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%a7/

الجمعة، 17 أبريل 2020

تحالف آفاق الوحدة والرقي للمنافسات العربية للفوز بمقعد في برلمان شعيب

تحية للأصدقاء والزملاء الأفاضل والفاضلات 
صوتوا وشاركوا الإعلان 



سعينا أنا وبعض زملائي من دول شقيقة مغاربية وشرق أوسطية إلى تأسيس تحالف لتوحيد جهودنا من أجل الدخول في منافسة ولوج برلمان شعيب ( وهو :برلمان شبابي عربي، عبارة عن برنامج تدريب سياسي وثقافي والذي سينظم بتركيا صيف 2020م ،بدعم من قناة الجزيرة وتنشيط الاعلامي الكويتي شعيب راشد؛ صاحب فكرة البرنامج). أرجو التصويت لهذه اللائحة باختيار اسمائهم من خلال رابط برلمان شعيب مباشرة من خلال أيقونة اضافة المرشحين، وسأضع في الاسفل رابط اسماهم التي ستظهر لكم في موقع برلمان شعيب.

رابط التصويت المباشر:


لائحة التحالف للمرشحين في برلمان شعيب تتكون من الاسماء التالية بحسب الدوائر:



الدائرة المغاربية:

الاستاذ : يوسف بناصر _دكتوراه أديان_ موظف وكاتب _ المغرب
رابط:


الاستاذ:سعيد بن خشيبة،ماجستير إدارة الموارد البشرية،يعمل في مجال السياحة، الجزائر

رابط:
الاستاذة: نورس أولاد بوزيد_ماجستير الهندسة الميكانيكية، ناشطة سياسية _ تونس
رابط:
الاستاذ: الحسن أسلم عبد الودود _دكتوراه في اللغة والاداب ، ناشط مدني_موريطانيا
رابط :


دائرة الشام والعراق:

بيان عيتاني_ماجستير علم اجتماع_ موظفة وكاتبة _ لبنان
رابط:
رابط فيديو يشرح كيفية التصويت:



أرجو تتبع مراحل التصويت في الفيديو على صفحتي لكي يكون التصويت صحيحا
وشكرا لكم مسبقا

طريقة التصويت شرح في الفيديو:


رابط التصويت:


رابط صفحتنا على الفايسبوك:

الأحد، 12 أبريل 2020

برلمان شعيب ماهو ؟ وماهي طريقة التصويت؟ يوسف بناصر المغرب



#صوت_لي_ورشحني_للمشاركة في المنافسة العربية لبرلمان الشباب:



(برلمان شعيب) هو برنامج تدريبي في القضايا السياسية وورشة لمعرفة كيفية اشتغال المؤسسة التشريعية ( يشرف عليه المنشط الاعلامي شعيب راشد الكويتي وقناة الجزيرة)، ويشارك في البرنامج شباب من كافة الدول العربية أرجو أصدقائي ترشيحي ودعمي
شكرا لكم على المسنادة
يوسف بناصر

أكادير_ المغرب


طريقة التصويت شرح في الفيديو:


رابط التصويت:




رابط البرنامج الانتخابي  الذي أقترحه بخصوص بهذه المنافسة :


إن ظهرت لكم هذه الصورة في المرحلة الاخيرة من التصويت فقد قمت به بطريقة صحيحة:


الأحد، 22 مارس 2020

كورونا..والمظلة الأخلاقية من أجل الابقاء على إنسانيتنا

#تأملات_العقل_المدثر 05

في فترة الكوارث تتماسك العلاقات الاجتماعية وتظهر مؤشرات التضامن، وقد أظهرت الجائحة التي تضرب العالم ( فيروس كورونا) أن القيم التي لزمت صيرورة الحركة التحديثية والقيم الصناعية والفردانية التي افرزتها الفلسفة الليبرالية...، انكمشت بشكل جعل الانسانية تنتبه في لحظة تحول مأساوي إلى مقصد من مقاصد وجودها الاخلاقي، فما نلاحظه من مساهمات مالية وكفالة للأسرة المعوزة واليتامى والارامل ودعم لكل من فقد عمله أو عطل عن لقمة عيشه، وتشوف الغرباء كما الاسر لشفاء الشيوخ والاجداد ممن وقع فيهم بين انياب الفيروس في الغرب أو في الشرق يعطينا الامل ويحفز نقدنا لذواتنا لنعيد قراءة أوضاعنا في ظل الازمة العالمية، وفق تصور أخلاقي يسمو فوق الحاجات المادية ونوازع الربح وأوهام الملكية والاستغلال الفاحش دون مرجعية أخلاقية.

فالفيروس لم يفرق بين أصفر ولا اسود ولا أبيض ولا بين صغير ولا كبير.، بالرغم أن تصريحات لبعض الرؤساء الغربيين وصفوه بالفيروس الصيني أو القادم من الشرق، ولكن الفيروس بحد ذاته لا يقف عن عتبة بيت أي انسان ليسأله عن جنسيته او ديانته او انتمائه الاديولوجي..، الفيروس أخرس الأغنياء والاقوياء والامم العظيمة التي كانت تبدو لنا باقتصادها ونظامها الصحي تعيش الرخاء، ولكن بالرغم من نظرتنا لهم بحكم أننا أمما مغلوبة ونظرتهم الاستيلابية والاستغلالية لمجتمعات الجنوب ، فلا نتشفى في مصابهم ولا من كثرة الجثت التي تحصى لهم وتذاع على شاشات التلفاز ومن طرف ادارات الصحة ، إننا ننظر إليهم بحزن وأعين مذهولة وقلوب داعية بأن تحد الجائحة وتظهر اللقاحات لها، فلا نستثنيهم لديانتهم أو عرقهم أو بعض ماكان بيننا وبينهم من خصومة تاريخية، فقط الجفاة والأجلاف من الساسة من يستغل الوضع لعقد الصفقات وضرب الخصوم تحت الحزام ، ومثاله ما وقع في ايطاليا بين رؤساء البلديات ، وبين بعض النواب البرلمانيين في البلدان الاخرى من جدال ورمي بالسب واتهام بالتقصير... من أجل بعض الاصوات الانتخابية.

اليوم أيها الفضلاء ،أخلاقـــنا يتم ترشيحها قيمة بقيمة وخلقا بخلق وفضيلة بفضيلة وعاطفة بعاطفة..، ولا يمكن أن نكون على غير طبيعتنا الآدمية التي كادت تصاب بالجفاف بسبب كثرة ما عرض عليها من آفات المجتمعات الصناعية وآليات المختبرات الاستهلاكية التي سعت بجهد جهيد لافراغ هذا الانسان من انسانيته وأبعاده الانطولوجية وربطه بالمادة بعد تشييئه، ومنع أي ارتواء له أو التجاء لماوراء الميتافيزيقيا، وربما توقف الصلوات في الكنائس والبيع والمساجد وفي أقدس الأماكن ( بيت لحم والكعبة والمسجد الاقصى والمدينة المنورة والفاتيكان..) واللجوء للصلاة في البيوت وعلى الاسطح والابداع في طرق الادعية الجماعية ، بوضعها في النت أو ارسالها في رسائل لمواقع التواصل الاجتماعي، كل هذا الحراك الروحاني في فضاء صناعي الكتروني لم يستطع اشباعنا لانه يبقى باردا لغياب الروح الجماعية وتلك الراحة النفسية التي تمنحها الأماكن المقدسة لذاتها.

إن ضياع صلواتنا الجماعية هو مأزق يقطع وجداننا ويحرق قلوبنا ويحرك مرة أخرى أسئلة ظننا أننا لا نأبه بها مثل ماحاجتنا لله ؟ وللصلاة ؟ وللايمان؟ وللحياة الروحية؟ ماحاجتنا للقيم الأخلاقية ؟

إن هذه الأزمة ستعيد صياغة إيماننا وتقوي اقبالنا على العرفانيات والروحانيات والالهيات ويحدد من جديد وجهتنا ويقوي مرجعيتنا ويصفي طبيعتنا الانسانية من جديد.
لطف الله بنا وبكم وحفظ الله البلد والعباد
توقيعي
يوسف

الجمعة، 20 مارس 2020

فيروس كورونا..يعيد الهيبة للأنظمة ولوحش الدولة

#تأملات_العقل_المدثر04: 

سبق وتحدثنا في تدوينة سابقة عن أهمية الدولة كمرتكز يتأسس عليه العقد الاجتماعي، ونظرنا إليه من زاوية أخرى أنها وحش أبدعه البشر للسيطرة على البشر بما منح للدولة من آليات قمعية وسيطرة وهيمنة على على مختلف تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية والقانونية..، إنها نوع من الليفياثان بتعبير الفيلسوف هوبز، فكيف ياترى يمكن أن يتقبل المواطنون في الدول العريقة في الديمقراطية عودة كاسحة لدور الدولة لحياتهم الشخصية؟

اسرائيل مثلا امرت بالتتبع الالكتروني لمواطنيها لمعرفة المصابين بفيروس كورونا
الصين تمكنت من الحد من الفيروس عن طريق التتبع الالكتروني لكل مواطن وتم زرع اكثر من 300 مليون كاميرا في الشوارع بالاضافة الى عيون الالاف من رجال الامن والجيش..التي تراقب كل حركة، كما لاحظنا عسكرة المجال العام بشكل رهيب في بعض الدول والمدن ، نلاحظ  مثلا المانيا وايطاليا واسبانيا والاردن وفرنسا ..واخرى قادمة.

ايطاليا منعت كل حركات المواطنين خصوصا في المدن التي اكتسحها الفيروس واصبح العجزة والموتى في رحمة يد الجيش الذي يحملهم بشاحناته للدفن او للمستشفى والدولة من يختار من يمرض اولا ومن يموت ؟؟

بريطانيا صرح رئيس وزرائها ان الموت قادم اليهم وان عليهم ان يودعوا أحباءهم واقرباءهم، وانه سيقوم بمحاصرة العجزة ومن لا تسمح صحته بالموت في بيته او في اقامات صحية وحجر حتى تمر الازمة والبقية يعرضون للعدوى باسم نظرية "مناعة القطيع"، والسؤال هو كيف ستقامر الدولة البريطانية بارواح ازيد من مليون شخص ليموتوا مقابل الابقاء على البقية جراء هذه النظرية، وكيف سيتم ترتيبهم في اللائحة؟ 

الرئيس الامريكي باسم الدولة الامريكية طلب من شركات خاصة المانية ان تسلمه اللقاح مقابل اموال طائلة لتستحوذ الدولة عليه وتتحكم فيمن يلقح من شعبها وتتحكم فيمن يستحق الدواء من شعوب ؟
البنك الدولي رفض منح قروض تتعلق باقتناء الادوية والمعدات الطبية لفنزويلا وايران وغيرها من دول محور الشر بتدخل من دول غربية ضاغطة ..
الجيوش تنزل لشوارع في الدول العربية لتقطع المدن عن بعضها وتفرض طوقا امنيا وكل مواطن يسأل عن ذهابه وإيابه ويجب ان يكون خروجه  برخصة  رسمية، ونسمع نبرة صوت متشنج من أعوان الجيش وتوتر حركتهم وطريقة تفاعلهم مع المواطنين وهي على غير العادة ، ويحكم على الجميع بالبقاء في البيت اجبارا .

رأينا دولا تتبرأ من مواطنيها  ممن علقوا على حدودها او حدود دول اخرى وتتركهم لمصيرهم المجهول باسم  حماية بقية الشعب .
اتحادات كنا نظن حقيقة انها متحدة وقوية  وتتسم بالوحدة القانونية والمصلحة الاقتصادية والامنية ووحدة المصير في السراء والضراء تغلق حدودها بجرة قرار من حكومة دول منتمية لها،  بدل ان يكون قرارا صيغ بتوافق ، مثال الاتحاد الاوربي وهو ما وقع بين فرنسا والمانيا والنماس وايطاليا ..وكل [ يلغي بلغاه بالمغربية].
دولة تستحوذ على الاحتياط المالي من أجل البحث العلمي والمخبري عن لقاح ، وارصدة خيالية ماكانت تتجرأ على التفكير في اقتراح التصرف فيها قبلا لصعوبة الاقتراب منها لانها خزائن مالية  للطوارئ  منها على وجه الخصوص الحرب، و اليوم تضع حكومة  الدول عليها يدها بجرة قلم باسم الهجوم على كورنا مثلا المانيا بريطانيا امريكا  وبعض البلدان العربية..ودون رقيب أو حسيب!
دول ديمقراطية عريقة جدا لم تعلن حالة الطورائ منذ الحرب العالمية الثانية اعلنت حالة الطوارئ كانها في حرب لتخضع البلاد والعباد لسيطرة فئة صغيرة تتجاوز الاجراءات والتدابير الروتينية  ومجالس ومؤسسات  التشريع في اتخاذ القرارات لتكون السيادة والهيمنة فيها  لوزارات محدودة كالدفاع والجيش والداخلية والصحة ..؟

اليوم تتساوى الانظمة الشمولية والديمقراطية  في فهي أنظمة كعملة بوجهين، وفيروس كورونا وضعها كلها في كفة واحدة ، وربما رفعنا غمتنا وعمي بصيرتنا عن حقائق جديدة واكتشفنا زيف بعض المقولات المتعلقة بالانظمة الصحية والممارسة الديمقراطية وجشع الشركات المالية ونفوذ انظمة التأمين وصلابة قرارات الحكومات الديمقراطية التي لا ترحم ضعيفا ولا هرما ولا طفلا ..وزيف المعاملات المالية الخيالية  في البورصة الدولية وزيف الاتحادات الاقتصادية والمالية وهشاشة هذا العالم جميعا .
أيها الفضلاء إن فيروس كورنا يعيد صياغة أنظمة متوحشة باسم الدفاع عن المصلحة الجماعية ، ونحن نضع رقابنا على سكاكينها وحياتنا أمانة بين أيديهم خوفا من أن نصاب بأذى الفيروس،  وننسى أن عودة الانظمة بهذه القوة وتغول الدول واجهزتها وتدخلها في حياتنا الشخصية كان موضوع نضال دموي في تاريخ الانسانية قد كسبناه ، وربما بدرجات متفاوتة، كما كان موضوع نظريات سياسية  مختلفة تصل حد التناقض، وقد كان موضوع بحث  أنطولوجي عن كرامة الانسان مقابل من يرجح هيبة الأنظمة والاجهزة القمعية على ذلك، فلنتأمل قليلا في وضع العالم اليوم ، لنرى هرولة الشعوب لأحضان الوحش الاسطوي"الدولة" باستسلام وخضوع وببراءة طفولية ، ودون شروط  مقابل النجاة من عدو غير مرئي فيروس كورونا. سؤالي كيف ستكون العلاقة بينننا وبين دولنا وحكوماتنا بعد خصام  تاريخي وألفة طارئة وماذا سيتغير فيما بعد؟، وهل ستعود علاقتنا بها كما كانت أم ان فرصة عودتها ستعيد صياغة رؤيتنا لها وتعيد تقليص المسافة بيننا وبينها بشكل نهابها هي لذاتها وننسى العقد الاجتماعي الذي يربطنا بها .؟

مجرد أسئلة للتأمل  محدنا جالسين كنتفرجوا من ديورنا ، وهذا لايعني مطلقا ان نوقف عقلنا النقدي ونلغي قدرتنا على تقليب الافكار لرؤيتها من زوايا اخرى ولكم واسع النظر هههه
توقيعي،

يوسف محمد بناصر 
باحث مغربي

الاثنين، 7 أكتوبر 2019

الأنظمة المهيبة..لا تكمم الأفواه ولا تصطاد الصحفيين بقلم: يوسف محمد بناصر

الأنظمة المهيبة..لا تكمم الأفواه ولا تصطاد الصحفيين
بقلم: يوسف محمد بناصر
باحث وكابت مغربي

b.yosuf@gmail.com



إن بناء دولة الحق والقانون لا ينسجم مع تكميم الأفواه وتسليط سيف القضاء على كل متحدث بتلفيق التهم للمخالفين والنقاد والمعارضين؛ والذين يعملون على كشف ملفات الفساد ويتتبعون الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي واختلالاته. لقد عرفت ساحة الصحافة بالمغرب في الآونة الاخيرة معضلة كبيرة، بحيث تم متابعة صحفيين شباب قضائيا وكما تم تغريم آخرين، مما يعد انتكاسة غير مسبوقة في هذا المجال، وخصوصا أن المتابعات القضائية، والتي أغلبها كان بتهم أقل ما يمكن القول عنها أنها ملفقة، كتهم بفساد أخلاقي أو قضايا تتعلق بالجنس والمتاجرة بالبشر أو كشف معلومات سرية تتعلق بتقارير حول فساد بعض المسؤولين. إن الدولة التي لا ترتكز على صحافة حرة تبقى دولة تنحو منحى الشمولية وتخفي تضعضعها ومدى الوهن الذي أمسى يستشري في مؤسساتها، والهواجس السيئة التي تطارد بعض المسؤولين الذين يتخفون وراء سلطهم المختلفة، فيستعين هؤلاء بمهامهم أو مسؤولياتهم للانتقام من أي متفوه بكلمة بحقهم.

إن مسؤولية الدولة والأنظمة في حفظ النظام وتقوية آليات الممارسة الديمقراطية لا يتم من مدخل قمع الحريات، خصوصا ما تعلق بحرية التعبير عن الرأي، والدولة التي تتصالح مع ماضيها الذي شهد انتهاكات لحقوق الإنسان، وسبق وإن اعترفت بأخطائها ومسؤوليتها حول هذه التجاوزات، لابد أن يعيد كل من تموقع في موقع مسؤولية التفكير في ممارساته السلطوية ويكبح بقوة القانون جماح قوته اللاأخلاقية وقراراته اللامسؤولة التي منبعها الانتقام والتكميم والتلفيق والمصادرة..، وينتبه للتجاوزات والخروقات التي تستمد قوتها من الشطط في استعمال المنصب والمسؤولية دون غيره.


محاكمة الصحفيين والتضييق على القلم الحر والجسم الصحفي يعد انتكاسة قانونية وحقوقية وديمقراطية خطيرة في بلدنا، وبعد متابعة لكل من الصحفي المهداوي وبوعشرين وأحداد وزاكي ولشكر وسخير
إن عالمنا العربي يعيش منذ فترة مخاضا عسيرا في كل ما يتعلق بحرية التعبير والصحافة، وقد سبق أن استبشرنا خيرا بالربيع الديمقراطي الذي واكبنا اخباره وتطوراته في كل مجال بشيء من الأمل والتفاؤل، إلا أننا اليوم، وبعد المتغيرات المتلاحقة في كل بلدان الربيع نشهد كثيرا من التجاوزات والاخفاقات والنكبات، بحيث أضحى المواطن في هذه الدول متشائما بما تجود به آفاق الحرية، ومتشككا من أي مشروع يتبنى التغيير أو يدعو اليه، ومؤشرات الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة، وهي القوة الديمقراطية الصاعدة بين هذه الدول التي تعرف تحولا جنينيا، تؤكد هذه المؤشرات أن المواطن اكتفى من الخطابات السياسية الغوغائية ومن المؤسسات الرسمية السياسية التي كان لها تراكم تاريخي في النضال، وهي تتطلع بشيء من الأمل الى طبقة من المثقفين المحايدين الذين ابتعدوا عن أي ممارسة سلطوية أو مسؤوليات حزبية أو سياسية رسمية، مما يعني أن المؤسسات عندما تمارس الالهاء والتزييف والتضييق لا تواجه من الشعب إلا بالكراهية والمعارضة والتصويت الانتقامي، ولا يمكن إلا أن نستشعر نفس الامتعاض والسخط في تصريحات وممارسات بقية الشعوب العربية والأقليات من المحيط إلى المحيط بسبب سوء التدبير السياسي وفداحة الأخطاء التنموية وسقوط الخطابات السياسية في الفراغ واللامعنى.

والمغرب جزء من هذا الامتداد التاريخي والعمق الاستراتيجي والجيوسياسي لبقية هذه الأطراف والبلدان، ويسود شعور بالسخط العام فئات عريضة من الشباب المغربي، فهم لا يتطلعون لأي انفراج في أفق الإصلاح السياسي أو الاقتصادي، وللأسف أصبح غالبية المثقفين يائسين من الوضع العام ولا يتطلعون لحدوث تغيير كبير، وأمسى الجميع يسخرون من مصطلحات مكررة في خطابات الساسة من مثل الانتقال الديمقراطي، والمجتمع الحداثي، والعهد الجديد، وحتى النموذج التنموي الذي تبناه المغرب أمسى في خبر كان باعتراف المؤسسات الرسمية نفسها، وهذه الاختلالات والقضايا تنشرها الصحافة المغربية الحرة، وتعالجها يوميا وتتابعها أقلامهم الحرة باهتمام، مما يحرج بعض الفاعلين السياسين.

إن محاكمة الصحفيين والتضييق على القلم الحر والجسم الصحفي يعد انتكاسة قانونية وحقوقية وديمقراطية خطيرة في بلدنا، وبعد متابعة لكل من الصحفي المهداوي وبوعشرين وأحداد وزاكي ولشكر وسخير..، اليوم تأتي قضية الصحفية هاجر الريسوني التي تم الحكم عليها بالسجن سنة في يومه: 30 شتنبر 2019م بتهمة "الاجهاض غير القانوني"، لتزيد هذه القضية تعقيدا، وتظهر منحى المتابعات الكوميدية الذي تنتهجه بعض الجهات، لكون الملف منذ انفجاره شهد خروقات تؤشر على أن القضية ملفقة، وأن تكميم الأفواه لا يكون إلا بربط الصحافة بالفساد الأخلاقي وبتشويه الجسم الصحفي بشتى السبل، حتى لو تعلق الأمر بتبخيس دورهم في الكشف عن اختلالات بعض المسؤولين وتجاوزاتهم. إن ترهيب الأقلام الحرة، والتضييق على الصحافة وتسييج حركات الباحثين عن الحقيقة بحدود نارية حارقة، القصد منه تغذية الفزع لديهم، ودفعهم لإعتزال المناطق الخطيرة المرتبطة بالتحقيقات والأسرار والحقائق التي تهم الرأي العام، للإبقاء على الأمية والجهل وليسهل التلاعب بعقل البسطاء.

إننا نرنو لبناء مجتمع ديمقراطي وعتبته الأولى لن تكون إلا بالإبداع وحرية الرأي، وأي مشروع سياسي أو نظام لا يقدر هذه الحقيقة ولا يسعى لتكريسها فإن ادعاءه العمل على الدفع بالانتقال الديمقراطي في نسقه وبين أفراد شعبه، سيعد تزييفا للوعي وتلاعبا بآمال عموم المتطلعين للحرية والانعتاق من أبناء الشعب. وإخفاق الأنظمة في تحقيق التطلعات الطبيعية للناس من تحقيق للكرامة والحرية والعدالة وإطلاق لحرية الفكر والرأي لن يعني إلا الدخول في مرحلة من مراحل الهشاشة السياسية، فالأنظمة المهيبة لا تخشى الحرية ولا تصطاد أبناءها بطرق مشبوهة، ولا تغطسهم في البرك الضحلة المتسخة لتشويههم أو تقطع أوصالهم في لحظة غفلة منهم وخصومة معهم، فهذه الممارسات تكون مَدعاة لها لفقدان التوازن ويورطها في سلسلة من الاضطرابات التي قد تعصف باستقرارها السياسي والاجتماعي، ومَدعاة لفقدان مؤسساتها لهيبتها وثقة المواطنين فيها. وحينما يتراكم الوعي الجمعي سينمو التساؤل الشعبي حول مشروعية الارتباط بمشروعات سياسية غير منتجة، تتسم بكثير من الارتباك وترفض أي انخراط في المفاهيم المعاصرة، وهي لا تبدي استعدادا لتطوير آليات اشتغالها، وتمعن في التراجع عن مكتسبات حقوقية وشعبية سابقة.